الرئيسية » المقالات » حوار فكري ماتع بين الشيخ بدر العامر (د.استفهام) وليبرالي .

حوار فكري ماتع بين الشيخ بدر العامر (د.استفهام) وليبرالي .

مرحبا بك في شبكة فرسان المغرب الإسلامي

حوار فكري ماتع بين الشيخ بدر العامر (د.استفهام) وليبرالي .

د.استفهام

ما أعجب هذا المنتدى !!

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

الشبكة السعودية الليبرالية ..
هذا هو المسمى لهذا المنتدى الذي اجتمع فيه خلق كثير ، يختلفون ويتباينون كاختلاف ألوان البشر وطبائعهم ، ولكنهم في الغالب يتفقون على الموقف من ” التيار الديني في السعودية ” ، وهناك من تجاوز ” التيار الديني ” ليتدخل مباشرة إلى ” الإسلام ” نفسه وأنه هو المشكلة ، ومحصلة هؤلاء : أن القضية ليست في التيار فقط ، بل في المكون الفكري للتيار ، وهنا يجتمع في هذا كل التيارات بداية من ” القاعدة ” ونهاية بـ ” الإخوان ” الذين يملكون رؤى لا تختلف في أحيان كثيرة عن رأي أي رجل يدعي الليبرالية ..

كنت أقول للإخوة من ” التنويريين ” أن هناك مشكلة في ” الترحل ” الفكري ، الذي يبدأ بالمنطلق ” العقلي ” ، وينتهي بـ ” المصب العلماني ” ، لأني وبصراحة أقولها : يخادعنا بشكل كبير من يدعي أن هناك إمكانية الموائمة بين الفكر الغربي وبين الإسلام في جوانبه التأسيسية الفكرية ، ولابد أن يجد نفسه في يوم من الأيام في مواجهة سافرة ليست مع ” الهيئات ” ، ولا مع ” الجامعات الإسلامية ” ، ولا مع ” الدعاة ” ، بل مع ( نص القرآن والسنة ) ، وهذا ما دفع الكثير من الشباب إلى ” خلع الإسلام ” كله والدخول في فضاءات فلسفية هي كبحر لجي لا أول له ولا آخر ، ولا ساحل له ينجيه من أمواجه العاتية .

لقد تقمص الكثير من هؤلاء دور ” لوثر ” ، وتلفع إهابه ، دون أن يدرك الظروف الموضوعية والحقيقية التي دفعت لوثر ليقوم بالعملية الإصلاحية في البرووتستنانتيه ، لأن الجميع متفوفقون على أن هناك مشكلة في البروستانتيه نفسها ، وليس فقط في شرحها ، أو فهمها ، أو في طريقة التعاطي معها ، وهذه اللحظة اللوثرية هي التي جعلت من يريد تقمص الأدوار أن يتوجه إلى ” النص ” الشرعي مباشرة حتى يصل إلى ” النهضة ” في نهاية المطاف ، ولكنه غفل عن ” الفرق ” الكبير بين ( الإسلام ) و ( النصرانية ) ، إذ النصرانية دين هش وأبوابه من زجاج محطم .. عملت فيه معاول اليهود ، والمحرفين ، والأفاكين ، بينما الإسلام وبإجماع المطلعين حفظ من هذا العبث ، ووصل إلينا صافيا نقيا ، وإن كان الناس انحرفت في التأويل فهذا حق لا مرية فيه ، ولكن الإصلاح لابد أن يتوجه إلى ” المنهج ” لا إلى الأصل .. كماهو في حال الديانة النصرانية .

الغريب في هذا المنتدى أن هناك تباينا في ” الخلفيات ” عند الكثير من الكتاب ، فهم افترقوا في كل شي ثم اجتمعوا على ” الليبرالية ” ، وحين أتوا إلى الليبرالية لم يدركوا ماهي الليبرالية التي ينشدون ، فاختلط في مكان واحد شيعي اثني عشري ، مع سلفي ، مع حداثي ، مع ملحد ، مع علماني ، ولو أثرت هذه الخلافات في المحددات الثقافية لكل شخص لثارت ثائرة معركة خطيرة تقوم على نسف ” الليبرالية ” ، وإحلال المرجعية الثقافية مكانها ، ولذلك لا لوم عليكم أبدا في تغيير كلمة ” ليبرالية ” لعدم صلاحيتها للاستعمال الآدمي في السعودية .

الحقيقة أننا لن نجد مهما فتشنا فكرة متماسكة البنيان ، وشمولية في الرؤية مثل ” الإسلام ” ، ولكن البعض عن قصد وغير قصد أراد أن يقضي على هذه المرجعية بالإشغاب بالجزئي على الكلي ، فهو يعلن أنه مع ” الإسلام ” ، ولكنه في نفس الوقت يرفض تعاليم الإسلام بحجج واهية هي أوهى من بيت العنكبوت ، فهو مع الإسلام ، ولكنه يدعو لأن ينتقل منه متى ما شاء ، ومع الإسلام لكنه يرى أن الحدود الشرعية إهانة للكرامة الآدمية ، ومع الإسلام ولكنه يرى أن نصوصه تمثل إعاقة حضارية وتنموية ، ومع الإسلام ، ولكنه في نفس الوقت يصفه بالــ كهنوتية ” ، ومع الإسلام ، ولكنه يطعن في الصحابة الذين نقلوه ، ومع الإسلام ، ثم هو يمقت تاريخه الحضاري والجهادي والعلمي والفقهي .. ومع الإسلام ولكنه في نفس الوقت يرى ان اللحظة النهضوية للأمة هي في ركوب ” الغرب ” والإقلاع منه إلى المستقبل والقطيعة مع الإسلام وتاريخه .. فهل هو ” نفاق ” مزركش ، وتقية مغلفة بدعوى المرحلية ؟

إذا كنا صادقين في هذه القضية فلنناقش ” الإسلام ” إن كان لنا موقف سلبي منه ، فلا خوف عليه من عاديات الشبهات ، ونترك الكلام الصحفي ونتوجه إلى الكلام العلمي الجاد في كافة المسائل ، دون ان نجعل من الواقع وإشكالياته وظروفه سبيلا للطعن في الإسلام ، فالدين محفوظ بالأذهان والكتب ، وتطبيقه في الواقع يعتمد على حملته والمبشرين به ، فإن نكصوا ، أو قصرا بقي الإسلام هو الإسلام لا تغيره الحوادث ، ولا تقضي عليه الظروف ، أما العبارات الباردة التي يلوكها أهل الصحافة وهي قولهم : لا مشكلة مع الإسلام ، وإنما مع قراءته وتفسيره فهذه يكذبها في أحيان كثيرة طبيعة المسائل التي هي موقف من ” الإسلام ” ذاته وليس في قراءته وفهمه .

هذه أول مشاركة لي في هذا المنتدى ..آمل أن تكون موفقه ، وأن تبين عن رأيي فيه بصراحة كتبتها على عجل !

مهيار 

لست منافحاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة، ولكن كأسلوب معرفي وسلوك اجتماعي، ومنهجية فكرية، ولست بصدد الدفاع عن كل مدع لليبرالية يفهمها على انها نقيض الدين والتدين.. ولكن أثارتني هذه المشاركة لأنها نموذجية تعتمد الاسلوب الفلسفي وإن كانت تنقم عليه. وفيها نقاط جديرة بالحوار إذا كان متسع للحوار عند كاتبها…
بداية يدخل علينا باسم الدكتور استفهام، وصفة دكتور هنا تأتي للتعالي، وتتطلب من الآخرين أن يكونوا تلاميذ أمام محاضرة جامعة مانعة ، والاستفهام يحمل صفة الاستغراب بمعنى هل يعقل أن لا يدرك هؤلاء القوم كنه الليبرالية وعلاقتها بالاسلام…ولعلي أعلق باقتضاب على نقاط العلام في هذا القول الذي أشكر صاحبه (د. ؟) لانه فعلاً يمثل عصارة وزبدة الرؤية التي تختزل الإسلام في فهم معين وقوالب محددة ، مخلصة للكهنوت الإسلامي أكثر من كونها مخلصة للرسالة.
لاشك أن التيارات الإسلامية اليوم تتباين وهي ليست نسيجاً متناغماً، ولكنها في العمق تحمل الفيروس ذاته، الذي يخلص للإسلام على أنه مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية، وكل تجديد يخرج عن الكهنوت يقصى بعيداً حتى إن كان يعيد الصلة بالكتاب الكريم مباشرة دون وسطاء ملزمين. قد يحمل الإخوان بعض الأراء المتفقة مع الليبرالية ولكنهم لا يختلفون عن التيارات السلفية والتقليدية في العمق، كما أنهم يتوسلون السلطة بأشكالها ليفرضوا القيود تحت ذرائع عقدية وأخلاقية.
يا صاحب المعالي أنت ترى مشكلة في الترحل الفكري، ولكن في ظل هذا الترحل نشأ الإسلام وانتشر، فقد جابه الآبائية والتقليد مجابهة مرة حتى عقد له لواء القيادة نحو نظام معرفي جديد، فالمنطق العقلي إذا انتهى بالمصب العلماني، فهذا سيكون دليلا على أن هذا المصب نفسه هدف إسلامي، فالإسلام دعوة عقلية تدعو للتأمل والتفكر والتعقل ويبدو لي انك لا تحتاج إلى أدلة على صواب هذا الأمر فهي أكثر من أن تعدد. وهذه الحتمية التي تنطلق بها من أن السير وراء العقل يفضي إلى المنهج العلماني ليدعو إلى تبني النهج العلماني مباشرة دون المرور في نفق التجربة العقلية. ولعلك لو تبصرت في تاريخ التجربة الفكرية والاجتماعية للإسلام لوجدت أن الموائمة بين الإسلام وما سبقه أو عاصره من أفكار وفلسفات ورؤى كانت لب عملية التجديد، فالتجديد لم يأت على يد المؤسسة الكهنوتية إنما كان يأتي من مواقف فلسفية كانت سندا لإعمال العقل والتفكر في خلق الله والبحث عن الأفضل والأسمى. وكانت المؤسسة الكهنوتية ترضخ أحياناً وتعادي أحياناً ومع مرور الزمن تعتمد الكثير من الآراء التي ناهضتها طويلاً. فالمواجهة لا تكون بالضرورة مع نص القرآن والسنة، إنما مع قراءة محدودة لنص كوني كالقرآن، وقراءات مشوشة لنصوص تتباين في درجة وضوحها ونسبتها وضرورة الالتزام الحرفي بها كالسنة النبوية والحديث.
إن ما يدعو الكثير من الشباب إلى خوض البحر اللجي ليست من قبيل الضياع، أنما من قبيل البحث المطلوب من كل مسلم، فالقرآن حذر من طول الأمد والرسالة لا تزال تتنزل، وناهض الآبائية التي يراد لنا أن نخضع لها ونؤمن بتفسيراتها وكأنهها القدر الذي لافكاك منه للنصوص المقدسة.
وأريد أن أفهم من تقصد بالجميع الذين هم متفقون على أنه هناك مشكلة في البروتستانتية لا في شروحها، وما تدعوه لحظة لوثرية يبدو أنه أمد لوثري قيمته في مناهضته للكهنوت، وهذه القيمة مطلوبة لكل دين ولكل ملة ونحلة ولكل فكر يعقل ولا ينقل فحسب.
من الطبيعي ان ننتصر أنا وانت للإسلام، حتى وإن استخدمنا لذلك منهجا عرفانياً، أما أن نرفض الآخر أو نسفهه برهانياً ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ولا تميز زيدا عن عمرو، فالتسفيه الذي تصبه على النصرانية قد يشمل معظم الحراك التقليدي الإسلامي اليوم،
اجتماع الاتجاهات المتباينة في ظل شعار ليبرالي هو أمر حسن ويفضي بالنتيجة الى الحوار والتقبل بين الاتجاهات العقدية والفكرية، وليست سبة على الليبرالية…والانطلاق من المرجعيات الخاصة مع احترام مرجعيات وخصوصيات الآخر هو النهج الصحيح لأي نهضة، أما الاستبداد التقليدي الذي يلزم الآخرين بمعرفة محددة، فهو الذي لطالما أخرجنا من التاريخ، ولطالما سيدخلنا في دهاليز الهامشية والغوغائية.
واتفق معك على تميز الإسلام، ولكن دون أن أصادر حق أي كائن في مناقشته ومحاورته بالعقل والعلم والروح …. بالعرفان والبرهان وكل الوسائل، تحدوني في ذلك ثقة بأن هذا الدين سيصمد ويبقى مهوى الأفئدة ، والزبد يذهب جفاء، وكل فكرة يخشى عليها من الرياح والأمواج هي نثار جاف وزبد عقيم يذهب غير مأسوف عليه.
إن الاختلاف مع الصحابة في الرؤية لا يعني الطعن فيهم، وزحزحة المعنى الذي أسبغوه على على مختلف شؤون الحياة الدنيا والآخرة لايعني زحزحة الإسلام، إنما هي زحزحة داخل الدائرة، فالاختلاف معهم ليس اختلافاً مع الإسلام، انما اختلافاً في الإسلام، وهذا الاختلاف هو مزية الإسلام وميزته، وميزة أي مبدأ أو عقيدة تتقبل الاختلاف والتنوع. فانت ترفض لفظة الكهنوت، وانت غارق في رؤية كهنوتية يا سيدي.
ثم تعود لتوسل المنهج العلمي، مع أنك تجد أن النزوع العقلي يفضي إلى العلمانية، فما معنى المنهج العلمي الذي تطالب به، وتقول: ( فالدين محفوظ بالأذهان والكتب)… وهذا اعتراف بأن هناك مشكلة في إمكانية تطبيقه، لذلك لابد من الفصل بين الوحي وبين الدين، بين الوحي النازل إلى الأرض، والدين الصاعد إلى السماء. الإيمان يستهدف الوحي، والعقل يستهدف الدين، وإن قصر الدين في نهضة البشر فلابد من تجديده ونفض كل عوالق التقليد والآبائية التي تجعله عسيرا على الناس، فالاخلاص يكون للوحي وليس للدين، فما الدين إلا أسلوب للتواصل مع الوحي وفهمه، لاستنباط المعنى الملائم للإنسان عبر الزمن، لا لاحتكار المعنى ومأسسته ليتحول إلى كهنوت مستبد.
والعبارات الباردة بالنسبة لك يا دكتور، قد تكون أكثر دفئاً من كل ما تدعو إليه…
أشكرك بصدق على الايجاز المدهش ، فمقالتك هذه تصلح نموذجا للفهم الكهنوتي للإسلام بامتياز .

د. استفهام

الأستاذ مهيار ..

بداية ، فأنت تقول : ( لست مدافعاً عن الليبرالية وكأنها عقيدة ) ، ولكن : ( كأسلوب معرفي وسلوك إجتماعي ومنهجية فكرية ) . وفيه هذه الكلمات البسيطة منك تكمن ” المشكلة المعرفية والسلوكية والمنهجية في التفكير ” لقضية الليبرالية ومصطلحها ، فالبعض يرى أنها ( عقيدة ) ، والبعض يرى أنها ( أسلوب معرفي ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك إجتماعي ) ، ومنهم من يرى أنها ( منهجية فكرية ) ، ومنهم من يرى أنها ( حرية وفردانية ) ، ومنهم من يرى أنها ( سلوك اقتصادي رأسمالي ) ، ومنهم ومنهم إلى مالا نهاية من الرؤى التي تعرف لنا في كل ثانية ” الليبرالية ” بشي مختلف ، وتصور خاص .

الحقيقة أن أي شخص يرى في الليبرالية هذه الرؤى مجتمعة سيتوصل مباشرة إلى أنها ( دين وعقيدة ) ، لأن أي دين سواء كان دينا ( بشريا وضعيا) ، أو كان دينا ( سماويا إلهيا ) ، هو في الحقيقة رؤية ، ومنهج ، وسلوك ، وفكر ، وسلوك . وفي النهاية فالليبرالية بهذا المعنى ” مفهوم شمولي ” ، ولذلك لن يفلح من يريد أن يفصل إلى جانب من الجوانب المذكورة آنفا عن أصل الليبرالية وأساسها الفلسفي ، فهو كفصل الرأس عن الجسد … إذ لا يبقى حياة ، وحتى لو إدعى أنه يفصل فهي دعوى موهمة ، ومجازفة معرفية .

إنني أدرك ” الحرج ” الشديد لـ ليبرالي قومنا في المحاولة المستميتة في هذا الفصل بين بعض الجوانب عن الأسس الفلسفية ، لأنهم يدركون انهم يتعاطون في التبشير بالليبرالية مع مجتمع لا يمكن أن يتقبلها كلها ككيان واحد ، فأجريت عليها عملية ” تفتيت ” ، حتى تهضم بسهولة ، ثم تأتي المتتالية المعرفية إلى أن تصل إلى الشمولية الفكرية .. وهذا حتم لازم بمثل موضوع الليبرالية ، ولذلك أدرك البعض خطورة الفكرة ومآلاتها ، والتي ربما تقضي على المشروع الليبرالي برمته ، لأن ” الإسلام ” ليس كــ” النصرانية ” التي تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير ، ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته ، فكل هذه المحاولات منك لتطميننا أنك لا تراها نقيضة للدين والتدين مشكور لك كثيرا ، ويدل على أنك لا زلت تمسك بزمام الإسلام .. ولكني أخالفك في محاولة ” التوفيق ” بينها وبينه .. وبينك وبين ذلك خرط القتاد .

أما قضية مسمى ” دكتور استفهام ” ، فلن أناقشك فيه كثيرا لأني أرى ان هذا لا يرتقي لمقدمتك الفكرية ، ولكني كذلك دخلت به لأنه النك نيم الذي أستخدمه منذ عشر سنين ، فإن كنت تراه تعاليا فلك هذا ، ولكني أرجو أن لا يكون هذا التعالي مؤثرا في فهم كلامي ، أو قبول ما به من صحة وحق !

الملحوظة التي رأيتها في كلامك ، ولعلها سمة بارزة فيه هي ” الحشد ” للمصطلحات التي لم تحدد، فانت ترى أن التيارات الإسلامية تحمل فيروسا ( وهو معنى سلبي بالطبع ) يلخص الإسلام على أنه ( مؤسسة تفسيرية فقهية مطلقة وشمولية ) ، وأنا حقيقة اعدت قراءة الجملة مرات علني أفهم المراد من ” مؤسسة ” فلم أفلح ، وكذلك حين تصف هذه المؤسسة بأنها ” تفسيرية ” ، ثم هي فقهية مطلقة وشمولية ، فإن كنت ترى أن التيارات الإسلامية تدخل فيها المدارس الفقهية التاريخية ، والمناهج الدعوية المعاصرة ، فهذا خلط ، لأن كلامك يصدق على ” المذاهب الفقهية ” التي هي سابقة على التيارات الإسلامية المعاصرة وجودا ، وفي طياتها منهجية متينة في التفريق بين ماهو ” مطلق ” وما هو ” نسبي ” ، وكان إمام الفقه السني الإمام الشافعي يذكر عبارة خلدها التاريخ بقوله : ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وهو يعد من فقهاء المسلمين ، وله اختيارات فقهية كثيرة يقول : ( ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ، لانهم لولم يختلفوا لم يكن رخصة ) ، وغيره من أقوال الأئمة التي تبين سعة الخلاف في الفقه ، فهم لم يدعوا الكهنوتية ، ولم يقل أحد منهم أن كل قول يختاره هو مراد الله ورسوله ، ومع ذلك بينوا موارد القطع واليقين ، وموارد الاجتهاد والنظر النسبي ، ورسموا منهجية عظيمة في آليات القراءة للنص الشرعي ، والتيارات الإسلامية لم تأت بفقه جديد ، بل هي تأخذ من التراث الفقهي الإسلامي بمختلف مدارسه ، ولذلك فالخلاف بين ” التيارات الفكرية الوضعية ” ، وبين ” التيارات الإسلامية ” ليس خلافا فقهيا ، بل هو خلاف أصلي كلي مبدئي ، ولذلك من الخطأ جعل الخلاف بيننا وبين الليبرالية حول مسائل فقهية ، فمع وجود الخلاف الكلي لا قيمة لمناقشة الخلاف الجزئي او الفرعي .

نأتي هنا لقضية أثرتها وهي قضية ” الترحل الفكري ” ، وفرق بين ” الترحل ” ، وبين ” التطور ” ، فالترحل هنا ” قفز ” من مربع إلى مربع ، وتحيز عن مناخ معرفي للذهاب إلى مناخ معرفي آخر يناقض الأول ، وهذا الأمر لم يثر الأمة أبدا ، بل لقد أسهم هذا الترحل في خلق مشكلات معرفية لا تزال الأمة تعاني من ويلاتها ، فالافتراق الحاصل بين الفرق العقدية أساسه هذا الترحل المعرفي في التاريخ ، والتحيزات المعرفية المعاصرة هو في الأساس ناتج من هذا الترحل ، فادعاء أن هذا الترحل هو الذي أوصل الإسلام الى مشارق الأرض ومغاربها إدعاء لا دليل عليه ، لان ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه : ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين ” فرقوا دينهم ” وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وهذا يأتي على الفرق العقدية ، ويأتي على الأحزاب الإسلامية إن كانت تقيم حروبا طاحنة فيما بينها بسبب المنهج .

فيما يتعلق بالمنطلق ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” ، فأنت تراه نتيجة عقلية حتمية ، وأنا أراه مشكلة معرفية كبيرة ، لأن ( العقل ) هنا ليس العقل المطلق الكلي الذي تتفق عليه العقول ، بل هو ( العقل النسبي ) الذي يتوهمه الإنسان عقلا قطعيا ، فالعقلاني الذي يحكم على مسائله بالصحة المطلقة هو مثل الديني الذي يحكم على كل فهم يفهمه من الكتاب والسنة انه هو ” الحق المطلق ” ، والخلط الذي حصل في التاريخ بين هذين المستويين من العقل هو الذي أفسد الدين والدنيا ، فعلماء المسلمين جعلوا العقل عقلان ( عقل فطري ) و ( عقل مكتسب ) ، ويقابله في الفلسفة الغربية كما عند لالاند في الموسوعة الفلسفية ( العقل المكِوّن ) و ( العقل المكَوَن ) ، وكل مصيبة حلت في فهم الشريعة والانحراف عندها هي حينما يخلط بين هذين المستويين ، لان العقل باعتباره فطرة شي ، وباعتباره أداة شي آخر ، فالفطرة كلية اتفاقية ، والأداة آلة قابلة للخطأ والصواب ، وعليه فاستخدام العقل النسبي للولوج إلى المصب العلماني هو في حقيقته ” عبث ” بالشريعة أدى الى تشويهها وتعطيلها ، بل والقضاء على مظاهرها في العالم الإسلامي .

والقرأن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يات القرآن في قضية تناهض العقل او تعارضه ، وصحيح السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل او تعارضه ، بل كل أحكام الشريعة هي أحكام معقولة ، وهذا منهج سلفي أصلي ولم يفسد هذا المنهج في وضوحه إلا حين تم ” الترحل ” إلى الفلسفات التي قامت على الحتميات المنطقية ، ثم وقعت في التناقضات العقلية ، فتفرق أهلها شذر مذر ، حتى أن ” المعتزلة ” وهي الفرقة العقلية التي أغرم بها كثير من المفكرين العقلانيين المعاصرين لم تعمصها دعوى الفهم ” العقلي ” من التفرق ، فقد كفر ابا هذيل العلاف النظام ، وكفر شيوخ المعتزلة ابا هذيل ، وكما قال البغدادي في الفرق ، فكان كل رجل محق بتكفير صاحبه ، والغريبة أن بعض المفكرين يسمونهم بــ فرسان الحضارة العربية ، مع أن المعتزلة تصنف من الفرق ” المكفراتية ” في التاريخ الإسلامي لانها تخرج صاحب المعصية من الإسلام ، فتجعله في الدنيا في منزلة بين منزلتين ( معلق المسيكين ما يدري هو مسلم ولا كافر ) ، وفي الآخرة في جهنم وبئس المصير ..

ليعذرني الإخوة على الإسهاب ، فأفكار الأخ كثيرة ومتراكمة ومتزاحمة ..

هنا … يبدو ان مفكرينا مصابين بالاستلاب لبعض الأفكار دون وعي ولا تمييز ، فصاحبنا يقول : ( من الطبيعي ان ننتصر أنا وأنت للإسلام ، حتى لو استخدمنا لذلك منهجا عرفانيا ، أما أن نرفض الأخر أو نسفهه برهانيا ونحن متنكرون للمنهج البرهاني داخل عقيدتنا فتلك آفة فكرية منتشرة ) ، وهذه الفقرة حقها أن يفتح لها موضوع مستقل للنقاش ، وهي ” محبالة ” الجابري وغيره من المفكرين التي مررت على كثير من المفكرين والمثقفين، وخاصة أولئك الذين لم يدرسوا الشريعة دراسة منهجية وعلمية ، حتى اقتنع الكثير أن منهجنا هو منهج ” عرفاني ” ، يقابله المنهج ” البرهاني ” الغربي وتاريخه الفلسفي والذي تنباه ابن رشد وبشر به ، مع أن الأخ أخطأ حين ذكر ” العرفاني ” هنا ، لأننا في عرف الجابري ” بيانيون ” لا ” عرفانيون ” فالعرفانية هي الفرق الصوفية والشيعة والاشراقية الغنوصية وغيرها ، ولكن لا مشكلة هنا ، المشكلة الكبرى هي في سلب ” البرهان ” منا ، وإعطاءه غيرنا واحتكاره له ، وهذه مشكلة معرفية لا تصمد للبحث العلمي ، لأن ( القرآن ) المكون الأساس للفكر الإسلامي قائم على ” البرهان ” في إقناعه للناس بنفسه ، وبنبوة بنيه ، وبصحة مسائله ، وهذا البرهان هو متسلسل عقلي يبدأ من إثبات الألوهية ، ثم النبوة ، ثم الشريعة ، ولآيات القرآن ” العقلية ” في إثبات الألوهية والنبوة لا تعد ولا تحصى ، ولكن الجابري وغيره حين شطروا العقل العربي إلى هذه الثلاثية البغيضة لم يتطرقوا أصلا للقرآن ولا للسنة ، وجعل اللحظة الفكرية للأمة هي عصر التدوين ، لأن هذا سوف يوقعه بلا جدال في الاصطدام مع القرآن والسنة ، ولذلك كان نهاية مشروع الجابري في العقل العربي هو تحييد القران والسنة عن التراث الإسلامي … ثم الانتصار للعقل والبرهان ( أي للمدرسة الرشدية المغاربية وامتدادها = الحضارة الغربية المعاصرة ) هكذا وبوضوح لا ريب فيه !

أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها .. ولكني أقول أخيرا تعقيبا على فقرته الأخيرة ..

إنني هنا لن أقف أمام كل دعوة تنطلق من ” الإسلام ” ذاته في التجديد الذي ينضبط منهجيا ، ومناقشة مسائلنا بعيدا عن التحيزات المعرفية التي أصابتنا بالتشظي والانقسام ، ومناقشة كافة قضايانا بعيدا عن تصفية الحسابات الخاصة ، فإذا كان الله أمرنا بجدال أهل الكتاب باللتي هي أحسن ، فنقاشنا داخل الدائرة الإسلامية مهما تباينت الرؤى من باب أولى ، ولكن لابد أن يكون ذلك بأخلاقيات الحوار التي يدعو إليها العقل والنقل ، والتفكر في قضايانا بعيدا عن ردات الأفعال او ضغط الواقع ومؤثراته .. حتى نستطيع أن نتلمس طرق الإصلاح والنهضة مع احتفاظنا بهويتنا الإسلامية الخالدة .. فلن نكون يوما ما أوروبيين حتى لو صنعنا لنا آلاف المكاييج التي تبيض أبشارنا .. فقدرنا أننا عرب ومسلمون .. والله اعلم !

مهيار

د. استفهام..
أشكرك ثانية على ردك النموذجي، والذي يتشارك بالسمة السجالية مع ردود المفكرين المسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان يشي بمعرفة أبعد، ولكن دون فهم أوفر للأسف، فالمشكلة ليست في المعرفة بقدر ما هي في النظام المعرفي، لذلك فصنوف المعرفة لا تضمن الارتقاء بالفكر نحو آفاق أرحب، فقط المنهجية التي تتحلى بسعة الأفق والقدرة على التخيل والإبداع، فقط هي تدفع بنا قدماً إلى الأمام.
لا أنكر أنني استمتعت بردك واستفدت منه، وإن كان يتجاوز أشياء كثيرة من ردي بدعوى عدم فهم المراد، فإنه على الأقل حاور شيئا ما، ويكفيني أن نصف الأفكار قد وصل، حتى وإن لم تقبل، المهم أن نتعارف منهجياً، فهذا التعارف سيكون مدخلاً للتقبل، وهذا ما يجب أن يكون لدى الجميع باتجاه الجميع ما لم يخالطه اعتداء على حرية.
استفدت من ردك، فأنا الآن أكثر قدرة على حوار هذا الأسلوب الذي تنتهجه، وأكثر معرفة بالتأكيد بالأسلوب والسلوك الفكريين الذين فيهما شيء جديد، وإن كانا في الأعم الغالب يحملان سمة السجال والمحاججة التي طالما اعتدناها من المدافعين عن الإسلام من داخل قفص الاتهام، ودعني اعترف لك بميزة إضافية مذهلة، فأنا قرأت كل ردودك، وواضح أن فيها صبرا وجلدا ودأباً قلما يتحلى بها المرء في حاضرنا.
عود على بدء، ولست بصدد الرد، ولكن بصدد التفاعل معك، فقد وضح لي المزيد من كلامك طبيعة فكرك ونمطيته، أظنه سقراط القائل: ( تكلم لكي أراك)… وأنت تكلمت…ونحن نحاول أن نراك بوضوح أوفر…
الليبرالية ليست عقيدة وإنما منهجية، وأود أن أوضح هذا الأمر، فالعقيدة تحتمل الميتافيزيقيا، أما المنهجية فلا تحتملها، وإن كانت تدرسها بعمق، فأنا مسلم أؤدي واجباتي الدينية، وأؤمن بكل اللامعقول الديني الإسلامي وراثة، وأحاول جهدي أن أنقذ نفسي من التوارث بالتعمق في هذا الفهم من خلال منهجية تنظر في غايات الوجود وأهدافه وأسباب العمران البشري، كل ذلك يدعم إيماني ولي الحق في أن ابني ما أحتاجه من طمأنينة حتى لو كان لبنات البناء ميتافيزيقية، ولكن منهجيتي تقترب من الليبرالية في أمور عدة نعدد بعضاً منها لنصل إلى معنى الليبرالية ونجد أنها فعلا ليست عقيدة أو إيديولوجيا محددة، بل على النقيض من ذلك فهي تحترم الايدولوجيا ولكن تقصيها عن التحكم بمسائل العدالة الاجتماعية والحرية الفكرية، ووسائل التعبير الحر عن الثقافة والخصوصية، وخاصة إذا انبنى هذا التحكم على أمور ميتافيزيقية، فدعاوى التسلط على الناس والهيمنة على اتجاهاتهم وتفاصيل حياتهم بالاستناد إلى أسباب سماوية، هي ما أدعوها بالمؤسسة، وهذه المؤسسة للأسف تشكلت في الإسلام حتى باتت قاب إثمين أو أدنى من القضاء على أصوله.. إن تحاكم الآخر بمقتضى رؤية دينية هذا يعني أن تمنحه الحق بمحاكمتك بمقتضى رؤيته الدينية، فأنت إنسانيا لا تتمايز عن الآخر بدعوى سماوية، وإلا اقتربنا من اعتناق مفهوم الشعب المختار… فأكرمكم عند الله أتقاكم، والتقوى التي نود أن نقرؤها هي التقوى المنطلقة من المصحف العظيم، لا من مخلفات المؤسسة الفقهية التي احتكرت معناه وأقصت العباد من رحمة الرحمن الرحيم، وضيقت على الناس حتى لتبدو هذه الرحمة أضيق من خرم إبرة وأقسى من صراط حاد كالشفرة، التقوى التي تعني الإخلاص في التوجه وهي تقوى باطنة لا تظهر على السطح بالضرورة، وأكثرنا نقاء سريرة مع خالقه هو الأكرم.
أما أن نجعل للتقوى أيدي وأرجل ونزحزحها حيثما نشاء فذاك نهج سياسي لا علاقة له بالوحي، الله أعلم بالسرائر، وليس لك على إنسان ألا أن يقدرك بما تقدمه من تقدير لغيرك، ولئن انبنيت منهجيا وفكريا على عقيدة الإسلام دون أن يكون لك رأي في ذلك في البداية فغيرك انبنى على عقيدة أخرى.. وكل الأديان تتشارك في لامعقول خاص بها، واللامعقول ليست صفة لما هو غير حقيقي… لذلك فدعوى العلمية ساقطة عند أي منهج ديني حتى وإن توسل ذلك أتباعه، لذلك نفرق بين الإيمان وبين السلوك الاجتماعي.
الليبرالية التي نفهمها هو منهجية تعاطي مع المحيط والظرف الشرطي، وأنا أفهم الإسلام على أنه ليبرالي في العمق لأنه فصل بين ما هو اعتقادي وبين ما هو تاريخي، لذلك كان للعاقبة مكان الصدارة في الحكم على مآل الأمور، بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض أما الزبد يذهب جفاء غير مأسوف عليه.
ولا أظن أنه هناك أي حرج لدى من يؤمنون بالحرية الفكرية واحترام التوجهات الدينية أو الثقافية، فالليبرالية عندهم تطابق اللا إكراه، واللا إكراه هي سمة الإسلام الأصل في نصه الأول، وما يحف بهذا النص من نصوص تقترب من نوره. ولا أود أن أتحدث لا عن تهافت الفلسفة ولا تهافت التهافت فتلك معركة قديمة تجاوزها الزمن، وإن كنا إلى اليوم داخل الفكر الإسلامي عاجزين عن تجاوز اللحظة الرشدية، فتلك مأساتنا في الخروج من التاريخ والفعالية، بعد أن قصرنا في إعمال العقل، بل ربما أقسرنا العقل على أن ينضبط ضمن حدود سياسية بدعوى دينية متشددة. مع كل ما يزخر به القرآن الكريم من حض على التفكر والتدبر وإعمال العقل واحترام عقائد الآخرين وعدم قسرهم على إتباع ملتنا بوسائل القسر المختلفة، المباشرة منها وغير المباشرة التي تضيق على الآخر حتى تجعل السبل تضيق عليه مهانة واستصغارا.
الليبرالية مفهوم شمولي من حيث كونها لا إكراه، ولي هذا عيباً، بل هو تأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى.
ولعمري أنه أمر عجب أن أسمع أن النصرانية (تتقارب في تكوينها الفكري مع ( العلمانية ) ، وتتقاطع معها بشكل كبير) ولست أدري ما رصيد هذا القول المجازف، فالعلمانية قد تتشارك مع الإسلام في بعض الأمور، ولكنها حتما لا تتشارك مع المسيحية، إذ أنها قامت أساساً في وجه العقائد المسيحية التي سادت عصر الظلمات الأوربي.. ومن هنا أجد أن حمية مفكرينا الإسلاميين في الوقوف في وجه العلمانية وتصنيفها كأخطر اتجاه على الدين، ينطلق من خوف تشاركي، خشية أن تكون العلمانية قائمة على معاداة الدين بالمطلق وليست مجرد رد على الإغراق السلبي في التدين إلى حد صكوك الغفران ومحاكم التفتيش. فالعلمانية في نشأتها مباركة لأنها وقفت في وجه الاستبداد الذي أخذ شكلا دينياً وهو في صلبه سياسي. وواجب المسلم أن يبارك العلمانية في بواكيرها، وينتقدها في تشعباتها اللاحقة نقداً ايجابيا بناءً، لا مجرد معاداة غير مفهومة وغير ناتجة عن تجربة خاصة.
ما أعنيه بالمؤسسة هو ما قدمت أنت له تعريفاً جامعاً بقولك: “ولكن هذا لن يكون مع ” الإسلام ” الذي هو منظومة شمولية من العقائد والأخلاق والقيم والعبادات وغيرها ،ولا يمكن فصل جانب عن جانب إلا بالتضحية بهذه الشمولية التي تستعصي بحكم تكوين الإسلام وعقيدته”
إن هذا التعريف الحاد هو ما يفضي إلى الخروج من التاريخ بل الخروج على الأصل أيضاً، لأنه إخلاص لتفسير معين للنص وليس إخلاصاً للنص بحد ذاته، وبسبب هذا التعريف تحول الإسلام إلى مؤسسة، تستخدم النص لتمرر هيمنتها، وتفسيرها، بل تجعل النص في خدمة تفسيرها الضيق، بدلا من السعي إلى فتح الفضاء للنص لكي يتألق من جديد. فهذه الشمولية تنعكس على أفهام بشرية مباركة حاولت جهدها أن تتفاعل مع الإسلام في نصوصه الأصل، ولم تكن لتدعي الرجم بالغيب، ولا المعرفة بما يحتاجه الناس بعد قرون، فالعلة ليست في الرعيل المؤسس لهذه المؤسسة، بقدر ما هي في الأجيال التي مأسستهم وجعلتهم أوصياء على المعنى لدرجة أن النص يكاد يلقى حتفه على أيديهم لولا حفظ الله.
مازال إلى اليوم يواجهنا المفكر المسلم بأقوال غابرة، حتى في مسائل الحرية الفكرية يلجأ للغزالي وعمر بن عبدالعزيز، لأنه فعلا لم يضف شيئاً ذي بال إليهم، إضافة إلى أن الأهم من ذلك هو السلوك الفكري، فعلى الرغم من استشهادك بقول الغزالي: (قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) . إلا انك لم تطبق هذا المبدأ في حديثك عن الليبرالية أو المسيحية أو أي مبدأ يختلف مع مذهبك ودينك.
وهم لم يدعوا الوصول إلى المعنى النهائي للنص الديني، أشاركك في هذا الرأي، ولكن من تبعهم بالتوقيف ومنع الاجتهاد واحتكار التفسير والفقه، هم من جعلوا منهم كهنوتاً… وليتنا بدلا من أن نضع التيارات الوضعية في مقابل الإسلام، نتفهم أن التيارات الوضعية هي تيارات داخل كل تيار ديني أيضاً، ذلك أن تبني هذه المفردة بمعانيها السلبية يستهدف كل شيء يحاول الخروج على السلفية والتقليد والنقل، أي الخروج على المؤسسة.
لن أساجلك في مسألة المصطلحات والتفريق بين الترحل والتطور وما إلى ذلك، فها أنت تتحدث عن الصدام بين المناخات المعرفية، هذا الصدام الذي تجده سلبياً أجده ايجابياً في مجمله، وإن اعتوره بعض السلبية، فهذا التفاعل هو تثاقف مطلوب، وما كان لمبدأ أن يتطور بمعزل عن المبادئ الأخرى، ولعلي كنت أقصد هذا عندما قلت أن أفكار التجديد كانت في أغلبها من خلال فكر تثاقفي منفتح، وليس من خلال فكر منعزل ومنقول ومغلق، والتطور الذي حصل في الفكر الإسلامي يعود في معظمه إلى المثقف المسلم، لا إلى الفقيه المخلص للمؤسسة، والمردد لتفسيراتها والمنغمس في حلقات المريدين.
وها أنت تقول: “الذي أوصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها”، ” الاجتماع ” والقوة والمكنة العلمية والمعرفية هي التي أسهمت في الانتشار ، لا الترحل والافتراق الذي حذرت الشريعة منه “
أود أن أفهم من أين أتت المكنة العلمية والمعرفية، ألم تكن قائمة على التفاعل مع الآخر، وكيف كان للمعرفة أن تتسع لولا ذلك التوسع الجغرافي الذي جعل المناخات تتلاقح، والتنوع يسهم في بناء مجتمع أكثر صلابة.
إلى الآن لم أجد ما يؤسف بشدة في رؤيتك، ولكن تفريقك بين العقل المطلق والنسبي هو ما جعلني أشعر بالدوار، فكأنك تسبغ على المؤسسة صفة العقل المطلق وعلى ما يقابلها صفة العقل النسبي، وكأنما اجتهادات الغابرين كانت مطلقاً، ومناهضات الحاضرين هي سفاهات عقل نسبي، لعمري أن هذا التفكير لا يختلف عن أي فكر تكفيري أو إقصائي، فالمؤسسة التي جعلت العقل عقلان، كانت تقوم بأكبر عملية تدليس في الفكر والتاريخ، وهذه العملية كانت شرارة البدء للفكر المنغلق والتكفيري، وما تجده مقابلاً في الفلسفة الغربية خلط رهيب ومقارنة لا تصح البتة، فالعقل المكون (بكسر الواو) والعقل المكون (بفتح الواو) هما مفهومان فلسفيان تربويان، ولا علاقة لهما بالتصنيفات العلمية أو الفكرية، ولا باختلاف مدارس التفكير، وهما موجودان في كل امرئ تماما مثل الصفات الوراثية والصفات المكتسبة. ولذلك كل النقاش الذي يتلو هذا التحديد يصبح فارغاً من المعنى وأشبه بوصفات نطاس شعبي. وعلى أية حال لم أكن أنا صاحب حتمية ” العقلي ” المفضي إلى ” المصب العلماني ” فهذا القول هو ل كوانا كنت أرد عليه وحسب.
واتفق معك كل الاتفاق أن “القرآن في أساسه يقوم على التصور العقلي للأمور ، ولذا لم يأت القرآن في قضية تناهض العقل أو تعارضه” وحتى ما صح من السنة لم يأت كذلك بأي قضية تقف أمام العقل أو تعارضه. ولكن هذا ما يجعلني لا أخشى العقل في إبحاره اللامحدود، وأي فكر يؤمن بهذا عليه إلا يخشى تقلبات العقل لأنها ستفضي في المحصلة على احترام هذا الكتاب الذي مجد دور التجربة والعقل.
كل أحكام الشريعة كانت أحكاماً معقولة، ولكنها للأسف أصبحت أحكاماً منقولة في ظل الفهم المؤسسي للإسلام، وهذا منهج السلفي الأصيل هو يربض فوق صدور أمة ليجعلها تعتزل التجديد، وترهب بالنقل والوعيد.
ولم أسمع في الفلسفة بمفهوم “الحتميات المنطقية” وإن سمعت شيئا شبيها لهذا في وصف الفكر الديني المتزمت، ولن يفيدنا التنكر للمعتزلة، لأنهم أوغلوا في بنية الفكر الإسلامي بايجابية، وهذا التحامل عليهم دليل على ضيق الأفق واحتكار الفضيلة، هذه المنهجية التي لا تستسيغ تقبل أي خلاف مهما كان صغيراً وهامشياً، وعلى الرغم من خانيات الفكر السلفي في تصنيف قراءة الرأي في تفسير الرازي، لم يجد السلفيون بداً من الاستئناس به حينما واجهتهم معضلات مهلكة. وأعني تماماً القرارات الفقهية للمجامع التي تخضع لإسلام مؤسسي، التي تنهار كل محاذيرها وتحريماتها أمام واقع مداهم أو طقس سياسي متطلب.
قد ينتابنا الاستلاب تجاه السيل المعرفي الجارف الذي نحن على هامشه، ولكن الاستلاب الحقيقي هو ذلك الاستلاب للموتى والتفسير المحكم والجامع والمانع الذي يمنع أي تجديد حقيقي في النفاذ إلينا، ولن أناقشك في مسألة البرهاني والعرفاني فأنت جعلت مرجعيتي في هذا الجابري، وما كنت لألجأ إليه، لذلك في زعمي السلفية ليست بيانية إنما عرفانية، وهذا التفريق الذي وضعه الجابري كان لكسب ود سلفيي الخليج لاحقاً وهذا ما ظهر بوضوح وجلاء اليوم إذ نكاد نرى الجابري يرتدي دشداشة قصيرة وغترة لا يربطها عقال، فمحبالته تلك غير ذي بال…بل ربما راقت لك من حيث التصنيف وخاصة أنها وضعت كل الفرق الإسلامية في إطار عرفاني، وميزت المدرسة التي تنتمي إليها بالبيان، ولعلها دغدغت أحلام الكثيرين ممن يظنون أنهم الفرقة الناجية.
مع أن السلفية بمجملها لا تختلف في بنيتها مع أي فكر صوفي وخاصة في تقديس عالم الأشخاص، فإلى اليوم لم أجد سلفيا يخرج على ابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب أو ينتقدهما بصدق، مع أنه يشكك فيك إذا بالغت في حب محمد (ص) بعض الشيء بل قد يجعلك من المشركين.
وتقول: “أحتاج هنا إلى ملاحقة أفكار الأخ ملاحقة لأنها غير مترابطة في بعض فقراتها ” لا مشكلة لدي في اتهامك هذا…ولكنه رأيك وحسب.
أما ما اختتمت به ردك علي فأنا وقفت لك احتراما وتقديراً ، والله على ما أقول شهيد.. إذ أنني قرأت فيها سمات ليبرالية رائعة…
أطل إقامتك هنا يا صاح فلديك ما نستفيد منه بالتأكيد ولدينا ما تستفيد منه الكثير ولن تخرج كما دخلت… أنا على ثقة من ذلك
تحية مودة .

د.استفهام
الاخ الكريم مهيار ..
القسم الأول
سأتجاوز مقدمتك الجميلة والتي تحمل الكثير من تشخيص حالة من تناقشه أو تتحاور معه ، وهذا جيد في تقريب وجهات النظر ، وفي إزالة ما قد يعلق من صورة نمطية معينة على شخص معين بمجرد أن ينسب إلى تيار أو توجه ، فأنا حقيقة أؤيد عملية ” الفلترة ” و ” الفرز ” للناس كل على حده ، حتى لا نقطع الطريق علينا في عدم التواصل من خلال رؤى غارقة أحيانا في الوهم ….

لحظت في كلامك أنك تحشد المصطلحات حشدا يجعل الإنسان يقف كثيرا أمام الفروق بينها من خلال سياق كلامك ، وعندي أن المشكلة الكبرى التي نعانيها أننا نتبادح بالمصطلحات ثم نكتشف أننا لم نتفق على أي منها ، فالليبرالية والعقيدة والأيديلوجيا ، والمينافيزيقيا واللامعقول الديني والمنهجية كلها مصطلحات بسيطة لكنها تحمل ” مضامين ” كبيرة تشكل أحيانا على المراد من استخدامها .

أنت ترى ان ” الليبرالية ” منهجية ، وعندي أنه في علم ” الأفكار ” أن المنهجية الفكرية لا بد أن تتميز بالصرامة والانضباطية في عملها ، وإلا اختل شرط من شروطها ، ولذلك فأنت ترى أن ” الليبرالية ” منهجية لا عقيدة ، باعتبار أن العقيدة تحتمل الميتافيزيقيا ، والمنهجية لا تحتمل ، ولكن الليبرالية إن كانت منهجية في الفكر والحياة ، فهي لابد أن تقوم بعملية الفرز بين ” اللامعقول العقلي ” ، وبين المعقول العقلي ” ، وهنا انتقلت مباشرة من كونها وسيلة لتحقيق غاية ، إلى كونها منتجة للأفكار في ذاتها ، ثم تتقارب مباشرة وفلسفيا مع أي عقيدة أخرى ، لان من شرط المنهجية أن ترد على السؤال ، وتزيل الإشكال العقلي والمادي ، وخاصة إن استخدمت كمنجية في التفكير ..

ثم إن الذي يشكل على الليبرالية – وأنا أؤمن بضبابيتها إلى الآن – أنها خضعت لعملية ترحل تاريخي ومعرفي ، فصورتها الناجزة في أوروبا جاءت بعد فعل معرفي تراكمي ، وحصل فيها سجال طويل ،سواء في جانبها الاقتصادي او جانبها السياسي وفيما يتعلق بنظرية ” السيادة ” ، والصراع والاختلاف بين مدرسة هوبز ، وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم من المفكرين الغربيين ، فولدت في الغرب بعد عمليات كثيرة لا تزال إلى الآن يعتورها شي من الخداج ، ولذلك فأزمة الليبرالية في الغرب قائمة إلى الآن ، وخاصة بين ” الديمقراطيين ” الذين يريدون تفعيل الطبقة العامة ، والليبراليين الرأسماليين الذين يريدون ” الاحتكارية ” في تحرك رؤوس الأموال والاستبدادية التي هي سمة الرأسمالي ، وكان من إفرازاتها الأزمة العالمية المالية التي يحاول البعض أن يجعلها مثل الشيوعية التي قيل عند سقوطها ، سقط النظام ولم تسقط الفكرة ..

المشكلة في عملية ” الترحيل ” لليبرالية أننا نتعامل معها على أنها ” نموذج ناجز “، ثم نبدأ في تحسين الصورة، وفي عمليات الترميم والمكياج ، وفي البتر أحيانا كثيرة حتى تتم عملية الموائمة بينها وبين الواقع المنقولة إليه ، ثم لا تتمفس إلا باكسجين صناعي ..فهي كمن يريد أن ينقل نبته لا تنمو إلا في جبال الروكي ، ليزرعها في الصمان ، وهنا تكمل عملية الترحيل ، ثم محاولة ” الأقلمة ” بالقسر والقوة ..

من المشكلات التي تواجه الليبرالية وتجعلها غير صالحة هي أنها ولدت في مجتمع له ظروفه التاريخية والثقافية ، فهي ” فصلت ” على مقاس محدد ، ولأشخاص محددين ، ولا يمكن ان تركب على غير نموذجها الخاص ، ولذلك تجد أن ليبرالي قومنا يحاولون تضييع هذه الحقائق بالاستعاضة أحيانا عن تلك المفاهيم بأشياء تمثل ” أشواقا ” للسامعين ، ثم يصابون بنوع من الاستلاب حين يسمعون مثل هذه الكلمات ، وخاصة حين يكونون قابعين في ظل أنظمة شمولية ، فيطرب البعض للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، ثم تجمع كل هذه القيم العليا وتقدم على أنها هي ( الليبرالية ) ، أو يأتون لأجمل ما في الإسلام ثم يشيرون إليه أن انطلق .. هذه هي الليبرالية ، والحقيقة أن القيم العليا في الإسلام وغيره من الأديان ، والقيم العقلية الكلية المتفق عليها ليست من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف ، ولذلك تجد ان بعض الليبراليين عقولهم أكبر من ” الليبرالية ” نفسها ، ولو خرجوا من قشر الجوزة التي علقوا به لاستطاعوا إن ينظروا إلى الأفكار نظرة أشمل ، ولكان فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات .. ولكن هذه القيم تصيب البعض أحيانا بتضخم الذات ، وامتلاك أكسير الحياة ومشكلاتها ، فهم أشبه بالفلاسفة الذين درسوا الاسطوطاليسية وثقافة اليونان ، ثم أخذوا ينظرون للناس على انهم مجموعة من الدراويش .. وفي نهاية المطاف يكتشف الفيلسوف العظيم أن مقدمات الناس البديهية توصلهم إلى الحقائق والتصورات بأسر طريق وأيسر سبيل ، وفي النهاية النتيجة واحدة .

أعذرني أخي الكريم سأتوقف هنا وسأكمل .. فأجفاني وصلت إلى حروف الكيبورد

القسم الثاني

طبعا إلى الآن وأنا اتحدث عن الإشكالية ” المعرفية ” التي تكتنف الليبرالية من حيث نشأتها وترحلها وترحيلها ، ثم المشكلة في ” هويتها “، فالبعض يعرضها على انها ” عقيدة ” ، ولذلك يقوم بعملية ( المقارنة ) بين فكرتها وبين ( الدين ) من جهة ، أو أي فكرة من جهة أخرى ، ودليل ذلك ان كثيرا من الذيت يتحدثون عن الليبرالية يقولون دائما ( الليبرالية تعني ) ، ( الليبرالية تقول ) ، ( الليبرالية تقوم على ) ، وهذا يعني أنها مرجعية فكرية تحكم على الواقع والمستقبل ..ولذلك أنت تقول هنا أنها ” تتوافق ” مع الإسلام في قضايا ، فهل هي أصلا متعالية عليه حتى تتوافق معه ؟ هل هي ضده حتى توافقه في بعض الأشياء ؟ أنت تفسر هذا بان ” الإسلام ” ليبرالي الروح ، وهذه محاولة من محاولات توفيقية كثيرة بين الإسلام والأفكار الأخرى ، فقد رأينا ( اشتراكية الإسلام ) ، ورأينا ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فأي إسلام هذا الذي جمع كل هذه الأفكار في طياته ، وخاصة أنهم ينسبون إلى الإسلام أفضل مافي تلك الأفكار ، فالقيم العليا في الليبرالية يقولون هي إسلامية ، والاشتراكية الفاعلة في الشيوعية يقولون أنها إسلامية ، والتعددية الديمقراطية يقولون هي روح الإسلام .. وهذا حقيقة إعلان عظمةالإسلام .. وتبقى المشكلة أن الفكرة نعتبرها قوية إذا انتجها الرجل الأشقر ثم وجدنا لها طرفا في الإسلام .. وهذا يشبه إلى حد بعيد إقحام بعض الأسماء الغربية في أي دراسة أو استبانة حتى يكون لها قبولها ورواجها ..

لا يمكن أبدا لرجل مثل محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بهذه القيم العليا التي يدعيها كل معتنق لفكرة يراها نافعة للناس إلا ان يكون من عند الله ، وهذا يقضي على نظرية ( اللامعقول الديني ) التي أشرت إليها في بداية مداخلتك ، فكيف لي أن أتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني ) ، فإن كنت تقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم فهذا لا يوجد في الإسلام ، وإن كنت تقصد اللامعقول بمعنى أنه جاء عن طريق ( السمع ) = النص ، ولم يات عن طريق العقل ، فثق أن كل قضية غيبية سمعية هي في حقيقتها قضية عقلية ، لأنها انتجت من قضية كلية عقلية وهي مسألة ” الوجود والألوهية ) ، وهنا تنتهي فكرة ( اللامعقول الديني ) .

طبعا أنت ستقول الآن بأنا لا نريد أن نرجع إلى سجالات الفلاسفة وتهتفتهم وتهافت التهافت، ولكن للأسف ناقشت كثيرا من ” الليبراليين ” وهم يستجرون تلك القضايا الفلسفية في كل تأصيلهم لمبادئهم الليبرالية ، بل لاثبات الليبرالية نفسها ، فالموقف من ( النص الديني ) يقوم على أسس فلسفية او كلامية ، والموقف من ( الأفكار ) يعتمد على فكرة العقلية الارسطوطاليسية ، ومقدماتها المنطقية ، والنظرة للوجود تعتمد في أحيان على فلسفة القدماء من الملاحدة ، أو على أفكار الغرب مثل الدارونية وغيرها من الأفكار الالحادية والتي هي امتداد للفلسفات القديمة … فهم لم ينعتقوا إلى الآن من اليونان وتاريخهم .. ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها ، ولكن البعض لا يزال سجينا في فكرة ارسطو التي هي كلحم جمل غث على جبل وعر ، لا سمين فينتقي ولا سهل فيرتقى ، وسبقنا الغرب الذي جعل تحييد النظرية العقلية لارسطو بداية النهضة ، حيث قام ديكارت بفرز المقدمات العقلية التي لم تعرف إلا بالفكر الإسلامي ، ثم انزال التجارب على الواقع ليكون هو المنتج للأفكار ، ويكون العقل دوره دور الآلة الفاعلة في الانتاج وفرز النتائج فقط .. ولكن المشكلة الكبرى ان ” اللحظة الحضارية الغربية ” جاءت لتقطف ثمار هذا التراكم المعرفي ، وتدخل في عصر الصناعة والتقنية .. والا لكان الوضع مختلفا ..

ولا يوجد فكر ولا منهج يطلق للعقل العنان مع ضبط جماحه في نقس الوقت كما يوجد في الإسلام وحضارته ، وسقوط أهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي دليل على أن المنهج القرآني كان الامكن في الرؤية الحضارية ، ودعوى كبح جماح العقل موجودة في التاريخ الإسلام دعوى لا دليل عليها ، إنما القضية هي ترتيب دور العقل وما يخصه ، ووضع الأطر للحدود التأملات العقلية وخاصة فيما يتعلق بقضايا الغيب والألوهية ، وذها يتفق فيه أهل العقول جميعا عن حدود قدرة العقل على الاستكشاف ، وأنه إن كان آلة عجيبة من خلق الله تعالى ، إلا أنه ليس ألها يفعل ما يشاء ، وليس له قوة خارخة تخترق حجب الغيب لتطلع على ما لا يعلمه إلا الله .. فقط هذا هو الدور السجالي الذي كان في الفكر الإسلامي السني فيما يتعلق بالعقل ، أما فيما سوى ذلك من التأمل والابتكار والإبداع الفكري والتفكر في ملكوت السموات والأرض ، والفهم والاستنباط والاجتهاد ، وتمييز الكليات والمطلقات عن الجزئيات والفروعيات كانت حاضرة في التاريخ الإسلام والا لما ظهر هذا التراث الكبير من العلوم والمعارف .. فحتى منهج المحدثين هو منهج عقلي في القبول والاثبات ، وتأصيل قضايا الاصول هي قضايا عقلية كلية ، أما فيما يتعلق بعلوم الاجتماع والحضارة فهي قليلة مقارنة بغيرها لان بدايتها كانت في الاندلس البعيد ، مع ابن خلدون ، وهي لم تأخذ حقها من الدراسة .. وهذا حق اعترف فيه .. ولكن يكفينا ان مجموع التراث تجربة حضارية فريدة ..

سأعود إن شاء الله للحديث عن قضية ” حرية الاعتقاد ” التي تشكل هاجسا لأي ليبرالي ، وقد ختمت بها فقرتك هذه ..

شكرا لك ولسجالك الجميل .

القسم الثالث

الأستاذ الكريم مهيار ..
أرجوا أن يتسع صدرك لإطالتي في بعض النقاط ، لأني أرى أن تمرير بعض المفاهيم من دون نقاش لا يخدم موضوع السجال ، ولعلك لا تلقاني بعد مقالي هذا ، فلتعذرني …
الليبرالية مفهوم ” شمولي ” ، من حيث كونها لا إكراه ، وأنا اعود وأؤكد على المشكلة المعرفية التي تكتنف الليبراليين ، وهذا ما يجعلني أكشف سر كيف ان المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية ” لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك ” هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ، ولأن المفكرين يحتاجون إلى منهجية معرفية وعلمية ، وهم يدركون أن الفكرة الليبرالية هي في أصلها فكرة ” عدمية ” لا تقدم حلا ، ولا تصنع شيئا ، ولكن تقول للناس ، قولوا ما تشاءون دون أن تتدخل فيما يقولون ، وأفعلوا ما تشاءون دون ان تتدخل فيما يفعلون ، فهي بهذا فكرة محايدة لا تحمل في جوفها أي مضمون ، وفي مقابل ذلك هي صالحة لأن ” تسرق ” لنفسها أي قيمة ، فبما أنها بهذه الحيادية فهي تدعي ان كل حق وخير هو من إنتاجها وصنيعتها ، ولعل هذا هو قصدك في مسألة ” شمولية المفهوم الليبرالي ” ، لأن التأكيد على احترام التجربة الإنسانية في النزوع نحو الأفضل والأسمى هو شعور إنساني يكتنف الجميع سواء كانوا ليبراليين أو غير ليبراليين ..

أما فيما يتعلق بتقارب ” النصرانية ” مع ” الفكر العلماني ” ، فهذا ليس عجبا أخي الكريم ، لأن العلمانية الشمولية تفصل ما بين المجالات ، والنصرانية في تكوينها الأساسي لا تقوم على الشمولية للروح والمادة ، بل هي تقوم على السمو وتعتبر المادة من المرذولات ، ولذلك تنتزع الدين من الشؤون الحياتية ، ولذلك لا تجد مدونة ” فقهية ” في التعاملات انتجها الدين المسيحي ، والحضارة الغربية المعاصرة في منظومتها الحضارية لا تقوم على مكون واحد ، بل هي مزيج من الدين النصراني المحرف ، مع البعد ” القانوني ” الروماني ، مع المنهج التأملي الفلسفي اليوناني ، وهذا جعلها تتقبل ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها ، ولم يكن الصراع بين الأوروبيين من أجل التحرر على الدين نفسه من حيث اعتبار تدخله في الشؤون الحياتية ، بل على الثيوقراطيين الذين يتكلمون باسم الله ، وهم من هذا المنحى فيضيون ، فتحييد النصرانية بهذا الاعتبار عن سياق الحياة هو تحييد لرجال الدين فقط ، وأما شؤون الحياة المختلفة فقد حل ” العقل الوضعي ” محل الرجل الديني ، وبهذا المستوى هي متصالحة مع العلمانية بشكل كبير ، ولذلك فالعلمانية لم تؤثر في ” الطقوس ” النصرانية التعبدية ، ولم تزح أي مفهوم ديني نصراني .. بينما ” العلمانية ” تقف موقف الند والخصم مع الإسلام باعتبارها شمولية في مقابل شمولية ، فالاسلام عنده بعد ” حقوقي مدني ” ، وعنده مدونة قضائية وأحكام فقهية ، وعنده تدخل في تفاصيل كثيرة من باب المعاملات والمال ، وله نظرة سياسية ، ومنظومة قيم أخلاقية ، ويتحكم في تفاصيل الأحوال الشخصية ، فتحييد الإسلام عن كل هذه المجالات وحصره في الجانب التعبدي لا يمكن ، ولكن النصرانية أصلا لا تعارض هذا .. بل ترى أن مجالات الحياة لقيصر ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) . بينما في الإسلام ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) .

ولذلك فإن منحى ” التطمينية ” هذه على أن الإسلام لا يعارض ” العلمانية ” من جهة ، ولا يعارض ” الليبرالية ” من جهة أخرى هي دعوى لا تصمد أمام الدخول في التفاصيل ، إلا من خلال فهم يقوم أصلا على النظرة للدين قاصرة ، تجعله يتعلق بالشعائر التعبدية فقط والعلاقة بين العبد وربه دون أن يكون مهيمنا على جميع الحياة ، وهذا الأمر أخي الكريم يحتم علينا إعلان الموقف من الإسلام صراحة ، وترك التوريات او التطمينات ، فمن يؤمن بالإسلام دينا من عند الله سوف يجد في القرآن أحكاما لا يمكن أن تحيد عن التأثير الاجتماعي ، وسوف يجد قيما اقتصادية لا يمكن أن تترك باعتبار عدم الصلاحية ، وسيجد أن الحكم بــ الشريعة فرض لازم ، بل وتركة طاغوتية ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ، وهذا الحرج هو الذي يسيطر على الكثير الآن عندما يتوهم أن أحكام الإسلام تقف أمام شهواته من جهة ، او تكون عائقا للنهضة والتقدم من جهة أخرى ..

هنا نأتي إلى ” إشكالية ” النص والقراءة ، ولا شك أن السجال حول النص قد أفرز مذاهب نقدية، ودراسات أدبية ، ومناهج فكرية كلها تحول حول النص وآليات القراءة ، ودخل التأويل في هذا الباب دخولا أوليا ، فأصبح النص ما بين ظاهرية تقضي على روحه ومقصده ، وتستلب التأمل العقلي من أي نص ، وما بين إشارية وتقويضية وتفكيكية تهدم النص من داخله ، وما بين هيرومنوطيقية تسبح في الفضاءات التأويلية بلا حدود ، حتى لكأنك ترى النص في وسط ظلمة شديدة كوميض لا يكاد يرى ، فيبنى على النص من الكلام والفهوم والتأويلات جبالا من المفاهيم ، ومع هذا يعمل عليه بانتزاعه من قائلة ( موت المؤلف ) في الفكر الحداثي و ( موت الإله ) بالتفكيك وما بعد الحداثة ، وهذه العبثية بالنص لم تكن وليدة اليوم ، بل بدأت مع أهل الكلام وتلقفها الفلاسفة فصار الضحية في هذا كله هو النص ..

إن الفرق بين التفكير ” السلفي ” في التعاطي مع النص ، وبين غيره من المدارس القديمة والمحدثة هو ” قداسة ” النص ، ويعنون بالنص هنا ما ثبت عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بطريق يفيد العلم النظري واليقيني ، ومن الطبيعي جدا أن يسبح الإنسان في الفضاء التأويلي إذا نزع هذه القداسة عن النص ، لأنه سوف يتعاطى مع النص على أنه منتج تاريخي إنساني ، له ظاهر وباطن ، يقرأ بأي شكل من أشكال القراءة ، وكل ما ينتج من قراءة لهذا النص فهو مراد قائله ، حتى لو نتج عنه آلاف القراءات والتأويلات .. بينما ترى السلفية أن النص الثابت عن المشرع على قسمين :

1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، وهذا لا يجوز حمله إلا على قطعيته ، ولا يجوز العبث به او الاجتهاد معه، ويدخل في ذلك موارد القطع الشرعية ، والأحكام المستقرة ، والعبادات اليقينية ، أو ما يسمى في علم الأصول والعقائد ( ما يعرف من الدين بالضرورة ) ، وبعض هذه المسائل يعرف حتى غير المسلمين أن القرآن جاء بها ، ومن ضمن ذلك ( المحرمات القطعية ) التي ثبت النص القطعي بها .

2- النص قطعي الدلالة ظني الثبوت ، وهذا يجتهد فيه من خلال الكلام في ثبوته وعدم ثبوته ، فمن رأى ثبوته أخذ بقطيته ، ومن رأى ضعفه لم يأخذ بقطعيته .
3- النص ظني الدلالة قطعي الثبوت ، والنقاش حوله في دلالته لا في ثبوته .
4- النص ظني الدلالة والثبوت .. وهذا يناقش من خلال ثبوته من جهة ومن خلال قطعيته من جهة أخرى ..

واختلاف هذه المستويات في مناقشة قضية الإسلام هي التي أشكلت على الموقف منه ، فكلام الشافعي الذي ذكرته ( قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) ، هو فيما هو من موارد الاجتهاد ، أما فيما يتعلق بالمسلمات والمطلقات ، فهو يدخل في الحق مقابل الباطل ، والهدى مقابل الضلال ، والاسلام في مقابل الكفر ، وليست المشكلة مع التيارات في نقاش مورد من موارد الاجتهاد والظن ، وإنما المشكلة مع الليبراليين والعقلانيين وغيرهم تكمن في قضيتين :

الأولى : الاجتهاد في القطعيات ومحاولة إزاحتها وابطالها .
الثانية : استخدام آليات في القراءة للنص خارجه عن إطار التراث نفسه ، واستعارة مناهج ألسنية او بنيوية او تاريخية او إشارية او تفكيكية تؤدي في النهاية إلى إبطال النص ودلالاته الشرعية ، وتسمح للجميع بالعبث فيه ، والعجيب أن مفكرا هولنديا اظنه قرأ مشروع محمد أركون ومنهجيته في قراءة القرآن ، ووصل إلى أن هذا المنهج لا يقضي على ” الإسلام ” فقط ، بل يقضي على اليهودية والنصرانية وكل الأديان كذلك .. لانه يقوم على ان لكل نص منشأ ثم سيرورة ، ثم انهدام ثم يقوم على أنقاضه معنى جديد ، وهكذا في تعملية ترحلية للمعاني لا تقف عند حد ..

فالقضية يا اخي الكريم مهيار ليست في احتكارية قراءة النص ، ولا في غلق باب الاجتهاد ، بل في الوقوف أمام العبثية التي فعلها المفكرون المحدثون في النص حتى ابطلوه ولم يعد له معنى ، ونزعوا منه قدسيته حتى أصبح قول الله وقول أي سياسي في منزلة واحدة .. وخرجوا في فهمه عن قواعده التي تخرج عن إطار اللغة العربية إلى قراءته حتى باللغات الأخرى بدعوى عالمية اللغة ومعياريتها .

مهيار

د استفهام…
تحية لروحك الكفاحية..
وأشجب كل ما يطال شخصك بالإساءة
وسأدخل في الموضوع مباشرة بعد أن جمعت شتات ردك وقرأته ثانية ودفعة واحدة، ولعلي أنفي بداية صفة السجال عن القصدية، فأنا أروم أن أتفاعل مع آرائك، لأنها أفكار شريحة كبيرة في واقعنا، ولكن سرني أنك تتميز عنهم باطلاع أوسع بكثير، وقدرة على التفاعل والاستماع لطالما افتقدتها فيهم.
ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.
المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.
اللامعقول الديني ليست صفة للوهم…بل هذا اللامعقول لا يجافي الحقيقة بالضرورة، بل ربما يطابق الحقيقة في كثير من الاكتشافات والتطورات التي تحدث عبر الزمان، لذلك أرجو أن لا نفهمها دوما بالمعنى السلبي، إنما بالمعنى التشخيصي وحسب.
الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…

الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…

نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!

وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.

دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!

لا يا سيدي ليست التطمينات من أجل قصر الإسلام على الجوانب التعبدية، بل يقيناً هو من أجل جعل الإسلام حاضراً في كل شيء، حاضراً بروحه، بوحيه، باجتهاداته، بتجديده بحركيته وديناميته، بقابليته للتكيف مع الشرط المعرفي والظرفي … وليس بنسقيته الموغلة شكلانية فارغة، وتوقيفية قاتلة.
وما زعمته من عبثية في رؤية النص ربما ليس هنا مجال الرد عليها، ولكن لا بأس بتفصيل صغير، فالعقل المؤسساتي لم يحترم النص ولا منزله جل جلاله، عندما احتكر المعنى، وكأنما العلي القدير كان عاجزاً(حاشا وكلا) عن بيان نهاية المقصد إلى أن تفضل الطبري وبين لنا لمرة واحدة وإلى الأبد المعنى النهائي، وكأن الإسلام كان بحاجة إلى الشافعي حتى يكتمل بشكل كامل ليس من بعده ضرورة لنسقية جديدة في الفهم.. الإسلام المأسور للفقهاء لن يتقبل أي مبدأ يدعو إلى حرية الفكر والعقيدة، ولذلك سيجابه بالحوار مداهنة إذ يضعف، أو بالصدام مقارعة إذ يقوى…
ومسألة قداسة النص يا سيدي مسألة حساسة، فالتقديس صنو الإقالة، وكل ما تقدسه أنت تقصيه عن شؤونك، وكلما بالغت في التقديس كلما عنى ذلك أنك تتحرر مما تقدسه أكثر، إلى أن يتحول إلى تعويذة أو حجاب أو رقية (وياللسخرية: شرعية؟!)… النص قانون الله في الأرض، والفضاء الكوني الرحب الذي تتماثل في رحابه النفوس للشفاء، ما لم يتوسط أدعياء الوصاية على معناه…. ما جدوى نص لا يستجيب لقارئه إلا إذا بورك من قبل مؤسسة؟
لذلك أقول لك أن القداسة لا علاقة لها بالتصديق والتدبر والتأمل، والقرآن لا يحتاج إلى قداسات تحتكر معناه، إنما هو دستور يرتقي بروح قارئه كلما تمكن من تحرير نفسه من رسوبيات الفقه النقلي، ليس بتدمير تلك الرسوبيات وما دعا إليه بعضهم بنوع من القطيعة المعرفية مع التفسيرات المتراكمة، إنما من خلال الدراسة والتفهم وإدراك أنه ما من تفسير مقدس، وما من تفسير يجب تقديسه بدعوى تقديس النص الأصل.

1- النص القطعي الدلالة وقطعي الثبوت ، و النص قطعي الدلالة ظني الثبوت والنص ظني الدلالة قطعي الثبوت و النص ظني الدلالة والثبوت .. وكل هذه الاختراعات التي اخترعها المؤسساتيون، ويتحامى بها خريجو العقل السلفي والنقلي، هي تصنيفات لاحقة لا تحدد بالضرورة المقصد النهائي للمعنى. لذلك لا أود المضي في بسط رؤيتي لهذا الأمر فهو حقل معرفي بحد ذاته ويتطلب حواراً خاصاً.
بل القضية يا أخي الكريم د استفهام هي في احتكارية قراءة النص ، و في غلق باب الاجتهاد ، فهذا الاحتكار وهذا الإغلاق هما سبب كل القراءات العبثية للنص وما يحف به، لأن العصر يتطلب، والعقل النقلي يحرم كل شيء، لذلك ينمو التلفيق وينحاز الناس إلى الزيغ الذي لطالما لعنوه….
ولا يمكن للاحتكار والإغلاق أن ينتهيا ما لم نبادر بروح ليبرالية إلى تفهم حق الجميع في البحث والفهم والتدبر…. بل حتى التجديد بأدوات متجددة.

النقاط كثيرة والحوار متشعب… والواجبات أكثر من الأوقات….
شكرا لاهتمامك .

د استفهام

أهلا بك أستاذ مهيار …

يسعدني الحوار معك في هذا الموضوع ..

لكني أؤكد على رفض قضية ” التجاوز ” ، وخاصة في الأفكار الأساسية التي نتناقش حولها ، فحين آتي بقاعدة كلية تنقض أو تؤثر على رؤية المقابل ، فلا يصح أن يتجاوزها بناء على أن المسألة حوار ثقافي ، أو سجال فكري ، لأننا إن انطلقنا من هذا سوف نبدأ هنا في الكلام ولا نقف إلا على سواحل نيويورك ..

سوف أعود لأبدأ معك الحوار من آخر فقرة كتبتها .

شكرا لك على ثنائك ، وأنا أحيي فيك خلقك وأدبك في الحوار .. وفكرتك التي تنافح عنها ، ولكني أرد فقط أن لا تأخذك الليبرالية بنسبيتها ، فتتيح لك الترحل والقفز في مسارات فكرية كثيرة بحجة ” الحرية الفكرية ” ..

شكرا لك أخرى !

مهيار

أهلا بك عزيزي د استفهام في حوار أتمنى أن يضيف الكثير إلى كل منا…
أشاركك الرأ]ي في مسألة عدم التجاوز، وأنتظر تعليقك على الجزء الأخير من ردي الثاني، بالاضافة إلى تفاعلي الثالث مع آرائك… وليس لدي من مشكلة في مناقشة كل جانب على حدة…
وأشكرك على ثنائك بالمقابل… ونصيحتك حول الترحل… وأؤكد لك أني اجتهد في سبيل مناقشة ما تطرحه أنت.. ولكن مثلما تجد في حديثي مسلمات لايصح القفز عليها، أجد لديك مسلمات لايمكن المرور عليها مرور الكرام وكأنها مسلمات لدي أيضا… المشكلة تكمن في أن المسلمة تمر لدى كل منا سريعاً… ولكنها تستشكل على الطرف المقابل… ففي ردك الأخير تزاحمت هذه الأفكار التي تسلم بها وتمر بها سريعاً، وهي بالنسبة لي ليست مسلمات إنما قضايا يجب إعادة النظر فيها… والحديث فيها طويل وشائك ومعقد لايمكن معالجتها بجمل مقتضبة.
وما تجده يمثل قاعدة كلية قد لا يكون بنظري كذلك، فقد أراه مشكلة جزئية من مشكلة أكبر، بمعنى أن المعالجة يجب أن تتجه نحو كلية أخرى تضم هذه القاعدة..
ما أتمناه حقيقة وأنا أطرح فكرة، لا أن أنتصر لها كيفما اتفق، أنما أبحث عن كونها تستحق أن أنتصر لها… وأرجو أن يكون واضحاً أنني هنا لا أنافح عن كل ما صنف على أنه ليبرالي عبر العصور.. ولكني يقيناً استفدت من جون لوك في تشكيل نظرة إنسانية تحترم الآخر المختلف عقدياً أو ثقافياً أو غير ذلك… أكثر من كل تراث الاستعجام في تراثنا الفقهي الشاسع…
كل التقدير والمودة.

د.استفهام

الاستاذ الكريم مهيار ..

بداية فيما يتعلق بمسألة ” التبادح ” بالمصطلحات ، أذكر الأستاذ عبدالعزيز حمودة ، وهو صاحب مشروع الخروج من التيه والمرايا المقعرة والمحدبة عاش في ظل الحداثة قرابة الثلاثين عاما ، وكان النسق الكلامي والمعرفي مشكله عليه وصعب من باب حشد المصطلحات العائمة ، وكثرتها التي تحتاج إلى وقفة مع كل مصطلح ، والعمر ينفذ ولم ينتهي التأمل في المصطلحات المولدة التي يفهم كل مفكر معنى خاص به ، ويقول أنه كان يظن ان المشكلة في ” نافوحه ” الذي لا يفهم ، ثم اكتشف بعد تأمل أن المشكلة ان الكلام لا معنى له !

وأنا حقيقة لست ضد استعمال أي مصطلح ، لكن هذا المصطلح لابد أن تتوفر فيه شروط ، ومن هذه الشروط أن يكون متداولا يعبر عن معنى محدد ، أو يكون خاصا فلابد أن يبين الإنسان مقصده منه ، فلا مشاحة في الاصطلاح عند الاصوليين إذا كان المصطلح متعارفا عليه ، أو مبين المعنى حتى يفهم مراد القائل .. هذه مقدمة فقط !

ولعلي أبدأ مبصطلح” الإسلام المؤسساتي ” ، فحقيقة لا أخفيك أني وقفت عاجزا عن تحديد معنى لهذا المصطلح ، وقلت لعل أقرب معنى في كتب الفكر الحديثة هو مصطلح ” المدرسيّة ” ، وقلبها الأخ إلى مؤسساتية ، لأن المؤسسة حتى بالعرف اللغوي والحديث تدل على مجموعة تعمل سويا ، ولها وجود موضوعي في وقت ما ، فإن كنت تقصد بالمؤسساتية أي أنها تقوم على ” اسس ” من أسس سؤسس تأسيسا ، فهذا ليس مذمة أبدا ، فمن شروط المنهج الإنطلاق من أسس معينة في تعاطيه مع حقله المعرفي ، وأعتقد أن الفكر الإسلامي له تراث قويم في هذا لا يستطيع أحد أن يسلبه قيمته بإطلاق حكم ” منفر” عليه ، فألفاظ ” الماضوية ” ، و ” الرجعية ” ، و ” الأصولية ” لم تعد مجدية في التعاطي مع ” التراث الإسلامي ” ، لأنها أحكام معلبة وجاهزة ، ويقصد فيها الإنزال من القيمة ، والغريب أن هذه السمة موجودة في كتابات المفكرين العرب ، بينما تجد المستشرقين أكثر إنصافا للتراث الإسلامي وحتى للنص الشرعي المؤسس من المفكرين العرب ، لانهم ينطلقون من منهج ابستمولوجي معرفي ، وقد سلم البعض منهم من المنطلق الايدلوجي في تعاطيه مع هذا التراث ، وخدموه بشكل منقطع النظير ، واكتشفوا جوانب عظيمة في تاريخه ، فالمستشرقون الذين اعتنوا بالسنة مثلا ، ودرسوا علم ” الحرج والتعديل ” و ” الحكم على الرجال والأسانيد ” أقروا بعبقرية الرجل المسلم في وضع منهجية منضبطة في الحكم على التراث وتنقيته ، الأمر الذي لم تعرفه البشرية لا قبل الإسلام ولا بعده ، من خلال اشتراط السلسلة الموصلة إلى المتن والقول ، وفحصها ومقارنتها بغيرها من الأسانيد ، واستخراج العلل والشذوذ ، ومعرفة اللفظ ” المدرج ” الذي أضافه الراوي بلا وعي ، من خلال مقارناته بالمرويات الأخرى ، ومعرفة الضعيف من الثقة من خلال سبر مرويات الرواي ومخالفاته لغيره ، فكان منهجا عظيما وعقليا في الوصول إلى صحة القول قبل بناء الأحكام عليه … فهل يوجد هذا النهج في تراث غير التراث الإسلامي ؟؟

تقول يا أستاذ مهيار :

ليست المصطلحات من باب البذخ والترف ولا المبادحة، هي لغة العصر يا سيدي، ففي حين ترى كلامي مليئا بالمصطلحات، غيرك يرى أنها لغة بسيطة خالية من المصطلحات، وأظن أن المشكلة تكمن في مدى تفاعلنا مع التطورات خاصة في الحقلين الفكري والاجتماعي، فالتطورات العلمية، بما تأتي به من براهين دامغة قابلة للقياس عبر الحواس الخمس ترغم أنوف المؤسساتيين على تعديل بيانهم الفقهي وتفسيراتهم التوقيفية، لأن هناك ما لا يقبل التأويل والمخاتلة والالتفاف، أما الحقائق الاجتماعية المستجدة، فبينهم وبينها سنين ضوئية، وتستعصي عليهم بدافع توقيفي، وهم نائمون على المعنى الرابض على الصدور منذ قرون كثيرة، تتطور المجتمعات وتتخذ أساليب حياة أكثر رفاهية وحركية وإنتاجية، بينما لا نزال نختزل الإسلام في دشداشة ولحية كثة تزاحم الكروش وسيقان كسيقان الجمال لابد أن تبدو للناظرين حتى يكتمل الإيمان، ولابد من لعق الصحن وغمر اليد في دسم الطعام حتى نكون أوفياء لسنة شكلية، لا سنة قصدية.

وأنا أقول ليست المشكلة في سهولة العبارة ولا في تعقيدها ، بل في وضوحها وعدم خفائها ، فإن كنت تصطلح على شي ثم يكون المعنى مخبئا في ضميرك فلن استطيع أن أتعاطى معك فيه ، فإن لم تبين لي مثلا معنى ” الإسلام المؤسساتي ” بشكل اضح ، لا استطيع ان اتعاطى معك في نقاشه ولا في فهمه ، وخاصة هذه المعاني ” المركبة ” التي ينتجها الفكر الخاص .

ثم إني أخي الكريم أكره ” اللغة الهجائية ” في النقاش المعرفي ، فانا معك في خلل” احتكار ” الإسلام في مظاهر ، وأكره تبسيط فاعليته بالحياة من خلال تطبيقات لبعض السنن المختلف فيها ، ولكني في مقابل ذلك لا يحق لي أن أخذ من الإسلام ما أهوى بناء على رغباتي الخاصة ، أو أقلل من شأن وارد فيه بناء على أنه لا يدخل في صلب قناعاتي الشخصية ، والمشكلة ان الرجل الليبرالي الآن لا يقرأ الإسلام إلا من خلال ما يجده هنا وهناك من نصوص قد تدعم موقفه الفكري ، والرجل العقلي لا يعرف الإسلام إلا من خلال بعض البراهين العقلية التي عرضت فيه على اثبات الألوهية اوالنبوة ، والجيلوجي همه أن يكتشف معرفة علمية يثبتها من خلال القرآن ، والطبيب يبحث عن ما يؤيد نظرياته الطبية من خلال الإسلام ، وغيرهم كثير كل واحد يحاول ان يجعل القرآن ينطق بما يريد ، وليست هذه المشكلة ، بل المشكلة هي في الاستهانة بشأن ما سواه ، فالرجل المادي الذي يقيس الناس بمستويات الانتاج والرفاهية والتقدم لا يريد إلا إسلاما يتكلم بهذا ، ولو حصل له أن يمسح الآيات التي تعكر على صفوه الدنيوي من ذكر الموت والقيامة والآخرة والحساب ، أو بعض الأمور التي لا يراها مهمة مثل التفصيل في المواريث او في الوضوء او في العلاقة الزوجية ، لفعل هذا ، وهو شبيه جدا بالجماعات التي جعلت “الحاكمية ” هي الإسلام ، فلا تنظر للمجتمع ولا للحكومات إلا من خلال ” الحاكم وطريقة التعامل معه ” ، ومثله الخطاب الوعظي الذي يشعرك بأن الإسلام جاء فقط ليخوف الناس من النار ، ويدخلهم الجنة فقط ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في جانب الوعظ كان ” يتخول الصحابة بالموعظة مخافة السآمة عليهم “، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من كثرة الوعظ حتى لا يسأم الصحابة ، فكيف بمن جاء بعده ممن هو أقل منه علما وتقوى وخشية وفصاحة ؟ ولذلك مرت عائشة رضي الله عنها يوما على قاص يقص بالحرم وقد أكثر الحديث فقالت : ( يا بني اقصر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كلمات لو أراد العاد أن يعدها لعدها ) .

ولذلك أراك أخي مهيار وقعت بهذه الإشكالية من خلال نزولك على بعض من يمارس قناعاته بتقصير الثوب وإطالة اللحية ولعق القصعة وذلك من جانبين :
الأول : أن هذا خارج إطار العلمية ، فهؤلاء يعتمدون على نصوص صريحة في سنية هذه الأمور ، ولو خالفهم أحد فيها فسيكون على الأكثر قولا ثانيا .. فهم متسقون مع منهجهم المعرفي ولا يحق لك مصادرة اختيارهم بهذه الطريقة ..
الثاني : من منطلق ” ليبرالي ” فهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم من معتقدات أو سنن او طريقة في التعاطي مع المسائل ، فالمجتمع الليبرالي أتاح للناس التعري إلا بحدود ضيقة .. فكيف يضيق الليبراليون برجل قد قصر ثوبة .. فإن كانوا يتضايقون من رؤيته فليغمضوا أعينهم عنه ..وأراك هنا خرجت عن العلمية من جهة ، وعن دعوى الليبرالية من جهة أخرى .

تقول هنا :

المصطلحات التي تشتكي منها يا سيدي ليست غريبة عليك كما أظن ولكنك تتبرم منها لأن معظم التيار الذي تنافح عنه ربما لم يسمعوا بها ولم يحاولوا أن يقرؤوا جديداً، ولا يقدرون على مغادرة الكتب الصفراء خشية أن تتوه بهم السبل، ولكنها أصبحت لغة أبسط المطلعين على التراث الإنساني الحديث وخاصة في الحقول الاجتماعية والفلسفية، وعموما هي لم تعد غريبة حتى في واقعنا، بل عبئت بالدلالات وأصبحت مستساغة في المجال الثقافي، ولكن متخصصو الإسلام المؤسسي غير قادرين على مغادرة كهوف الغابرين.
ولعلك يا أخي لو كنت تقر أن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بموقف فلسفي للحياة، لوجدت أن ما من وعي ينشأ بعيداً عن الفلسفة، ولا معنى يتم تأسيسه بمعزل عن الفلسفة، وما من شريعة قامت إلا وسبقتها دواع فلسفية، ولعل موقفك هذا كان عوناً لك على تفهم المصطلح بدلأ من الشك فيه واعتباره سبة أو ربما استهزاء، فاللامعقول الديني حقيقة واقعة وتفقأ العين، وإلا لكنا نتنكر للغيب، ولقلنا لمن لم يدرك مسائل الإيمان بالله أو أداء الصلاة: انتظر ريثما تأتيك الحقائق العلمية الحسية لكي تؤمن أو تؤدي الصلاة… الأديان تقول على عناصر غيبية جمة، ولكن التصديق يختزل الطريق، لاشك أن الإيمان بحد ذاته مسألة فلسفية، فالنظر في الكون والآفاق هي من أسس الفطرة، التي تشعر بوجود خالق من خلال موقف فلسفي أصلاً، أما الرسالة والرسول والكتاب، فهي تقابل بالتصديق دون طلب براهين حسية على كل شيء، ليستقر المعنى في القلب فيصدقه العقل دون استخدام أدوات.

فيما يتعلق بالمصطلحات .. فقد بينت وجهة نظري في الأعلي وموقفي منها ، ولكني أخالفك في وجهة نظرك حول أن المعنى لابد أن يسبق بموقف فلسفي ، وهنا سوف ندخل في إشكالية الإسبقية بين الوعي أم الواقع ، ولكني الحظ فيك نزوعا إلى جعل ” المعرفة ” القائمة على التصور والتصديق معتمدة على ” المادة ” ومن ثم أسباغ الحكم عليها بالمعقولية ، والصحيح أن المعقول ياتي من خلال التصورات الأولية الفطرية التي لا يحتاج الإنسان إلى الاستدلال عليها ، فهي تنشأ معه منذ الولادة ، ولو اشترطنا المعقولية في هذا فلن يفسر الإنسان سببا معقولا لوجوده الخاص ، مع أن ديكارت يرى ان كل ما في الوجود معقول ، والثاني المعارف التي تنشأ من خلال تفاعل الإنسان مع الواقع ، وهذه القضايا العقلية النسبية تختلف من شخص لآخر باختلاف نظراتهم للواقع ، فما تراه أنت معقولا ، يراه غيرك غير معقول ، وهذه إشكالية كبرى حصلت مع كثير من معاني الشريعة عند الاتجاه العقلي العربي ، فبمجرد أن يرفضها ” ذوقه ” ، أو عقله ” النسبي ” يضرب عليها بختم عدم المعقولية ، ولذلك فمسائل الإيمان وقضايا الغيب وأحكام الشرع هي تابعة في أصلها للإيمان بالنبوة التي تقوم على أدلة عقلية في صدق النبوة ودلائلها ، وهي تحتاج لمبحث خاص ، فإذا ثبت صدق النبوة ثبت عقلا كل تبعات هذا الصدق ، لأن الشريعة لم تأت بما يحيل العقل وقوعه ، بل أتت بما لا يستطيع العقل دركه ، وفرق بين الاستحالة العقلية ، وبين عدم القدرة على الإدراك، وذلك بسبب ” قصور ” العقل عن الإحاطة بالأشياء ، وهذا هو ” مأزق ” المادية الحديثة التي وقعت في ورطة ” الغيب ” من خلال كشوفاتها العلمية التي أثبتت أن مقدار ما يرى إلى مالا يرى في الكون لا يتجاوز العشرة بالمائة ، فهم يبصمون بوجود أشياء كثيرة من خلال إدراك آثارها لا كنهها وماهيتها ، ولذلك فجعل ” المادية والحس ” هي مصدرية المعرفة وحصرها فيها قضي عليه بالانشطار الذري الذي أثبت وجود الآثار المرئية من أشياء لا ترى .. وهكذا هو الغيب الذي فتح الله للرسول صلى الله عليه وسلم بابه له .. فعدم إمكانية الاطلاع عليه ماديا لا يعني عدم وجوده حقيقة ..

أرجو يا استاذ مهيار أن تتيح لي فرصة إكمال باقي النقاط .. حتى ترد علي بانتظام بلا تداخل .

شكرا لك .. ولي عودة قريبة إن شاء الله !

د.استفهام

قال الاستاذ مهيار :

الليبرالية صارمة ومنضبطة، وإلا لما كانت منهجية، ولما وقفت في وجه المنفلتين، الليبرالية صارمة في فهم حرية الاعتقاد والرأي، ومنضبطة في مسائل المساواة والعدالة الإنسانية، وليس من قاض ليبرالي يفصل بين زوجين متحابين بدعوى النسب ويشرد الأطفال، الليبرالية هي احترام الإنسان ما بقي محترماً، فإن لم يكن فكف يده عن الأذى، فإن لم يكن فرهن مصيره لمؤسسة قانونية تتطور باضطراد وتتكامل رؤيتها عبر الزمان، فلا تستكين لتوقيف، ولا تستذل لمذهب. الليبرالية تكفل لك حرية اعتقادك، ولكنك لن تكفل لليبرالي والمسيحي ومخالفك في المذهب أيضاً حرية الاعتقاد، بل كل تراث اللا إكراه العظيم يطوى تحت ثقل عقل تكفيري وتسفيهي واستعلائي ومستبد. الليبرالية تتخذ الحوار إستراتيجية، أما العقل الفقهي المؤسساتي حتى وإن تقبل الحوار فإنما يرضى به خياراً تكتيكياً في مرحلة الضعف، فإذا استقوى انقض على الآخر وأذله عرقياً ودينياً وثقافياً…

نعم .. لك أن تقول في الليبرالية ما تشاء ، وتظفي عليها صنوف المدائح التي لا تنتهي ، ولكن هذا لا يغني عن البحث المعرفي شيئا ، فأنت تتكلم عن ” الليبرالية ” وكأنها شي كلي خارج الذهن ، ولا تتكلم عنها باعتبارها ” فكرة ” لها نشأتها وظروفها الموضوعية ، ولها منظروها الذين لم يجتمعوا في مجلس ليقرروا مبادئها الأساسية ، بل كانت خليطا من الأفكار التي تولدت في تعاقب تاريخي ، فهي خليط من أفكار جون لوك السياسية ، وبين المدرسة النفعية القائمة على المتعة واللذة ، عند بنتام ، ووجودية ديوي ، وغيرها من الأفكار ، ولذلك لا تجد كتابا واحدا يتحدث عن الليبرالية كمنهجية في التفكير ، صحيح أن إطلاق العنان للأفراد ان يفعلوا ما يشاءون هو مبدأ ليبرالي ، ولكنه ليس مبدأ مكلفا ، بل هو مبدأ طبيعي لأي فوضوي في الحياة ، فهي مثل الرجل الذي يترك أبناءه يفعلون ما يشاءون حتى لو كانوا سيهلكون في الاختيارات بحجة الحرية .. ومبدأ التحرر .

الغريب في الأمر أخوي مهيار أنك ترى ” الليبرالية ” منهجية صارمة ومنضبطة ، ومن أسس الصرامة والانضباط الثبوت والاستقرار المعرفي ، فلا يمكن لقاعدة حاكمة على الفكر أن تكون مترحلة ، ومع ذلك ترى ان الليبرالية من ميزاتها الترحل والتبدل والتغير ، وهنا يقع الليبرالي في فخ ” النسبية ” ، أو لعلها أقرب إلى مفهوم ” الثابت والمتحول ” ، فيقع في ” الفلسفة العدمية ” ، فعلماء الأصول في الإسلام قرروا قواعد تضبط النظر والاستدلال الشرعي قبل ألف سنة ، ويستطيع ان يستخدمها الإنسان الآن بأي ظرف من الظروف ، وهنا يصدق عليها الانضباط والصرامة ، والقواعد العقلية الكلية المبدئية تكلم عنها افلاطون ، وقررها ابن تيمية ، وهي إلى الآن تعيش مع كل شخص ، ولكن قضية ” النسبية ” الليبرالية ترفض ” الثبات ” في الفكرة بناء على غياب الحقائق المطلقة في أي شي ، وهذه مشكلة الليبرالية المعرفية .

الذي لم يدركه الليبراليون الذي لا زالوا يحتفظون بالانتماء للإسلام أن الجو الذي صنعت فيه الليبرالية وطبخت في الغرب ، ونتجت من خلاله الأفكار التحررية هو جو ” الألحاد والمادة ” ، وكل فكرة ليبرالية خرجت في الغرب هي فكرة مادية إلحادية في أصلها ، فالدارونية هي في أصلها وقوف أمام قضية خلق آدم التي جاءت به الأديان ، والفكرة الماركسية قامت بناء على أزلية المادة وفكرة انكار الخالق ، فكانت هناك ” إشكالية بن العلم والدين ” وبين ” الدين والحياة ” ، فكان الموقف من ( الدين ) في الغرب هو المهيمن على نشوء الأفكار التحررية الليبرالية التي صنعت الغرب ما بعد النهضة ، ولذلك فمحاولة التوفيق بين الليبرالية والإسلام هو محاولة توفيق في الأصل بين الاسلام والمادية الإلحادية .

ولذلك فاعتبار ” مركزية الإنسان ” في التفكير الغربي هو من باب إحلال ( المخلوق ) مكان ( الخالق ) ، وكسر الجانب الخلقي ومعايير الشرع الاقتصادية هي ناتجه من تحييد الدين عن العمل في جوانب الحياة ، وطرح قضية المساواة بين البشر هي من باب مركزية الانسان في الواقع ، ولذلك فتعريف الليبرالية لا يمكن ان يحصر في نطاق إلا من خلال ما تضاف إليه ، فالليبرالية السياسية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية الاجتماعية لها مفهومها الخاص ، والليبرالية القيمية لها مفهومها الخاص ، يجمع هذه الليبراليات مفهوم جامع هو ” التحرر ” من كل قيد خلقي او اجتماعي او اقتصادي .. وتعظيم دور الفرد في الحياة .. بناء على مركزيته فيها ..

سوف أعود إن شاء الله لإكمال بقية النقاط في مداخلتي القادمة إن شاء الله ..

واعتذر عن التأخر بسبب بعض المشاغل

مواصلة للحوار مع الأخ الكريم مهيار ، أحب أن أشير إلى عدم إمكانية كل فكرة يقولها المقابل من باب تذمر بعض الإخوة المتابعين من الإطالة والتعقيد في بعض المصطلحات ، ولكني أؤكد على ضرورة العناية بالمسائل الكلية في النزاع ، فالرجل الليبرالي الذي يقف موقفا من ” الدين ” ولا يرى مرجعيته للحياة لا يمكن أن يناقش في أي جزئية فقهية او عقدية أو تاريخية حتى يتم الحوار معه من خلال ” المرجعية ” الدينية ، وإلا لكان الأمر عبثا وتطويلا للكلام بلا فائدة ..

وأنا هنا أعلن مرجعيتي للإسلام ، وأعلن كذلك أن موقفي من الليبرالية لسببين :

الأول : أنها تخالف الأسلام من حيث منطلقاتها ورؤيتها للأمور ..
الثانية : أنها منزوعة القيمة الأخلاقية ، ولا تؤسس لأي فكرة تستحق التأمل ، وكل الأفكار المدعاة ملكيتها لليبرالية ، فهي قد سبقت الليبرالية واتفقت عليها عقول البشر قبل الليبرالية وبعدها ..

والذي أعجبني في حوار الأخ مهيار هو في ” اعتباريته للإسلام كمرجعية ” ، ولكنه في مقابل ذلك يقع في تحييده عن أشياء كثيرة .. فكأنه يقول هو مرجعية لا يرجع إليها .. وهذه مشكلة كبرى تجعل الحوار فيه مشقة من هذا الجانب ، ولذلك أرجو من الأخ تجلية هذه القضية بشكل واضح ، فإن كان يعتبر ( الوحي ) مرجعية فليخبرنا ، ثم يحدثنا عن حدود هذه المرجعية … وإن كان لا يعتبره مرجعية … فأعتقد أن الحوار معه سيتحنى منحى آخر يتجاوز المحاولة التوفيقية بين الاسلام والليبرالية ..

يقول الإستاذ مهيار :

الليبرالية تفرز بين المعقول واللامعقول، ولكنها لا ترغمك على التنكر لـ (لامعقولك) الديني أو حتى الثقافي أو حتى الخرافي .. ولكنها ترفض فرض لامعقولك على أي إنسان.
تبيح لك الدعوة إلى رأيك ورؤيتك ورؤياك، ولا تغمط أي أحد هذا الحق، بمعنى أنها لا تؤثرك على سواك لأسباب غيبية أو ثقافية، إنما بقدر ما تقدمه للبشر من فائدة.
الليبرالية ليست خروجا عن الإسلام، بل هي هجرة إلى الإسلام، هجرة إلى الإسلام الفضاء الكوني الملهم الذي أعلن نهاية الطفولة البشرية، وختم الرسالات بما يعني أن البشرية قد بلغت النضج، وباتت قادرة على اكتشاف الأفضل من خلال العاقبة، فلننظر يا سيدي كيف هي عاقبة الليبراليين وغير الليبراليين… ومن الذي يسود في عالم اليوم!
ما تشعر به من ضبابية الليبرالية هي نتاج تآلفك للمذهب الذي يرى وجها وحيدا للحقائق وزاوية وحيدة لا محيد عنها، فتلك الضبابية ليست مثلبة، بل هي منقبة عزت اليوم علينا بعدما كانت واقعا ومطلباً في بواكير الإسلام اللامؤسسي، والتي مهدت للمذاهب المتعددة أن تتشكل وتختلف لتكون رحمة بالعباد.
الليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.

لو استطعنا ان نحصر التعريفات التي ذكرها الأخ مهيار لليبرالية في مداخلاته سوف نجدها كثيرة ومختلفة ، لأن المصطلح أصلا عصي عن التعريف ، وهو مفهوم له قدرة على التشكل بكثير من الظروف ، ولكن القضية التي لم استوعبها في قضية الليبرالية وأرى انها متناقضة جدا هي أن الليبرالية في أصلها هي دعوة إلى ” التحرر ” ، والتحرر يعني كسر القيود والمرجعيات والأعراف والسائد الاجتماعي ، وهذه كانت من سمات الليبرالية في بواكيرها وترحلها التاريخي ، ثم هي تعرض نفسها على أنها أيدلوجيا أو فكرة صارمة ومنهجية منضبطة ، فكيف يتم التوفيق بين هاتين الفكرتين ، فكيف لليبرالية أن تؤسس قيمة أخلاقية وهي في نفس الوقت تدعو إلى التحرر من قيود الأخلاق ، وهي في هذا الوقت تخرج الناس من الأنساق ، ولا تدخلهم في أي نسق ، وكيف لليبرالي السعودي المسلم أن يوفق بين ” الليبرالية ” التي تكسر السائد ، ويستطيع في نفس الوقت أن يحافظ على قيم الإسلام الصارمة ، وخاصة فيما يتعلق بالشأن العام ؟ وكيف له ان يقرر أحقية الناس بالترحل من الإسلام إلى أي دين وفكرة ، في الوقت الذي يرى الإسلام شريعة إلهية قطعية لا تقبل المساومة ؟ وإن كان ينكر أن يقتل ” المرتد ” ، فكيف يتعامل مع ترتبات الردة الشرعية من الطلاق بحكم الإجماع على عدم جواز مكوث المرأة مع زوجها المرتد ، وعدم دفنه في مقابر المسلمين ، بل ونزع ولايته .. فكيون الخيار في هذه المرحلة صعب بين الإسلام والليبرالية .

القضية يا استاذ مهيار الآن بيننا ليس في ممارسات متعسفة في فهم النص هنا وهناك ، ولا في السقوط الحضاري الذي انتاب الأمة في كثير من مجالات حياتها ، وليست في غياب البعد الحقوقي والقانوني ،ومؤسسات المجتمع المدني ، وغيرها من المتطلبات الحضارية .. القضية هي في الموقف من ” الإسلام ” نفسه ، حيث يقع الليبرالي في إشكالية الرفض والقبول للإسلام لأنه لا محالة سوف يصطدم بالنص مباشرة وليس في تفسيره ، وخاصة النصوص التي ليس عليها مدار الخلاف الفقهي ، وهذه المهمة التلفيقية تجعل الليبراليين في خيار صعب جدا في محاولة الموائمة بين الاسلام والليبرالية ..

ثم الإدعاء بأن الليبرالية عندها القدرة على التفريق بين المعقول وغير المعقول هذه دعوى ولكنها تحتاج لإثبات ، لأننا نجد فلاسفة غربيون وشرقيون يجعلون مدار المسائل العقلية هي مشروعهم الفكري ومع ذلك يرفضون الليبرالية رفضا قاطعا ، فكيف تكون الليبرالية بهذه المثابة وهي أصلا تقوم على أساس ( الحقائق النسبية ) التي هي أقرب إلى مذهب السفسطائية القدامى الذين كانوا هم مضحكة التاريخ الفلسفي ، وكيف لها ان تفرق بين المعقول وغير المعقول وهي تطرح نفسها على انها ليست حاكمة على الأفكار ، بل هي معطية الحق للناس أن تفكر ؟ فهي لا تضيف أي قيمة معرفية ، بل تقول للناس فكروا .. ولو كانت لها قيمها الفكرية والأخلاقية لم تكن ليبرالية تحررية ، بل أصبحت فلسفة مثل أي فلسفة بشرية لها قواعدها ومبادئها الوثوقية التي تبشر بها وتدعي صحتها وإطلاقها ..

ثم إنك تجعل الضبابية في المفهوم الليبرالي ممدحة وليس مثلبة ، فكيف نستطيع ان نوفق بين هذا وبين كونها منهجية صارمة ، فلا يمكن ان تتوافق الضبابية مع الصرامة المنهجية ..

ثم أن هناك توهما أو تعمدا لاثارة موضوع الموقف الإسلامي من ” الحداثة ” باعتباره يرفض الحداثة بكليتها ، وهذه قضية غير صحيحة ، فالتفاعل الإسلامي مع الجديد ليس جديدا ، بل الخليفة عمر رضي الله عنه دون الدواوين ، وجعل للبريد مؤسسة ، وكلها كانت تجارب بشرية محيطة اكتسبها المسلمون من تماسهم الحضاري مع الأمم الجديدة ، فلا مشكلة بين الإسلام والتقنية ، ولا مشكلة بينه وبين التحديث والتطوير ، وإنما المشكلة مع الحداثة المادية التي تقضي على الأسس الأخلاقية ، وتؤثر على العبودية لله تعالى ، وتهدم الأسرة وقيمتها ، وتدعو للفحش والرذيلة ، واما الوسائل المجردة والمحايدة في طبيعتها فلم يقف أمامها أحد من المسلمين إلا الندر اليسير الذين لا يشكلون تيارا بل ولا جماعة صغيرة ، وهم أقرب إلى ” الآميش ” في امريكا والذين يرفضون كل منتجات الحضارة المعاصرة ..

ولا أعتقد أن هناك مذهبا من المذاهب ولا دينا من الأديان دعى إلى ” التفكر ” في ملكوت السموات والأرض ، ودعى الى السعي في الأرض لاكتشاف كيف بدأ الخلق مثل القرآن : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) ، فإن كان القرآن قد قرر إمكانية ان يكتشف الناس بداية الخلق ، فما دون هذه الحقيقة الكبرى كله داخل في الدعوة القرآنية إلى اكتشاف حقائق الكون كلها .. واكتساب المنعة والقوة المادية التي تنهض بالأمة ..

إننا ضد الحداثة التي تذيب الهوية الإسلامية ، وتقضي على التحدي والتميز الحضاري بالامة ، وضد الحداثة التي تجعل الإنسان مسلوب الإرادة والكينونة ، وضد الحداثة التي تحيل الإنسان إلى مادة صامتة جادمة لا روح فيه ولا إيمان ولا تقوى ولا انسانية ، التي تجعل المنفعة هي الهدف ، واللذة هي المقصد ، والحياة الدنيا هي دار القرار ..

ساعود قريبا إن شاء الله .. مع اعتذاري !

لليبرالية تجربة غربية أصلاً، ولكنها الرشد الذي يجب أن ننهل منه ولا نمتنع عنه لمجرد أنه نتاج الآخر فالحكمة ضالة المؤمن، ولست بصدد مناقشة إرهاصاتها وبسطها في هذا الحيز الضيق، والليبراليون أنفسهم لم يزعموا على لسان أي منهم أن الخداج لن ينتابهم، لذلك فكل منهم يشكل دافعا لخلفه، وليس مثلنا حيث السلف يقضي على الخلف قبل أن يحضر هذا الخلف، ليرث الأزمة والتأزم ويصارع الحياة مشتتاً بين أصولية تتطلب منه إغلاق العقل والفهم في وجه العصر، وحداثة تغزوه حتى فراش نومه… فهاهو أسفل المنبر يستمع لخطيب يزعق ويلعن ويهدد ويتوعد، فيعد نفسه بأن يكون على صراطه، ولكن ما إن يرتدي حذائه وهو خارج حتى يدرك استحالة ذلك.
ستسقط أنظمة وأنظمة، ولن تنجو الأفكار السقيمة أيضاً من الهلاك، وستذهب غير مأسوف عليها، ولكن الثمن سيكون غالياً وغالياً جداً بقدر ما نبديه ونبادر به من تزمت واستبداد.
ليس في الليبرالية من أمر ناجز، إنما هي تقف في وجه أي أمر ناجز وتوقيفي بمعنى آخر، فكل شيء يتطور ويتكامل ويتبدل ويتغير، قد يكون الترميم شأناً ليبرالياً، ولكن التجديد يزاحمه، فالمهم هو غد أكثر معرفة وعلماً وتجربة، وليست الليبرالية نبتة قطبية، إنما سلوك إنساني، وإنسان بادية الحماد لم يجد مشكلة في السياحة في السويد، ولا في الإقامة في تورنتو حيث درجة الحرارة تهبط دون 40 درجة مئوية. فالحرية هي هي سواء في الروكي أو في الصمان، والكرامة الإنسانية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير هي هي من واشينجوكو إلى خليج سان فرانسيسكو، مرورا بحوطة بني تميم، والقويعية والباحة ونجران…..، لذلك لا أقلمة ولا قسر، وهي تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة أو المناخات الجغرافية او التاريخية او الثقافية. وإذ كانت جغرافية النشأة حجة لعدم قبول الليبرالية، فلعلك توحي للأعاجم من المسلمين وغيرهم أن الإسلام نشأ في مكة على حافة صحراء كالجحيم، وفي مجتمع بدوي قائم على بطركية أبوية موغلة في الظلم والاستبداد، ولعله لا يكون صالحا لهند أو سند أو أندلس…

هذا النص من من الأخ مهيار يحمل فيه أفكارا كثيرة جديرة بالنقاش :

الأولى : ( الليبرالية تجربة غربية ) ، ولا بأس أن ننهل منها لأن الحكمة ضالة المؤمن ..

وحقيقة الليبرالية ليست تجربة غربية فحسب ، بل هي ” فكرة ” غربية والتجربة هي ” نتيجة ” للتأسيس الفلسفي الذي جاء عن تراكم تاريخي ومعرفي كان المحرك له الأول ” القطيعة مع الدين والميتافيزيقيا ” ، والنقاش هنا ليس في أخذ التجربة الغربية في جوانب الحياة ، بل في الحمولة الفكرية والمضامين لليبرالية ، وترحيل الفكرة الفلسفية للوصول إلى التجربة ، فإن التجربة لابد أن تنزل على واقع يتقبلها ، ولا يمكن لتمرير الفكرة الليبرالية إلا من خلال خلق الجو الذي يتقبلها ، ولا يمكن في واقعنا أن يتقبل الفكرة الليبرالية إلا أن يحسم وضعه مع ” النص ” والشرع ، وهذا هو الخلاف الجذري الذي سيستنزف الطاقات ، ويفتح باب المعركة على مصراعيه ، وعليه فإن الليبراليين إن لم يحددوا موقفهم من ” النص ” ، فإنهم سيدخلون في ” النفاق ” المعرفي الذي يظهر مالا يبطن ، وخاصة في مجالات الفكر والحركة التي تتعلق بالممارسات المجتمعية المحسومة شرعا ، ولذلك فالخلاف مع ” الليبرالية ” ليست في ” النهل ” من معطيات الحضارة المعاصرة بما يتوافق مع الشريعة ، بل القضية هي في ” الإحلال المعرفي ” لفكرة تعارض الإسلام في أصوله وفروعه ، وهي بهذا تعارض الأسس التي قامت عليها الدولة .. وهذا يعني مصادم السياسة والاجتماع في وقت واحد .

الثانية : ( السلفية = إغلاق العقل والفهم في وجه العصر ) :

وهذه دعوى ليست بالجديدة ، بل هي دعوى كل التيارات المناهضة للفكرة الإسلامية والمنفتحة على اللحظة الحضارية الغربية المعاصرة ، مع أن السلفية في تكوينها الفكري تقف أمام الخرافات والضلالات والبدع والمحدثات فيما يتعلق بتغييب العقل عن التأمل ، ويقف أمام الخرافة والشعوذة ، وتفارق غيرها في كسر ” المرجعية المطلقة ” إلا للنص الإلهي ، وهذا في أصله وقوف أمام ” الكهنوت ” الذي أذل الرقاب ، فهي دعوة تحريرية ، تحرر الإنسان من التبعية ، وتحرره من العبودية لغير الله ، وتحرره من الشهوة الجامحة ، وتجعل الحق والصواب هو المقياس لما يأخذ وما يذر ، ولذلك فإن الجابري في مشروعه لم يصنف السلفية والسنة في ضمن المناهج العرفانية التي تغلب العقل ، وإن كان أخطأ في إخراجها عن ” البرهان ” الذي احتكره للمغاربة ، وليست الممارسات السلفية التي شطت عن الطريق الصحيح هي التي تحكم السلفية ، بل يحكمها المنهج المعرفي الذي أصله علماؤها على مدار التاريخ الإسلامي .. وأنا اتحدى ان يأتي رجل واحد بنص أو موقف تأصيلي او قاعدة كلية تقف أمام أي منجز حضاري ، بل إني اجزم أن السلفية فيها من الدافعية إلى العلوم بمختلف مجالاتها ، والموقف الحاد من السلفية تجاه العلوم الفلسفية حين دخلت الفلسفة في قضية ” الإلهيات ” فأفسدت أديان الناس بحجج واهية ، وأقحمت العقل في غير مجالاته المعرفية ، ولم تكن هناك نتيجة إلا ” التيه ” الذي أحدثته الفلسفة في جانب الرسالة والنبوة والألوهية .

الإشكالية في ليبرالي قومنا انهم ينطلقون من ” تأزم ” نفسي تجاه السلفية والتيار الديني ، وهذا التأزم قطع عليهم التفريق بين الممارسات والأخطاء والاجتهادات ، وبين الأصول المعرفية التي يحملها أناس يقدمون صورة مشرقة للسلفية التي تحافظ على الأصالة وتنفتح على العصر بثقة ، ولذلك يعرضون السلفية كما يفعل الاستاذ مهيار هنا على أنها سيقان بادية ، وصراخ وعويل ، فهو ينظر إلى المقطع السيئ في المشهد ، ويتعامى عن الجوانب الأخرى ، وهذا كمن يدرس الليبرالية ويفهمها من خلال بعض السفهاء الذين جعلوا منها طريقا للتشويه والسب والشتائم والاستعداء .. فأقول في نفسي : هل المكائن واحدة ؟

الثالثة : ( ليست الليبرالية نبته قطبية .. بل سلوك إنساني ) :

هنا .. عدنا إلى إشكالية المصطلح ، فالآن أصبحت الليبرالية هي سلوك إنساني ، فما بالنا نرى الآن أن الإنسانية كلها ترجع إلى ” الأصولية ” ، وتنكفئ حول هواياتها الخاصة ، وتقف أمام دعوات العولمة الليبرالية التي تريد استذلال الشعوب باسم العدالة والحريات والديمقراطية التي يريدون ان يتجرعها الناس ولا يسيغونها ؟ وأين هذه الليبرالية العالمية التي تشكل السلوك الإنساني حين تفرض على الناس أنماطا بالقسر ، كما حصل في فلسطين والعراق وأفغانستان ، مع ان من المبادئ الأساسية لليبرالية الحرية للناس في اختيار طريقة العيش التي يريدون ، ثم هم يسلطون ترسانتهم الإعلامية لايهام الناس باليوتيوبيا الغربية التي هي نعيم على أهلها جحيم على الآخرين ..

الرابعة : ( الليبرالية تعبأ بمفاهيم لا تختلف باختلاف درجات الحرارة ) :

هنا مشكلة مصطلحية ، فهل الليبرالية محتوى يعبأ ؟ ووعاء حامل ؟ أم هي منتجة للأفكار ؟ وأنها صالحة للزمان والمكان ، فكيف نفهم أن الليبرالية ما دخلت في مكان إلا وحطمت قيمة الأخلاقية من خلال انتزاعها من أصحابها ، فهي تضرب في عمل المسلمات لأي مجتمع ، لأنها دعوة تحررية من كل قيد ، وهذا لا يمكن أن تتوافق مع أي قيمة ، وأي عقيدة ، بينما الإسلام جاء بما يتوافق مع الفطرة والعقل وهو دين إلهي محفوظ ، وليس من إنتاج مجموعة من الكتاب الغربيين المعتوهين الذين لم يستطيعوا أن يصنعوا لأنفسهم الحياة اللائقة فضلا أن يبشروا بها غيرهم ، ولذلك فأنا أرى ان الليبرالية من مصائب الحياة البشرية التي تقضي على كل نمط اجتماعي محكم ، وتنزع من المجتمع استقراره وكيانه من خلال إحلال بديل معرفي جديد لا يتوافق مع نسقه .. ثم هي ليبرالية ظالمة لأنها ليبرالية الرجل الأبيض النفعي الذي يتنازل عنها متى ما رأى في الاضطهاد سبيلا إلى توسعاته الاستبدادية والامبريالية .

سأكمل .. إن شاء الله !

د . استفهام

هذه المرة ” كحشت ” كلاما كثيرا للأخ مهيار حتى أستيطع أن آتي على أغلب مسائله السجالية والتي تحتاج إلى وقت أوسع من طبيعة المنتديات الحوارية التي في الغالب تعتمد على الأفكار الــ” فاست فود ” ، وسأحاول أن ألتزم بعدم ” التجاوز ” الذي ناديت به قبلا .

يقول الإستاذ مهيار :

نعم يا سيدي أنا من البعض الذي يطرب للتعددية ، وللحرية ، وللعدالة ، وللمحاسبة وغيرها ، وهي مطالب ليبرالية حقاً، والإسلام لم يخلو من الدعوة إليها، وهذه القيم وإن لم تكن من إنتاج الليبرالية التي لها سياقها التاريخي المعروف، فيكفي أن تكون مهوى أفئدة الليبراليين، وقد يكون هناك عيوب في فهمهم للإسلام ولأفكار الآخرين، ولكنهم حكما أكثر مرونة ووعيا وإدراكا للمنطلقات من المؤسساتيين لذلك عز التجديد على يد الفقيه المنعزل عن الفيلسوف والمثقف ..
الليبرالية لا تكون ليبرالية عندما تتعالى على أي مبدأ أو اعتقاد، ولست من أبواق ( اشتراكية الإسلام ) ، ( الإسلام العلماني ) ، و ( الإسلام الديمقراطي ) ، فهي ليست محاولات توفيقية، إنما هي محاولات تلفيقية، ولكني أجد أن الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات بشرط زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم، فلا مبرر لهما وخاصة في ضوء معايير دقيقة في النص الأصل بأن لا ينتاب هذا المعنى تأويل غرضي أو فيه زيغ، وأن لا يحتكر معنى مؤسس (بفتح السين الأولى) الأساس الذي قام عليه.لا يمكنك أن تتصور أن ” مسلما ” يؤمن بالله واليوم الآخر ثم بعد ذلك ينظر إلى بعض قضايا الغيب ثم هو يقول أن في الإسلام ( اللامعقول الديني )، أدرك ذلك وخاصة أن صفة اللامعقول ذات مردود سلبي بنظرك، ولكنه في المحصلة لا معقول لا يمكن تقبله برهاناً، إنما يتم قبوله تصديقاً، فعندما سخرت قريش من محمد صلى الله عليه وسلم وقالت للصديق أن صاحبك يزعم إسراء ومعراجاً، كان رد الصديق أنه طالما قد صدق أنه نبي، لذلك سيصدق كل أمر لاحق به…. هذا ما أعنيه بالتصديق حتى لا يلتبس الأمر ويغدو التصديق مصطلحا مختلفاً عليه!

وأنا أقصد بهذا أنه قائم على التسليم المتجرد من العلة والفهم وهو يوجد في الإسلام وغيره من الأديان، و كل قضية غيبية سمعية أو غير سمعية هي في حقيقتها ليست قضية عقلية ، وهي تختلف عن مسألة الألوهية، مع أن الألوهية بحد ذاتها تراوح في المجال الذهني، فتوصيف الإله توصيف ذهني في النهاية، وإن كان للإيمان به جل جلاله طريق عقلي على نحو تجربة النبي إبراهيم عليه السلام.
اختزال الفلسفة على الملاحدة ، وجعلها الحادية المنشأ والمصب هي علة مؤسساتية مستديمة لذلك سأتجاوزها وقد قلت فيها ما يكفي في رد سابق، واستغرب من قولك : “ونحن ولله الحمد حددنا موقفنا من الفلسفة حين اعتمدنا على منهج ( القرآن ) الذي يجمع بين البرهان والبيان في إثبات الحقائق والتصورات ، وإمكانية المعرفة الإنسانية عن طريق ( الحس ) ، وتكذيب احتكارية العقل للمعارف ، وتطبيقات المنهج التجريبي .. وتوسيع إطار المعرفة ليدخل فيها الوحي والحس والتجربة والحدس وغيرها” اسمح لي يا سيدي بأن أقرأ تناقضات حادة هنا بين البرهان والبيان من جهة وبين المعرفة الحسية، بين ادعاء المنهج البرهاني ورفض المنهج التجريبي… وهما لا ينفصلان إلا في ذهن مشوش… وفي زعمي أن القرآن قد ركز على التجربة والعاقبة أكثر من كل المعارف اللدنية والإعجازية.
للأسف سجناء أرسطو هم من لم يرتقوا إلى اليوم إلى مستوى المنجز الحضاري لحضارة اليوم والتي هي الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، هم الذين لا يزالون يتشاجرون على الاستنباطات المبكرة في الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، غير متنبهين إلى أن حضارة اليوم قد تجاوزت الأرسطية والارسطوطاليسية والاريستوفانية وكل من استفاد منهم، حتى الفقهاء منهم. ولا زالوا يرددون أقاويل ابن خلدون في مآلات الحضارة غير متنبهين أن حضارة اليوم لا يحكمها مفهوم خلدوني، بل لا يرتقي إلى فهمها من توقف عند ابن خلدون الذي لم يعد يصلح حتى لتفسير البداوة.
لقد قطف الغرب ثمار معرفتنا، وهذه منقبة، فلمَ نرعوي عن قطف ثماره ؟ أليست هذه مثلبتنا يا سيدي الموقر.وأهل الاعتزال المبكر في الفكر الإسلامي لم يسقطوا يا سيدي، وإلا لما شكلوا إلى اليوم قلقاً للعقل النقلي…والإسلام ليس فيه دعوى لكبح جماح العقل ولكن حيلة ترتيب دور العقل وما يخصه كان مدخلاً لإقالة العقل ومحاكمته بشدة، إلى درجة اعتبار التفكير صنواً للإلحاد…. لاشك إن المجموع الحضاري للإسلام الحضاري مذهل ولكنه للأسف مات مذ سيطر التوقيف والنقل والتخصص وكل وسائل الإسلام المؤسسي.

دعني يا سيدي أن أكشف أنا لك سر كيف أن المفكرين الكبار ، والكتاب المحترفين لم أجد منهم من يتبنى ” الليبرالية “… لأن المفكر الواعي والعاقل يدرك “تحصيل حاصل طالما قرر إعمال العقل والفكر، وليس من باب هلامية ” الفكرة وعدم استقرارها ، وعبثيتها ولا أدري كيف تكون الفكرة الليبرالية في أصلها فكرة ” عدمية “، وهي التي تدعو إلى واقع إنساني لا مكان فيه للاستعلاء أو الظلم. أرجو أن تزودني بأسماء مفكرين (كبار) تنكروا لليبرالية أو تبرؤوا منها وسنكون لك من الشاكرين.
ولست أدري بالضبط من أين تستمد معرفتك بالنصرانية حتى تهاجمها باستمرار بهذه الطريقة من التأويل ولي العنق، مع أن ما تنتقده فيها موجود بشكل ما في الإسلام بحد ذاته… كما أني أستغرب منك أن تدعوني إلى تصديق تقبل المسيحية لـ ” العلمانية ” دون أن تصطدم معها، لاغياً من معرفتي كل ذلك الصراع الدموي الباهظ الذي كان كلفة ذاك الاصطدام.
الطابع الثيوقراطي هل يغيب عن رؤيتك يا أخي الفاضل، إنه واضح وجلي في تعاملك وتحاملك على كل الاتجاهات، ووصفها على نحو فيه الكثير من الاستخفاف، وعلى أية حال فالشمولية التي تراها في النهج الليبرالي هي شمولية إنسانية لا دخل لها بأسباب السماء، بل لا تتدخل إلا لمنع الظلم باسم السماء.
ولست ادري أين التضاد بين الرؤية المسيحية: ( دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) والرؤية الإسلامية: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) فلا موضوع القولين واحد، ولانعدم داخل الأدبيات الإسلامية ما يطابق الرؤية المسيحية، ولانعدم أيضاً داخل الأدبيات المسيحية ما يطابق الرؤية الإسلامية! فلم استباحة الآخر في حين نشدد على حفظه لنا!

الفكرة الأولى : التعددية ، الحرية .. المحاسبة .. العدالة ليست من إنتاج الليبرالية ، ولكنها مهوى أفئدة الليبراليين :

وهذه الفكرة حقيقة من أعجب الأفكار التي ذكرها الأخ مهيار ، فحتى السمو القلبي المتوجه إلى القيم العليا جعله لليبراليين ، ففعلا هؤلاء الليبراليون هم أنبياء العصر ، فحتى نزعاتهم وأشواقهم تختلف عن أشواق غيرهم ، فهم يعشقون التعددية والمحاسبة والعدالة ، وغيرهم يحب التسلط والاستبداد والكبت والظلم .. فهنا لم يقتصر الليبراليون على امتلاكهم للقيم العليا ، بل امتلكوا أصلا التوجه إليها ، وعندي أن هذه ” رومانسية حالمة ” أكثر من كونها من باب ” التوصيف والتحليل ” الفكري ، لأن إثبات أن هذه القيم ليست من منتجات الليبرالية يقضي على الزعم بأن الليبرالية هي المنهج القويم والراشد الذي يبشر به الليبراليون في كل مكان ، وهي أشبه بــ” عملية السطو على التاريخ والدين والحضارة والقيم الإنسانية المشتركة ” ، واحتكارها باسم الليبرالية ، فإن كانت هذه القيم هي قيم ” عقلية ” فهذا يعني أن العقل البشري هو المرجعية وليست الليبرالية ، وإن كانت الأديان هي المرجع ، فهذا يعني ان هذه القيم من إنتاج الأديان ، ويبقى ان الرجل الليبرالي هو الذي يتاجر أحيانا بهذه القيم أكثر من غيره ، أو هو يتطعم ويتلذذها أكثر من غيره ، فيرجع إلى ان يكون رجلا ذوقيا أكثر منه رجلا منتجا للقيم .. وباعترافك أن هذه القيم ليست من إنتاج الليبرالية .. ولكنها كعبة الليبراليين المعبودة !

ثم إن الصراع والخلاف مع الليبراليين ليس حول قيمية هذه القيم ، ولا حول عدم نفعها للإنسان ومعارضتها لفطرته السوية ، وإنما الخلاف هو في ” حمولتها الفكرية ” التي تصطدم مع العقل والشرع ، فالتعددية مثلا ليست مطلبا في ذاتها ، لأن الناس لو استقاموا على رأي واحد في حياتهم كان أصلح لهم من أن يكونوا شيعا وأحزابا ، وخاصة التعددية السياسية التضادية ، التي تجعل المجتمع مشطرا بين أحزاب كل حزب يلعن أخوه ، ولا أقصد بهذا التعددية التنوعية المنتجة التي تثري الواقع بالأفكار والرؤى والمشروعات ، ولذا القرآن حذر من ” التفرق ” ( ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وقال : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ، وللأسف فحتى في الدول الليبرالية الغربية أصبحت التعددية بدلا من كونها تحقيقا للرفاه والاثراء الاجتماعي تحولت لتكون وسيلة للنفوذ ، وتسخير الإعلام والرساميل لتسليط الرسائل الإعلامية على الناس ليسيروهم على أهوائهم ، ومن كان جيبه مليئا بالمال كان هو الواصل للسلطة ، فبوش مثلا الذي وصل من خلال انتخاب ليبرالي حر صار نقمة على الولايات المتحدة ، لأنه جاء لأنه من آل بوش ، وتحالف مع هوامير الرساميل الذين جعلوه يفوز بالغصب .. فتشطر المجتمع ليكون هناك حكومة ظل باستمرار ..
أنظر إلى التعددية في الكويت مثلا التي جعلت منه دولة متراجعة إلى الوراء بدلا من التقدم للإمام ، ووضعهم السياسي والاجتماعي قبل هذه التعددية أفضل من هذا الوضع المحير ، وهذه التعددية لابد ان تتخذ من ” الديمقراطية ” وسيلة للتعبير عن النفس ، ولربما يزعل مني جموع الليبراليين في هذه المنتدى إن قلت بأن الليبرالية هي أفشل فكرة عرفها التاريخ ، بل هي قتل للعقل الاجتماعي ، وتسوية بين البليد والذكي ، وتهميش لدور العلماء والمفكرين ، وقتل للمثقف ، وتحكيم للرعاع ، ووسيلة لاختلاط الأدوار الاجتماعية ، وإقحام للناس في غير شؤونهم وأدوارهم الحقيقية ، ووسيلة للاستبداد باسم العدل، وهذا ليس رأيي فقط ، بل هو رأي عقلاء المفكرين الغربيين الذين يرون ان الديمقراطية بلاء على الإنسانية ، ونحن لا زلنا نتطلع إليها بشوق ، كأنها حبيب طال فراقه وحانت ساعة اللقاء !

لن آتي إلى بقية المصطلحات لأن كل واحدة منها تحتاج إلى إفراد لازالة اللبس بين ( اللفظ ) الذي يتمناه الأخ مهيار ، وبين ( الحمولة الفكرية ) التي تشوه هذا اللفظ وتخرجه من معناه الصحيح ، وفي هذا يكون المصطلح لا قيمة له البتة ، فالعبرة بالمعاني والحقائق لا بالألفاظ والرسوم .

ثانيا : ( الإسلام قادر على استيعاب كل التيارات شريطة زحزحة المذهبية الضيقة والمعنى الصارم ) :
وهذه حقيقة من أروع الجمل التي مرت علي في نقاشي مع الأستاذ وفقه الله ، إلا أن الإشكالية التي نكدت على جماله هو قوله ( زحزحة المعنى الصارم ) ، والأستاذ أظنه يقصد بالمعنى الصارم ما يسمى بـ ( الثوابت ) في مقابل المتغيرات وهو مصطلح عصري ، أو يقابل ( القطعي ) في مقابل ( الظني ) بناء على المصطلح الأصولي ، ولا أدري حقيقة ماهو ” الإسلام ” إذا أزحنا كل المعاني الصارمة منه ، وأنا أوافق الأخ مهيار على أن جعل الإسلام كله من المعاني الصارمة يخالف منطوق القرآن ، لأن الله تعالى يقول : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .. وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) ، فالقرأن بين ان في القرآن معان وأحكام محكمة ، لا خلاف عليها ولا تبديل فيها ، فتحريم الشرك وما يتعلق بأسماء الله وصفاته وربوبيته والفواحش الظاهرة ، والامر بالواجبات المتحتمة ، والقيم الأخلاقية العليا التي جاءت بها الشريعة وغيرها لا يستطيع الإنسان ان ينتزع منها ثبوتها إلا أن يكذب بالرسالة ، وهناك موارد اجتهاد وظن ، تختلف فيها أنظار الناس فهي نسبية من حيث الحكم ، ولا يقول الإنسان بانها من قبيل القطعيات الصارمة التي لا يجوز فيها الاجتهاد ولا التأويل .

أما قضية الاحتكار لفهم هذه المعاني سواء صارمها او ظنيها فلا أظن أحدا يجادل في كون الفقهاء الإسلاميين على مدار التاريخ أعملوا الاجتهاد في النصوص في حركة استنباطية اجتهادية كبيرة ، وتراث عظيم خلفوه ، ولم يقولوا للناس لا يجوز لكم ان تطلبوا العلم او تتعلمواكيف تجتهدون ، بل قالوا قولوا ما تشاءون بقواعد المعرفة ، حتى لا يتاح العبث في كلام الله تعالى وكلام رسوله : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله مالم ينزل به عليكم سلطانا ، وان تقولوا على الله مالا تعلمون ) ، فحتى العامي إن أمكنه ان يجتهد في الشريعة فله ذلك لأن الاجتهاد عند العلماء يتجزأ ، ولا يشترطون بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق حتى يتأهل الإنسان له ، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله : ( وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل، جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرا في بعض، عاجزا في بعض ) ، وهذا يقضي على دعوى الوساطة الكهنوتية ، أو الاحتكارية التي ذكرها الأخ في كلامه عن المؤسساتية الإسلامية ، وقد كان هذا التحرر في فهم الكلام المقدس هو الذي مهد للحركة اللوثرية ان تنشأ بسبب التماس الحضاري بين الإسلام والنصرانية في المغرب العربي ، لأنهم أدركوا ان المسلم يقرأ القرآن مباشرة ، ويفهم منه معان وقيم بلا واسطة بين المخلوق والخالق ..

يا حيي سأعود !

د.استفهام

ثالثا : ( اللامعقول الديني لا يمكن تقبله برهانا ، وإنما يتم قبوله تصديقا ) :

طبعا لن أطيل في هذا المنحى الفلسفي ، ولكني أريد الإشارة إلى الفلاسفة يجعلون التصديق هو خلاصة العلم ، إلا أنهم يحصرونه بالقياس ، فهم يجعلونه لا ينال إلا بالقياس ، فالتصديق عند المناطقة هو قضية عقلية ثابتة ، لأن إدراك الشي على ماهو عليه سواء العقل او الحس هو ” تصديق ” ، فجعل ” التصديق ” هو خال من العلل العقلية غير صحيح ، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ” صدق ” قصة الإسراء والمعراج حين عرضها عليه قريش ، كانت قضيته عقلية قياسية كلية ، وهو ما يسمى بقياس الأولى ، فالثبوت البرهاني الدلالي على نزول الوحي من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم من ارتحاله عليه الصلاة والسلام إلى السماء او الى بيت المقدس ، فمن أثبت الألوهية عقليا ، أثبت الرسالة عقليا ، وأثبت تبعات صدق النبوة عقليا .. فجعل قضايا الغيب ( غير معقولة ) هم الذين يحصرون المعرفة الإنسانية بــ( الحس والمادة ) ، وهؤلاء قد تجاوزهم الزمن ، لان الكليات تنال بالعقل وبالحس بناء على المشاهدة او التأمل العقلي ، فكثيرا من الأمور القطعية المتقررة عقلا فيها مالم يشاهده الإنسان ويصدق ويؤمن بوجودها ، فالقناعة العقلية بوجود العلة الفاعلة تنتج المعلول بداهة ، وهي قضايا عقلية تدل على الألوهية بمنطق عقلي ، وليس فقط بتسليم متجرد عن العلة العقلية .. وهكذا كل قضايا الشريعة الإسلامية .

ولذلك فالفرق بين المسلم الذي يؤمن بوجود ” إله واحد للكون ” ، وبين النصراني الذي يؤمن بثلاثة لا يمكن أن يجعلوا في سلة واحدة من باب ( اللامعقول الديني ) ، لأن الوحدانية ضرورة عقلية ، بينما التثليث أمر يستحيله العقل ، ولا يمكن أن الواحد يكون ثلاثة ، فالمسلم يؤمن بإله تدل عليه الفطرة والعقل ، والنصراني يؤمن بثلاثة آلهه يتحدون ( الناسوت في اللاهوت ) ، ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا .. فسبحان الله ) .

مهيار

العزيز د استفهام…
أرجو ألا يتشتت الموضوع على يديك وأنت تحذرني من التشعب، ,أن يتسع صدرك لقولي وخاصة أن الكثير من قولك يحمل اتهامات غير مباشرة تمس إيماني وهويتي.
الأستاذ عبدالعزيز حمودة كان أكثر تقعيراً من مراياه، ولكن حشد إعلامي وعقد نقص متوافرة جعلت له أهمية استثنائية في زمن بليد للأسف، ولا يعتد كثيراً برأيه، وإن كانت بعض وجوه تشكيه معقولة، أعود إلى المصطلح… لم أورد مصطلحاً يستحق التوضيح وإلا غدا هذا التوضيح استهانة بقارئي، ولست مغرماً بالهوامش دون داع، ومع ذلك ليس من مشكلة لدي في توضيح ما ترغب به من (مصطلحات)، وما يزيد استغرابي تحشيدك لأسماء دالة على اطلاعك على الكتابات الحديثة والمعمقة، هذا ما يدفعني لافتراض أن المصطلحات لن تستشكل عليك على أية حال سأستجيب لك بالقدر الممكن حتى لا يتشتت نصي ولا تتباعد أفكاري، ولست من هواة ترديد شعارات كليات الشريعة حول مشاحة المصطلحات من عدمها، فهي قاعدة لدى الجميع وليس فقط لدى الأصوليين الكرام.
وسأبدأ بشرح واف ومختصر لمصطلح الإسلام المؤسسي، لنتعرف الفرق بين المؤسسي والمدرسي، بداية أقول لك أنه مدرسي، ولكنه يتجلى عبر سلطة تفرضه، إنه الفقه المدجج بأسلحة التكفير والجلد والرجم والصلب، إنه الفقه الذي لا يتقبل الاختلاف، ويمتلك الأدوات التي تمنع الناس من رفضه، أنه الفقه الذي يقسر الناس على إتباع تفسيراته، إنه الفقه الاقصائي الذي ينغلق على زمن معين أو معنى محدد ويبني لذلك سلطة قامعة باسم السماء والغيب. إنه الفقه الذي يقيد العقل ويحجره ويحوله إلى مسجل يردد الصدى الذي يفرضه، إنه المنهجية القائمة على قيادة الناس كقطيع لا يعقل، وكسائمة ليس لها سوى أن تجتر الغثاء لتجو من النقمة.
ولا أدري من الذي قرر أن ألفاظ ” الماضوية ” ، و ” الرجعية ” ، و ” الأصولية ” لم تعد مجدية في التعاطي مع ” التراث الإسلامي ” سواك، كما استغرب هذا التناقض الحاد الذي تبديه، فحينا تقول أن مصطلحاتي مبهمة غامضة، ثم ترفض مصطلحات أخرى بحجة أنها “أحكام معلبة وجاهزة” لا تريد جديدا يتأسس ولا تتقبل قديما قد تأسس، فأعلمنا بالله عليك ما الذي تريده؟ ولست أدري كيف كشفت عن قلوب الممترين الذين يقصدون منها الإنزال من القيمة.
أنا أقدر للاستشراق جوانبه المضيئة، ولكنك مدحته في مكمن علته، ولعلك تعود إلى (الاستشراق) لإدوارد سعيد الذي يبين لك ابستمية المستشرقين البغيضة، حيث قدم هذا الكاثوليكي الأميركي من أصل فلسطيني أعظم جهد في القرن العشرين في إنصاف الإسلام وكشف المؤسسة الاستشراقية، أكثر من كل العمائم والغتر المكدسة بين جاكرتا وطنجة .
فإذا مدح مستشرق علم الأسانيد والجرح والتعديل، تعتبر ذلك دليلاً على عبقرية الرجل المسلم في وضع منهجية منضبطة في الحكم على التراث وتنقيته، فتتقبله دون بحث وتمحيص لأنه وافق هواك. وعلى أية حال هو أمر عرفته البشرية من قبل في التراثين الصيني واليوناني على الأقل، وفي ضوء المناهج الحديثة لم يعد له أهمية وخاصة مع المنهج الأنثربولوجي، الذي أطاح حتى بعلم التاريخ التقليدي، وفرض حقلاً تاريخياً جديداً يعنى بالتاريخ التحليلي الذي لا يستسلم للانشائيات التاريخية المليئة بالأساطير والخرافات. وما كان عقلياً ودعاك للاعتداد به بات أقرب إلى حكايات عنترة والزير سالم وسيرة الظاهر بيبرس ثم تتساءل: فهل يوجد هذا النهج في تراث غير التراث الإسلامي ؟ فيزداد تعجبي منك وأنت الذي تشي كلماتك بالاطلاع على ثقافة الغرب. ليتنا يا سيدي نتخلى عن هذه الانشائيات ليس في فقط في مجال نقدي كالمجال الذي يتيحه هذا المنتدى، بل حتى في دائرة الأتباع والمريدين إذا كنا فعلا نريد لهم أن يكونوا بناة مستقبل.
لا توجد معاني مخبأة في ضميري، ولست من هواة الشعر الرمزي، وقد وضحت لك معنى ” الإسلام المؤسساتي ” بشكل واضح ، لعلك تستطيع أن تتعاطى معي في نقاشه وفي فهمه، فآمل ألا تعرض عنه على أنه شيء من قبيل الفكر الخاص!
طبّق فهمك للسنن وارتد دشداشة يا سيدي بغترة أو بقبعة مكسيكية، ليس هذا مهماً، ولكن من المهم ألا تفرض هذا الشكل ولا أن تجعله فيصلاً في الحكم على غيرك، فمرتدوها يمتعضون حتى من العقال، فما بالك بقميص وبنطال، وعلى أية حال هي إشارة إلى سنة شكلية خالية من مضمون حقيقي سوى نقليات ووقفيات متراكمة ومن خلفها سياط متوعدة وتأثيم لا يستكين.
نعم كل واحد يحاول أن يجعل القرآن ينطق بما يريد ، ولا أحد يستهين بالآخرين كخريجي الإسلام المؤسسي، بل إنهم يذهبون إلى أبعد من ذلك، ولو أتيحت لهم الفرصة لنحروا من يخرج عليهم، بل لطالما نحروا الناس لأنهم اختلفوا فكراً… ليست المشكلة في أن ينطق الإسلام بما تريد، وأنت أخبر بأهم مسألة من مسائل الأصول في شأن تدبر الآيات القرآنية، والتي تطلب منك أن تعمل بما علمته منها.
تعيب علي استخدام أوصاف هجائية وأنت تستخدم أوصافاً اختزالية نحو (رجل مادي) وهو من مفرزات الخطاب التجييشي الغوغائي، وترفض الخطاب الوعظي وأنت تمارسه بحرفية، وإن كان ذلك في قالب ألطف وكلمات تشي بالتواصل. بورك بالرجل المادي الذي يقيس الناس بمستويات الإنتاج والرفاهية والتقدم، لأنه يقدم للناس ما ينفعهم، ويشف عن الواقع الذي نحياه بلا خجل أو وجل وهو فعلا لا يريد إسلاما يعكر صفو حياة علينا أن نعمل لها كأننا نعيش أبداً، وحقاً لا يرغب الاستدامة على ذكر الموت والقيامة والآخرة والحساب على أنها رهن الاعتكاف والانصراف عن زخرف الدنيا، إذ يدرك أهمية مقاربة الفردوس في الحياة الدنيا حتى يستحقها الإنسان في الآخرة. أم أنك تود منا أن نبارك عمل مدرس ابني الذي لم يبلغ العاشرة، وهو يحضه على لقاء الكفار لقتلهم، بل الأنكى من ذلك يهديه نشرة عن القبر وأقسامه وداخله وعذابه وكيف يتم دفن الجسد الميت…لاشك ستقول لي إن هذا تصرف شخصي أو فردي، وأنا أقول لك هو تصرف متسق مع الفكر المؤسساتي القائم على الترهيب والوعيد
وتسهب في ذم الوعظ، ولعلك تتوجه إلى الوعاظ في هذا، علهم يسمعوا منك، وعلك تنفذ من تكفيرهم إذا ما جرؤت على ذلك.
وهؤلاء الذين يعتمدون على نصوص صريحة في سنية هذه الأمور لهم أن يتسقوا مع ما يريدون، ولكن ليس لهم أن يتسلطوا على الناس وهم أسرى فهم شكلي. والمجتمع الليبرالي لم يبح للناس التعري كما يختزل عادة دعاتنا الجهابذة، بل أنه يحض على احترام الذائقة والمعتقدات العامة، لكنه لا يلاحق امرأة كشفت وجهها، ولا يتهمها في شرفها إذ بان معصمها من تحت ثوبها.
ولست ادري ما الذي يدعوك لتلاحظ في نزوعا إلى جعل ” المعرفة ” القائمة على التصور والتصديق معتمدة على ” المادة ” فقد بينت لك أن للمعرفة أنواعا وأبواباً ولست ممن يفرض العقل بصرامة لإدراكي أن العقل ليس كلياً ولا مطلقاً، وأنه رهن الإدراك والإحساس وطرائق الفهم والقراءة وتنويعات التجربة، وصحيح أن المعقول يأتي من خلال التصورات الأولية الفطرية، ولكن يحتاج الإنسان إلى الاستدلال عليها بقدر وعيه، وإن نشأت معه منذ الولادة، وإلا لكنا مجحفين إذ نطلب ممن نشأ على باطل أن يخرج عليه، وحقيقة لم أفهم لماذا “لو اشترطنا المعقولية في هذا فلن يفسر الإنسان سببا معقولا لوجوده الخاص”، ولماذا يبقى تفسير الوجود الخاص عسيراً على العقل إذ ذاك؟؟!!
وها أنت تبدأ من مقدمة معقولة: “المعارف التي تنشأ من خلال تفاعل الإنسان مع الواقع ، وهذه القضايا العقلية النسبية تختلف من شخص لآخر باختلاف نظراتهم للواقع ، فما تراه أنت معقولا ، يراه غيرك غير معقول” ولكن ما تستنتجه لا يتسق مع المقدمة فأنت ترفض الاختلاف بعد هذا وتميل إلى فرض تصور لازب، لذلك هي إشكالية العقل المؤسسي الذي لا يطيق الاختلاف.
و” قصور ” العقل عن الإحاطة بالأشياء ، ليس” مأزق ” المادية الحديثة ولا ورطتها ” بل هي الحافز نحو المزيد من المعرفة والعلم، صحيح أن مقدار ما يرى إلى مالا يرى في الكون لا يتجاوز العشرة بالمائة بل هو حتى أقل من ذلك بكثير، ولكنها (المادية الحديثة) تتزود بالمزيد من الدوافع نحو الاكتشاف والاختراع والبحث، بينما نحن مشغولون بتصانيف أهل الجنة والنار، وإرغام الناس على حالة نقلية لا ترى بالإمكان أبدع مما كان.
ليست الليبرالية فضيلة مطلقة، ولكنها سبيل نحو الفضيلة، حيث حرية الفكر والتعبير، وحرية العقل الذي جعله بارئه طليقاً، وليست الليبرالية بحاجة إلى المديح لأنها ليست حزباً ولا فئة ولا مجموعة عرفية أو مذهبا عقدياً، إنما هي مجموعة مبادئ لكل مذهب ودين وفئة وطائفة وعرق… نعم هي خليط من الأفكار نمت وتطورت، ولديها القابلية أن تنمو أيضاً، وستستمر ما بقيت نافعة للناس مقدرة لهم، ولا تحتاج الليبرالية إلى كتاب يقعد لها لأنها أصلا منفلتة من السيطرة لئلا تغدو آلة أو أفيوناً يمحق الشعوب…وللأسف جعلت الليبرالي رديفا للفوضوي، وبغض النظر عن الجانب الاصطلاحي للفظة فوضوي، إلا إنه عمل غير صالح ولا يفضي إلى نتيجة صالحة. ودعنا أيها العزيز نهلك أحراراً بدلا من أن نستمر مذلين مهانين.
لست أدري من الذي قرر أن من أسس الصرامة والانضباط الثبوت والاستقرار المعرفي، ربما يكون هذا عند نقليينا وسلفيينا وهو ينتصرون لتزمتهم، وما شأن الترحل بالقاعدة الفكرية أم أنه علينا أن ندور في حلقة مفرغة، لقد بينت لك ما يجب في قول سابق، فلم الإصرار على إعادة السؤال؟ هذا من جهة، ومن جهة هل ترى النسبية سبة وكل ما في حياتنا نسبي، تتهمني يا سيدي بحشد المصطلحات وأنت تحضرها دون داع، ما شأن حوارنا بالفلسفة العدمية أو الثابت والمتحول… أم إن هذا الاستحضار لتعود وتحاججني بمرجعية مؤسساتية مشكوك فيها عندي… اشعر أحيانا أنك لا تقرأ ما أرد به عليك يا دكتور، لأنك تكرر السؤال دون داع.
و(علماء الأصول في الإسلام) مصطلح مؤسساتي حاجب، ورهابي إلى درجة الهذيان، ومع ذلك تنكرون الحالة الكهنوتية والمؤسساتية، ما من أمر وإلا تكون مرجعيتكم (علماء الأصول في الإسلام) هذه المرجعية التي خنقت التجديد واحتكرت الإسلام في فهم ضيق وفئوي و(فرقي) إذا جاز الاصطلاح(نسبة إلى الفرقة الناجية)…وإذا كنت تعيب على الليبرالية غياب الحقائق المطلقة في أي شي ، فهذه ميزة معرفية لليبرالية وليست مشكلة معرفية . الفقرة التالية فقرة تأليب وتجييش، لا تحتاج إلى رد لأنها اختزالية إلى حد الفجيعة، فأنت تختزل ما لا يختزل…يا سيدي.
دعني أوضح لك أمراً وأنت تصب في حوارنا كل ما يتعلق بالفكر الغربي تحت تصنيفه على أنه ليبرالي، وأنا لا يعنيني الدفاع عن الفكر الغربي هنا، وإن كنت أؤمن تماماً أنهم قد قطعوا أشواطاً هائلة وتقدموا في كل مجالات العلوم الاجتماعية مثل العلوم التطبيقية والبحتة، إلى درجة لا أجد فيها أملاً في أن نلحق بهم ذات يوم…وليبقى علماء الأصول والمؤسساتيون يحلمون بدورة خلدونية للحضارة الغربية… رافعين عقيرتهم بالدعاء الماحق عند كل منبر وهم أقوام كلالة رانت ثم دامت ثم استدامت… ونوماً هنيئاً
تحاربون الأفكار التحررية لأنها جو ” الإلحاد والمادة ” ، وتدعون أن كل فكرة خرجت في الغرب هي فكرة مادية إلحادية في أصلها ، وتستشهد على ذلك بالدارونية والفكرة الماركسية…وهذا تعميم لا يمكن حتى مناقشته، ولكن لا أدري لما يصر العقل المؤسساتي على رفض المستجدات قبل تبينها، فالداروينية لم تكن ضد خلق آدم إلا بفهم إكليركي ضيق سرعان ما تراجعت عنه الكنيسة، والماركسية بحد ذاتها حقل عظيم من الأفكار التي قد نقبلها وقد لا نتقبلها، ولكنها لن ترمى كلية، فهي أخفقت عندما أصبحت مؤسسة، كما أخفق الإسلاميون منذ أن جعلوا الفقه مؤسسة ملحقة بالخليفة… بل إن الإسلاميون كانوا دوماً لعبة بيد الغرب الرأسمالي عندما تم تجييشهم ضد الماركسية على أنها الحاد، مع أن القواسم المشتركة بين الإسلام والماركسية أكثر بكثير من القواسم المشتركة مع الرأسمالية الغربية، ولكنهم ارتضوا أن يكونوا أداة وصلت على حد التجنيد، وما الإرهابيون إلا نتاج ذلك الفهم السقيم.
لا يمكنني تصور إسلام لا يكون الإنسان محوره، والفكر المؤسساتي عندما يقصي الإنسان من مركزية الاهتمام إنما يتيح للمؤسسة أن تستبد بالأفراد لذلك ترفض المساواة بين البشر والمشكلة أنك تعود وتكرر كل ما قد أوضحته لك فيما سلف، وأعود لأقول لك أن العقل الذي يرى في الليبرالية أنها: (” التحرر ” من كل قيد خلقي أو اجتماعي أو اقتصادي .. وتعظيم دور الفرد في الحياة .. بناء على مركزيته فيها ..) هو عقل مأزوم علته فيه ولا يمكن أن يقدم شيئاً ذي بال… فهو عقل مغلق اختزالي ينشغل بظواهر الكلم عن مضامين المعنى. وبالتمادي في الاتهام عن البحث عن الحكمة التي هي ضالة المؤمن وليس المؤسسة.
وأنت تعتذر عن تناول كل ما أطرحه فكرة فكرة بحجة عدم الإطالة مع أنك تبحر بعيداً عن موضوعنا وتسهب فيما نوقش من قبل، ولكن لا بأس سأمضي معك حيثما تشاء، وهاجسي أن أبين لك ولنفسي وللجميع خطورة الفكر المؤسسي وخاصة إذ تلبسه المقدس، حينئذ يتحول الدين من طمأنينة إلى إرهاب، ومن مهد إلى مقصلة.
وها أنت في مطلع القسم الثاني من ردك تباشر عملية التكفير، مثلك في ذلك مثل التيار الإقصائي الذي يحتكر الإسلام ويحاكم به وهو أبعد ما يكون عن إنسانية الإسلام وتعدديته وتنوعه. ها أنت تعلن نفسك مقدساً لأن مرجعيتك إسلامية، وغيرك مدنساً بليبرالية تفهمها على أنها نقيض للإسلام… و إعلانك عن مرجعيتك الإسلامية، لا يجعل الإسلام حكرا عليك، أنما يعني أن مرجعيتك هي فهمك للإسلام، وبهذا لن يكتسب فهمك قداسة توازي قداسة الوحي. وتعود لتكرار مقولاتك المفتقدة للأدلة حول (مخالفة الليبرالية للإسلام، وأنها منزوعة القيمة الأخلاقية ، ولا تؤسس لأي فكرة تستحق التأمل ، وكل الأفكار المدعاة ملكيتها لليبرالية ، فهي قد سبقت الليبرالية واتفقت عليها عقول البشر قبل الليبرالية وبعدها) أظن أنني رددت أكثر من مرة على هذا الإدعاء، فأنا لم أجد أي خلاف مع الإسلام بحد ذاته، وإن كنت أصطدم بفقهاء الظلام، ولم أتخلى عن أخلاقياتي على الرغم من التزامي الكثير من جوانب الليبرالية في التعامل الفكري والإنساني والثقافي، بل لا أخفيك أني كنت أجد من لا يتأزم من الليبرالية أكثر صدقا وإنسانية من كل الإكليروس الإسلامي الذي لطالما أباح ما لا يباح إنسانياً بتأويلية مقدسة منذ عهد الإماء والجواري إلى نحر أخوة السلطان خوف الفتنة إلى تسويغ انحرافات الحاكم…وصولا إلى الاستعباد وتسويغ كل فظائع القواد الفاتحين من فتح سمرقند إلى غزوة مانهاتن.
وإعلاني عن الإسلام كمرجعية هو قرار شخصي وفي نفس الوقت يستجيب لواقع يسوده المسلمون، وهو مرجعية يرجع إليها المسلمون، ولكنها ليست سرير بروكروست (قاطع طريق كان يضع ضحيته على سرير، فإن كان أطول قص شيئاً من رأسه وشيئاً من قدميه فنحر، وإن كان أقصر شده من قدمه ورأسه فينفسخ، وإن كان على مقاس السرير نجا وعفا عنه)، ليست المشكلة في مرجعية الإسلام، ولكن المشكلة في عدم تقبل أن الإسلام ليس حكرا على أحد، ولا ملكاً لفهم دون سواه، المشكلة في إقصاء الآخر إنسانيا بدعوى مذهبية أو دينية… فلا تقولني ما لم أقل رضي الله عنك، ولا تؤولني على هواك، وقد حدثتك عن التوفيقية (التلفيقية) وبينت موقفي المعرفي منها، فهلا بادرت إلى طرح شيء لم يطرح من قبل!

وأشكرك على الفقرة التالية من ردك فهي عصارة الفكر المؤسسي، وقد أفلحت في التعبير عنها بإيجاز لذلك سأحلل موقفي منها:
تقول:
اقتباس:

لو استطعنا ان نحصر التعريفات التي ذكرها الأخ مهيار لليبرالية في مداخلاته سوف نجدها كثيرة ومختلفة ، لأن المصطلح أصلا عصي عن التعريف ، وهو مفهوم له قدرة على التشكل بكثير من الظروف ، ولكن القضية التي لم استوعبها في قضية الليبرالية وأرى انها متناقضة جدا هي أن الليبرالية في أصلها هي دعوة إلى ” التحرر ” ، والتحرر يعني كسر القيود والمرجعيات والأعراف والسائد الاجتماعي ، وهذه كانت من سمات الليبرالية في بواكيرها وترحلها التاريخي ، ثم هي تعرض نفسها على أنها أيدلوجيا أو فكرة صارمة ومنهجية منضبطة ، فكيف يتم التوفيق بين هاتين الفكرتين ، فكيف لليبرالية أن تؤسس قيمة أخلاقية وهي في نفس الوقت تدعو إلى التحرر من قيود الأخلاق ، وهي في هذا الوقت تخرج الناس من الأنساق ، ولا تدخلهم في أي نسق ، وكيف لليبرالي السعودي المسلم أن يوفق بين ” الليبرالية ” التي تكسر السائد ، ويستطيع في نفس الوقت أن يحافظ على قيم الإسلام الصارمة ، وخاصة فيما يتعلق بالشأن العام ؟ وكيف له ان يقرر أحقية الناس بالترحل من الإسلام إلى أي دين وفكرة ، في الوقت الذي يرى الإسلام شريعة إلهية قطعية لا تقبل المساومة ؟ وإن كان ينكر أن يقتل ” المرتد ” ، فكيف يتعامل مع ترتبات الردة الشرعية من الطلاق بحكم الإجماع على عدم جواز مكوث المرأة مع زوجها المرتد ، وعدم دفنه في مقابر المسلمين ، بل ونزع ولايته ..فيكون الخيار في هذه المرحلة صعب بين الإسلام والليبرالية.

عقلية اختزالية مؤلمة حقيقة في هذه الفقرة فمن جهة هي اختزال مؤسف لليبرالية، ومن جهة أخرى هي اختزال كارثي للإسلام…
الليبرالية دعوة للتحرر ليس من الضوابط والأخلاق يا سيدي، لكنها دعوة للتحرر من الاستبداد والتأحيدية ( ضد التعددية) والمصادرة والاستلاب والإرهاب، هذا هو الفرق، إنها لا تسوغ الظلم حتى يغدو حاكمية، ولا تؤول الإرهاب حتى يغدو جهاداً، ومشكلة الليبرالية مع ابن لادن ومن لف لفه فكرياً أو جهادياً ليست في اختياره نهجاً خاصاً، ولكن في فرضه هذا النهج على الآخرين، ومحاكمته لهم وفق تأويله وفهمه، وفي النظر عبر ثنائيات الفسطاطين، فإما مسلم أو ليبرالي! وهذه مشكلة التيار المتزمت، إن التزمت ليس علة اجتماعية في حد ذاته، ولكن إذ يتلبسه المقدس يغدو دماراً وخروجاً من التاريخ.

مهيار

بل القضية يا د استفهام الآن بيننا، في ممارسات متعسفة في فهم النص هنا وهناك ، وفي السقوط الحضاري الذي انتاب الأمة في كثير من مجالات حياتها ، وفي غياب البعد الحقوقي والقانوني ،ومؤسسات المجتمع المدني ، وغيرها من المتطلبات الحضارية .. ومع ذلك تصرون على تمييع الأمر بجعل القضية في الموقف من ” الإسلام ” نفسه ، حيث تجد أن الليبرالي يقع في إشكالية الرفض والقبول للإسلام وتصر على أنه سيصطدم بالنص، ربما لأنك تصر على أنك المفتاح الأوحد لهذا النص.
دعوى أن الليبرالية عندها القدرة على التفريق بين المعقول وغير المعقول لا تحتاج لإثبات يا سيدي، لأن المنهج الليبرالي ليس منهجاً ما ورائياً ولا خرافياً ولا أسطورياً ولا كهنوتياً، ولكنها قائمة على فهم أن التجربة هي مدخل التجربة اللاحقة، وهكذا يتطور الفهم الإنساني من حقب إلى حقب، ومن عصر إلى عصر، بينما المستسلمون لأوهامهم بخصوص النص، والمتلفعون باهاب قداسي خشية من تشريح العقل هم الذي سيلبدون في أغوارهم وكهوفهم، فتتعفن الإنسانية على أيديهم لإصرارهم على منع الهواء والضوء.
والسفسطائية التي تراها مضحكة التاريخ الفلسفي، أرحم بكثير من التكفير والتدمير الذي يتهدد حياة الناس على يد المؤسساتيين، ولا يغرننا اعتدالهم المؤقت وحوارهم المستضعف، فهو تكتيك ريثما يتمكن المسكين فيغدو وحشاً ضارياً.
من الصعب أن تتجاوز يا سيدي مفهوم( ولو كانت لها قيمها الفكرية والأخلاقية لم تكن ليبرالية تحررية) لأن الحرية بالنسبة لكم أزمة، لأنها نقيض الحالة القطيعية (من القطيع)، ولأنها تحرض العقل على الانطلاق دونما قيد استجابة لقانون الصانع القدير الذي لم يجعل له حدوداً، حتى جاءنا المؤسساتيون وافتروا على العلي القدير بأن العقل مهلكة المؤمن ومنحدره نحو الخروج من ملكوت الله.
أنت تسمي الأمر ضبابية وأنا أسميه حرية، فلتشتم الضبابية يا سيدي، وسأبقى أمدح الحرية إلى ما شاء الله.
ثم تلجأ إلى الخليفة عمر رضي الله عنه لثبت توافق الإسلام مع الحداثة، مع أن الأمر لا يحتاج إلى أدلة، ولكن ما يستعصي على الحداثة وفهمها هو المؤسسة، والفكر المؤسسي المنغلق، وعقلية التحريم التي تخشى حتى ظلها، لذلك تعبر فيما بعد عن هواجسك: (إنما المشكلة مع الحداثة المادية التي تقضي على الأسس الأخلاقية ، وتؤثر على العبودية لله تعالى ، وتهدم الأسرة وقيمتها ، وتدعو للفحش والرذيلة) فأولاً أنت جعلت الليبرالية تشمل كل ما لا تتقبله، وثانياً حكمت بإنشائيات مألوفة على الحداثة واختزلت كل الحضارة القائمة كعادة المؤسساتيين في جوانب هامشية ضيقة، هؤلاء الذين لا يرون كل المنجز الغربي وينشغلون بمظاهر جنسية محدودة لها سياقها وتفسيراتها،
ومسألة ” الآميش ” في أمريكا والذين يرفضون كل منتجات الحضارة المعاصرة معروفة ومفهومة، ولكن أميشيونا هم من لا يمكن فهمهم فهم أدنى من أميش أمريكا، فعلى الأقل أميش أميركا يلتزمون هذا بينهم، ولا يسبغون عليه مقدساً، ولا يربطون له على الثغور لفرضه على أمة رب العالمين.
رائع وأنت تقول: ( اقتباس:

ولا أعتقد أن هناك مذهبا من المذاهب ولا دينا من الأديان دعا إلى ” التفكر ” في ملكوت السموات والأرض ، ودعا إلى السعي في الأرض لاكتشاف كيف بدأ الخلق مثل القرآن : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ) ، فإن كان القرآن قد قرر إمكانية أن يكتشف الناس بداية الخلق ، فما دون هذه الحقيقة الكبرى كله داخل في الدعوة القرآنية إلى اكتشاف حقائق الكون كلها .. واكتساب المنعة والقوة المادية التي تنهض بالأمة ..

ولكن فقط أقول لك لسنا الوحيدين في هذا المضمار يا سيدي، معظم المذاهب والأديان ترى هذا في صفاتها، وتعمل على تأكيده، ومع أن الإسلام دعا فعلاً إلى ما تحدثت عنه بشكل جميل وممتع، لماذا الإسلام المؤسسي يحجب حق التفكير وإعمال العقل، ويقصرهما على الإكليروس الإسلامي.
الهوية الإسلامية ليست جامدة حتى تستعصي على التفاعل مع الحداثة، ولابد من تحديث هذه الهوية باستمرار، وإلا أصبحت سبباً من أسباب الربو الفكري، المتخم بغبار ورميم الأموات، وأي حداثة تلك التي تقول عنها

أنها (تجعل الإنسان مسلوب الإرادة والكينونة ، وتحيل الإنسان إلى مادة صامتة جامدة لا روح فيه ولا إيمان ولا تقوى ولا إنسانية ، التي تجعل المنفعة هي الهدف ، واللذة هي المقصد ، والحياة الدنيا هي دار القرار (…. فالاستلاب لم ينشأ إلا على يد الكهنوت الإسلامي، والجمود لا يتلبس إلا من يحارب كل مظاهر الجمال في حياة الإنسان ويدعو إلى تحريمها، ويجعل الإسلام عدواً للموسيقى والفن التشكيلي والمسرح والفلكلور والشعر بل حتى فنون العمارة…!
وما شأن الإيمان والتقوى بتصنيفاتك، فأنا شخصيا خدمت 6 جهات إسلامية حتى الصميم تتراوح بين وزارات أوقاف ومؤسسات وقفية ودعوية، وتم الاستيلاء على حقوقي على يد ملتحين يهمهمون طوال الوقت إيهاما لنا أنهم يقومون بالذكر، أما اللوموند الفرنسية في عتمة ليل ترسل لي شيكا بمبلغ طائل لأنها اقتبست صفحتين لي من مقال ترجم إلى الانجليزية ونشر في (الفورين أفيرز) بالله عليك أين التقوى التي تتحدث عنها، جاري يحاربني لأنه شاهدني مرة مرتديا ربطة عنق، وهو لا يجد حرجاً في سرقة أي شيء يتمكن منه، بل لا يجد حرمة لي ولا لمالي ولا لعرضي… ونحن الذين لطالما تجاورنا في الصف في الجامع لأداء الصلاة.
ومن قال لك أن الإسلام يحارب اللذة، أو يقتضي منا أن نتخلى عن مصالحنا، بل هو أصلا جاء ليمنحنا اللذة دون أن تؤلم الآخرين، وليحقق مصالحنا ولكن ليس على حساب الآخرين، ولعمري أنها جوانب ترسخت في الليبرالية، بل إن الليبرالية لم ولن تتقبل اغتصاب سبعيني لفتاة في العاشرة بدعوى النكاح الشرعي، ولن تخفف الحكم على زان محصن زنا بطفلة صغيرة حتى جعل منفذي (البول والغائط) واحداً، فتسقط عنه حكم الرجم بدعوى أنها طفلة وليست فتاة بالغة فلم تتحقق شروط ارتكاب الزنا. يا (للسخرية أهذا الإسلام الذي تنادون به؟ أكاد أقول لا، لأني أدرك أن الصورة ستكون قاتمة أكثر، لولا فضل الليبراليين لكنا إلى اليوم نعيش في دساكر مليئة ببيوت الطين التي تكاد تتداعى ونلجأ إلى البرية حاملين أباريق التوتياء للاستنجاء، لا هاتف ولا تلفاز ولا أي مظهر من مظاهر الحضارة، سوى (الجاعورات) المكبرات التي تعلو المآذن وتصر على أن الآذان يجب أن يتحول إلى مناسبة للضجيج اليومي.

لم أجعل السمو القلبي المتوجه إلى القيم العليا جعله لليبراليين فحسب، ولعلك تعود وتقرأ ما قلت بدقة، والليبراليون ليسوا أنبياء العصر، ولكنهم ضرورة لئلا يستأسد علينا المؤسساتيون ويصادرون حرياتنا ويلهون بنا ويتاجرون بالآخرة ويمنحون صكوك الغفران. ماذا افعل إذا كان الليبراليون يعشقون التعددية والمحاسبة والعدالة ، وغيرهم يحب التسلط والاستبداد والكبت والظلم ولتكن رومانسية حالمة، فهذا يعني على الأقل أنك تتقبل التعددية والمحاسبة والعدالة وهذا أمر حسن وتثنى عليه.

لم تحتكر الحضارة والقيم الإنسانية المشتركة ” باسم الليبرالية، بل هي مطلب الليبرالية وضالتها حيثما ثقفتها، وهي قيم هي قيم ” عقلية ” وفهمها بشري حتى إن كانت وحياً، والأديان مرجعية أساسية، لكن من يتاجر بالأديان ليس من يدعو إلى قيمها العليا، إنما من يحجب هذه القيم بدعوى سد الذرائع ومن حام حول الحمى، وإلجام العوام عن علم الكلام ومن لف لفهم.
ويسرني أنك تصبح أكثر وضوحا مع تقدم الحوار، فخلافك مع الليبرالية في ” حمولة القيم الفكرية ” التي تصطدم مع العقل والشرع ، لذلك ترفض التعددية مثلا ليست مطلبا في ذاتها ، لأن الناس لو استقاموا على رأي واحد في حياتهم كان أصلح لهم من أن يكونوا شيعا وأحزابا ، وتنسى أن ربك لو شاء لجعل الناس أمة واحدة.
ثم تحاول الإبحار بعيدا بالبحث عن ميراث بوش وأخطائه، يا سيدي على الرغم من كل مساوئ الغرب، ولست بالمعني الدفاع عنه، أحترم أن يعود ميتران إلى بيته القديم بسيارة أجرة(ليموزين) بعد 14 عاماً قضاها في الاليزيه، بل أن يضطر إلى كتابة مذكراته ليغطي مصاريف إضافية لا يغطيها راتبه التقاعدي، أحترم بلير الذي يقوم بمهمته الصباحية في تلميع أحذية العائلة كل صباح، وفي التناوب على رعاية الطفلة الوليدة مع زوجته، وهو الذي لا يجد لحظة فراغ في 10 داوننغ ستريت، أحترم النظام الذي يرحل بوش مهما استحكم بنهاية مدة ولايته، وأحترم أنه يرى الناس أمام البيت الأبيض يرمون مجسمه بالأحذية ولا يتم سجن أو أسر أي منهم ولا يرمى في قعر سجون الآبار العميقة الغور للخليفة أمير المؤمنين.
أي تراجع تراه في الكويت، ولماذا تعزو أسباب التراجع إلى التعددية، ولماذا لا تقول لولا تعدديتها لانهارت، على أية حال هي ليست تعددية مثالية، ولكنها أفضل من سواها، يكفي أن نساءها لا يلاحقون بسياط المحتسبين، ويذهبون إلى الصلاة دون ملاحقات بوليسية. ولا تحتاج الفضيلة فيهم إلى جند مقطبين.
المعنى الصارم يا سيدي هو المعنى القسري، المعنى الذي لا يستجيب للحاجة الإنسانية، المعنى المقدس الذي يتم فهمه بطريقة صارمة لا تتيح للاختلاف مجالاً، هذا هو المعنى الصارم، مسألة الثابت والمتغير لا تقررها مجامع أصولية وإلا عدنا وتورطنا بالكهنوتية وبطبقة اكليروسية، مشكلة تفسير الآية السابعة من سورة آل عمران أنها فسرت على يد كهنوت، وتم تقديس التفسير على حساب النص: ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .. وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب )، فجعلوا الواو استئنافية، ونفوا عنها أن تكون واو عطف، وذلك بغية إغلاق باب التأويل، وزجر من يجرؤ على رفض المعنى المؤسس (بفتح الهمزة على الواو) ومحاكمته بتهمة الردة. ليست المشكلة في المحكم والمتشابه، إنما المشكلة في سلطة التفسير وسياطه.
وقطعيات واحتكاريات الفقهاء الإسلاميين على مدار التاريخ نحترمها ونوقرها ونقدرها باشتراطاتها المعرفية والظرفية، ولا أجد سبيلا إلى إنكارها أو شطبها، ولكنها طبقات لأزمان عدت ومضت، ولزمننا فهم أوفر يدعمه جهد أركيولوجي عبر تلك الطبقات للوصول إلى المعنى الأصل وللاقتراب أكثر من نور الوحي. وليس من رتبة الاجتهاد المطلق إلا في أذهان مريضة بالاستبداد ، وقول ابن تيمية رحمه الله : ( وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل، جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرا في بعض، عاجزا في بعض ) ، قوله هذا حجة عليهم لا لهم.
وجميل منك هذا التزحزح في قولك : (اللوثرية أن تنشأ بسبب التماس الحضاري بين الإسلام والنصرانية في المغرب العربي ، لأنهم أدركوا أن المسلم يقرأ القرآن مباشرة ، ويفهم منه معان وقيم بلا واسطة بين المخلوق والخالق). بل أنه يحفزني للمزيد من الحوار معك!
اسمح لي أن أتجاوز الكثير مما ورد في القسم الأخير من ردك لأنني تناولت هذا الأمر سابقاً ولا أجد حاجة لمناقشته ثانية، وما تراه عقليا قد لا يكون عقليا لدى النصراني، والعكس بالعكس… ولكنها أزمة من ينصب نفسه قاضياً ولا يرى لسواه حقاً كهذا… ولا أتمنى أن نعمد إلى اختزال الآخر… فلكل ملة فلسفة ورؤية لا يمكن اختصارها في كلمات.

أرجو ألا أكون مؤلما في مسألة الصدق بالحوار… وعلك تبقى على مجادلتي بالحسنى وإن كنت آبقاً بنظرك.
كل التقدير والمودة.

د ـ استفهام

أود هنا قبل أن اكمل النقاط التي في مداخلات الأستاذ مهيار الثرية أن أبين بين القضايا التي لمستها من بعض المتداخلين ، كما اني اعتذر إني إلى الآن لم أرد على من تداخل في هذا الموضوع :

الأولى : أني لم آت هنا لاكتسب مزيدا من الخصوم ، ولا لأجل أن أضيع وقتي ووقت القراء بجدل لا يفيد ، وإنما أتيت لقناعتي الخاصة جدا بأن ” التواصل ” بين التيارات والأفكار المختلفة والتي تحتضنها بيئة واحدة هي الطريق الصحيح للتفاهم ، وتقريب وجهات النظر ، والتحاور فيما قد يشكل على الأطراف حتى تتجلى الصورة الحقيقة ، فهذا النقاش ليس محاكمة للضمائر ، ولا تفتيشا عن خبايا النفوس ، وإن كان من طبيعة الجدل أن يحتد وتنزل حدته ويقع فيه تجاوز من كل الأطراف ، وأن الهجائيات المتبادلة لن تثمر أبدا في مثل وضع البلد الذي هو على أعتاب نقلة نوعية في النهضة والتواصل الحضاري ، وكذلك على أعتاب مرحلة جديدة من ” التحديات ” الأمر الذي لا يستقيم معه المزيد من الشقاق الداخلي ، لأن ” اللحمة الداخلية ” هي الخط الأخير والحساس في مواجهة التحديات ، وخاصة أن الوضع السياسي القائم هو الخيار الاستراتيجي للبلد ، فكان ” الجدل باللتي هي أحسن ” هو السبيل الموصل إلى التفاهم والتحاور وإزالة الجليد بين التيارات لا ليتفقوا على رؤية واحدة فهذا محال في طبيعة البشر ، وإن كان منية ، وإنما لينظموا طريقة الخلاف بهدوء وحوار وتفهم لوجهات النظر ..

الثانية : أن قضية ” الإصلاح ” هي قضية لا يجوز أن تحتكر لتيار ، فكل رجل مخلص لهذا البلد حكومة وشعبا يدرك أن هناك مشكلات مدنية وحضارية لا يسلم منها أحد ، وكلنا يتفق على أن الإصلاح هو روح الحياة الذي يجددها وينقيها ويزيل عنها أكدار الحياة التي تعلق بها ، وأن الإصلاح هو السبيل إلى أن تكون لنا موطئ قدم في هذا التحدي الحضاري ، وخاصة اننا نملك مقومات التقدم ، فالعديد البشري ، والموارد الطبيعية ، والانسجام الاجتماعي ، والتاريخ المشترك ، والالتفاف حول قيادة واحدة ، كلها عوامل تسهم في صناعة النموذج الخاص الذي يجمع بين ” الأصالة ” و ” المعاصرة ” بلا ذوبان في الآخر ، وبلا وقوف على محددات ثقافية لا نتجاوزها ، وهذه هي المعادلة التي ان استطعنا ان نرسمها بوعي استطعنا أن نقضي على كثير من الإشكاليات التي تعترض سبيل الإصلاح ، وخاصة أن المتابع للحراك السياسي والاجتماعي يدرك أن هناك تقدما إيجابيا في كثير من المجالات ، وإن كانت ليست هي التي في الامنيات ، ولكنها تعتبر مؤشرا على إمكانية تلافي كثير من السلبيات في المجالات المختلفة ، وإن كانت تراكمات بعض القضايا التاريخية أسهمت في تعقيد بعض الحلول للمشكلات ، وهي تحتاج إلى صبر وتعاون حتى نحقق هذا الحلم المهم للجميع حكومة وشعبا .

الثالث : أني لا أنكر أني رجل ” معياري ” في الأحكام التي أطلقها على فكرتي ، أو على أفكار الناس ، بحكم أني رجل أتبع منهج السلف في القضايا العلمية والفقهية ، وليس هذا منقصة ولا عيبا ، بل إني واثق أن المنهج السلفي هو المنهج القادر على تجاوز كثير من الاشكاليات الفكرية ، وعنده القدرة على الدفع إلى توسيع المضلة داخل البلد ، ولكنه كذلك يحتاج إلى تجديد في الخطاب ، ورسم الحدود الحضارية فيه ، وأنه تراث كبير يستطيع ان يكون مادة كبيرة وخاما لكثير من الاشكاليات الحاضرة ، وخاصة ان البلد يقوم على هذه العقيدة ، وتجاوز التاريخ بحجة الحداثة أثبت فشله في موطنه ، فما بالك بموطن يقوم على محددات فكرية وعقدية وثقافية معينة ، وعندي أن أن تجاوز التاريخ هو قضاء على الواقع والمستقبل ، وأن أي اختراق لهذه الهوية العظيمة هو قضاء على الوضع السياسي كله ، والله أعلم كيف سيكون الوضع لو انفلت زمام الأمر ، وتغيرت الأحوال في ظل هذه التغيرات الكبرى التي تتصاعد في اليوم والليلة .

الرابع : إن التعالي على الواقع وإشكالياته لن تنتج حلا للمشكلات ، وأن الطرح اليوتيوبي والمثالي لن ينتج أي فكرة ، وأن إدراك القيم الاجتماعية واحترامها ، والتاريخ واعتباره ، وطبيعة التركيبة الطائفية والعقدية وطرح الحلول الواقعية والمنطقية وعدم فصلها عن الواقع العولمي الذي جعل الخيار ليس داخليا على كل حال هو الذي سوف يسهم في التعاون على ” الإصلاح ” المنشود ، بلا احلام طوباوية ، أو تعقيد للمشكلات حتى تستعصي عن الحل ، وان اعتبار دور ” المثقف ” في الواقع سوف يسهم بلا محالة في دفع دفة التقدم للبلد ، وان التعالي عن الخلافات الحزبية ، والنطاقات الفئوية ، والمناطقة الضيقة ، سوف يفتح المجال للعقول المستقلة ان تسهم في هذه العملية الحضارية المنشودة .

الخامس : أن إعادة اعتبار ” الإسلام ” في حس مثقفينا ، وقراءته من خلال قواعده واصوله ونصوصه سوف يقنع الجميع بأنه دين صالح لأن يكون منطلق حضاري، لما يتمتع به من مرونة وسعة وقيم عليا واحترام للإنسان ولكينونته ، وأن قراءة الإسلام من خلال التعصب المذهبي ، أو الممارسة الحزبية او السياسية ، أو من خلال حركات الدروشة المنحرفة سوف تشوهه وتبعده عن القياد الحضاري ، وتوقع الناس في ” التناوش ” الذي يفسد أكثر مما يصلح ، ويوتر النفوس ويزيد من غلوائها ، وهذا لن يتم إلا من خلال الحوار الهادف الذي يثري في هذا المجال ..

السادس : أن المشكلة والاختلاف بين الفرقاء ليست في الشعارات التي ترفع ، فالعدالة والمساواة والحرية والتكافل الاجتماعي وغيرها من القيم العظيمة ليست هي محور الخلاف ، ولا يتصور أحد بأن رجل مسلم عاقل سوف يقف أمام رجل يدعوللعدالة ، أو لنصرة الضعيف ، أو للمساوة وترك الحيف ، ولكن المشكلة التي تحتاج لتحرير هي في ” المضامين ” التي تخرج هذه القيم من حدودها الشرعية لتجعل منها قيما أجنبية تقضي على كثير من القيم الشرعية ، وخاصة حين تكون تلك المفاهيم متولدة في بيئات أخرى لها قيمها ودينها وأصولها الخاصة ..

سوف أواصل مع الأخ مهيار إن شاء الله ..

وشكرا للجميع !

مهيار

مجرد تعليق على توضيحات العزيز د استفهام

1/ لسنا بصدد مخاصمتك بالتأكيد، ويعلم الله كم أنا مسرور بهذا التواصل، وخاصة أني أتطلع إليه على أنه نزوع نحو الأفضل، وليس حلبة صراع… وأوافقك في النظر إلى الأمر بطريقة إيجابية.

2/ وأوافقك على الثانية بدون تردد، وأؤمن أن الإصلاح يبدأ بالمراجعة النقدية، فإصلاح الذات خير وسيلة لإصلاح المجتمع، وثمة مستحقات يجب أداؤها حتى يتخذ الإصلاح منحاه ويتكرس كاتجاه اجتماعي أو ثقافي، وتبدأ من حق الاختلاف ولا تنتهي بحرية التعبيرفقط، بل هي في تطلب مستمر.

3/ كلنا معياريون بشكل أو بآخر، ولك أن تتبع ما تشاء من مناهج سابقة أو لاحقة، ولي أيضاً أن أتبع ما أشاء، فقط ما أود التأكيد عليه هو أن أتعامل معك بما أحبه من تعامل منك… أما فيما يخص الهوية فسيكون لنا حديث بخصوصها إن شاء الله.

4/ إن نقد بعض المظاهر الشكلية والممارسات الخاطئة بشأن الحريات الفردية وما إلى ذلك ليست تعالياً على الواقع، إنما تعالياً على الجراح أحياناً وهو أمر محمود في سبيل التواصل والانحياز إلى العمل الأفضل والتعاطي الإيجابي مع كل الحراك الاجتماعي والثقافي.

5 / لا أظن أن هناك من يتنكر للإسلام ككل، مرجعية وتاريخا لهذه البلاد، وخاصة أنها مقر الحرمين الشريفين، بل ربما هذه الميزة تجعل لزاماً على الاتجاهات الدينية أن تتقبل التعددية وتتسم بالمزيد من تقبل الآخر، وتميل جهة مصالح المسلمين العليا وفق ضوابط للمصلحة قد تتجاوز أحيانا النصوص نفسها ، بله التفسيرات الحافة.

6/ ربما اليوم هذا الحوار ممكن بيننا، لأنك وأنت الذي تدافع عن تيار مهيمن.. تقول بوضوح: ( فالعدالة والمساواة والحرية والتكافل الاجتماعي وغيرها من القيم العظيمة ليست هي محور الخلاف) لأنها لطالما كانت المحور العميق لكل خلاف…

أشكرك أيها المسلم العاقل..
وأرجو الا نكرر الحوار فيما سبق أن تبادلنا الرأي فيه حتى لا يتحول الحوار إلى جدال، ويأخذ بعدا سجاليا بيننا وحسب، وحينئذ ينفصل عن المجموع …
بصدق يا سيدي لا يهمني أن أتفوق عليك، وإن غلبتني في أمر سأكون شاكرا لك لأنك أضفت إلى فكري… كل ما يهمني باختصار وبجملة مقتضبة:

أن ندرك أن أحكامنا هي أحكام بشر، وأن أفهامنا ليست وحياً يوحى
كل الحب والتقدير والاحترام لك ولكل من يؤمن بحق الاختلاف.

د . استفهام

كنت أود أن أنهي فقرة الأخ مهيار الأولى قبل أن يرد حتى لا نعود إلى نقطة الصفر في الحوار ، ولأنه أنزل رده على الفقرة الأخيرة من كلامي ، فلا بأس من الانطلاق من رده الأخير وهو الذي أنبأ فيه عن ما يجول في خاطره ، فسررت لأني جعلته ” يفضفض ” مكنوناته ، وأنا حقيقة أحيي فيه صراحته التي يعكر عليها غموضه في ” نقطة الالتباس ” المهمة ، فهو صريح فيما ينتقده على غيره ، لكنه ليس صريحا بالقدر ذاته في بيان رؤيته الخاصة ..

أنا يا استاذ معيار لا أتهم إيمانك ولا هويتك ، ولكني اتعامل مع ” فكرك ” ، ومآلاته ، وأناقشك فيما تقول لا فيما تضمر ، ولا زلت مصرا على أن صنع ” المخيالات ” والضرب عليها دون بيان المعنى بدقة يعارض ” العلمية “، وخاصة حين يتخذ الإنسان من المصطلحات مجالا معرفيا جميعا دون الاتفاق على المعنى المحدد ..

وحتى نكون أكثر دقة ، وحتى لا نسبح في فضاء الكلام الإنشائي ، فإني سأقف في هذا الرد على مفهوم ” الإسلام المؤسسي “، وقد حاولت جهدي أن تبين لي هذا المعنى بدقة في الرد السابق ، ولكني تفاجأت انك أردت ان تعربه فأعجمته ، ولعل هذا قصور فهم عندي في مرادك ، فأنت بدأت بقولك بأن هناك فرقا بين ( المؤسسي والمدرسي ) ، ثم أكدت على ان المدرسي هو المؤسساتي ، فلم تبين الفرق ، ثم تكلمت عن هذا الاسلام المؤسسي المدرسي على انه ( يتجلى عبر سلطة تفرضه، إنه الفقه المدجج بأسلحة التكفير والجلد والرجم والصلب، إنه الفقه الذي لا يتقبل الاختلاف، ويمتلك الأدوات التي تمنع الناس من رفضه، أنه الفقه الذي يقسر الناس على إتباع تفسيراته، إنه الفقه الاقصائي الذي ينغلق على زمن معين أو معنى محدد ويبني لذلك سلطة قامعة باسم السماء والغيب. إنه الفقه الذي يقيد العقل ويحجره ويحوله إلى مسجل يردد الصدى الذي يفرضه، إنه المنهجية القائمة على قيادة الناس كقطيع لا يعقل، وكسائمة ليس لها سوى أن تجتر الغثاء لتجو من النقمة. ) .

وهنا لا أدري حقيقة هل الاستاذ مهيار يتكلم عن ” الإسلام المؤسسي ” ، أم يتكلم عن ” الفقه ” ، هل هو يتكلم عن ” خلاصة الاجتهاد ونتائجه ” ، او يتكلم عن ” آليات الاجتهاد وقواعده ” ، ولذلك استعاض عن هذا بأسطر من الهجائية للفقه ، وأنا سألته عن معنى ” المؤسسي “، فيبدو أنه إلى الآن لا يدري مشكلته مع من ؟ فإن كان يقصد ” الفقه ” فأي فقه هو الذي يقصده ؟ هل هو يعني المدارس الفقهية المشهورة ؟ هل يعني مدارك العقائد والفرق ؟ هل يعني بالفقه الاقصائي المنغلق السلطوي الذي يقيد العقل ويحجره ويجله إلى مسجل يردد الصدى تيارا إسلاميا من التيارات ؟ هل يقصد ” الخوارج ” ؟ أم يقصد المرجئة ؟ هل هو يقصد ” الظاهرية ” أم يقصد الأحناف ؟ هل هو يتكلم عن المدرسة ” المقاصدية “أم يتكلم عن غيرها ، هل يقصد مدرسة المحدثين أم مدرسة الفقهاء ؟ أم يقصد مدرسة الأصوليين أم أهل الكلام ؟ لأن كل من درس التراث الإسلامي لم يتعاط معه بهذه الطريقة المهيارية المغرقة في التشاؤمية والهجائية والتعميمية ، والمحملة ببعد نفسي ظاهر ، فحتى ” العلمانيون العقليون ” ، أو المستشرقون المعرفيون ، أو المغرضون المتسللون لم يتعاملوا مع التراث بهذه الطريقة ، لأن الباحث المعرفي لا يمكن أن يأتي الى تراث تراكم عبر ألف سنة ، ثم يسبغ عليه لفظا مثل ” الإسلام المؤسسي ” ، ثم يتعامل معه بنقمة وثأيرية بهذه الطريقة فإن كان يقصد أن ( التراث الإسلامي ) كله هو هو ” إسلامي مؤسسي ” ، فما هو ” الإسلام الرباني ” إذن ؟

المشكلة في الطريقة المهيارية أنها تتعاطى مع التراث بهذه التشاؤمية والسوداوية ، وكل نقطة مضيئة فيه فهي منسوخة أو مؤولة ، ولو طلبنا منه أن يعيد تشكيل الإسلام ” الرباني ” في مقابل الإسلام ” المؤسسي “، فإنه سيتلو علينا بيانا ” ليبراليا ” عن قيم الليبرالية العليا وسيسبغ عليها المحامد كلها ،والكمال المطلق ثم سيقول لنا : هذا هو الإسلام الرباني ، ثم يصبخ عليها الختم .. قاله : جون لوك !

إن الأمر المشكل كذلك في هذه الطريقة أن ” الإسلام ” و ” الليبرالية ” عند الأخ مهيار ليسا فكرتين متكاملتين ، بل هي فكرة ليبرالية حاكمة على الفكرة الإسلامية ، وكل فكرة في الإسلام تعكر على صفو الليبرالية فهي فكرة ” مؤسساتية إسلامية “، وليس أسهل من أن تقولب موقفك من أي فكرة ، ثم تجعل هذا القالب وعاء ترمي فيه كل ما يعترضك من فكرة ،

نعم … إنني لا أنكر أن النسق الفقهي المدرسي في الإسلام ليس على مستوى واحد ، وليس كله نقاط مضيئة لا يعكرها شي ، وأن التاريخ الإسلامي فيه فرقا كانت صورة مشوهة للإسلام ، ولكن هذه الصور كلها لا تعكر على صفو ” التاريخ الفقهي الإسلامي ” ، باعتبار أنه هو ” الكاشف ” لهذه التشوهات ، فالخوارج مثلا الذين يكفرون الناس بالذنب والمعصية ، تم كشفهم في وقت مبكر ، بل إن الصحابة كانوا يسرون في قتلهم لأنهم يحملون بعض صفات ذكرها مهيار في مقدمته الخطابية التشاؤمية ، فهم كانوا خلوصيون إقصائيون / يحتكرون الحق في كل ما يقولون ، يقتلون باسم الله ، ولا يتقبلون الخلاف وغيرها من مشكلاتهم العقدية والفكرية والتصورية ، ) ، ومع ذلك ومع ما كانوا يحملون من صفات لا يصلح معها إلا ” القتل ” لأن الخارجي الصرف يا قاتل يا مقتول ، ومع ذلك كله قال لهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( إن لكم علينا حقوقا ، أن لا نمنعكم من بيت مال المسلمين ، ولا نمنعكم من مساجد المسلمين ، ولا نجهز على جريحكم ، ولا نتبع فاركم ، ولا نبدؤكم بقتال ) ، فأي الصورتين هي المؤسساتية في فهم الأستاذ مهيار ؟

في المدارس التاريخية الفقهية الإسلامية أيهما هي المؤسساتية : مدرسة الظاهرية التي كبحت جماح توليد الأحكام في باب القياس أم المدرسة المقاصدية التي تسبح في النظر إلى العلل والمقاصد والأحكام مما يتيح للعقل ان ينظر في العلل ويطردها ، ويبين قيمية الأحكام وانعكاسها على حفظ ضرورات الناس التي تصلح للمسلمين وغير المسلمين ؟؟

إن مشكلة ” الإنشائية ” في الأحكام المعرفية تختزل التاريخ في أربعة أسطر ، وعند التفصيل يتبين سوء الهجائية التي تحتاج إلى ” تدليل ” على صحة الدعوى ، ومع ذلك كله : ماهو وأين هو الإسلام الرباني في مقابل الإسلام المؤسسي ؟

إن الذي يقرأ هذه الأسطر من الاستاذ مهيار يخيل إليه أن ” التراث الإسلامي ” كله بمدارسه الفقهية والعقدية والأصولية كان همها توطيد الاستبداد باسم الله ، وتجريم الاختلاف والاجتهاد ، والعمل على إغلاق العقل أمام انطلاقاته المعرفية ، ولو رجعنا إلى الأحكام التقصيلية لوجدنا ان هناك فعلا من هو بهذه المثابة ، ولكن جزءا من التراث الإسلامي هو في كشف هذه التشوهات والدخول في سجالات كبيرة لتجلية الحقيقة ، والإشكالية عند الاستاذ مهيار أن شرط التقدم وفتح العقل وتقبل الخلاف والتسامح أن نأتي على هذا الإسلام ” المؤسسي ” فندكه من أصوله ونحن محله ” الإسلام الرباني الليبرالي ” ، وكأن العائق الآم في العالم الإسلامي أمام التقنية والتقدم والتطور هو هذا الاسلام المؤسسي ، وأن ” الليبراليين العرب ” فقط ينتظرون القضاء على هذا الاسلام المؤسسي حتى يعلنوا تفجير القنبلة النووية ، وأن هذا الإسلام هو العائل أمامهم في غزو الأسواق العالمية بالمخترعات ، وأن الظلم هو نتيجة لهذا الاسلام المؤسسي ، مع ان ” الاستبداد المعاصر ” جاء من القوميين والشعوبين والعلمانيين الذي حكموا العالم الإسلامي في المائة سنة الماضية ، فهم انعتقوا من الاسلام المؤسسي والرباني ، ووقعوا في الشمولية الاستبدادية الدكتاتورية ، فتحقق لهم شرط النهضة فأين هي النهضة ؟ أين هي مصر التي أراد الخديوي اسماعيل ان يجعلها حارة من حارات باريس ؟ أليس التصنيع بدأ في مصر واليابان في سنة واحدة ..فأين هي مصر وأين هو اليابان ؟ أم ان التحررية كانت في الانفاق على ” أوبرا عايدة ” ، والمسارح والتحرر من الحجاب ، فهذه هي الحضارة المعاصرة في حس المتحررين الحالمين ..

أريد فقط نصا في التراث الإسلامي يقف أمام أي تقدم مدني او حضاري ؟ نريد مدرسة واحدة فقط تحرم العقل ان يعمل في مجالاته المعرفية والعلمية والتقدمية ، فحتى الفرق العرفانية هي لم تقف امام هذا ، بل ارتضت لنفسها خلوصية وطقوسية معينة ، ولكنها لم تعلن حربها على العقل المنتج ، وإن كانت تهمله ، وموقفنا منها مثل موقف الاستاذ مهيار ومن على طريقته ..
إن نقل المعركة من وجهتها الحقيقية إلى عدو ” مفترض ” يحمل تبعات التخلف هي حيلة العاجز عن فعل أي شي أمام المسؤول الحقيقي عن هذا كله ، فهم كمثل الشاب الذي يستذله أخوه الكبير ، فينتقم بضرب أخوه الصغير ، فمن يقرأ هنا يجد أن” الصحوة ” والتي تشكل عند البعض ” الإسلام المؤسساتي ” هي المسؤولة عن كل بلاء وفتنة وتخلف وتأخر في البلد ، مع أن الواقع يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن التيار الليبرالي أتيح له فرصا لم تتح لغيرهم ، من المناصب الوزارية الحضارية والتنموية ، واستلم زمام الإعلام سنوات طويلة ، فكان خطابه هشا وسطحيا تغيب فيه الرؤية الحضارية والمدنية ، يخلق معارك تافهة مع خصوم مفترضين ، يهتم بقشور المسائل التحررية وينسى الأسس التي تبني الدولة ، يعيش حالة غربة اجتماعية بسبب التعالي الفكري والثقافي الذي يصنع له الأبراج الخاصة ، فهو لا يحسن حتى التفاعل مع المجتمع ، ولا الاسهام في مشكلاته الخاصة ، وهاهو الآن يعيش مراهقة صبيانية في تعاطيه مع ملف مثل ملف ” الإرهاب ” الذي لا يمكن ان نتقدم في حله خطورة من وجهة نظر ليبرالية .. وتخيل فقط لو أن ليبراليا يريد محاورة تكفيري او ارهابي ماذا سيقول له ؟

نعم .. في الدعوة الإسلامية قصور لا ينكر ، وانحصار في مجالات محددة ، ومشكلة في طبيعة الخطاب ، ولكن هذا لا يعني أنهم هم سبب التخلف والبلاء ، لا هم ولا تأسيسهم التاريخي والتراثي ، ولذلك لا يجوز أن نعتبرهم أس كل بلاء، بل انظر إلى المشهد بصورة بانورامية ومن زوايا مختلفة … حتى لا تقول :

والله لولا خشية العذال ** لقلت أنتم سبب الزلزال

شكرا لك .. ولي عودة إن شاء الله

د.استفهام

أتمنى أن أستطيع في هذه المداخلة أن آتي على جميع نقاط الأخ مهيار في رده الأخير ، وقد أنتهيت من قضية ” الإسلام المؤسسي ” الذي إلى الآن يكتنفه الغموض ، ولم استطع فعل شي في فهمي لمقصد الأستاذ مهيار ، ولكني في مقابل ذلك وحتى نستفيد من الحوار أحب من الاستاذ مهيار أن يناقش المسائل بيني وبينه بعيدا عن التصورات الواقعية والتاريخية الخاصة او النسبية التي ينتقدها المخالف على أي تيار ، فلا يصح لي مثلا أن أنتقد الحضارة الغربية من خلال ” نازية هتلر ” ، ولا أحكم عليها من خلال تفسخ بعضها ، وهذا يوقع في التناوش الذي يخرج من إطار المنهجية ، وكأني أقرأ في ثنايا كلام الأخ موقف نفسي من تيار وتصرفات أفراد ، ولكنه أسبغها الواقع والتاريخ ، فالتعالي عن الموقف الايدلوجي او الفكري هو الذي يحقق مبدأ ” الإنصاف ” في نقاش أي فكرة بلا تحيز ..

وأنا أستطيع هنا أن أكتب عشرات الأسطر في نقد التيارات الإسلامية ، وفي نقد التاريخ الإسلامي ، ولم يدع أحد أن الحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية سواء على مستوى العلماء او الدعاة أو المدرسة الفقهية خالية من الأخطاء أو النقص او التصور او الاختلافات التي تصل إلى حد التعارض والحروب ، ولا أنكر وجود نزعات ” غلو ” في هذه التيارات ، وقد كتبت فيما مضى نقدا للصحوة ومطالبة بتجديدها ، وثنائيات الملتزم وغير الملتزم التي جعلت الواقع يتشطر إلى جزبين رئيسيين ، وكان الجزء الأكبر من كتاباتي هي في نقد ” التكفير ” للمخالف ، واستباحة الدماء باسم الشريعة ، فهذا كله من المفترض ان نتجاوزه في الحوار حتى لا يزايد أحدنا على الآخر في قضية الاتزان المعرفي والعلمي ، ولم يكن الموقف من التيار الليبرالي هو الموقف النقدي من الصحوة او التيار الإسلامي ، بل الإشكالية هي في حالة ” التحيز ” المعرفي الذي ينتهجه التيار الليبرالي والذي يتعارض مباشرة مع ” الوحي ” و ” الإسلام ” كمرجعية ، وإن كان التيار يختلف عن الحقبة الشيوعية في التصريح برفض الوحي والإسلام علنا ، فإن هذا التيار المعاصر يحاول ” الالتفاف ” على الإسلام من خلال نقده من داخل منظومته وابطاله من خلال قراءة منهجية تؤدي في نهاية الى ” نقض ” الإسلام بدعوى دراسة الإسلام ، والانطلاق من منهجيات أجنبية عن التراث الإسلامي والتي تتعارض مباشرة مع أصول الإسلام وفروعه ..

الأمر الذي لاحظته على طريقة الأستاذ مهيار في تعاطيه مع ما أكتب هو في استلال عبارات من كلامي من سياقها ، ثم بناء مفاهيم لم أقصدها ولم اقلها ، فكلامي عن الاستشراق ليس هي دراسة تقييمية لها ، بل لبيان الطريقة المعرفية للمستشرقين الذين لم يكتفوا بإطلاق الأحكام المعلبة ، أو اختزال التراث بفكرة او لفظه ، ثم الانهيال عليه بالابطال والهجائية ، فحتى جولدزيهر وإن كنت أرى أن منهجيتهم متحيزة ، وطريقتهم مكشوفة في محاولة إضعاف المنهجية الإسلامية في العلوم ، ولكنه مع ذلك عاش فترة طويلة جدا في القراءة التراثية واستيعابه من أصوله ، وجرد موروث المسلمين حتى تصبح بعض الكتابات الإستشراقية مرجعا للبعض ، أما جماعتنا فهم يأخذون أحيانا أفكارا ناجزة كتبها أحمد امين او الجابري او أركون وغيرهم ، وينظرون إلى التيار من خلال القراءات العقلية للتراث الإسلامي المعاصر ، ولذلك لا تجد مشروعا محترما في الفكر العربي العقلي يتقارب مع ما كتبه مثلا أحمد أمين الذين عاش أكثر من خمسة عشر عاما يقرأ في التراث الإسلامي حتى تعجب من نسق التأليف وكيف يربط بين نصين في الطبري وابن كثير وكأنها جاءت في ورقة واحدة لأحدهما ، وبغض النظر عن منهجية أمين او الجابري اوغيرهم إلا ان هؤلاء حين ينتقدون التراث ينتقدونه من خلال جدية في الاطلاع والفهم ، وسنوات من الإضناء الفكري والعقلي في التأمل ، حتى وإن كانت منطلقاتهم معرفية ابستمولوجية او متحيزة ايدلوجية ، وهذا مقصدي من ذكري للمدرسة الاستشراقية .

أما الإشادة بمدح المستشرقين للتراث الإسلامي فإن هذا له قيمته لأن ” الحق ما شهدت به الأعداء ” ، فهو ينتقد من حالة تعال عن المؤثر ، وهذا يقال فيمن يحاول النيل من شهادة المرء لنفسه فيدعم موقفه بشهادة عدوه .. لينفي عن نفسه صفة الإعجاب بها ..

لقد حاول الأخ مهيار في عباراته أن ينقل النقاش من نقاش منهجي أصولي بين فكرتين ومنهجين ، إلى الدخول في حصر النقاش حول مفاهيم تيار صحوي ، او منهجية فكرية حزبية لجماعة ، أو سلوك تديني لبعض الأفراد حتى ولو كان هذا سمة المجتمع المعاصر ، وأنا أرى ان هذا الأمر ليس مشكلا في الموقف من الليبرالية ، وليس أصليا في الخلاف ، لاني لن أناقش رجلا في سلوك تديني ، أو في قضية فقهية جزئية والخلاف معه يكمن في موقفه من ” التراث الإسلامي كله ” ، فلا السلوك التديني ، ولا الخطاب الوعظي ولا سلوك الشدة والعنف هو المشكل في نقاشي مع التيار الليبرالي ، المشكل هو في ” المرجعية ” التي هي الأصل في الخلاف ..

أما قضية اختزالية العبارات مثل قضية ” الرجل المادي ” ، فهذا مصادرة على وحل النزاع ، فالخلاف حول ” المادية ” ليس في الدافعية الى الانتاج ، والرفاهية والتقدم ، وكأن الخلاف حول هذه القضايا ، وهذا تشويه متعمد لي ولفكري في هذا الأمر ، وهو جزء من احتكارية المثل العليا للتيار الليبرالي .. لا يا عزيزي .. القضية في الرجل المادي ليس في الرفاه ولا الانتاج ، ولا الدافعية الحضارية ، بل هو في انتقال المادة إلى مركزية ، وإحالة الانسان إلى آله تلهث خلف شهواتها ومتعتها بعيدا عن القيمة الخلقية ، والإضرار بالقيم الشرعية التي تجعل من المادة سبيلا للحياة حتى لو كانت على حساب الأخلاق والمثل والقيم ، وهذا ينعكس على طبيعة المجتمع الذي يجعل” الرأسماليين ” هم المسيطرون على تفاصيل الحياة ، فيسحق الناس بأقدامهم ، ويكون الطريق إلى التكسب مباحا باعتبار ان المادة هي المحرك للفكر والواقع ،ويستسلم الناس للحداثة ومنتجاتها باعتبار أن المادة هي التي تصنع حركة التاريخ ، ويغيب في هذا الهدف من الحياة ، وإهمال الحياة الباقية في الآخرة ، والحل ليس في تحييد الحياة الأخروية عن السباق الحضاري ، وليس في الاغراق في المادة ، بل في ” التوازنية ” التي تميز بها الإسلام بين الدارين ، ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ) .

الغريبة في طريقة الاستاذ مهيار في القضية الفكرية الفلسفية أنه يتجاوزها ، أو يأتي بقياس العكس حتى يحيل الفكرة لصالحه حتى بالتعسف ، فأنا حين اتكلم عن ” قصور العقل البشري ” اقصد فيها الاشكال على منهجية معينة ، ولكنه يقلب الأمر ليقول لنا إن هذا القصور هو دافعية .. فهم أصلا لم يقتنعوا بالقصور حتى يجعلوه دافعية ، فأرجو من الاستاذ ان يناقش قولي أنا وليس ما يفهمه من قولي ..

هناك نقاط في كلام الأخ مهيار أعاد فيها الحديث عن ” الإسلام المؤسسي ” ، وقد بينت قولي فيه في مداخلة مستقلة ، ولا زلت أرى ان هناك مشكلة مصطلحية ، ولعله في المداخة القادمة يبين لنا ماهو ” الإسلام المؤسسي ” ، وماهو المنهج في الخروج منه كله لنقرأ الإسلام قراءة ربانية .. مباشرة لوثرية ..!

أما دعوى الأخ أننا نحارب التحررية لأنها نشات في ظل الالحاد فلا شك أن القضية فيها ليست لأنها إلحادية ، بل هو جزء من الاشكالية الالحادية التي تخرج ” الدين ” عن السياق ، ولذلك فدعوى أننا نحارب كل فكرة ونقول لكل فكرة غربية بأنها إلحادية هذا هذاء ، ولم يقل أحد من المسلمين أن كل فكرة تخرج من الغرب هي فكرة ألحادية ، بل العالم الإسلامي كله يشهد بما فيه الجماعات الإسلامية والدعاة أنهم يتعاطون مع الغرب بعقلية ” الفلترة ” وليس بعقلية ” الاستلاب ” الذي هو سمة تيار الليبرالية المتماهي في الحالة الغربية المعاصرة ، وهذا جزء من عدم الفصل بين الموقف من التيار والموقف من النص المؤسس له ، فاختلط الأمر عند الاستاذ مهيار ، فقرأني من خلال موقفه من الحركة الإسلامية .. وأما مسألة التجنيد من قبل الغرب للإسلاميين ، فهذا ليس فقط في الحركة الإسلامية ، بل العالم الإسلامي كله رقعة شطرنج كبيرة يجند الغرب فيها من يشاء لصالحه ، فهو يجند الإسلامي ويجند الليبرالي ويجند اليساري لما يشاء ، بل الاختراق الاستخباراتي الامريكي استطاع ان يجند جمال عبدالناصر وهو الذي يقف أمام الامبريالية الغربية لصالحه في خطابه أمام دول الحياد الإيجابي ..

هنا آتي إلى قضية إعلان الإسلام كمرجعية ، فأنت تقول بأن الإعلان عنه كمرجعية قرار شخصي ، وكأني قد وضعت السيف على رأسك لتقول هذا ، أنا أقول في مسألة الصراع الليبرالي الإسلامي لا يكمن في مشكلة الخلافات الجزئية ، ولا في قيادة المرأة للسيارة ، ولا في الموقف من الحجاب ، ولا في غيرها ، القضية هي قضية المرجعية ، فإن كان الليبرالي لا يرى المرجعية الشرعية ، فالقضية هي قضية أصلية سياسية وفكرية ، والنقاش معه سيختلف عن هذا المنحى ، لأن الليبرالي في هذا الأمر سوف يقع في الدعوة إلى ” تغيير ” النمط الاجتماعي كله بناء على نظرته ، وسيغير البناء السياسي بناء على نظرته ، وهذا سوف يفتح المواجهة بين الليبرالية وبين المجتمع كله ، وخاصة ان المؤسساتية الآن أصبحت جزءا من الصراع وليست محورا للصراع ، وهنا ستكون هذه ” المخاتلة ” في قضية الاسلام وأنه يدعو إلى التسامح والقيم وغيرها هي محاولة التفاف على المشروع المبشر به ، وهذا لا شك نفاق معرفي يحتاج إلى أن يصرح أصحابه بما يريدون بلا مراوغة أو ضبابية .

إنني لا أفرق معرفيا وفكريا بين من يرفض الإسلام باعتباره دينا سماويا ، وبين من يرفض آلية قراءته ، والعجب أنك تجد بعض الليبراليين يشيدون بالاسلام ثم ينكرون ” السنة كلها ” ، ويشيدون بالاسلام ثم يمسحون التاريخ الاسلامي كله بما فيه الجهادي والحضاري والعلمي والفقهي ، ويمدحون الإسلام ثم يقرأونه بمناهج عدمية تقضي عليه من داخله ، ولذلك فأنا الآن أعلن عجزي عن فهم موقف الإستاذ مهيار من الإسلام ، وقد حاولت لا لأجل محاكمته ، بل لأجل ان يتسق مع نفسه في الموقف ، فهو كمن يؤمن بالإسلام وينكر القرآن ، فيكون هذا الإسلام هو إسلام ذهني خاص وليس هو الاسلام التاريخي ولا هو الإسلام المسطر بكتب التراث ، ولا هو الاسلام الذي يعيش في الواقع ، فماهو هذا الإسلام .. هذا مالم نعرفه إلى الآن .

ثم إني سأتجاوز تجربتك الخاصة في العمل في مؤسسات دينية في المجتمع ، فالتجارب الخاصة لا يصح أن تعمم لتكون حاكمة على الفكر ، فكل انسان ممكن أن يعيش تجربة مرة في أي قطاع ، سواء كان دينيا او اجتماعيا ، ولكن هذه ستبقى في إطار التجربة الخاصة التي نوافقك على مأساويتها ولا ننكر التشوهات التي تقع في بعض المؤسسات التي يقودها أناس من التيار الإسلامي ، ولكن ممارسات الأفكار ليست هي الحاكمة على الافكار ، ولا يكن أن انقض دينا او أقف معه موقف سلبي من خلال أناس قد يستغلون حمله في تمرير وتحقيق مصالحهم الخاصة ، وإلا لاختزلنا الليبرالية بدعوى تحرش رجل ليبرالي بموظفة في مستشفى او مؤسسة أهلية ، فكما أن هذا لا يجوز ، فالمثال الأول لا يجوز .. ويبقى هذا دليل على ما قلته في السابق من حضور الموقف النفسي والشخصي في الموقف من التيار كله ..

ومثل هذا الموقف الشخصي في السلب تحكم على الليبرالية من باب الإيجاب ، فأنت تحكم على الليبرالية الغربية من خلال رجوع ميتران إلى بيته ، ثم ياتي رجل فيمسح ويسلح على الغرب بممارسات بوش ، فمن يريد ان يلمع الليبرالية يلمعها ببعض عدلها ، ومن يريد ان يشوهه يشوهه ببعض ممارساته الخاطئة ، وهذا هو المشكل في الحكم على الاسلام او في الحكم على الليبرالية ، فالعاقل لا ينكر قيمة الحضارة الغربية وجوانبها العظيمة ، ولا ينكر احترام انسانية الانسان ، ولا ينكر قيمة العدالة التي يتمتع بها هؤلاء ، ولا ينكر التقدم الحضاري ، بل لا ينكر وجود قيم عليا فيهم ، وهذا ليس الآن ، بل إن المستورد بن شداد رضي الله عنه كان يكلم عمرو بن العاص عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تقوم الساعة والروم أكثر أهل الأرض ، فقال له عمرو الزم ما تقول أقال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا ، قال المستورد نعم ، قال : فإن فيهم خصال : أرحمهم لمسكين ، وأعطفهم على ضعيف ، وأقربهم إفاقة بعد مصيبة ، وخامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك ) ، فهو يرى ان سر بقاء الروم إلى قيام الساعة هو وجود صفات جيدة فيهم ، وميزان الحق والعدل يقتضي أن لا نسلب الناس صفاتهم السيئة بحجة العداء ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ان لا تعدلوا ، إعدلوا هو أقرب للتقوى ) ، وليست مشكلتنا مع الغرب هي في جوانب الحسن فيه ، بل في الجوانب التي تصطدم مباشرة مع الإسلام وقيمه وتعاليمه ، ولا أظنك توافقني في ضرورة الوقوف أمام كل ما يؤثر على أخلاقنا وقيمنا في عالم التعاطي الحضاري ، وقبول ما ينفع إن لم يصطدم .
.بالنسبة للآية .. ( هو الذي أنزل عليك الكتاب … ) الخ ، أنت تنكر عليهم أنهم جعلوا الواو استئنافية ، ولم يجعلوها عطفية ، والحقيقة انك خدمتهم مباشرة بهذا ، فحين يجعلوها استئنافية هم يسلبون قضية الفهم والعلم ، وحين يجعلوها عطفية يدخلون انفسهم في العلم ، ولعلك كنت تريد العكس .. هذا جانب .

الجانب الثاني ، أنك خالفتهم بمنحى تأويلي وتفسيري ، واستندت في ذلك على مفاهيم ” اللغة العربية ” ، فما الفرق بينك وبين أي ” إسلامي مؤسسي ” يفهم الاسلام من خلال لغته ؟ وما هو الفرق بينك وبينهم … فهم يرونها عطف ، وأنت تراها استئناف ؟ هم يريدون ان يجعلوا العلماء يعلمون التفريق بين المحكم والمتشابه ، وانت تريد ان تسلبهم هذا الحق ..

الجانب الثالث : أن كلامك هنا يدل على ما ذكرته من قصور الفهم للإسلام المؤسسي ، وقراءته بطريقة مؤامراتية ، فهم يرشحون قولا حتى يدخلوا في الكهنوت ، فما بال الآخرون الذين ينكرونه ؟ فلماذا أهملتهم ؟

اشعر أني أطلت .. والسجال بهذه الطريقة يشترط هذا ..

شكرا لك ، والحوار معك ممتع ومفيد .

مهيار

الأخ استفهام…
أظن أني انتظرتك حتى أنهيت قولك، أو على الأقل حين لم تنه فقرتك باللازمة: (ولي عودة إن شاء الله)… ومع كل أساليب تمييع الحوار من خلال تجزيئه، متعت نفسي بالتجاوز عن الأمر، وانشغلت بالمقصد الأسمى عن الرد بالمقابل. لئلا أكون مجرد رد فعل.
وقد يكون ردي التالي ساخناً بعض الشيء، لأني أتقبل كل شيء إلا الوصاية والحد من الحريات بدعوى وضوح المعتقد والحالة النفسية وما إلى ذلك، لأن أي تهاون في هذا الصدد هو خذلان لا مراء فيه.
ودعني أوضح لك أمراً في غاية الأهمية، ومن الطبيعي أن يستشكل أمري عليك، فأنا صريح بخصوص الآخر و(غامض) كما تقول بخصوص رؤيتي الخاصة، لأني أقوم بجهد نقدي، وليس بجهد تنظيري، أنا لست هنا لأقرر لك ما تعتقد، إنما هنا لأقول لك لست وصيا على معتقدي، ولكن السؤال عن معتقدي سيبقى هاجسك، لأنه البوابة الأولى للاقصاء والاستئصال… لست غامضاً ولي تصوري عن كل هذه المسائل التي أطرحها، ولكني لست داعية ولا مبشراً، إنما قارئ مجتهد يدرك أن القراءة الحقة لا تكون إلا في فضاء حر، فضاء لا تشوبه الأساطير والثقوب السوداء المتشكلة على مر القرون الطويلة من التشتت والتخلف والتعصب والمذهبية والانحطاط الحضاري والفكري وحتى العقدي… مهمة الداعية تركناها لكم، فقط نقول لكم لا تقسروا الناس على فهمكم، ولا تكونوا متساهلين مع أنفسكم متشددين مع الناس، فهذه لم تكن شيمة الأنبياء يا من تدعون السير على نهج النبوة، وأنتم أبعد ما تكونون عن هذا النهج…وكل السنة التي تنافحون عنها إنما أخذت على يد شراحكم معاني مؤيدة للاستبداد والتيوقراطية، وحتى كتاب العلي العزيز، قرئ قراءة توراتية مخلصة، وأصبحا حاملاً لكل الجور والطغيان الذي حمله الخلفاء المتعاقبون على الاستبداد بالناس وأكل أموالهم وهتك أعراضهم ونحرهم للتسلية….تراث الاستبداد في إسلامك عميق الغور يا سيدي، وليس هذا ذنبي، ولا ذنبك، ولكن ألا تقر بذلك، فأنت إما جاهل لا تدرك هذه الحقائق، وإما أنت هازئ تسخر من عقولنا…لذلك تبدأ بعداء العقل وتأثيمه، وتجريم من يستخدمه، وتدعونا إلى التسليم لك لا لرب العباد، فأنت الوصي على المعنى، وكل من حاد عن صراطك المستقيم آبق ملعون إلى يوم الدين.
وهاهو ردك الأخير يبدأ بداية حادة، فالنفس التكتيكي للحوار بلغ حده، ولا يمكنك الاستمرار بلغة متفهمة خشية أن يتكرس الحوار في منهجك، وهو كره لكم. لذلك يحفل نصك الأخير بالاتهامات ومحاولات التسفيه والتدليس والالتفاف والمناورة وبأسلوب التحقيق الجنائي، فأنت لست أمام مسلم يخالفك في الرأي، إنما أمام جان سليط لابد من ردعه حتى يهدأ العقل ويرتاح البال. وليتك بدلاً من الانشغال بتهلكتنا بسيف المقدس أو جرنا إلى روض الوداعة والبلادة، أن تعمد إلى مراجعة نفسك وتستفيد من المختلف الذي اطلعت عليه سابقاً، لأنه كما يبدو يصادم إذناً من عجين حتى لا أقول من طين… حتى لا يكون علينا اثمك.. واثم الفريسيين…
تسالني عن موقفي من الوحي، ثم تقول لي لم أتدخل بايمانك وهويتك، وتظن أن قولي يعكس الجوانب النفسية لدي إذ تقول: (المحملة ببعد نفسي ظاهر). ثم تقول أنك تناقش ما أقول لا ما أضمر… أي سخرية هذه وممن تسخر يا سيدي، وهل تظن أن قراءك هنا أحداث جاهلون، أم قطيع خيامك الدعوية، يا سيدي هم أقدر مني ومنك على التحليل والسؤال وفتح فضاءات العقل لأنهم يمارسون حرية الفكر، لذلك أرجو أن تترك هذا التسطيح وهذه الشعارات الجوفاء التي لا تتمكن من تطبيقها مسافة ثلاث كلمات، وأرجو أن تدرك أنك في هذا المنتدى تتوجه إلى نوعية أخرى من العقول تختلف عن العقول التي اعتدت على مخاطبتها في حلقاتك ومخيماتك ومنتدياتك، أما إذا كنت عاجزاً عن فهم مصطلح بعد كل هذا الشرح فهذا يعني أنك لا تود أن تفهم، ومشكلة من لا يود أن يفهم هي أنه لن يفهم قط. لأنه أصلاً يبلد ذهنه حتى يبتعد عن الجوهري في المسألة، فأنت لا تحاور الفكرة مع الأسف، إنما تنصب لها الفخاخ والشراك، وتبحث عن دواع التكفير والتأثيم، وتحاول جهدك إفراد النطوع ونصب المقاصل، أما اتهام أنني أعارض العلمية، فهذا اسلوب تعودناه منكم يا أصحاب المناهج العلمية، فكتبكم كلها تدعي العلمية، وكلها تزركش عناوينها ب(دراسة علمية موضوعية) وواقع الحال أنها تفتقد أدنى درجات العلمية وتبتعد عن الموضوعية مسافة مليون سنة ضوئية… أم أنك تريدني أن أتخذ مجالك المعرفي مهياراً أقصد معياراً (بت أخلط بينهما لكثرة خلطك بينهما، عسى ألا نكون من العيارين والشطار في نظرك).. أنا لا ارفض حقك في مجالك المعرفي، ولا أرفض إصرارك على (هدايتي) إليه، ولكن أرفض قسري عليه بوسائلك المختلفة المتراوحة بين الترهيب والوعيد. وأنكر عليك جعله المجال العلمي الأوحد لتفسير الوجود وقوانينه وتصوراته، وهو يعارض (العلمية) باستغراقه في الترديد والتقليد والتردي في مهاوي الماضي.
ثم تتهمني بالانشائية مراراً وتكراراً، ولاتورد تعريفك للإنشائية، ولا أدري مالذي يجعل قولي إنشائياً وقولك علمياً، أهو ذلك التكفير والتأثيم والاستخفاف، أم التعالي والأستذة. وكل ما فهمته من اتهامك أن الانشائية لديك هي كل قول لا يوافق هواك، وإذا كان بياني لمعنى (المؤسسي) لم يرتق إلى مستوى فهمك، فهذا يعني أنه سيبقى على عجمته مهما استبسلت في فك لغزه الذي استعصى عليك، أكرر لك اقرأ الكلام بذهن منفتح عليه، لا ذهن منغلق على علميتك، ستجده واضحا جلياً أكثر من كل مصطلحاتك الفقهية النمطية والجاهزة والتي مازالت تمارس دور المقصلة ثقافياً وعقدياً وفكرياً… بل وحتى اجتماعياً.
أنا أتكلم عن المنهج النقلي القاتل لروح العقيدة، المنهج التوقيفي الذي رهن المعنى الرباني لفهم إنساني قاصر انقضى زمنه منذ أكثر من عشرة قرون، نعم الفقه لديك ناجز والاجتهاد قد بات له خلاصة جامعة مانعة، لذلك لم تدر، ولن تدري… لأن الدراية تتطلب منك أن تتحرر من أسرك، من أسر المنهج النقلي بمصطلحاته وأدواته العفنة، وتصوراته المغرقة في التقوقع والانغلاق، تتهمني بالتجاوز وأنت تتجاوز كل ما أطرحه عليك لتعود إلى مصطلح شرحته لك مراراً، أو لقراءة إيماني من وراء حجاب… ولن أستغرب منك أن تتهمني غداً بأني ربيب الامبريالية والصهيونية والماسونية المتآمر على أمة محمد بن عبدالله.
أنا لم أهج الفقه، ولكن أهجو طول الأمد الذي جاءنا بفقه مزمن، فقه لا يتزحزح، فقه له مؤسساته التي باتت سرمدية، الفقه الذي يحجب كل فقه بعده، حتى عز الفقه على عقول قومي، فهم صم عمي بكم لا يفقهون…إلى درجة ان بعضهم لا يأكل الطماطم، لأنه لم يرد في الأثر شيء عن كيفية تناول النبي (ص) الطماطم. أو آخر منهم، منذ ستة أشهر وهو يبحث ويمحص مع طلبته، ليحرم حمل الهاتف الخلوي الحاوي على قراءة قرآنية دون وضوء.
أنا أدري مشكلتي مع من على الرغم من ترديدك الأجوف عن عدم الدراية، أنا ليس لي مشكلة مع فقه معين، أو مع مدرسة معينة، ولكني لدي مشكلة أزلية مع الاستبداد والمصادرة والقداسات القسرية، أنا أتقبل حتى آراء الخوارج، ولكن لا أتقبل رفعهم السيف في وجوه مخالفيهم، ولا أتقبل هجوم ورثتهم على مانهاتن ولندن ومدريد، بله أحياء قسنطينة وحواري القاهرة وحي المحيا وأزقة جدة وينبع…
تحاول جري إلى دائرتك، بالإغراق في تفاصيل نهجك، وحقاً ليس لدي مشكلة في ذلك، فأنا قد تحررت من مؤسسيتك بإعجوبة، وكان عقلي قد دخل دورة تدجين لسنوات ثلاث سبقتها سبع عجاف، كانت أصلاً نتاج بيئة خانقة أحاطت بي إحاطة السوار بالمعصم. ولكن هذا ليس همي، ما يهمني أن تكون هويتي رهن فعاليتي، لا رهن تبعيتي. لذلك تحررت كثيراً وما زلت أحمل بعضاً من عوالق ذلك الزمن الرديء، وفضيلتي اليوم في مراجعاتي المستمرة لكل ما أحمله من آراء وأفكار… لأغتسل سبعاً إحداهن بفهم إنساني عالمي متحرر من ربقات الخصوصية المزعومة والفرادة الموهومة.
دلني على منجز غير منجزاتك الاستبدادية خلال ألف عام، أحقاب وعصور متتالية من الحالة الإكليروسية الشاملة التي تخضع كل شيء لرجل الدين، في دين رفض رجال الدين صراحة، ومازلتم حتى اليوم تخرجون المزيد منهم تحت تسميات متعددة.
لا يا سيدي لن يكون هناك إسلام رباني بالمعنى الذي ذهبت إليه، فطالما أنت مصر على أن هناك وجهاً واحدا للحقيقة فأنت على خطل عظيم وزلل وخيم، والإسلام الذي أومن به هو مظلة يحوي تحت مظلته كل الفرق والمدارس والمذاهب والاتجاهات الإنسانية التي لم تقص مخالفاً ولم تدع إلى رزيلة، ولم تسع إلى التسلط والهيمنة على عقول الناس.
لا مشكلة لي مع أحناف ولا حنابلة ولا خوارج ولا رافضة وما إلى ذلك من تسميات رديئة وخانيات قميئة، إسلامي يحتمل كل الاجتهادات، ويكفل لكل العقول أن تبحر في الابداع، وضمانتي هي أن النافع سيمكث، ألم يقل الكثير من فقهائك أن الفيصل بين الحلال والحرام، هو النفع والضرر، فلم تصم عقلك عن هذه المنهجية، لتأخذ بالأحكام السلطانية، وتلجم العوام.
كل المدارس ربانية، وليس هذا موضوعي الذي أحاورك فيه، أنا أحاورك في مسائل إنسانية، رغبة مني أن تشاركني هذا الارتقاء على فهم سلف، وأنت تصر على مناقشة عقدية كدأب تيارك المعتاد، الذي يتبسم وهو يعد الأصفاد.
بالنسبة لك ” الإسلام ” و ” الليبرالية ” عندي ليسا فكرتين متكاملتين ، بل هي فكرة ليبرالية حاكمة على الفكرة الإسلامية ، ولست أدري كيف استنتجت أنها حاكمة، وبأي تفسير بدا لك ذلك، وماهي عناصر التكامل التي تتطلبها، ولعلك تنظر إلى نفسك وأنت ترفض الخوارج ليس لارتكابهم الآثام إنما فقط لانهم ليسوا على ملتك، ولهم بعض التصورات التي تخالف تصوراتك، مع أنهم ينطلقون من نفس المرجعية وربما أحياناً من نفس الآيات، بينما أنا لا يسوؤني ذلك، مع أني أخالفهم كلية في الرأي ولم أرفض وجودهم على طريقتك، إنما رفضت عنفهم وتسلطهم واعتداءهم على الآخر.
تفكيرك الفرقي لن يقودك إلى فهم المؤسساتية، واختزال التاريخ ليس من نتاج قراءته، إنما من نتاج تسلط الفكر التوقيفي الماضوي، الذي إلى اليوم يؤمن بعمق بأنه ليس بالامكان أبدع مما كان، فهاهم يحتفون إلى اليوم باسطرلاب بائس، وكل عام يسجل في الغرب أكثر من ربع مليون اختراع نوعي جديد، مازلنا رهن تاريخ الدميري، ونحيا على هامش كتابه المليء بالاساطير والخزعبلات والوصفات الشعبية، ومازلنا نريد للأجيال المتعاقبة أن تنشأ في ظل هذا الهراء، مازال علينا أن نصدق ابن اسحق للحظة ثم نتبرأ منه للحظة أخرى، وننتقي من التاريخ ما يناسب أهوائنا بغض النظر عن كونه أقرب للحقيقة، ومع ذلك نرفع شعارات العلمية والموضوعية والمنهجية.
وعلى الرغم من ادعائك الالتباس في مصطلح الإسلام المؤسسي، عمدت إلى مناقشته باسهاب ووضوح، واعترفت بشكل غير مباشر بوجوده، وهذا أمر حسن، ينقصه أن تقر بأنك جزء لا يتجزأ منه. نعم المشكلة هي زوال هذا الفهم المؤسسي، وحينها لن تكون هناك قنابل نووية، إنما تجربة إنسانية تتراكم في ضوء رسالة عظيمة. لأن هذا الاسلام المؤسسي عقيم ولا ينتج شيئاً، بل إنه ضد الانتاج والابداع… لانهما خروج عن النسق التبعي.

مصر سبقت اليابان في النهضة، فضعفت بسبب نزعات سلطة متبجحة ومتبذخة، ولكن من قضى عليها هم رعيل الإسلام الحركي والتسلط القومي… لأنهما على الرغم من العداء المستحكم بينهما ينطلقان من فهم واحد هو ذلك الفهم الإقصائي العنيف.
تقول: (نريد مدرسة واحدة فقط تحرم العقل ان يعمل في مجالاته المعرفية والعلمية والتقدمية)، ويتضح لنا جلياً كم محدود هذا العقل الذي تبيح له كل هذه المجالات دون المجال العقدي، لأن المجال العقدي يجب أن يكون رهن المؤسسة، والمؤسسة حينها كفيلة بأن تحد من كل المجالات.
أريد أن أوضح لك أمراً في غاية الأهمية بنظري، وهو أني ليس لدي اعتراض على وجود اتجاهك العقدي، وقد أشاركك الكثير منه، ولست ضد حريتك في فهم ما تشاء، وتخيل ما تشاء، والتفسير الذي تشاء… ولست بصدد محاكمة عقدية، ولست في وارد باطنك، ولكن هناك مظاهر فادحة عبر التاريخ وإلى اليوم تدعوني إلى رفض هيمنة العقل المؤسسي الذي صادر التفسير والفقه واختزله في مدرسة واحدة، وفرقة واحدة، وهاهم خريجو مؤسستك يدعون في صلاة الجمعة قائلين: (اللهم انصر أهل التوحيد من السنة، على الرافضة والمبتدعة والمتصوفة و….)، أي احتكارية أكثر من هذا… أنا لست هنا للدعوة إلى مذهب جديد، والليبرالية التي نحاول ممارستها وندعو إليها ليست ديناً ولا حزباً ولا فئة ولا فرقة ولا طائفة، إنها مجرد مبادئ بسيطة، تحترم الإنسان وعقله وفكره، وتكفل له التعبير عن رأيه وأن يقرر مآلاته الدنيوية. ومنطلق حوارنا ليس مناقشة عقيدتك، أنما تهجمك على الليبرالية، واختزالك لها، واتهامك إياها بشتى الاتهامات.
يا سيدي التيار الليبرالي لم تتح له الفرصة خالصة ولو لفترة وجيزة، ولكن المنهج المؤسسي مذ اتيحت له الفرصة اغتال العقل والابداع على مر القرون، وانشغل بالتسلط والجواري والطغيان. ولا يغرنك من رفعوا شعارات قومية أو اشتراكية، فكلهم ينهلون من ذلك النبع الملوث بالاستبداد والسعي الحثيث للسلطة. وكلهم مؤسساتيون مغلفون بأوهام الاستعلاء والهيمنة، ووجود أشخاص تصنفهم على أنهم ليبراليون في مناصب سيادية أو وزارية لن يغير من الأمر شيئاً، لأن الليبرالية لا تتكرس عبر شخصية ليبرالية تحسن وجه السلطة على نحو ماهو مشهود في البلدان الإسلامية، إنما تتكرس بتكريسها في بنية المجتمع، وبث قيمها داخله، حتى يعاد بناء المجتمع من جديد وفق نسيج يغير من نمط الانتاج، ويدفع المجتمع نحو الحضور في المشهد الإنساني العام للمساهمة في صناعة المستقبل.وهل تعتقد أن نصب ليبرالي في ظل تسلط إسلامي متزمت يعني تجربة ليبرالية، لعمري انها نكتة تدعو للبكاء، ومأساة تدعو للقهقهة.
لن تتمكن من الحكم على الغرب وتختزله على انه نازية هتلر لأنه غرب متنوع، ولأنك أنت (حتى أنت) تتمتع بحرية أوفر هناك، لأنه غرب فكك وحلل واستقرئ واستفاد، تجاوز حتى اللحظة الرشدية، وتعالى على المفهوم الخلدوني، ولم يبق على تنميقات القرطاجني، ولا تزويقات الكلام الجوزجانية، ولا نحلية الشهرستاني، فزاد معاده رؤية مستقبلية متطلعة باستمرار، وواقع الحال يرغمني ويرغمك على عدم اختزاله، أما في ظل هذا الاستبداد باسم الله في رقعتنا الجغرافية الممتدة أكثر من 11000 كم، ستجد أن كل استخدام للعقل يؤثم، وكل حرية تفكير تحارب.
تعو لتقرأ لدي موقفا نفسيا من تيار وتصرفات أفراد، نعم هذا ما تقوله ناسياً ان تفكيرك ومنهجيتك هي التي أودت بهؤلاء الأفراد إلى تلك النتيجة، وأنك المرجعية لهم، وأن نظامك المعرفي يزودهم بكل الارهاب الذي يمارسونه على القريب قبل الغريب.
وأعلم أني سأكون متحيزاً ما لم أتحيز إلى جانبك، لأنك المقياس والمعيار والبوصلة التي تحدد سبيل الفردوس، أريد أن أفهم ما الذي تختلف فيه مع المغالين، ألست تمارس مثلهم وصاية عقدية، وأست مثلهم تصنف الناس، ألست مثلهم تحذر من استخدام العقل……ألست مثلهم تؤرقك الحرية و(التحررية).
أي فهم يسوقك إلى أن الليبرالية تتعارض مع الوحي، أهو تعارضها مع تفسيرك الضيق للوحي، أم تفهم الليبرالية لحق أي انسان أن يفهم الوحي بأسلوبه وطريقته دون أن اعتداء على الغير، وها أنت لا تتقبل الشيوعية التي تزعم أنها رفضت الإسلام، وترفض الليبرالية التي تتقبل الإسلام بحجة أنها تلتف عليه، أليس هذا سبيلك لتكون (أبوصالح: الوحيد الذي يدخل الجنة وفق الطرفة الشهيرة المعبرة)، كيف لي أن أتجاوز سفك الدماء باسم الشريعة وكل ما تطرحه يمهد لثقافة قاتلة مثل هذه، وكلماتك تشي بأنك لن تتورع عن ذلك ما أتيحت لك الفرصة. إقصاء المناهج الحديثة في قراءة النصوص بحجة أنها مناهج أجنبية، لا يليق إلا بفهم مغلق، يتعامل مع الإسلام تعامله مع القبيلة، ما الذي يجعل اللجوء إلى كل الانجازات الانسانية محرماً، وأي قراءة اليوم تكون قراءة واقعية وذكية إذا أهملت المناهج الأركيولوجية والابستمولوجية والانثربولوجية، أي فهم يستطيع الادعاء بأنه يصلح مدخلا لحياة إنسانية سعيدة وهو يتنكر لهذه المناهج المتقدمة جداً على علم الأصول، ولماذا يجب أن يبقى علم الأصول رهنا لأدوات معرفية بالية أكل الدهر عليه وشرب، نعم استل عباراتك لأرد بها عليك، ولا أظنها عسيرة على الفهم وخاصة على شخص لطالما قرأ منهجك من الداخل، قبل أن ينفذ بجلده ويراقبه من الخارج، وحتى في موضوع الاستشراق أنت لم تفهم ردي عليك، فهذا الاستشراق لم يضره هجاؤك ولا هجائي، ولا كل شتائم قومك وقومي، إنما الذي عراه هو ذلك المنهج الذي سلكه إدوارد سعيد وأصبح متاحاً من بعد إلى درجة أن المستشرقين الذين كانوا يتفاخرون بصفتهم هذه، باتوا يتنكرون لها ويرفضون التسمية مجرد التسمية، بل حتى جاك بيرك اجتهد مرارا وتكرارا في أواخر أيامه إلى تلبس صفة أنثربولوجية للهروب من الصفة الاستشراقية.
جميل منك أن تقر أن أمين والجابري قد استغرقا في التراث ليكون لهما أن ينتقدا هذا التراث، ولكن المشكلة أنك تفهم نقدي لك على أنه نقد للتراث، وقد كررت لك مرارا وتكرارا، بأنه لي مشكلة مع الفكر الإقصائي لا الفكر المختلف، ولن يكون هناك نظريات تراثية محترمة طالما هناك تيار يحتكر النظر إليه، ويتسلط على عقول الناس ليردعهم عن التفكير فيه، وإلى اليوم تطالبون (العوام) بالاستغراق في ابن تيمية والحذر كل الحذر من ابن عربي، لأن ابن تيمية مواقفه في رفض الآخر أشهر من أن تذكر، فما من فقيه ألب بقية الفرق على السنة كمثل ابن تيمية، أما ابن عربي فهو آبق زنديق، اعتبر اصل الإيمان واحداً، ومهد للتقبل الحضاري والديني، ولم يخرج أحدا من رحمة الله وملكوته.
ولعلك تلجأ إلى (الشطط) الذي انتاب بعض التعابير عند ابن عربي، ولكنك لن تعدم حتى النهي عن التأثر بالأمام ابي حامد الغزالي، على نحو ما كنت أقرؤه واسمعه يوم كنت غراً في مؤسستك، ولكن موت محمد الغزالي وارث الكثير من تراث ابي حامد الغزالي هزني من الأعماق، وخاصة أنه مات مجاهدا هذا الفكر المنغلق الذي حكم عليه بالكفر ذات يوم لموقف عقلي أبداه نحو الحديث النبوي، ومن داخل المؤسسة لا من خارجها.
أنا لم أعد أجد أن ” الحق ما شهدت به الأعداء ” ، بل الحق كل الحق فيما شهد به أخوتك في المجتمعات الإنسانية، أم أنهم يجب أن يبقوا أعداء لأنهم ليسوا على ملتك أو مذهبك، إنظر كم تخفي عبارتك هذه من فكر إقصائي، مفاهيم التيار الصحوي يا سيدي تنمو وتعتاش على الانغلاق الذي لطالما أسسه منهجك. ومشكلة الليبرالية ليست مع مرجعيتك، إنما مع فهمك لهذه المرجعية، وتسليط فهمك على رقاب الآخرين، فلتكن لك آراؤك ومرجعياتك كما تشاء، ولكن لا تسلطها علينا مقدساً لا يقبل الزحزحة، ولا التعايش، ولا التفهم… لست بصدد نقاش أصولي بين منهجين، وإذا كان فهمك للأمر فهذا يعني أنك لم تقرأ أبدا ما سطرت، أنا لست منظراً ولا مبشراً، إنما حالم كسير يحلم ذات يوم أن تخلو الساحة من المكفرين، وإنها آتية لا ريب فيها.
دعك يا صديقي من أدبياتكم المعتادة حول أن المادية هي سعي وراء الشهوات، وتركيز حول محورية المادة لا الإنسان، فحقوق الإنسان اليوم مرجعيتها تلك المجتمعات التي تسمها بالمادية، وهي التي فرضت عليك أن تجعل للإنسان حقوقاً بمعزل عن عقيدته وفكره، هذا ما اعتدناه منكم، تأويل كل نزوع نحو حرية الفكر أو التعبير تأويلاً قسرياً ليصبح كفراً بواحاً، طبعا عبر تصعيد يمثلها بالمادية ثم الشهوانية ثم العبثة ثم العدمية ثم الإلحاد وهكذا…
اعذرني على ” التوازنية ” التي ابتكرتها، كأحد وجوه الاعتدال أو الواقعية الدينية، والتي خلفيتها أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، فقد استعصت على ذائقتي اللغوية المتواضعة. ولكن أود ان أفهم من هم الذين لم يقتنعوا بالقصور حتى يجعلوه دافعية، وما دليلك على ذلك؟
الغريب هو استغرابك، فأنت تطرح فكرا تعسفياً فإذا انكرنا عليك تعسفك، اتهمتنا بالتعسف واستغربت منه، ماذا تريد ليزول استغرابك واستهجانك، أن نقول: إيه.. زدنا!
أما بخصوص الخروج من الإسلام المؤسسي، فلست مصراً على أن أقوم بهذا الدور، ولكن من نتاج تجربة ذاتية، أعدت مراجعة الكثير من مفاهيمي في ضوء ما استجد من فهم لحقوق الإنسان، وبواعث الإبداع، وإعمال العقل، والأنظمة الاجتماعية والمعرفية، وزينت عقلي بقراءات جادة وليس متبجحة، فغريب كل الغرابة أن يأتيك أحدهم وهو يزعم أنه قرأ هوبز وهايدجر واسبينوزا، وأيضاً أركون والجابري وغيرهم، ولا تجد أي أثر لقراءته تلك على فكره ومنهجه، لأن حقيقة عدم التأثر بما قرأه هذا يعني أنه مصر ألا يخرج عن (المؤسسة) وأن يسلك المسلك المضحك، لطالب المراحل العليا الذي يقدم الماجستير والدكتوراة في تسفيه ايمانويل كانط، أو رينيه ديكارت أو باروخ اسبينوزا، ومصر أنه ببقايا مصطلحاته الأثرية قادر على (هداية) أوربة الضالة، لانهم في زعمه يفتقدون العقل، وقد ضل بهم الهوى ضلالاً شديداً. فيأخذها بامتياز مع مرتبة الشرف من أستاذ قدير معياره في التقدير تسفيه الآخر. عجيب هذا الاصرار على التعمية، التعمية على الذات وعلى الأتباع.
ليست المشكلة فيما أفهمه من قولك، أنما فيما تنكره من سابق قولك، ولعله أمر حسن إذا بدا لك أنه مراجعة قد أدت إلى تحول ما، ولكن أن تراها مشكلة في فهم من يقرؤك… لابأس سنقبلها منك أيضاً، فالمهم أن نتقدم.
لن أناقشك في الاشكالية الإلحادية، يكفي أن تعود إلى ردك الأسبق، لتجد أنك الىن تتنكر لتعميمك السابق، أما بخصوص صفة الإلحاد والتي اعتدنا منكم أن تطلقوها على كل من لم يقدم برهانه كل لحظة على مطهركم، فهي صفة جاهزة ونمطية لكل من لم يحوقل ويبسمل أمامكم، بل حتى إذا فعل ذلك لن يكون سوى ضالأ يخفي الإلحاد… أما كفى … أما مللتم هذه المصطلحات الارتدادية، والصفات التعبوية، أما آن لكم أن تنصرفوا عن تأويل الإيمان إلى تقدير الناس من ثمارهم، إنها ليست الاشكالية الالحادية التي تحرج ” الدين ” عن السياق ، إنما الإشكالية المنهجية التي تجعلونها حاجزاً بينكم وبين الاستفادة من منجزات العقل الحديث. لأن السياق المفترض للدين هو سياقكم الأوحد!
ليكن يا سيدي نحن نهذي، ونهرف بما لانعرف، فهلا تفضلت علينا بما لديك من رؤية إنسانية عالمية، وهل لك أن تقول اليوم بصريح العبارة أنك تتقبل كل الفرق الإسلامية، وتعتقد أن لها الحق في اعتقاد يخالف اعتقادك، وهل يمكنك أن تعامل المخالف الديني بما تحب منه أن يعاملك به، وأن تشاركه وتوده إنسانياً دون أن تمقته في داخلك بحسب ولائك وبرائك… ودون أن تدفعه إلى أضيق الطريق. ولماذا أصلاً أنكرت علينا حقنا في حرية الفكر عندما سللت سيف بيانك المؤسسي لتهدي الأمة الضالة التي تتنفس في هذا المنتدى.

مهيار

نعم يجند الغرب إسلاميين وغيرهم، ولكن باعتراف الخبراء منهم قالوا: إن تجنيد الإسلاميين أيسر سبيلاً، لأنهم أقل تكلفة، فيكفي أن تستثيرهم حتى يقبلوا على ما تود منهم أن يفعلوه وهم يظنون أنهم يفعلون ما لا نريد، والضابط البريطاني باول ماكومارك، استفاض بأدلة تبعث على الانزواء لمن بقي لديه حس.
نعم أنهم أيسر وأقل تكلفة، لان الحمية التي تأخذهم كل مأخذ لا يعضدها عقل يعقل الحديث، ولا فهم يستوعب العصر الراهن، لأنهم أصلا لم يعتادوا التفكير… تلك العملية التي قد تؤدي إلى الالحاد.
لا نحتاج لنفاق لك أو لسواك، وما تثيره تكرارا ومرارا حول المرجعية الإسلامية، محصور في فهمك وشريعتك التي تقاضي بها الآخرين، حتى المسلمين الذين يختلفون معك في الفروع أو في الأصول، لأنك وباعترافك لا تفرق معرفيا وفكريا بين من يرفض الإسلام باعتباره دينا سماويا ، وبين من يرفض آلية قراءته ، وسيبقى أيماني هاجسك، ومحمل تفكيرك، ويسرني في هذا الصدد ألا أريحك، فإيماني وعقيدتي ليست للتداول هنا، ولكنهما بكل تأكيد أكثر قرباً إلى الإنسانية ، بل إلى رب الإنسانية كذلك، إذ يكفي أني لم اجرؤ على ممارسة دوره في ملكية يوم الدين.
الف عام ونيف من التجارب الفاشلة مع تياراتك المؤسساتية غير صالحة للحكم عليها، ومع ذلك لا تجد حرجاً في تسفيه الليبرالية لأن شخصا صنف على أنه ليبرالي قد قاد وزارة لسنوات معدودة تحت ظلال السيوف فأخفق في نقل البشرية من القاع إلى القمة. نعم أنت تلجأ للنصوص كلما حوصرت باخفاقاتك الواقعية كما أسلف أحد الأخوة الكرام. لتحتمي وراءها وتتهم كل من يرفض هيمنتك بأنه يرفض النصوص…
ولم تكن تجربة خاصة، بل هي ظاهرة يعانيها كل من دعا إلى حرية العقيدة والفكر، والتشوهات التي تحدثت عنها لم تأت من فراغ، إنما من الأرضية التي تكرست بفعل عقل مؤسسي رافض للتجديد والتعدد والتقبل والتفاهم والتعايش، عقل يهادن حين ضعفه، ويستأسد ويغزو الآخرين إذ تلوح له فرصة تمكن من الآخر…
لم أحكم على مؤسسيتك من خلال متزمتين لطالما تحرشوا بالنساء، بل حتى الأطفال، ولكن من خلال هذا التحامل على كل رأي مخالف، والسعي الحثيث نحو إلزام المجتمع بتتبع منهج معين تحت إمرة سيف التكفير والمحاسبة.

وها أنت أيها العاقل لا تنكر قيمة الحضارة الغربية وجوانبها العظيمة ، ولا تنكر احترام انسانية الانسان ، ولا تنكر قيمة العدالة التي يتمتع بها هؤلاء ، ولا تنكر التقدم الحضاري ، بل لا تنكر وجود قيم عليا فيهم ، ولكنك للأسف لا تتفهم أن كل هذه الحسنات إنما ولدت في ظل الليبرالية وليس في ظل الإكليروس، هذا الدرس الذي يجب أن تحرزه وتحزره، وليس فقط لأن المستورد بن شداد قال ما قال.
اعتذر فعلا عن خطأ طباعي جعل (الاستئنافية) موضع (العطف)، وهو غير مؤثر طالما أنك أدركت هذا، ولكن… أنا لا أريد سلبهم هذا الحق، إنما أريد منهم عدم سلب الآخرين هذا الحق، فليس النص موقوف على تفسيرهم، ولا على تقديراتهم لمسألة الرسوخ، فالرسوخ مفهوم نسبي متبدل، وبمقاييس اليوم كل مفسرينا القدامى ليسوا راسخين في العلم. لأن علمهم قد تجاوزه الزمن.
أخي د استفهام… ليتك تخرج من عباءتهم الضيقة، ففي الكثير من النقاط أجد لديك نزوعا للتحرر من ضيق الفهم… كل ما أطلبه منك أن تؤسس لثقافة الإختلاف حتى تغدو المؤسسة مدرسة وفقط، حينها لن يكون هناك من ينكر عليك اعتقادك مهما اختلف معك!
إسمح لي أن أوضح مجددا أن جهدي نقدي لما هو قائم، ولم أسع إلى فرض بدائل، فالبدائل تأتي عبر المراجعة الذاتية وتفهم العصر، وتعميق البحث في إنسانية الإنسان، والميل إلى مقاصد الشريعة لا أحكامها المتوارثة.
وشكراً

د . استفهام

أنا أتكلم عن المنهج النقلي القاتل لروح العقيدة، المنهج التوقيفي الذي رهن المعنى الرباني لفهم إنساني قاصر انقضى زمنه منذ أكثر من عشرة قرون، نعم الفقه لديك ناجز والاجتهاد قد بات له خلاصة جامعة مانعة، لذلك لم تدر، ولن تدري… لأن الدراية تتطلب منك أن تتحرر من أسرك، من أسر المنهج النقلي بمصطلحاته وأدواته العفنة، وتصوراته المغرقة في التقوقع والانغلاق، تتهمني بالتجاوز وأنت تتجاوز كل ما أطرحه عليك لتعود إلى مصطلح شرحته لك مراراً، أو لقراءة إيماني من وراء حجاب… ولن أستغرب منك أن تتهمني غداً بأني ربيب الامبريالية والصهيونية والماسونية المتآمر على أمة محمد بن عبدالله.

كل الكلام قبل هذه الفقرة جاء غير متسق مع روحك في الحوار من أول بدايته ، أهذا لأني طالبتك أن تبين عن ” مصطلح” واحد ، فكيف لو وقفت معك في كل لفظة ولم أمرر لك أي اصطلاح موهم حتى تبينه ، ماذا كنت سوف تصنع أخي الكريم ؟

بعد هذه المقدمة ، أعتقد والله أعلم أني لو حلفت لك أني لا أقصد محاكمتك العقدية أظنك لن تصدقني ، ومحاولتك الاستقواء بالخارج على سير النقاش ينبي أنك سوف تصعد حدة الخطاب معي أشد ، ولكني سأحتفظ بهدوئي ، لأني أرغب في أن تفهمني ، كما أني أرغب في تفهمك ..

يا أستاذ مهيار ، عندما أركز على مرجعية ” الوحي ” لأني أدرك جيدا أنه هو مرتكز الخلاف في كل خلاف بالفكرة بين الإسلام وغيره ، ولو أبنت موقفك منه لم أحتج لكل هذا الكلام ، لأني ليس لي معك مشكلة البتة حين تعتقد بمرجعية الوحي ، وكل شي سوف يكون أهون ، ولسوف تجدني أوافقك في كثير من رأيك في التاريخ والواقع ، والمعروف في فنون المناظرة أن الاتفاق على الأصول والمرجعية باب مهم لنجاح أي حوار والخروج منه بنتيجه ، فأنت في الأصل دخلت لأمرين :

1- للدفاع والاستماتة عن الفكرة الليبرالية وبيان منهجيتها وصرامتها ، وهذا يعني أنك لابد أن تنفي عنها كل اعتراض ونقض وخلل ، وهذا يسمى في الفلسفة عدم تناقض النظرية البديهية نظرا للاختلاف بين الجانب النحوي ( البنائي اللفظي ) والجانب السيمنطيقي ( المدلول اللفظي ) ، وعدم التناقض هو الشرط الأساسي وانتهاكه يجعل النظرية غير سليمة لانه يصبح من الممكن البرهنة على أي قضية .

2- نقد ” الإسلام المؤسسي ” ، وجاء هذا الأخير بضبابية لم تبن عنها ، فأنا لا يهمني الآن أن تعتبر الوحي مرجيعة ، أو تعتبر الإسلام هو دين الله الخالد ، أو تعتقد ضده ، أنا أريد فقط أن أفهم منطلقاتك في الاثبات والنفي ، وفي الانتقاد ، فهل هذا يغضبك كل هذا الغضب ويخرجك عن هدوئك من أول الحوار ؟

هذا النص أعلاه لا يزال ينبي على المخاتلة التي تعتمدها في بيان مرادك عن الإسلام المؤسساتي ، فالان صار موقفك ليس من موسسة بل من ( المنهج النقلي القاتل لروح العقيدة، المنهج التوقيفي الذي رهن المعنى الرباني لفهم إنساني قاصر انقضى زمنه منذ أكثر من عشرة قرون، نعم الفقه لديك ناجز والاجتهاد قد بات له خلاصة جامعة مانعة ) ، وهذه هي مشكلة ” النقاش الثقافي في قضايا المنهج والعلم ، فهو يسبح في فضاءات الألفاظ دون تحديد لمعانيها ، فاللفظ شي ، ومقصده مختبئ في ذهن القارئ ، ففصل المنهج ” النقلي ” عن ” الإسلام ” مثل فصل الرأس عن الجسد ، فالقرآن هو جاء عن طريق ” النقل ” ، والسنة متوارتها وآحادها جاءت عن طريق النقل ، ولذلك لا زلت أسأل عن هذا ” الإسلام ” الذي يوجد عند مهيار ولا يوجد عند غيره ، ولذلك لا يمكن أن يثمر حوار لا توضع فيه النقاط على الحروف ، وينتقل المتحاورون فيه من التعميمية إلى التفصيلية ، فدعوى قاصرية الفقه عن عملية الاجتهاد هي دعوى لا تصمد أمام البحث التفصيلي ، فالإسلام استمر على مدار عشرة قرون وأكثر يتمتع بالفقه ومرونته وتوازنه واتساقه مع الزمان والمكان ، وإن شئت ان نناقش هذا بنقاش منفصل فأنا مستعد ..

إن المشكلة الكبرى حين نحيل الجمال إلى قبح ، والعبقرية إلى تحجر ونقص ، والاتساق إلى تناقض ، والإبداع إلى خرافة ، وهذا ما تفعله أنت يا مهيار بالضبط ، فمشكلتك ليست في ممارسات فقهية معاصرة ، او حركات تتبنى الإسلام مرجعية ، ولا في كهنوت يحارب العقل ، إن مشكلتك مع النص وأدواته ، التي وصفتها بــ ( العفنة ) ، وهذه الهجائية تدل فعلا عن أن الذي يحركك البعد النفسي أكثر من القناعة العقلية ، وهذه مشكلة من عاش في التيار الإسلامي فترة ثم ينقلب عليه ، فهو يحيل كل منجز إلى مصيبة ، وينتقل من النكاية بالفرع إلى هدم الأصل ، فيقع بالظلم والبغي وانعدام المنهجية .

إن دعوى ” التحجر ” في الإسلام ومدارسه الفقهية يعارضها الموروث الفقهي الذي بناه علماء الإسلام ، فالقياس ومسائله ، والقواعد الكلية الأصولية والفقهية ، وتخريج الأصول على الفروع ، والنظر في العلل والمقاصد كلها تدفع إلى أن يبقى الفقه الإسلامي حيا في كل وقت ، ومتسقا مع كل واقع ، ولن يقضي على هذا تشدد مدرسة ، أو تعسف في تصرف ، أو غلو من غال ، فالقيم الأخلاقية الكبرى التي تحتويها النصوص الشرعية ( الكتاب والسنة ) قيما مطلقة وصالحة لكل حين ، ومن يريد أن يسلب الإسلام هذه الصفة فهو يتعب نفسه بلا مبرر ، وهو أمر تنقطع دونه الأعناق ، ولا أدل على ذلك من أن ” فرنسا ” التي ولدت النهضة الأوروبية في ربوعها ، وسحرت الطهطاوي حتى ألف ” الأبريز ” ، وفتنت طه حسين حتى هام فيها هيام العاشق الولهان يدخل كل سنة 50 ألفا من أهلها للإسلام ، تاركين عصر الأنوار وعفنه ، رافضين القيم الليبرالية التي تسلب الإنسان إنسانيته ، فهم أناس أحرار أدركوا أن ” قيود الإسلام ” الأخلاقية والحكمية هي الحل ، رافضين الانفلات التي صنعته لهم الآلة والحداثة ومنجزاتها ..
إنهم لم يقرأوا الإسلام من خلال فهم ” مهيار ” له ، بل قرأوا الإسلام المؤسساتي من خلال كتب التراث ، وفهموه من خلال كتب التفسير .. حتى أن الكتاب الذي فاز في المرتبة الأولى في فرنسا طباعة وتوزيعا هو كتاب ” الأربعين النووية ” .

إننا حين نتكلم عن التراث بهذه الطريقة نكون مثل الذي يمسك في يده جوهرة مبهرة وغالية ، ويلتفت يبحث عن خاتم من نحاس ، والمشكلة أننا نقول هذا بعد أن انكشف زيف الحضارة ، والغريب ان بعد بروز فلسفة الأنوار الأوروبية ، وإعلان مبادئها في الحرية والإخاء والمساواة ، تلاشى ذلك كله بحربين عالميتين قامت على ايديلوجيات عنصرية وفاشية تصنف الناس على حسب أجناسهم ابيض / أسود ، آري / سامي ، غربي / شرقي ، متقدم / متأخر ، نظيف / قذر ، سيد / عبد ، ثم دشنت بعد ذلك الحرب الاستعمارية لنهب ثروات الناس ، واحالتهم إلى سوق استهلاكية ، وإعاقة تقدمهم ، ثم يأتي أناس من بني جلدتنا ليقنعونا أن ذلك الشرس المتغطرس وقيمه وأفكاره هو الذي سيحقق لنا الرخاء والعدالة والتعددية ، وأنه كان يقتلنا من أجل مصلحتنا ، وأن جرائمة تقتضيها الضرورة البشرية ، وأن تخلفنا ناتج من أننا لم نقتف ركابه ..

أنت يا استاذ مهيار مررت بتجربة وترى أن الناس كلها مثلك ، فأنت تنظر للآخرين من خلال منظارك الخاص ، وتجربتك الخاصة ، فإن كنت دخلت في أطر ضيقة ، أو أناس حجروا عليك قولك وعقلك وتصرفاتك ، فأنا ولله الحمد أختار قناعاتي هذه بناء على سباحتي في الفضاء الحر ، فلم يقيد حريتي أحد في يوم من الأيام ، أقرأ ما أشاء واعرض عمن اشاء ، ولذلك أشعر بهدوء وسكينة أكثر منك ، لأني أقرأ في سطورك معاناة نفسية مع التجربة المريرة ، ولا شك أن لكل فعل ردة فعل ، وإني الآن أدرك حجم مشكلتك ، واتفهم السخط البادي في جنبات كتابتك ، ولكن الناس ليسوا كلهم مثلك .

أنك يا استاذ مهيار تريد عسف التاريخ والواقع لتجعل من ” التاريخ الإسلامي ” شبيها بالحالة الأوروبية والصراع بين النهضة ورجال الدين ، وهذه ليست مشكلتك وحدك ، بل كل المفكرين العروبيين الآن يحاولون الإقناع بهذه النتيجة ليتوصلوا بعدها إلى السير على خطى أوروبا في النهضة ، والتعسف في ربط الأوضاع ومشابهتها ببعض هي حيلة العاجز الذي لا يستطيع ان ينتج فكرته الخاصة ، فهو عاش على التقليد ، فهو حين كان ” مطوعا ” كان مسلوب الإرادة للمشائخ ، لا يخرج عن عباءتهم ولا يستطيع أن يخالف لهم أمرا ، وحين توجه لليبرالية أصبح مطوعا ليبراليا ، بس بشياكة ، ولأنه عاش على ” التقليد ” كان لابد ان يبحث عن شيخ جديد ، في عصر جديد ، ليمارس معه طقوسيته السابقة ، وهذا ليس خاصا فيك أنت ، بل كل المفكرين العرب ، والليبراليين السعودية لا تميز ممارساتهم عن ممارسات غيرهم ممن هم في الاطار الإسلامي ، اللهم إلا الاختلاف في المرجعيات ، فالحدة ، والسلطوية ، والتعاطي مع الخلاف ، ومنهجية الحوار هي واحدة ، إنما يختلفون فيما يقولون ويفعلون ، وهذا يذكرني بالعنوان المثير : ( المفتي يأذن لأهل العيص بالدعاء ) ، والنتيجة = الاقناع بالكهنوتية ، وأن الناس لا تدعو إلا بإذن رجال الدين .. والحل ؟ القضاء على الكهنوتية !

ثم إنك يا مهيار تقرر أمورا ، وتظن كما يقول المثل بأنك : جبت الذيب من ذيله ، فأنت تريد إسلاما يحوي تحت مظلته كل الفرق والمدارس والمذاهب والاتجاهات الإنسانية ، التي لم تقص مخالفا ولم تدع إلى رذيلة ، وهذا الكلام وإن كان هو عودة للإسلام المؤسساتي ، فهو كذلك لم يكن غائبا في ” التاريخ الإسلامي ” ، فكل الفرق الإسلامية والمذاهب والاتجاهات الإنسانية في التاريخ الإسلامي كلها داخلة فيما يسمى عند المدرسيين بــ ( أهل القبلة ) ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أكل ذبيحتنا ، وصلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، فهو المسلم الذي له ذمة الل ورسوله ، فلا تخفروا الله في ذمته ) ، فكلهم مسلمون ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ، ولكن هذا لا يعني أن يكونوا في الحق سواء ، وفي القرب من هدي النبي صلى الله عليه وسلم سواء ، ففرق بين رجل ينظر إلى ما علم به النبي صلى الله عليه وسلم صحابته ، وبين من خالف منهج الصحابة ، ولا يستطيع أحد أن يسوي بين الصحابة وبين ” الخوارج ” الذين كانوا يكفرون بالكبيرة ، ويقتلون الناس باسم الله ، ولا يستطيع أحد أن يسوي بين الصحابة ومن سار على نهجهم ، وبين من يقول لعلي بن أبي طالب أنت الله ، ولا يستطيع ان يسوي بين من يرى ان المسلم يكون مسلما بالشهادين ، وبين رجل يرى ان ” المعرفة ” القلبية تكفي ليكون الإنسان مسلما .. ولكنهم في محصلة المطاف مسلمون ، وحكمهم الأخروي هو إلى الله تعالى ، والحق فيهم نسبي ، والباطل نسبي ، والإصابة نسبية ، والخطأ نسبي ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم ..

المشكلة يا استاذ مهيار أن عندك نزعة ” احتكارية ” للمفاهيم الصالحة ، وإشغاب على المخالف بالباسه لبوسا ليس له ، فحين تتكلم عن منجزات الغرب الحضارية فكأنك تقول ليس بيني وبينها إلا أن اقضي على الاسلام المؤسساتي ، والنتيجة التي تمرر على القارئ = الاسلام المؤسساتي ضد الحضارة ، وعندي أنك تقول هذا في الوقت الضائع ، والفكرة باتت بائتة لا تنفع ، لأن الناس حتى اشد الاعداء للإسلام يدركون أن الاسلام بمؤسساته ومدارسه الفقهية لا يقف ضد الانتاج الحضاري ولا التقدم التقني ، بل إن خصومك يتعاطون مع منتجات الحضارة المعاصرة أكثر من تعاطي التيار الليبرالي السعودي ، وما عليك سوى ان تسوي أحصائية للتيار الذي يتعاطى مع النت فقط حتى تعرف الفرق ، وهو منتج حضاري غربي .

أما قضية مصر فهي قضية مضحكة حقيقة ، فالتيار العلماني هو الذي يحكم مفاصلها من زمن الملك فاروق ، ومع ذلك جعلت التخلف الذي اعتراها من من الاسلام الحركي ، وما عاناه التيار الاسلامي في مصر لا يحتاج إلى اطالة لانه معروف ، بينما نجد في السعودية وهي دولة اسلامية لم يعقها هذا ان تكون في مصاف الدول المؤثرة في اقتصاديات العالم ، وليس بعيد ان تأتيتي بقائمة ” المحرمات ” التي مانعها بعض الشيوخ لتدلل لي بها على ان الاسلام يقف ضد الحضارة والتقدم ..

ولأني لا اريد أن ابعد الهوة بيني وبينك ، فاني اوافقك على أن هناك تشوهات في فهم ” السلفية ” او الاسلام المؤسسي ، والمبالغة في الموقف من الفرق العقدية ، وربما معاملتها بأشد من معاملة الكفار الأصليين ، ولكن هذه الممارسات لا يجوز أن تقضي على المرجعية والأصل ، لأن كل ملة من الملل ونحلة من النحل ومذهب من المذاهب فيه متطرفون ومتشددون ، وفيه متساهلون ، وفيه متوسطون معتدلون، ولو قضينا على مذهب وفكرة بناء على وجود غلاة فيها فلسوف نقضي على كل فكرة أرضية او سماوية ، والتوسط في الحكم على الناس مطلب عقلي وضرورة ملحة ، حتى لا تغيب الحقيقة في أتون الانفعالات النفسية التي يغيب معها الحكم العادل والموضوعي على الأشياء والأفكار ..

سأكمل ..

سأواصل ..

مشكلة بعض إخواننا الليبراليين أنهم يعيشون أحيانا مظلومية في خطابهم تشبه إلى حد كبير مظلومية الشيعة التي استحكمت على المنهج والتفكير ، فهم ” أنبياء ” ضيعهم قومهم ، ودائما الناس تفرض عليهم وصاية ، ويحجرون فكرهم ، وفيهم نرجسية عالية ، وهذه كلها عقبات وعوائق في الوصول إلى ” الحقيقة ” حين السجال المعرفي بين الفرقاء ..

يقول الاستاذ مهيار : ( ألست مثلهم تصنف الناس ، ألست مثلهم تحذر من استخدام العقل .. ألست مثلهم تؤرقك الحرية و ( التحررية ) ، ومثل هذه العبارات مشكلتها انها ترجع ” الحوار ” إلى نقطة الصفر ، وكأن القضية محاولة التأكيد على حقيقة مغلوطة ، فاعتقد أني تجاوزت الكلام عن قيمة ” العقل ” في بداية الحوار ، وبينت ان المشكلة هي في حدوده وموقفه من النص والوحي ، ومجاله المعرفي الذي لا يجوز أن يتجاوزه ، فإن كان هذا تحذير من استخدام العقل فلا حيلة اذن ..

أما قضية الحرية والتحررية ، فهي ترجعنا كذلك إلى نقطة الصفر ، فالحديث مضى عن ” الحمولة الفكرية ” ، وليس اللفظ هو المشكل ، فالتحررية في التفكير الليبرالي هو تحرر مطلق ، ولا تجد ما يقيده في الليبرالية ، لأن الحقيقة هي نتاج الوعي الفردي ، وعلى هذا فالافكار متساوية في ذاتها لا فرق بين صحيحها وزائفها ، وعلى هذا فالحرية في التفكير مطلقة ، ولا أدري هل هذه متوافقة مع مبدأ الإسلام الإلزامي لأتباعه بالأحكام ام لا ؟

أما قضية التصنيف فلها بعدان :
1- بعد وصفي ، فأنا حين أقول لشخص أنه ليبرالي لأنه يدعي أنه ليبرالي فهذا هو جزء من المعرفة والعلم ، لأن الناس لهم مذاهب ، وكل إنسان له مذهبة في التفكير ، ووصفه بمذهبه ، وإلزامه بمآلات مذهبه وقوله لا يعاب عليه الإنسان ..
2- البعد الحكمي ، وهذا لا يجوز إلا بشروطه العلمية والموضوعية ، وقضيتنا هنا ليست حكمية بل وصفية .. ووصفك لي بأني مدرسي او مؤسساتي او غيرها لا تصح لأني لم التزم الوصف ولم أدعيه ، وهذا هو التصنيف المذموم ، ووصفي لك بأنك ليبرالي تحرري ، هذا أنت التزمت به ، وانتهينا منه ..

بالنسبة لقضية تعارض ” الليبرالية ” مع ” الوحي ” ، فهي مشكلة عويصة معك أخي الكريم ، فما الحيلة فيك إن كنت كلما قلت قولا أو رأيا شرعيا أراه يخالف الليبرالية قلت : هذا تفسير ضيق للوحي ، ثم أطالبك بأن تأتي لي بالتفسير ” الواسع ” للوحي ، وآليات قراءته التي تختارها فلم أحض منك بشي ، وأما دعوى ان لكل فرد أن يفهم الوحي بأسلوبه وطريقته فهذا الكلام فضلا انه غير علمي ، فهو غير واقعي ، فلا يستطيع كل شخص ان يفهم الوحي بطريقته الخاصة إلا حين نريد أن نفرغ الاسلام من مضمونه ، وهذا جزء من الخلاف معك في هذا السجال ، وحتى لو قفزت أنا وإياك كل التاريخ الإسلامي ورجعنا إلى عصر الرسالة لن نجد في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته هذا المنهج ، أن اتركوا كل شخص يفهم الوحي على طريقته ، ثم إذا قلنا ماهو الوحي قلت : هو القرآن ، وأما السنة فهي فقه نقلي عفا عليه الزمن ، ثم هذا القرآن تجعله فضاء تداوليا لا حدود له ، فكل رجل يفهم القرآن بطريقته ، وهذا ” إبطال ” للعلم والمعرفة ودورها في صياغة المعرفة الإسلامية ، ثم بعد هذا تنكر علي أن أصف منهجك بالفوضوية والعدمية ؟؟
لننظر فقط للمنهجيات الحديثة التي قرات النص ” على كيفها ” وأخرجته من طبيعته الربانية ، وتعاطت معه على انه نص تاريخي منزوع القداسة ماهي النتيجة ؟ إنها إبطال للنص ولعب فيه وعبثية فكرية توصل إلى الغنوصية من خلال تلك الدراسات الاشارية والرمزية والسيمائية ، وكل أهل ملة لابد أن يحترموا نصوصهم المقدسة ، ويحموها من عبث العابثين ، وخاصة إولئك الذين يريدون أن يفرغوا الاسلام من محتواه وأحكامه ليتوافق مع ليبرالية الغرب وقيمه ، وهذا الفضاء يذكرني بطريقة بعض الشيعة في قراءة القرآن ليخدم مذهبهم ، فهم يقرأون : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) قالو : البقرة عائشة ! ، هاهكم قراوه على ما يريدون ، فكم عاهة ستخرج لنا في الواقع إن نحن تنازلنا عن ” ضوابط القراءة ” التي لم يطالب فيها في تاريخ الإسلام والمسلمين سوى مهيار ، فحتى التيار الماركسي والشحروري والحنفي والحداثي كله بأطيافه لم يقل منهم احد دعوا الناس تفهم القرآن كما يريد ، بل كل واحد منهم رشح منهجيته الخاصة في قراءة القرآن ، حتى وإن كانت منهجية خرافية او تقويضية او بنيوية .. أما طلبك هذا فلا يمكن أن يتسق مع العقل ولا مع النقل ولا مع الواقع .

إنني هنا لا أحب أن أترك اصل الخلاف في فكرتي معك حول الاسلام والليبرالية لأدخل في محاماة عن ابن تيمية رحمه الله ، ولكن لتتذكر فقط أن ابن تيمية هذا الذي حرض عليه أهل الكلام والمخالفين له في عصره السلطان ، فسجنه وآذاه ومات في سجنه كان قمة ” التسامح ” مع خصومه ، فهم كانوا يترصدون له في الطرقات ، يضربونه ويخنقونه بعمامته ، ويجرونه من شعره ، ويكفرونه ، ويؤلبون السلطان أن يقتله ، ويفترون عليه الكذب ، ثم حين يمكنه الله منهم ، ويطلب منه السلطان الناصر أن يفتك بهم وينتقم منهم ، يترجى السلطان أن يعفوا عنهم ، بل قال للسلطان : فإن بطشت بالعلماء فمن يعلم الناس ويرشدهم ؟ ثم تنقلب الآية ، فإذا هو الإقصائي .. وخصومه هم المتسامحون ؟ أنت ذكرتني هنا بمن يجعل احمد بن حنيل هو البطاش في خصومه ، وهو الذي أوذي وكان المعتزلة هم الذين يحرضون عليه ، ثم يجعل المعتزلة هم المظلومون البؤساء ، وابن حنبل هو الظالم المعتدي .. فأي انصاف هذا الذي تتمتعون فيه وأي حرية تنادون بها وأنتم تقلبون الحقائق ؟

نعم .. ابن تيمية لم يدع أن الحق نسبي ، بل كان يقاتل عن فكرته لانه لم يكن ليبراليا هشا ، لا عقيدة له ثابتة ، ولا قيمة مطلقة ،يجادل الناس بالعلم والمعرفة ، ويثبت بالأدلة العقلية والنقلية صحة كلامه ، ومع ذلك كان منفتحا على الثقافات ، يخالط الناس في مجالسهم ومنتدياتهم ، حتى انه ناظر البطائحية مناظرة عملية في ابطال الخرافات والمشي في النار ، وأقنعهم بالعلم والعمل بسذاجة وخرافة طريقتهم التي يضحكون فيها على عقول الناس ويستغلونهم ..

أنت هنا يا مهيار تحاكمني من خلال ” تصنيفك ” لي ومدرستي المفترضة ، ولكني إلى الآن لم أجد منك معالم هذه المدرسة ، وهذا يؤكد على أنك محاط بهاجس التجربة ، وإلا فإني اول من انتقد الموقف من الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، وأن التحذير منه بهذه الطريقة يقطع الطريق على الاستفاده من الخير الذي عنده ، وكتبه أحد أهم ما قرات ، فحاسبني على قولي ، واترك عنك ” التصنيف ” الذي ورثته من مدرستك السابقة التي لم تنعتق منها إلى الآن ، فأنت نعم ليبرالي ، ولكنك مأسور للمنهجية المدرسية التي تربيت عليها ، فانت نسخة مدرسية ومؤسسية معدلة ، كنت تتعصب لابن تيمية ، وها انت الآن تتعصب لسبنسر وتظن كل من يخالفك عاش تجربتك .. والله أعلم إين ستحط رحالك في المرحلة القادمة !

ثم هذه النزعة ” الإنسانية ” التي تظهر بين سطورك ، بل ومن منطوقك تدل فعلا على أنك ” حاكم كسير ” ، ولست صاحب فكرة ، وهذا تفكير ” رغبوي ” لا يغني من الواقع شيئا ، فالبشرية كلها تتوجه نحو ” الصراع ” وليس الوئام ، ولو كان المسلمون هم المحرك الحضاري لها لتحقق لك ما تريد من مبادئ الإنسانية ، ولكن المشكلة تكمن في أن الغرب المستلم قياد البشرية هو غرب عنصري استعماري بغيض ، يجير قيم الانسانية لصالحه ، فالانسان هو الرجل الأبيض ، وما عداه فهم مركوبون لتحقيق الرفاه له ، والحمد لله ان الغرب لم يعط الفرصة الكافية لهذا الحلم الحالم ، فهو يعلن في كل لحظة عن نيته على الانقضاض علينا ، يترقب منا هفوة ، بل هو لا يحتاج لهفوات ، بل هو يصنع الحيل حتى يسلبنا ثرواتنا وقيمنا ، وبنو قومنا يحلمون بعالم إنساني تسود فيه التسامحية ، إن الذي يقول هذا لا يدرك طبيعة الحياة ولا الحكمة الربانية من إيجادها ، ( ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ، ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن )، ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ، سقت لك هذه الايات لم اشرجها حتى تفهمها كما تريد .. وأظنك سوف تقرأها بأنها نزلت في مدح الانسانيين .. !

إن فكرة الانسانية هي فكرة عقلية ولكنها في نفس الوقت فكرة سخيفة ، لا تصلح إلا لمن يقررون الحقائق الكلية خارج الذهن ، فالانسانية لفظ كلي ، يدخل فيها المتناقضون في أديانهم وسياساتهم ، ويدخل فيهم المتباينون في ثقافاتهم ، يدخل فيها نمور التاميل والحكومة السيرلنكية ، ويدخل فيها ابن لادن وبوش ، يدخل فيها شارون مع محمد الدرة ، ويدخل فيها أهل سوات وحكومة الباكستان ، ويدخل فيها الحوثي مع علي عبدالله صالح ، يدخل فيها الشواذ مع الاصحاء ، يدخل فيها امريكا وكوريا الجنوبية ، فان استطعت ان تقضي على كل هذه التناقضات في الحياة والواقع والتاريخ .. فبشر بالانسانية كيفما تشاء ..وهؤلاء ليسوا كلهم تكفيريون .. بل الطبيعة الانسانية هي انانية بذاتها ، والتدافع سبب لوجود الجنس البشري ، والصراع سنة ربانية ، فان كنت تحلم ان تقضي على هذا كله فأقول لك اربع على نفسك فسوف تنقطع ، ولكن ان تناقش كيف لنا أن نعيش في ظل هذه التناقضات والتباينات … فأنا معك في مناقشة كيف نعيش .. لا كيف نذوب أو نحلم .. او ننكسر !

إن القضية المفترض ان تتوجه إليها ليس الدعوة للناس ان يخرجوا من مدارسهم ، لأن القضية ليست في وجود مدرسة او عدم وجودها ، المشكلة في فهمك انت لهذه المدرسة ، حين تحشد فيها كل نقيصة ، وتسلبها كل فضيلة ، ثم لا تدلل على قولك المرسل الذي لا يغني من الحق شيئا ، فالتعصب المذهبي مشكلة ، ولكن الحل ليس في هدم المذهبية ، والتكفير مشكلة ، ولكن القضية ليست في هدم الاسس العقدية للامة، والانغلاق مشكلة ، ولكن الحل ليس في الاستلاب للآخر ، والنظر إلى كل فكرة خارج الاطار على انها فكرة صالحة ، وكل فكرة داخل المدرسة على انها فكرة سيئة ، إن هذا يشبه إلى حد كبير فكرة المدرسة التشاؤمية التي تنظر إلى النقاط السوداء في الكون ، وتصرف النظر عن كل بياض في الأفق … وهذه باعتقادي قضية نفسية لا دخل لها بالقضية الفكرية أو المنهجية .

سأكمل ..

كنت اود في بداية الحوار ، أو كما رأيته بدأ أن تتم مناقشة القضايا العلمية والمنهجية والفلسفية لليبرالية التي نقدتها في بداية دخولي إلى هذا المنتدى ، وكان الأخ مهيار قد بدأ بهذا ، ثم انتقل الحوار إلى ” أنتم .. ونحن ” ، وهذا يفسد أجواء الحوار ، لأن الانتقال من الفكرة الفلسفية ومناقشتها إلى تطبيقاتها الواقعية يتيح للجميع أن يترحلوا بأفكارهم بشتى أنواع الترحل ، فمناقشة الليبرالية وأصولها الفلسفية ، أو مناقشة ” الوحي ” وطريقة فهمه وضبطه وحفظه يتيح للمعرفة ان تكون حاضرة في النقاش ، اما مناقشة تصرفات الليبراليين ، وتصرفات الاسلاميين يجعل الانسان في حالة تحفز زائم إلى مزيد من ضرب أمثلة ” التشويه ” لحملة الفكرة أكثر من مناقشة الفكرة نفسها ..

وكنت أود من الأخ مهيار أن يضع النقاط على الحروب بدلا من المصطلحات الخاصة مثل ” الإسلام المؤسسي “، ويناقش هذا الأمر معرفيا حتى نعرف مكمن انتقاده له ، وقد ناقشت في القضية الأولى الأستاذ يوسف أبا الخيل في منتدى الاعتدال ، فأبدى منهجية علمية في النقاش بعدم خروجه عن مساره ، وخاصة انه ممن يرشخ عدم التعارض بين الإسلام والليبرالية ، وناقشت في تفاصيل المنهج السلفي وآلية التلقي الأخ الكيان الحر وغيره في منتدى محاور ، فالتزموا المنهجية العلمية في الحوار مع تحفظي على طريقة التعاطي ، ولكن النقاش حين يكون على مسائل محددة يكون مثمرا ، ولكن الطريقة هذه سوف تتيح للإنسان أن يستمر إلى مالا نهاية في السجال والكر والفر حول أفكارغير منتظمة ولا مرتبطة ..

خلاصة ما عند الاستاذ المهيار انه يرشح الليبرالية بديلا معرفيا ، ومنهجية منضبطة وصارمة ، وحلا للمشكلات الحضارية ، وهذه عنده لا تتعارض مع الإسلام .. لكنه ليس الإسلام التاريخي الذي تراكمت علومه عبر التاريخ العلمي للمسلمين ، لأن هذا كله لا يساوي شيئا عند المهيار ، فهو يتحدث عن ” إسلام ” خاص ، لا يعرف مدرسة الفقه ، ولا مدرسة الحديث ، ولا مدرسة الأصول ، إسلام هلامي مائع لم يستطع إلى الآن أن يبين عنه .. وهذا هو حجر العثرة في مثل هذا الحوار ..

المشكلة الثانية عند الأخ مهيار أنه يتعاطى معي من خلال موقفه من تيار أو حركة إسلامية او تجربة خاصة ، وهذا يحيل النقاش من منهجية معرفية وعلمية ، إلى منهجية هجائية كما فعلها في ردوده الأخيرة ، فكل نقطة مظلمة في التجربة الخاصة وكل انتقاد للحركة والسلفية ألبسني إياها ، ثم أخذ يرميني بها ، فيتحول الحوار من حوار فكري إلى مرافعات قضائية وتبرئة للنفس .. وهذا حقيقة مضيعة للوقت ، وهو في نفس الوقت يتيح للمقابل أن يقول فيك ما يشاء دون تثبت ، لأنه لا يتعامل معك من خلال ما تقول أنت ، بل من خلال ما يعتقد عنك ..

يقول الاستاذ مهيار : ( أريد أن أوضح لك أمراً في غاية الأهمية بنظري، وهو أني ليس لدي اعتراض على وجود اتجاهك العقدي، وقد أشاركك الكثير منه، ولست ضد حريتك في فهم ما تشاء، وتخيل ما تشاء، والتفسير الذي تشاء… ولست بصدد محاكمة عقدية، ولست في وارد باطنك، ولكن هناك مظاهر فادحة عبر التاريخ وإلى اليوم تدعوني إلى رفض هيمنة العقل المؤسسي الذي صادر التفسير والفقه واختزله في مدرسة واحدة، وفرقة واحدة، وهاهم خريجو مؤسستك يدعون في صلاة الجمعة قائلين: (اللهم انصر أهل التوحيد من السنة، على الرافضة والمبتدعة والمتصوفة و….)، أي احتكارية أكثر من هذا )

هنا يرفض العقل المؤسسي ، وها نحن نمضي في الحوار إلى أشواط بعيدة ، آلاف الكلمات التي قيلت ، دون أن نحضى من الأخ مهيار بتعريف جامع مانع لهذا العقل المؤسسي ، ثم إن التاريخ يشهد أن التنوع في الفقه والتفسير ومدارسه في العالم الإسلامي لا تعد ولا تحصى ، فماهو هذا العقل المؤسسي الذي صادر كل هذا ؟ وماهي هذه المدرسة التي اختزلت كل هذا لحسابها ؟ يعني هو ينكر الدعاء على الرافضة والمبتدعة والصوفية ، وله الحق في أن ينكر هذا ، وأنا اوافقه عليه ، مع أني لم اسمع من يدعو على الصوفية قط ، ولكن في مقابل ذلك هل الرافضة والصوفية والمبتدعة يتعاملون بنفس ” التسامحية ” التي يرى مهيار ان هذه المدرسة تفتقدها ؟ أليس الرافضة يلعنون ” الصحابة ” نقلة الوحي على منابرهم ، وفي ندواتهم ؟ أي الفريقين أحق بالانكار الشديد ؟، أليست هناك أقوالا لائمة هؤلاء يكفرون فيها كل ” العامة ” أي الذين ليسوا رافضة ؟ أليست الصوفية تقف موقف معاديا بنفس الدرجة والمستوى لهذه المدرسة التي ربما يعنيها مهيار ؟

إن كنت صادقا في نقدك للتاريخ والواقع يا مهيار فكن ” منصفا وعادلا ” ، فالتاريخ يشهد أن اهل السنة أكثر الناس إعذارا للمخالف ، بينما نجد أن غيرهم أشد الناس تكفيرا لخصومهم ، بل التكفير حضر في المدرسة ” العقلية الاعتزالية ” أكثر من حضوره في المدرسة السلفية ، والرافضة والمعتزلة في المنهج العقدي ينهلون من معين واحد ، ويشاركهم الخوارج في التكفير ، ويفترقون فقط في الحكم الدنيوي ، أما في الحكم الأخروي فهم يكفرون أصحاب الكبائر ويخلدونهم في النار …

ثم إن الحكم على مدرسة او على تيار من خلال بعض مخرجاتها ، أو من خلال تصرفات آحاد أفرادها خطل منهجي وعلمي ، فحتى مدرسة النبوة خرج فيها أناس منافقون ، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ارتد أناس كانوا من الصحابة ، وهذا الغلو والشطط حاضر في كل نحلة ، ولن أعيد هذا فقد قلته من قبل ..

إن موقفي منك لست لأنك تدعو للحرية ، ولا للعدالة ، ولا لرفع الظلم ولا للدعوة لتحرير العقل مما يعلق به ، ولا للدعوة للنهضة والحضارة والتقدم ، فهذا من القدر المشترك بيننا ، ولكني أخالفك في أمور :

الأول : جعل هذه القيم هي من منتجات الليبرالية الغربية ، واحتكارية الليبرالي لها مع وجودها في حس وعقل الإنسان قبل الليبرالية وقبل ان يعرف الانسان دعاتها ومرشدوها ومنظروها .

الثانية : الحمولة الفكرية لهذه المصطلحات التي تصطدم مع ” نصوص الشريعة ” مباشرة ، فإن حاولت الموائمة اسقطت القيمة الليبرالية ، وإن رفضت الإٍسلام تحيزت عنه إلى غيره .. وهذا موطن ضبابية في تفكيرك إلى الأن .

الثالثة : عدم التفريق بين هذه القيم وبين سياقاتها الثقافية والتاريخية والحضارية ، وأخذها بجملتها وكليتها دون التفريق بين الوقائع والأحوال والأعراف ، فحتى الليبراليون يشترطون لتطبيق الليبرالية تهيئة المناخ والبنية التحيتة لأفكارها ، أي خلق بيئة مماثلة من حيث المحتوى للبيئة التي نشأت فيها الليبرالية الغربية ، ولذلك نجدهم يطنطنون دائما بإعاقة الديمقراطية في العالم الإسلامي بحجة أن المناخ غير مهيأ واقعيا لتطبيق القيم الديمقراطية ، وهذا يعني حركة ” سلخ ” للمجتمع من تاريخه ( القطيعة الابستمولوجية ” ، ثم تهيئة الوعاء ، ثم صب القيم .. ولا تقل لي ان هذا لأجل ان يعمموا التجربة الانسانية السامية التي تحمل القيم العليا ، بل لأنهم غزاة جدد ، يريدون أن يعمموا نموذجهم الاستعماري البغيض ، لايجاد المناخات الملائمة لمزيد من السرقات واستذلال الشعوب من خلال المؤسسات الأممية المتحيزة التي تطلق يد اسرائيل على الشعب الفلسطيني بحجة النموذج الديمقراطي الناجز في اسرائيل ..

هذا هو منطلق الخلاف وأسه .. ولكن البعض يتعمد تشويه المقابل حتى يدغدغ أحلام الناس وأمنياتهم الفردوسية بجنة الغرب الأرضية، وهي طريقة ترويجية مخادعة ، تماما كما يعرض الغرب نفسه على انه رب القيم العليا ، فيغطي وردة باليمين ، ويقتل الأطفال بالشمال .

شكرا لك وللجميع !

مهيار

د . استفهام..
بداية لا بد من توضيح أمرين:
الأول: أنك وعدتني بإدراج رأيك دفعة واحدة، ولم تف بوعدك هذا…وقد أعلمتك بأني لست على عجلة من أمري، فاجمع ردك حتى يكتمل رضي الله عنك ثم اصفعني به دفعة واحدة قد يكون هذا أجدى.
الثاني: يبدو لي أنك لا تقرأ إلا اللمم من قولي، تكرار الحديث والشكوى و(النق) و(القر) فيما تم توضيحه مرارا، أسلوب لا يليق بفقيه مثقف.

المهم..
ليس من استقواء بالخارج، ولكنها مجرد إشارة لك لئلا تنسى نفسك في غمرة اتهاماتك وتنادي، هاتوا لي هذا المارق لنقيم عليه حد الردة،
ويا أستاذ استفهام، مازلت تبحث عن مرجعية الوحي، وكأن كل من لم يؤمن بالوحي أو تصورك له يجب أن يخرج من دائرة النقاش والتعاطي، لم أبن لك موقفي ولن أبينه لسبب جوهري، هو أني أرفض أن يكون الوحي مستندك لاضطهاد الآخر، سواء أكان مؤمناً به أم لا، لأن الوحي الذي تؤمن به يقول لا إكراه في الدين. بل إنه بعد أن يبين استحالة مشاركة الكافر في العقيدة، يقول: (لكم دينكم ولي دين).
أما فيما يخص الاستماتة في الدفاع عن الفكرة الليبرالية، فهي ليست استماتة، وحياة الإنسان لدي أهم من الفكرة، لأن الفكرة قد تكون خاطئة، أما الإنسان فهو غاية كل فضيلة، أنما أدافع عن حرية وكرامة هذا الإنسان، وأرفض تجنيده لمؤسستك وكهنوتك.
عجيب أمرك، تطالبني بتوضيح المصطلح، وعندما أورد لك المزيد من التفصيل لتقريبه إلى ذهنك الرافض أصلاً أن يتقبل، تدعي أني أحوره وأخاتل فيه، أأنت لا تفهم، أم لا تود أن تفهم؟ وليتك بدلاً من نشر معرفتك السيميونطيقية أمامنا هنا، أن تدرسها لطلبتك ورفقاء السلاح من حولك، لعلهم يدركوا أن هناك قراءات أكثر وعيا وأفضل أدوات باتت ممكنة اليوم. بدلاً من اللجوء على موتى لقوا حتفهم، ليلقى المعنى حتفه على يد مقلديهم والنقلة الأوفياء.

ثم تأتي بمثالك الكئيب، والذي يوضح لأبعد حد ذهنيتك التكفيرية، إذ تقول أن القرآن وصلنا عن طريق النقل، هذا تسفه المعاني وتستخف بالمراد من العبارة، لتقيم مقصلتك المقدسة، وأنت -بحسن ظني-لاشك تدرك معنى النقل، فبالتأكيد ليست المسألة نقل عفش، أو نقل بضائع… فربما تستدل من رفضي للمنهج النقلي أني ضد شركات النقليات وأدعو لإغلاقها…

ليس لدي إسلام لا يوجد عند غيري، وحاول أن تفهم يا سيدي، فهذا سيكون أجدى لك وأفضل لصحة فكرك، أنا لا أناقشك اليوم في إسلامك ولا أتهمك بأنك خارج على الإسلام، كل ما أريده منك أن تكف عن الوصاية، ألا تجعل نفسك الوصي على المعنى، أو الوصي على البشرية، قدم أفضل ما لديك، ومن ثمارك ستقنعنا إن كنت جديرا بمكانة أفضل أو أقل، أما هذا التفاخر والتباهي النصوصي، وما يلحق به من محاكمة عقدية ونفسية، فهي لن تضيف لنا أو لك أي شيء، لأنها بكل بساطة لم تضف لنا شيئاً ذي بال منذ مئات السنين.
اقتباس:

(وهذه الهجائية تدل فعلا عن أن الذي يحركك البعد النفسي أكثر من القناعة العقلية ، وهذه مشكلة من عاش في التيار الإسلامي فترة ثم ينقلب عليه ، فهو يحيل كل منجز إلى مصيبة ، وينتقل من النكاية بالفرع إلى هدم الأصل ، فيقع بالظلم والبغي وانعدام المنهجية).

أضحك الله سنك، هذا الفاصل المنشط كان جميلاً، وخفف من وطأة الجدية… لن أتعامل مع اتهامك بالرد، لأن الرد عليه سيكون أسخف من كيله لي…
نعم يا سيدي علينا أن نؤمن أن بما بناه علماء الإسلام ، فالقياس ومسائله ، والقواعد الكلية الأصولية والفقهية ، وتخريج الأصول على الفروع ، والنظر في العلل والمقاصد كلها تدفع إلى أن يبقى الفقه الإسلامي حيا في كل وقت، ولولا علماء الإسلام لحار الرب في أمره، تصور لو أنهم لم يبينوا المعنى والمراد، ولم يستجلوا الأحكام، لضاعت الرسالة، وخاب سعي الرسول، ولك أن تعلم كم هم عظماء علماء الإسلام الذين استطاعوا أن يكرسوا المقصد النهائي للنص والشريعة ومقاصد الشارع الحكيم، بينما لم يتمكن من ذلك الرب العظيم ورسوله الأكرم، وأستغرب كيف كان الرسول (ص) يشرح ويفسر وهو غير ملم بعلم الأصول، لابد أن هناك خطب ما!
أتعلم؟ الشيء الجميل في تصورك فقط هو قولك: (كلها تدفع إلى أن يبقى الفقه الإسلامي حيا في كل وقت)، نعم هي تدفع نحو هذا الاحتكار وحسب!

لا أحد يسلب الإسلام هذه الصفة (صالح لكل حين)، سواكم أنتم الذين تصرون توقيفه ظناً منكم أن الزمن يتوقف عندكم، وحتى يكون الإسلام صالحاً لكل حين، يجب أن تعود إليه حركيته وديناميته، ويجب أن يتحرر منكم ومن أمدكم الطويل، (نعم تنقطع دونه الأعناق)، هذا شوقكم الأبدي لمشاهد النحر الحية على الهواء مباشرة والتي قلت هذه الأيام… يالغرامكم بقطع الأعناق…
وقبل أن تفاخر بعدد الذين يدخلون في الإسلام في فرنسا وتعطيني إحصائية (من دماغك) عليك أن تعلم أن هذا هو مقدار زيادة المسلمين على الأغلب، وليس عدد الداخلين، فمسلمو فرنسا يتوالدون كالأرانب، ومعظمهم يملؤون الضواحي الشعبية بمخدراتهم وجرائمهم وأوكار الدعارة… وحتى من يعتنقون الإسلام، اذهب وانظر إلى حالهم وأي إسلام يعتنقون، وما الذي يدفعهم نحوه، أتعلم أن عدد من يعتنقون البوذية أكثر من الداخلين الجدد في الإسلام، ولكنهم يتوالدون في اعتدال… ويركزون على إظهار جالية في منتهى الرقي.
وماذا فعل مسلمو أوربة غير زيادة جرعة الكراهية للإسلام والمسلمين، أتعلم أنهم هم الذين رسموا للنبي الكريم صورته الشهوانية والإرهابية التي نقلها الرسام الدانماركي إلى رسم كاريكاتوري، فطالبنا (بعنقه) وتغافلنا عن الذين جعلوا الرسام يتصوره بهذا الشكل.
أنا كنت في جولة في 11 دولة أوربية، والتقيت الجاليات الإسلامية على اختلاف مللهم ونحلهم، هم كما هم، نقلوا شعوبياتهم وفرقياتهم وضغائنهم واستبدادهم، إلى هناك ليكرسوا صورة نمطية للمسلمين مرتبطة بالتخلف والشهوانية والإرهاب والبلادة… ولولا القوانين الإنسانية (الليبرالية) لطرد سكان البلاد كل مسلميك، ولمنعوا جماهير سياحك أن يطؤوا أرضهم، هذا هو انجازكم الحضاري للإسلام، وهذه هي نتيجة كل آبائيتكم المقيتة وقدسيتكم المزعومة.

ولن أعلق على مسألة فوز كتاب الأربعين النووية، فهذا الفوز الذي تجيره لصالحك، هو في حقيقته دليل دامغ على سمو الليبرالية التي تهجوها. مع أنه لم يكن فوزاً عقدياً أو ثقافياً، بل مجرد فوز هامشي بين ملايين أشكال الفوز.
نفائس هذا التراث مشروطة بعيانيتها وهذا ما تعرض عن الحديث فيه، أنا لست ناقماً على التراث، بل أقدره وأحترمه وأوافق على الكثير من إنجازاته المعرفية والاجتماعية، ولكنك للأسف لا تفهم أن مشكلتي هي معك أنت الذي تصر على تطبيقه على واقعنا ببروكروستية(مصطلح سبق شرحه لك). لتجعلني أسيرا لأدواتك المعرفية الهزيلة. حربان عالميتان تعلم منهما الغرب كثيراً، ومازلنا نحارب منذ مئات السنين ولا نتعلم.
لم يحجروا علي قولي وعقلي وتصرفاتي، وإلا لكنت نموذجاً مماثلاً لك، لقد صاحبتهم برغبة فطرية مخلصة، ولكن لأني لم أتمكن من هدم عقلي، لم أستطع أن أستمر حتى أغدو استفهاماً. والحمد لله.
وحول سباحتك في الفضاء الحر، يبدو لي أنها سباحة ظهر لمسافات قصيرة، لأن حسك الآبائي سيذوب إذا أدمت السباحة في الفضاء الحر، فاحذر يا سيدي من فضاء ملوث بحرية الإرادة والعقل والفكر، ولن يقيدك أحد حريتك وأنا أصدقك جداً لأنك على مذهب الذين يقيدون الحريات ولا حاجة بهم لتقييدك.
أي تاريخ ذلك الذي أريد عسفه، أنا أصلاً اشكك بكل تاريخك، وأدعو لاستخدام أدوات التحليل التاريخي، لإنقاذ التاريخ من التدليس والافتراءات والانتقاءات، أدعو لقراءته قراءة انثربولوجية قد تفلح في الاقتراب منه أكثر من تاريخ كتاب البلاط، وجعلتني مفكراً عروبياً، لست مفكرا ولا عروبياً، ولكني أسعى جهدي أن أكون إنساناً له خياراته في الإيمان والابداع والإنتاج، قبل كل شيء.

من يقرأ حديثك عن الوئام الفظيع بين الفرق الإسلامية، سيقول إن كل جهود التقريب كانت مجرد افتراءات، وكل الصراعات الطائفية ليست سوى فبركات إعلامية وتاريخية، وكل الغثاء الذي يحمله التنابز الالكتروني اليوم بين الفرق الإسلامية، هو مجرد دعابات بريئة لتلطيف الأجواء.
وها أنت تصر مرة أخرى على إطلاق دعابة جعلتني انقلب على ظهري ضحكا وأيم الله، عندما قلت:
اقتباس:

(لأن الناس حتى اشد الأعداء للإسلام يدركون أن الإسلام بمؤسساته ومدارسه الفقهية لا يقف ضد الإنتاج الحضاري ولا التقدم التقني ، بل إن خصومك يتعاطون مع منتجات الحضارة المعاصرة أكثر من تعاطي التيار الليبرالي السعودي ، وما عليك سوى أن تسوي إحصائية للتيار الذي يتعاطى مع النت فقط حتى تعرف الفرق ، وهو منتج حضاري غربي).

صدقني كدت أنسى الموضوع، أتعتقد أن هذا القول يصلح أن يكون شيئاً آخر سوى نكتة سمجة؟!

إذا كنت تصنف حكام مصر على أنهم علمانيون، فهذا يعني انك تعاني من اضطراب اصطلاحي عجيب، لابد أن تبين لنا ذلك، ولعلك تذهب في وصمه بالعلمانية على أنه وقف بوجه إسلام حركي، نعم هكذا أنتم، تتصورون العلمانية قائمة في وجه كل اعتقاد، وحقيقة الأمر أن العلمانية كان لها مفهومها الخاص والمقنن، ولكن إصرار الإسلاميين على توسيع مفهومها واختلاق الصراع معها، جعلها تصبح تهمة جاهزة ونمطية لكل منافس لهم، وحقيقة الأمر أن العلمانية لا تتفق البتة مع كل نظرية متزمتة، قومية كانت أو دينية. لذلك اضحك يا سيدي، بل وقهقه أيضاً ولا حرج.
ومن قال لك أن المملكة لم تتأثر بالوضع الاقتصادي، اسأل هؤلاء المساكين الذين لا يملكون ثمن كيس الرز ليخبروك الحقيقة، حمى الله المملكة من كل غائلة. وخفف عنها عنت الداخل والخارج.
أيها العادل والموضوعي رفقاً بأتون الانفعالات النفسية، حاول أن تجيب عن المهم لا عما يهمك أنت وحسب.

تقول: (اعتقد أني تجاوزت الكلام عن قيمة ” العقل ” في بداية الحوار ، وبينت أن المشكلة هي في حدوده وموقفه من النص والوحي ، ومجاله المعرفي الذي لا يجوز أن يتجاوزه ، فإن كان هذا تحذير من استخدام العقل فلا حيلة إذن). لا بأس هذا فهمك للأمر وهو لا يتشارك حتى مع رأيي، وإلا كان علي أن أحذف من تاريخ البشرية وحاضرها كل إنجازات العقل الذي لا يعترف بوحيك، وللمعلومية فقط أود أن أقول لك أن من اخترعوا وسيلة الاتصال بيننا الآن، لا يؤمنون بوحيك!

اسمح لي بتجاوز بعض الأمور التي سبق أن أوضحت موقفي منها معرفياً وفكرياً، فإذا لم تصلك الرسالة، فهي قد أرسلت لكثيرين سواك… ووصلتهم وهذا يكفي، وانظر كمثال واضح لا لبس فيه المسألة التي تصر على تكرارها، حول التعريف الضيق للوحي أو الواسع، فبنظري الواسع لا يوجد إلا في ذهن مريض ومتسلط، إنما الضيق فهو كل تفسير يتصدى للوحي، فهو تفسير رهن أدواته ومعرفته وظرفه، لذلك هو يضيق عليها، وليس هنا المشكلة، إنما المشكلة إصرارك أن تضع رقابنا على نطعك وتحت سيف فهمك الضيق.
كررت لك مرارا أني أقوم بجهد نقدي وليس تنظيري، ومع ذلك كأنك لا تقرأ إلا ما تود… أنا ما جئتك حاملاً تفسيراً أود أن أقاعك به، كل ما هناك وببساطة أنا أرفض أن يحكمني تفسيرك بسيف المقدس لئلا (تضرب الأعناق) أكثر مما ضربت… لذلك لن أناقشك اليوم في وسائل قراءة النص، فخلافنا في هذا الحقل موضعه حوار آخر ربما، ولكن ليس قبل أن تتخلى عن استبدادك، أو على الأقل أن تقر بأنك مستبد لا تطيق أي حرية، وأنك تجد أن حرية الإرادة والعقل كانت خطأ في خلق بني آدم لابد من جبره!
شحرور ومن لف لفه هم نتاج تزمتك، لأنك إذ احتكرت المعنى وفرضته، لم تدع للناس سبيلاً سوى أن يتبعوا من يجد لهم فكاكاً منك حتى لو كان هشاً مضطرباً، ما كان للشحرور أن يغرد على هواه لو أنك لم تحتكر فهم النص وتسلط سيف الماضي على مستقبل الناس، أما كيف نقرا النص، فلاشك أن النص نفسه قد أنتج عبر التاريخ وسائل ضبط المعنى، ولن يعدم هذه الإمكانية المتجددة طالما أنه وحي ونص كوني. أما إذ يرهن لك فهو لن يكون سوى حامل لفكر استئصالي متسلط وحسب.

احم ابن تيمية كما تشاء، ولست بالمعرض عن بعض محاسنه، ولكنه لم يترك أمة من أمم الله إلا وكفرها، وإن كنت لم تسمع بهذا، فلعلك تعود وتتوسع وتقرأ من جديد ما فاتك، لم يكن ابن تيمية ليبراليا هشا، ولن يكون من يقلده خطوة خطوة، لأنه وتابعيه ضد العقل الحر والإرادة الحرة،وإن كنت قد انتقدت الموقف من الشيخ محمد الغزالي فأنت كنت تفعل ذلك لأن هذا الموقف وبهذه الطريقة يقطع الطريق على الاستفادة من الخير الذي عنده. أي إنك تتجاوز عن مثلبته هنا تقديرا لمناقبه الأخرى، فأنت لم تعطه الحق بالاختلاف ولكنك متعت نفسك بالتجاوز… وهذا امتياز لك على قومك، وليس امتيازا مطلقاً. وتشكر عليه.ولكن لمماً ليس إلا!
لم يتمكن ابن تيمية أن يدخل عقلي حتى أتعصب له، وأنا إذ أقرأ، لا أطلق عقلي وأمسح معرفتي السابقة لالتحق بمن أقرؤه، هذه القراءة المريدية لم ولن تكون عندي، وإلا لما كنت اليوم هنا أحاورك، مقدرا لك حقك في الاختلاف ومدافعا عن حقك في الوجود، بينما غاية جهدك مسحي عن الوجود، وربما (ضرب عنقي).
اختزل الغرب ما شئت يا سيدي، لولاه لما ألغي الرق، ولا تحرر العلم من سلطة الكهنوت، ولكنا إلى اليوم نتردد على نطاسي الخزعبلات الشعبية، ونتعلم في حلقات الكتاب: ب فتحة با ب ضمة بو ب كسرة بي….

إذا كانت فكرة الإنسانية فكرة عقلية ولكنها في نفس الوقت فكرة سخيفة لديك، كيف ستتقبلنا إنسانياً، وكيف لك أن تدعي العمل من أجل البشرية وسعادتها، سأضرب صفحاً عن بشارتك، وأقول لك إن فكرة الإنسانية ليست فكرة سائبة، ولكنها ليست ناجزة بشكل حازم، لأن تجربة الإنسان تكامل هذا المفهوم عبر الزمن وتصل به إلى تعريف أرقى باستمرار… وهذا ما لن يتاح فهمه لذهن مهجوس بالحاكمية وفق النسق المؤسسي.
لم أدعُك وأنت أكثر الناس تزمتاً أن تخرج من مدرستك حتى أطلب من الآخرين، لأن القضية ليست في وجود مدرسة أو عدم وجودها فعلاً ولكنها في فهمك أنت الذي تصر أن تحكم كل مدرسة، وأن تخضع لفهمك كل فهم، لذلك ستدور وتدور ثم تعود لتفسر حالتي النفسية الصعبة يا د فيل.
لا قيمة لأي فلسفة يعجز الواقع عن تطبيقها، وكل نصوصيتك الحافلة بالتقبل والتفهم والاختلاف لا تهمني بقدر تلك المظاهر التعصبية والتمذهبية التي تأخذ من منهجك مرجعية لها، حروفك يا سيدي لا تتقبل النقاط، ولست مهتماً بأن أكون على نسقية ملائمة لذائقتك، أنا هنا اليوم فقط من أجل حريتي، وإعمال عقلي دون وصاية منك، وللأسف أنت لا تفهم أن الأمر لا يتعلق بعقيدة مضادة لك، فأنت تصر على اختراع العداء وواقع الحال إنه عداء من طرف واحد، وانظر إلى تياراتك الإسلامية على اختلافها تتسع لها رقعة الليبرالية الغربية في كل أنحائها، حتى ما يزاحم فاتيكانها في قلب روما، ولكنك لا تبيح لمن يخالفك في الفروع أن يبقى على رأيه…وأتحداك أن تأتيني بدليل على أن الإسلام التاريخي لا يساوي شيئاً لدي، إنه مجرد توهماتك وافتراءاتك فأنا أحترم حتى الثقافات البدائية لدى القبائل البدائية في آسيا وأفريقيا وأميركة الجنوبية، بل أقرأ كل ذلك بمتعة وتواصل باحثاً عن المعاني المهاجرة عبر الزمن، فكيف بالتجربة الإسلامية الممتدة 14 قرناً، صحيح أنه يؤسفني أن تكون مدرسيتك مهيمنة على فترات انحطاطها، ولكنه منهجي ومنهج الليبرالية في احترام التوجهات الفكرية والعقدية.
لا شيء اليوم مرشح للتوسط بين البشر كالليبرالية، لأنك إذ تفرض الإسلام مرشحاً، هذا يعني أن من حق البوذي أيضاً أن يرشح البوذية، ومن حق البروتستانتي أيضا أن يرشح البروتستانتية، وهكذا، فالعالم الإسلامي جزء من هذا العالم، وليس كل العالم، كما أن العالم الإسلامي ليس مساحة متجانسة كما تحلم، بل إن الصراع الذي يكتنفه أسوأ من الصراع على حدوده بكثير.

هل تتبرأ من سلفيتك، ألست المنافح عنها طوال الوقت، يبدو لي أنك من تحتاج إلى بيان اتجاهه، فساعة تمجد العقل وتحتكره على نفسك وساعة تنتقده وتعتبره مدخلاً للخروج على الله، وساعة تتمترس وراء سلفية صارمة، وساعة تتنكر لها وتتهمها بالزلل…والظلام! إذا أنت الذي تضيع الوقت وليس أنا… كل مرة أقرأ فيها ردك أجدك تلف وتدور حول الأفكار التي سبق وأن فندتها لك فكرة فكرة،
كل ما قلته لك ومازلت تقول أنك لم تحظ بتعريف جامع مانع، ويبدو لي أنك لن تحظى مع ذلك سأختصر لك الأمر مرة جديدة وأقول لك: الإسلام المؤسسي هو إسلام الإكراه ليس إلا، إكراه المخالف في الرأي أو المذهب أو الفكر أو العقيدة أو الدين أو العرق…. إكراهه على إيمان خاص وتأويل خاص وتفسير خاص وفقه خاص..
أزل الإكراه وحسب حتى تغدو مدرسة أو حضانة أو جامعة … أزل أدبيات الإكراه حتى تدخل ملكوت الإنسانية، فملكوت الله يمر من ملكوت الإنسانية. لأنه رب الإنسانية، وليس رب السلفية المختارة.
أما في تأويلك للتاريخ بأن السنة فيه كانوا أكثر قدرة على التسامح، وما إلى ذلك فذلك تفسيرك الذي قد أشاركك فيه أو أخالفك، ولكنه يبقى منظورك ولكل فرقة منظورها، وربما مواقف التسامح كثيرة، ولكنها قد لا تتناسب مع المساحة التاريخية الشاسعة الذي بقي فيها هذا الاتجاه حاكما ومهيمناً.
فمثلاً أنت تتسامح اليوم ببعض المساحة للحوار، لأنك تملك هذا وأنت المهيمن عقديا على الساحة، ولكن قد لا يبدو لك تسامحي أنا، لأني أصلا ابحث عن شرعية وجود بالجوار منك، وأفهم أن إنسانيتي تتطلب مني أن أقف بجانبك، أما أنت فهل تستطيع فعلاً أن تتقبل مجاورتي دون أن تقف على جثتي؟
هذه القيم يا سيدي تراث إنساني شامل وليست حكراً على أحد، حتى الإسلام النصوصي لم يدع أنه إذ أتى كان البشر خاليين من كل فضيلة، بل إن الرسول(ص) يقول أنه أتى ليتمم مكارم الأخلاق، ولكن طوال الحقبة الإسلام بقي الأمر بين أخذ ورد، ومذ غاب الرشد عن أمة الرشد، ضاعت الحرية، إلى أن نادى بها الإنسان مجدداً، وهذه المرة من الغرب الأقصى، نعم إلى اليوم هي منتجات ليبرالية لأنك ومن لف لفك يرفض تقبلها إسلامياً، بل ويعاديها وينصب لها المشانق.
الحرية قيمة مطلقة كما الصدق والأمانة لذلك فإن التحجج انه لها سياقاتها لا يعني أن يحرم منها أي إنسان، وإذا كان السبيل الوحيد لنيلها هي الليبرالية، بورك بالليبرالية منهجاً نحو الأفضل والأسمى على الرغم من أنوف الإكليروسيين.

د . استفهام

يعني يا أستاذ مهيار ذهبت كل المشكلات الفلسفية والفكرية والثقافية بيني وبينك ، ولم يبق إلا ان تأتي هنا لتحتسب علي بأن أترك ” الوصاية ” ؟ هل هذا هو محور النقاش بيني وبينك ؟ بدأت مدافعا عن الليبرالية في مقابل ” الإسلام المؤسساتي ” ، ثم أراك تركت الدفاع عنها بحجة أن الفكرة قد تكون خاطئة ، وتركت تعريف الإسلام المؤسسي بسبب لا أعرفه ، فماذا بقي لك ؟
إذا كانت أفكارك بهذه الهشاشة ، حتى انك أضنيت نفسك في الدفاع عنها ، ثم بسهولة ترى انها قد تكون خاطئة فلماذا لا تكومن فكرة رفضك للــ ” وصاية ” خاطئة كذلك ؟ ولماذا لا تكون معياريتك الإنسانية خاطئة ، ولماذا لا تكون نظرتك للحرية كقيمة خاطئة .. ولماذا لا يكون أصل وجودك أصلا خاطئا ؟

لماذا تحاول أنت ترسم حولي صورة نمطية ؟ إنك هنا تمارس قضية ” التداعي الشرطي ” ، فأنت حين تريد التأكيد على أني ” مكفراتي ” ، واني أحب جز الرؤوس ، واني أتمنى إقامة حد الردة ، هذا كله لأجل التأثير على عقلية القارئ ، وأنا في هذا الحوار لم أكفر أحدا ، ولم أحكم بردة أحد ، بل الجزء الكبير من جهدي النتي في التحذير من التكفير والوقوف أمام أصحابه ، فلماذا تحاول أن تلصق بي هذا الأمر ؟ أم أنك سئمت من مناقشة الأفكار ، فتوجهت إلى الذوات ؟
أنظر : ( لطبلتك رفقاء السلاح من حولك ) . ( هاتوا لي المارق لنقيم عليه حد الردة ) ، ( ذهنيتك التكفيرية ) ، وغيرها ، لأنك من خلالي تريد أن تبين للقارئ أنه من المستحيل أن يوجد منتسب للإسلام ” المؤسسي ” ، إلا وهو يرفض التسامح ، ويكفر ، ويتعطش للدماء ، ويحمل السلاح .. فهي محاولة تشويه متعمدة ، وهذه لغة إعلامية وليست لغة فكرية ، وهي تشبه إلى حد كبير ممارسات الإعلام الغربي وبعض الإعلام العربي في طريقة الفتك بالخصوم عن طريق التشويه والتعدي والبغي والظلم ..وأنا أعرف حجم المأزق الذي سوف تواجهه لو أنك أقررت بأني لا أحمل هذه الصفات ، يعني أن مدرستي ليست بالضرورة ان تكون كما تصور ، وهذا يعني سقوط فكرتك من أساسها ..

العجيب في هذا السياق أنك حتى كلمة ” ننقطع دونه الأعناق ” ، وهي كلمة تقال للعجز والحيلة جيرتها لتكون دلالة على التعطش للدماء .. فبالله عليك ألم تسمع قول العرب : ( تنقطع دونها أعناق الإبل ) ، أي أنها تموت قبل أن تصل من طول الطريق ..
لا زلت أقول نعم .. انت تذكر الإسلام في كلامك ، لكنك إلى الآن لم تبين ماهو الإسلام المقترح ، وتتكلم عن الوصاية ، ولكنك إلى الآن لم تبين معنى ” الوصاية ” ، وأظنها عندك في مقابل التسامح ، فإن كنت تفهم الوصاية أو عدم التسامح هو ان لا يقتنع الإنسان بأفكاره ، ويدافع عنها ، ويدعوا لها ، ويحاور من أجلها فأنت لم تفهم حتى معنى التسامح ، لأن معنى التسامح في الفكر الليبرالي ليس فيما تذهب إليه ، بل يعني أن لا يستخدم العنف في فرض الرأي ، بلا تجريح ولا تدليس ولا تعنيف .. أما أن تفهم التسامح وعدم الوصاية بأن أصحح قولي وقولك في وقت واحد ، فراجع ليبراليتك .. قبل ان تراجع إسلامك !

هنا نأتي إلى الحديث حول لداخلين للإسلام ، فالذي يظهر من كلامك أن القضية ليست فقط في المدرسة ******** او السلفية في مقابل الفرق الإسلامية التي تنكر الدعاء عليها واقصاءها ، بل في كل رجل يحمل الاسلام والدعوة إليه ، ولذلك فكل الداخلين في الاسلام في اوروبا هم مؤسساتيون ، وكل من دعا للإسلام هو مؤسساتي ، وكل نمن دخل الإسلام في أوروبا هو انعتق من النور ليدخل الظلام .. وهذا كله يقنعني بان موقفك من الإسلام نفسه محل شك ، ولا اقول هذا لأجل تكفيرك ، لأنك اصلا بمعرف شبحي لا يعرف ، فلا تهتم من هذا ، بل حتى أعرف منطلقاتك المعرفية … فلا تكن فقط ترى معنى الإسلام يقابل = السلام العالمي ؟

أما الاحصائية التي ذكرتها عن عدد الداخلين في الاسلام فليس من دماغي كما ذكرت ، بل ذكرت هذا صحيفة جون افريك الناطقة بالفرنسية ، فتأكد قبل ان تتكلم .. ثم هؤلاء الذين يعتنقون الإسلام ، هل سوف يجدون في الاسلام حرية أكثر ليكونوا من أهل الدعارة والمخدرات ؟ أم سيجدون ذلك في جو الحرية والمسيحية ؟ وهل يخرج الانسان بطوعه من عدم القيود ثم يقيد نفسه ثم يتمرد عليها ؟ وكيف نفهم دخول عدد كبير من المثقفين والعلماء والرياضيين المشهورين للإسلام .. هل هؤلاء كلهم حتى يمارسوا الدعارة والمخدرات من خلال دخول الإسلام ؟

أما فيما يتعلق بما بناه علماء الإسلام من القياس وما حوله فهذا يدل على أنك إلى هذه اللحظة لم تبين عن فكرتك حول ” الإسلام ” لأن القواعد التي بناها العلماء هي القواعد التي تعامل معها الصحابة في زمنه عليه الصلاة والسلام ، فهم يفهمون النص بناء على ظاهره أو مقصده ، والنبي صلى الله عليه وسلم حين أرسل الصحابة إلى بني قريضة وقال : ( لا يصلين احدكم العصر إلا في بني قريضة ، افترق الصحابة إلى فريقين ، منهم من فهم من النص على ظاهره ، وانه لا يصلي حتى يصل ، ومنهم من قال بأن المقصد هو الحث على المسير والسرعة ، وكلهم فعل ما رآه من النص ) ، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما اجتهدوا ، ومع ذلك كانت الرسالة موطن اتفاق ، وكان الموقف من الكفار موطن اتفاق ، وكان موطن العبادات وقيمتها في الاسلام موطن اتفاق ، فهل ستدخل الصحابة انفسهم في ( الاسلام المؤسساتي ) ، وماذا سيبقى ؟ إلا إن كنت تقول بأن النصوص لا يجب أن تفهم ، ولا يجوز لأحد أن يعمل فيها الاجتهاد ، او لعلك تقول : نعم اجتهدوا فيها بلا ضوابط من عقل ونقل ولغة ، فأنت هنا ترشح الفوضى على الانضباط ، والجهل على العلم ، والضبابية على الوضوح .

يا استاذ مهيار ، انا لا أريدك أن تكون أسيرا لي ولا لغيري ، ولا أريدك ان تهون مرهونا بأدواتي المعرفية ، فقط أريدك أن تناقش فكرتي وفكرتك بالعلم والمعرفي ، حتى يستفيد الإنسان من الحوار ، أنا على استعدادان اناقش صاحب كل ملة ، ملحدا ، نصرانيا يهوديا رافضيا بوذيا ، ولن يكون نقاشي ان ألزمه بأدواتي او بفكرتي : ( أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ، إنما فقط أريده من يناقشني ان يكون صادقامعي ومع نفسه ، أريده ان يكون صريحا غير مراوغ ، فالنصراني الذي يناقش وهو لا يؤمن بالتثليث ليس بنصراني ، والبوذي الذي يناقش وهو لا يؤمن ببوذا ليس ببوذي ، والمسلم الذي يناقش وهو لا يؤمن بالقرأن والسنة ليس بمسلم .. وهنا تكمن العبثية بل والهمجية الفكرية التي لا طائل من ورائها .. وتخيل لو أن نصرانيا تناقشه في أصل الربوبية ، ثم ينتقل ليناقشك عن دم الحيض أو أحكام الوضوء ، فإن كان نقاشه لهذه الجزئية سوف يقنعه بالكلية فسوف أناقشه ، وأما إن كان نقاشه لأجل الإشغاب ، فسوف أعرض عنه .. لانه لا يحترم موضوعه ولا نقاشه .

يقول مهيار : ( أيها العادل والموضوعي رفقاً بأتون الانفعالات النفسية، حاول أن تجيب عن المهم لا عما يهمك أنت وحسب.
تقول: (اعتقد أني تجاوزت الكلام عن قيمة ” العقل ” في بداية الحوار ، وبينت أن المشكلة هي في حدوده وموقفه من النص والوحي ، ومجاله المعرفي الذي لا يجوز أن يتجاوزه ، فإن كان هذا تحذير من استخدام العقل فلا حيلة إذن). لا بأس هذا فهمك للأمر وهو لا يتشارك حتى مع رأيي، وإلا كان علي أن أحذف من تاريخ البشرية وحاضرها كل إنجازات العقل الذي لا يعترف بوحيك، وللمعلومية فقط أود أن أقول لك أن من اخترعوا وسيلة الاتصال بيننا الآن، لا يؤمنون بوحيك! ) .

وهذاالنص هو يأتي بسياق اضربه بالتهم حتى يصبح متهما ، فهل أنا قلت أو دعوت لحذف كل انجازات العقل البشري الذي ( لا يعترف ) بوحيي ؟ أم قلت : رفض كل منتج عقلي ( يتعارض ) مع وحيي ، فلم محاولة التلبيس هذه ، أليست هذه ضد قيمة التسامح الليبرالية ؟ أنا لا اشترط في الاستفادة من الغرب أن يقر بوحيي ، ولا من أي منتج عقلي وتقني بشري ان يوافق ما أنا عليه من العقيدة والدين ، بل إني أرفض ما يتعارض مع الوحي ، وهذا شي طبيعي ، ففرنسا مثلا رفضت ” الحجاب ” الإسلامي لأنه يتعارض مع قيم الليبرالية ، وتركيا منعت قاوقجي من دخول البرلمان ، لأنها ترتدي حجابا يتعارض مع العلمانية الصارخة .. وقد يتسامحون حتى في هذا ، ولكن فعلهم ليس حاكما علي ، وهذا النص يدل على انك مشكلة في ” التفاهم ” بيني وبينك .. لوجود الصورة النمطية التي تحكم تفكيرك تجاه ما أقول .. ولذا بدأت بالبغي والظلم .

تقول : ( اسمح لي بتجاوز بعض الأمور التي سبق أن أوضحت موقفي منها معرفياً وفكرياً، فإذا لم تصلك الرسالة، فهي قد أرسلت لكثيرين سواك… ووصلتهم وهذا يكفي، وانظر كمثال واضح لا لبس فيه المسألة التي تصر على تكرارها، حول التعريف الضيق للوحي أو الواسع، فبنظري الواسع لا يوجد إلا في ذهن مريض ومتسلط، إنما الضيق فهو كل تفسير يتصدى للوحي، فهو تفسير رهن أدواته ومعرفته وظرفه، لذلك هو يضيق عليها، وليس هنا المشكلة، إنما المشكلة إصرارك أن تضع رقابنا على نطعك وتحت سيف فهمك الضيق.
كررت لك مرارا أني أقوم بجهد نقدي وليس تنظيري، ومع ذلك كأنك لا تقرأ إلا ما تود… أنا ما جئتك حاملاً تفسيراً أود أن أقاعك به، كل ما هناك وببساطة أنا أرفض أن يحكمني تفسيرك بسيف المقدس لئلا (تضرب الأعناق) أكثر مما ضربت… لذلك لن أناقشك اليوم في وسائل قراءة النص، فخلافنا في هذا الحقل موضعه حوار آخر ربما، ولكن ليس قبل أن تتخلى عن استبدادك، أو على الأقل أن تقر بأنك مستبد لا تطيق أي حرية، وأنك تجد أن حرية الإرادة والعقل كانت خطأ في خلق بني آدم لابد من جبره!
شحرور ومن لف لفه هم نتاج تزمتك، لأنك إذ احتكرت المعنى وفرضته، لم تدع للناس سبيلاً سوى أن يتبعوا من يجد لهم فكاكاً منك حتى لو كان هشاً مضطرباً، ما كان للشحرور أن يغرد على هواه لو أنك لم تحتكر فهم النص وتسلط سيف الماضي على مستقبل الناس، أما كيف نقرا النص، فلاشك أن النص نفسه قد أنتج عبر التاريخ وسائل ضبط المعنى، ولن يعدم هذه الإمكانية المتجددة طالما أنه وحي ونص كوني. أما إذ يرهن لك فهو لن يكون سوى حامل لفكر استئصالي متسلط وحسب. ) .

يا اخي الكريم .. أنت لم تبين الوحي لا بالمعنى الواسع ولا الضيق ولا النصف كم ، أنت اصلا لا تريد طرق هذا الموضوع من أصله ، لأنك لا تملك أصلا النظرة لهذا الموضوع ، وتعرف الاشكال المعرفي لو دخلت فيه ، ولذلك جعلت نفسك فقط فرقة ” لفض النزاع ” ، كل ما عندك هو قولك : اتركهم يقولوا ما يشاءون ، ويفعلون ما يشاءون ، ويعتقدون ما يشاءون ، وكأني فتحت لهم ابواب السجون والاكراه … فهذه القضية عندك سلبية غير بنائية ، وأما قضية شحرور وأنه من نتاج تزمتي ، فسجل عندك نكنة طريفة ، فهؤلاء اصلا عاشوا في بيئات منفتحه على أفكار أشد واعتى من الفكر الإسلامي ، ولم تفرض عليهم وصاية من احد ، ولكنهم كذلك أفضل من الانسان الذي يجعل الأمر فضاء مطلقا لا يستطيع أن يبين حتى كيف يصوغ آليته الخاصة في التعامل مع الوحي .

ولا ينقضي عجبي من التناقض الذي يكتنف كلامك ، فانت مرة ترمي المؤسساتية بشرر لأنها انتجت قواعد في النظر ، ثم ها أنت الآن ترى أن النص نفسه هو الذي أنتج وسائل تضبط المعنى ، فهل انت تحاكم من أنتج الوسائل ؟ ام تحاكم النص الذي أنتج هذه الوسائل ؟ حدد موقفك وموقعك بدقة … لا لأجل ان أقطع رأسك ، بل حتى أفهمك وأعرف ماذا تريد بالضبط !

تقول : ( احم ابن تيمية كما تشاء، ولست بالمعرض عن بعض محاسنه، ولكنه لم يترك أمة من أمم الله إلا وكفرها، وإن كنت لم تسمع بهذا، فلعلك تعود وتتوسع وتقرأ من جديد ما فاتك، لم يكن ابن تيمية ليبراليا هشا، ولن يكون من يقلده خطوة خطوة، لأنه وتابعيه ضد العقل الحر والإرادة الحرة،وإن كنت قد انتقدت الموقف من الشيخ محمد الغزالي فأنت كنت تفعل ذلك لأن هذا الموقف وبهذه الطريقة يقطع الطريق على الاستفادة من الخير الذي عنده. أي إنك تتجاوز عن مثلبته هنا تقديرا لمناقبه الأخرى، فأنت لم تعطه الحق بالاختلاف ولكنك متعت نفسك بالتجاوز… وهذا امتياز لك على قومك، وليس امتيازا مطلقاً. وتشكر عليه.ولكن لمماً ليس إلا!
لم يتمكن ابن تيمية أن يدخل عقلي حتى أتعصب له، وأنا إذ أقرأ، لا أطلق عقلي وأمسح معرفتي السابقة لالتحق بمن أقرؤه، هذه القراءة المريدية لم ولن تكون عندي، وإلا لما كنت اليوم هنا أحاورك، مقدرا لك حقك في الاختلاف ومدافعا عن حقك في الوجود، بينما غاية جهدك مسحي عن الوجود، وربما (ضرب عنقي).
اختزل الغرب ما شئت يا سيدي، لولاه لما ألغي الرق، ولا تحرر العلم من سلطة الكهنوت، ولكنا إلى اليوم نتردد على نطاسي الخزعبلات الشعبية، ونتعلم في حلقات الكتاب: ب فتحة با ب ضمة بو ب كسرة بي…. ) .

فهذا الكلام مرسل ، لا يقال بمثل هذه التعميمة ، فإن شئت ان تناقش الأمر بالتفصيل فتفضل ، أما رمي التهم جزافا فليس هذا فقط مع ابن تيمية ، بل مارسته مع التاريخ الإسلامي كله، والتراث الإسلامي كله ، ومؤسساته المعرفية كلها ، محاولة للتشويه والتشويش ، ولذلك تفر من الدخول في تفاصيل الموضوعات .. لأن التفصيل هو الذي يصدق الدعوى أو يكذبها ..

نأتي هنا إلى فكرة ” الإنسانية ” من جديد ، وقد أشكل عليك قولي بأنها فكرة ” سخيفة ” ، وأنت ترى أني قلت أنها ” عقلية ” ، فكلمة ( عقلية ) يا استاذ مهيار لا تعني ” الصحة المطلقة ” ، فقد تقول فكرة عقلية ( إي من إنتاج عقلك ) وتكون أسخف من السخيفة ، وأذكر في هذا الصدد نكتة ذكرها الاستاذ علي الوردي في كتابه ” خوارق اللاشعور ” ، حين تستحكم الأفكار العقلية على الإنسان فيلسف كل شي ، ويرى انه فهم كل شي ، فهو يقول بان جده كان منطقيا للغاية ، فأتاه رجل وهو يدرس المنطق في حلقته ، فقال يا شيخ ، يقال بأن الانجليز صنعوا آلة من حديد وخشب تطير في الهواء ، فالتفت الشيخ المنطقي فإذا مطرقة حوله ، فألقاها في وسط الحلقة فقال: هذه مصنوعة من خشب وحديده أتراها تطير ؟ فقالوا : لا ، قال إذن الأمر كذب في كذب

أنت هنا تقر بأن ” فكرة الإنسانية ” فكرة غير ناجزة ، ثم تريدني أن أتبناها وأتبعها ؟ مع أني أعرف من تجربة التاريخ والواقع أن الإنسان في أصله ” ظلوم جهول ” ، والتجربة التاريخية تدل على أن الصراع هو جزء من الطبيعة الإنسانية ، ونصوص الشرع واضحة في هذا بدلالتها الأولية ، ويحلم أولئك الذين سيجمعون الناس تحت مظلة ” الإنسانية ” لتذوب كل فوارق التاريخ والجغرافيا والثقافات ، فهذه من الأفكار الهذائية التي لا يصدقها العقل ، ولم تقع عن الواقع ، ومن يقرأ سنن التاريخ سيدرك انها لن تقع .. والنصوص الشرعية جاءت لترتيب ” التعامل ” مع الناس ، العدو والصديق ، المؤمن والكافر ، والموالي والمعادي ، من خلال قواعد كلية حاكمة ، وهذا الذي يهم ، وليس المقصد هو أن ننتقل من حل مشكلاتنا العالقة لندعوا العالم إلى ان يتحد .. فهلا أحسنت تعاملك وقولك معي قبل أن تحسن تعاملك مع الإنسانية كلها ؟

تقول لا شي الآن مرشح للتوسط بين البشر كالليبرالية ، فهل استطاعت الليبرالية ان تصلح أهلها ؟ ألم تقع الحربين العالميتين بعد فلسفة الأنوار مباشرة وترسيخ قيم الليبرالية ؟ هاهي أمريكا راعية الليبرالية العالمية كيف لم تستطع أن تحل أي مشكلة من مشكلات البشر وهي تفتك بالناس فتكا ؟ أنت تتعامل مع الليبرالية بتيه وهيام يغطي عنك حقائق التاريخ والواقع ..

ثم إني لا اتبرأ من سلفيتي ، ولكني أريد أن تحاكمني إلى فهمي أنا للسلفية لا فهم غيري ، حتى لا أحاكم ليبراليتك من خلال بعض الليبراليين في هذا المنتدى ، وصدقني أنني ناقشت أناسا من الجماعات الإسلامية ومن الجماعات القتالية السلفية ، ومن الصحويين ، فلم أجد كبير فرق بينك وبينهم في مسألة التعاطي مع قضايا الحوار ، وإني أجزم اني أقرب إلى قيمة التسامح منك ، وأنت الليبرالي الرابض على فكرة الليبرالية ، لأننا وللاسف في السعودية ” المكائن وحدة ” وإن اختلفت الأفكار ، وتسيس الخطاب والتعبوية ، والهجائية والتحريض حاضرة في الخطاب الإسلامي والليبرالي على حد سواء ، فإن كنا نريد أن نتقدم خطوة إلى الأمام ، فليصدق القول العمل ، ولنطبق قيمنا حقيقة ، فأنا لا يهمني أن تعتنق أي فكرة ، وإن كنت أتمنى أن يسير الناس على طريقتي لأني لست نسبيا في أفكاري الأصولية التأسيسية ، وأتقبل الخلاف في موارد الاجتهاد والظن في مسائل العلم والعمل والسياسة والأفكار ، وهذا كله لا يعارض حملي للفكرة السلفية ، وأرى أنها اوسع وارحب من ممارستها المعاصرة ، ولولا أني على ثقة بصلاحيتها لما جلست فيها ساعة ، وحواري معك هذا ليس حوارا سياسيا يحتاج الانسان فيه الى البرجماتية والتعمية والالتفاف ، بل هو حوار فكري تصوري عقدي ، ولا يهمني قضية الواقع بقدر ما تمني التصورات التي أعتبرها دينا خالدا ، وموقفي منك هو في حدود مخالفة فكرتك لديني ، وأما مسائل الإصلاح ورعاية الناس وشؤونهم ، فهات يدي بيدك نتعاون فيها سويا ، فلا مشكلة عندي في التعاطي مع أي فكرة أرضية أو أي دين إذا كان يحقق للناس ما يصلح شأنهم .. وتبقى المسالة المعيارية التي تقتضي رفضي لكل ما يؤثر على قيمتي ، وهذا من باب التأسيس النظري ، أما من باب الممارسة السياسية فمعاييرها ومقاييسها غير ما ذكرت ، لأني لست رجلا سياسيا أتعامل مع الناس بموازنات المصالح ، فأنا رجل شرعي أتعامل مع الناس من باب الكلام النظري والفعل الفلسفي لا السياسي …

خاتمة مقالك تراجيدية مبكية ، فأنت المظلوم المظيوم ، وأنا الشرير والتابوتي المرتبص ، أنت تريد ان تقترب مني ، وأنا اريد أن احنطك بحنوط السلفية القتالة ، وهذا الكلام منك هو الذي يبعد المسافات بيني وبينك ، وكلامك هنا يدل ويؤكد على البعد النفسي الذي يتأكد لي مرة بعد مرة .. فحين كان يلهث الإنسان الأوروبي في البحث عن حريته ، كانوا يسمون عصورهم عصور الظلام ، وكان العالم الإسلامي يطفح بالمدارس العلمية ، وحرية البحث والعلم ، والتقدم الحضاري في كل المجالات ، فصارت أروربا هي التي أنتجت القيم للناس ؟ يا عزيزي ثق أن الوقت سيقنعك أن هذه القيم كلها سوف يدوسونها وقد داسوها في الأرجل إذا تعارضت مع أي مصلحة استعمارية متوهمة لهم .. فالقضية توازن قوى ومصالح ونفوذ.. والقيم آخر ما يفكر فيه الغرب ، ولو وجد الساسة الرأسماليون في أي وقت ان الحرية سوف تقضي على مصالحهم سوف يدسونها تحت أرجلهم ، لأن القيم تصدق في الأزمات ولا يدلل عليها في الرخاء ، فأين الحرية حينما كشفت أمريكا القناع عن نفسها بعد الحادي عشر من سبتمبر فصادرت كل الحريات بحجة حرب الإرهاب ، مع أن قيم الإسلام قيما مطلقة تقام على المسلم وغيره .. على القوي والضعيف ، في وقت السلم وفي وقت الحرب .. والله أنزل : ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ، فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) ، نزلت تقرع المؤمنين لانهم اتهموا يهوديا بالباطل .. فأنصفه الله وقرعهم لأن الحق والعدل ليس قيمة للتكسب والنفوذ ، بل هي قيمة ربانية عليا تسري على كل الناس بلا تمييز ولا عنصرية …

هناك نقاط تجاوزتها لأنها ليست موضع خلاف ، فالاسلام النصوصي لم يدع أن الافكار البشرية خالية من القيم هذا اوافقك عليه ، ولم أدع أن النصوص الشرعية جاءت شارحة لكل شي ، بل هي جاءت بقيم عليا ، ومتممة للقيم البشرية التي أقرتها الشريعة وبينت مشروعيتها .. وكل حق عند غير المسلم فهو حق شرعي .. والله اعلم !

مهيار

د استفهام..
سرني ردك الأخير في أشياء وإن كانت قليلة، فأنت تتزحزح شيئاً ما، ومن يقرأ ردك الأخير يلمس الكثير من التسفيه لي، وليس هذا بذي شأن، ولكن يلمس أيضاً تغيراً واضحاً عن مبتدئك في هذا المنتدى، وهذا أمر حسن، وبذرة طيبة، وحقيقة إن كسب رجل مثلك من خلال الإقناع سيكون أمراً إيجابياً لأنك على الأقل تجيد مخاطبة دائرة واسعة حولك.
لم تكن المشكلة بيني وبينك مشكلة فلسفية، بل كانت في الموقف من الفلسفة، ولم تكن المشكلة دينية، بل كانت في فرض الدين أو الرؤية الدينية الخاصة، ودفاعي عن الليبرالية لا يعني أنها دون أخطاء أو لم ترتكب باسمها حتى الجرائم، فجموع الغوغائيين الذين أفرزتهم ثورة الحرية الفرنسية مثلاً، أرهقت الدماء وصبغت تاريخ فرنسا بالمزيد من القتل، ولكن ما يعنيني من المنهج الليبرالي يا أخي، أنها تسعى لتنقية واقع الفكرة من خلال تطوير الفكرة ذاتها، واليوم تنطوي الفكرة الليبرالية على رؤية أعمق بكثير من كل الرؤى حتى الدينية منها، وهذه مسألة لا علاقة للوحي بها، الوحي تحيط به قراءات، وهذه القراءات هي رهن معرفتها وشرطها، لذلك على التفسير أن يتطور، وعلى فقه النصوص إلا يكتفي بمعرفة مختزلة، وفي الحقل الإسلامي تطور التفسير حقاً، وتغيرت الكثير من تأويلاته مع إطلاع المسلمين على المزيد من الحقائق العلمية والكونية، وهذا التطور تم بتأثر واضح بمنجزات ليبرالية وعلمانية تمت في رقعة القيادة الحضارية في العصر الحديث، ولم يجد المفسر مشكلة في الانصياع لمفاهيم فلكية كونية أو تشريحية طبية أو غير ذلك… مع أنه قاومها بداية. وهذا أمر محمود في مجمله، وإن كان يمارس أحياناً بطريقة لا تلائم رؤية الرسالة الإسلامية، فالقرآن ليس كتاب جغرافية ولا فلك ولا حتى تاريخ، هو نص كوني مفتوح على الزمن ليحمل المعنى الأسمى والأسنى، وليبقى كذلك يجب أن لا يحده معنى صارم أو ملزم، وهذا لا يعني أن المعنى سيكون سائباً، فالنص قد وضع معايير للاستنباط منه، وهذه المعايير بحد ذاتها قابلة للتعديل، الشيء الوحيد غير القابل للتغيير، هو القصدية، فتفسيره يحكمه المقصد، وتدبيره يحكمه التمكن المعرفي الذي تختلف عناصره مع تقدم المعرفة، فصفعة الحداثة التي تلقاها العالم الإسلامي مع نزول عسكر نابليون بر مصر ومعهم المطبعة، أفرزت فيما بعد جهودا تفسيرية وفقهية جادة بخصوص المسائل العلمية، خاصة التي كانت تتطلب معرفة علمية، ولكن المفاهيم الاجتماعية كانت تلقى الصدود، لأنها مفاهيم يحتاج برهانها إلى أجيال، أو تستنبط من خلال قراءة تاريخية تتسم بالوعي وإعمال الفكر والعقل، لذلك أنت تتقبل بسهولة أوفر منتجات الليبرالية، فتخاطبني اليوم عبر وسيلة حضارية متقدمة، وتجد أزمة في تطوير أدواتك المعرفية والاجتماعية، فتنقم علي لأني أميل إلى منهجية ليبرالية، بزعمي أنها جديرة بأن يستفيد منها المسلمون.
ما تراه هشاشة، هو حقاً منهجي، فأنا لا أقدس الفكرة، ولكني أجربها إذ ألمح فيها خيراً، وإذ يتبدى لي خطأها لا أكابر ولا أستبد، بل أكون أول من يلقيها خلف ظهره، وهذا المنهج ليس خروجاً من نسقي المعرفي، بل هي في صلبه، إذ تستهويني الفكرة الأعمق، ومسيرة البشرية، هي في انتقال مستمر من فكرة إلى فكرة، وهذا ما جعل الرؤى تتعدد حتى في بواكير الإسلام دون أن تتصادم بالضرورة، وفي ظني أن السياسة هي التي جعلتها تتصادم، ولا أقصد السياسة من حيث كونها تنظيماً لعناصر المجتمع في إطار مجتمع له قوانينه وناظمه، إنما السياسة التي تحزبت لفئة أو عرق أو لشخص حتى.
وأبارك جهدك (النتي) الرامي إلى التحذير من التكفير، ومواجهة التكفيريين، ولن أسأم مناقشة الأفكار، حينما تكون الفكرة هاجسك، وسأبين لك المزيد من سمات الإسلام المؤسسي، حتى لا يختلط عليك الأمر وتظنني فرقياً، لم أجعل الإسلام المؤسسي دالة على فئة بعينها ولا مدرسة بذاتها، وهي تتفاوت في شدتها في المدارس الفقهية والفكرية، ولكنه مصطلح جامع لكل رؤية تمنع الإنسان من بناء رؤيته الخاصة، وتمنعه من الخروج على نسقية التعاطي مع النص المقدس والمرجعية، أو ترفض ما يستجد من جهد انحيازاً لجهد بشري سابق، ولو قرأت ردودي السابقة لوجدت أن صفة (المؤسسي) أطلقتها على كل الاتجاهات الراديكالية والأرثوذكسية، فكل تزمت ينطلق من إطار مؤسسي، سواء أكان تزمت في سبيل السماء أو سبيل الأرض، في سبيل فضيلة مفترضة، أو رذيلة مشتهاة، هو كارثة، وأم الرذائل هي الذهنية التي تمنع العقل أن يبحر خشية الانحراف. فحتى النص الإسلامي الأصل يرفض ذلك، مبيناً أن النافع يمكث في الأرض.
لا بأس طالما وجدت مخرجاً لانقطاع الأعناق، فهذا يطمئنني على عنقي منك، وأرجو ألا نموت من طول الطريق.
يا سيدي، أنت تود مني إسلاماً مقترحاً، واسمح لي أن أكرر لك ربما للمرة العاشرة، ليس هذا صلب حواري معك، إن رغبت في ذلك، حينها نفرد له بحثاً منفصلاً، ولكن بعد أن نتفق على لغة موحدة، ونتفاهم في مسألة الرؤية وزاويتها، مع تحديد الأطر الحوارية التي ننطلق منها، لنكون على مائدة مستديرة وواسعة، وكل منا يقر بحق الآخر في الاختلاف، وحين نضمن بأنك لن تنصب نفسك كمرجعية عليا، أو تنصب فهمك للوحي مرجعية عليا.
أنا لست هنا لأقترح إسلاماً معيناً أراه، ولست في وارد ترجيح مدرسة على أخرى، إنما أحاورك اليوم من أجل أن نتمكن سوية من الاستفادة من التجارب الإنسانية الحديثة والرؤى الفلسفية الأكثر معاصرة، ونظريات القراءة الراهنة بخصوص المقدس والتراث والتاريخ والواقع، بل حتى الدراسات المستقبلية: هذا الحقل الغائب الذي لا يؤخذ بجدية بسبب الإغراق في الماضي.
المسألة في تهيئة أنفسنا للخروج من التصنيفات التي انقضت بانقضاء ظرفها، فنحن اليوم لسنا المدينة يتربص بها كفار قريش، ولسنا دولة الرسول (ص) يتربص بها أعراب وفرس وروم، الواقع تغير والظرف لم يعد الظرف نفسه، ومسائل العلاقات بين الأفراد والجماعات بات لها منظور مختلف كلية، وثمة سمات تحققت في ظل ثقافة إنسانية عامة، لا تتيح خياراً عقدياً أو فلكلورياً بخصوص الكثير من المسائل، كالرق والاستبداد وتقييد حرية التعبير عن الشخصية والآراء…وإن حدث ذلك، فواقعنا المستجد معني بمحاربة كل تجلياته. فقهنا لم يعد بمقدوره أن يحيا بمعزل عن الحراك الإنساني ليقرر ما يشاء في مسائل هامة تتعلق بحرية التعبير وحقوق الإنسان، وتصنيفات الصالحين والطالحين في الدنيا… لابد لنا أن نتحرر من فقه استبد بالمعنى، لنتيح العودة لمن أراد أن يعود إلى المعنى الأول، دون وصاية منا، ودون احتكار، ويكون فلاحه حينئذ فيما يقدم من نفع لا ما يقدمه من استئثار من سلطة.
نعم عندما تحاججني بأدواتك المعرفية، وتجعلها حكماً بيني وبينك، فأنت تمارس وصاية علي، علي أنا كائناً من كنت، بغض النظر مذهبي وديني وإيماني. العلاقة بيننا يجب أن تتطور وإلا بقينا رهن تعصبنا، ومارسنا حالة مؤسسية، لا تقبل إلا المنضوين.
الوصاية عندي لا تعاكس التسامح، بل إن التسامح قد يكون من نفس نسيجها، فأنت إذ قلت: أن الإسلام كان متسامحاً إذ سمح لأهل الكتاب البقاء على دياناتهم واعتقاداتهم. تكون قد مارست وصاية، ومارست سلوكا ًمؤسسياً على من لا ينتمي إلى مؤسستك، لأن الأصل في الأمر في حرية العقيدة، وعدم إرغامك للآخر على تغيير عقيدته كرهاً، هو واجب حثيث تقوم به دون منة أو فضل، وهو فضلك على نفسك قبل أن يكون فضلاً على الآخر. إنها مسألة بنيوية هامة لابد من إعادة البحث فيها إذا كانت عوالقها لا تزال تستشكل علينا. فأنت تتسامح فيما تملك لا فيما لا تملك الحق فيه، وبقاء الآخر على اعتقاده ليس ملكاً لك حتى تتسامح فيه. هذا ما يدفعني أن أقول أن التسامح بحد ذاته مفهوم غوغائي ومؤدلج، وهو كذلك ليس في ثقافتنا فحسب، بل في كل الأديان والإيديولوجيات التاريخية… ماذا أفعل إذا كان أول من حاول تفكيك التسامح هو جون لوك، هل أرفض ذلك فقط لأنه غير مسلم، لا أظنك تقول ذلك وأنت على ما أنت من تفكر على الأقل.
قد تحاججني بأن الإسلام تميز عن باقي الأديان والمذاهب بتسامحه، وهذا أمر غير حقيقي، تاريخياً وفقهياً وواقعاً… وإن كنت أجد له أبوابه في قراءتي للإسلام في أصوله وبعض إضاءات مراحله. فغير المسلمين في المجتمع الإسلامي تعرضوا لأشكال كثيرة من التمييز الشديد أو البسيط وبطرق متعددة، وإلى اليوم لا يستطيع فقيه مسلم أن يتحرر من ذلك الفهم المؤسسي دون أن يلقى هجوماً كاسحاً، بربك قل لي: لماذا من حق خمسة مسلمين يعيشون في بلدة مسيحية بالكامل في الغرب أن يشيدوا لهم مئذنة، ونحن تقوم الدنيا ولا تقعد لأن قطر سمحت ببناء كنيسة لجاليات مسيحية كبرى تقيم على أرضها. أينا أصلح في فهم الإنسان، الغرب الليبرالي الذي لا يجد مشكلة معك حتى في دعوتك الدينية، أم الفقه المؤسسي الذي يرفض أي ممارسة طقوسية أو تعبدية أو فكرية للآخر ليس الكافر فحسب بل حتى الديني. قل لي يا سيدي لماذا تخلو طهران من مسجد صريح للسنة، وتخلو الرياض وبعض المدن الأخرى من حسينية بلقاء للشيعة…أليس محمل هذا الأمر محمل فقهي مؤسساتي…مع أن كلا الطرفين من وارثي الإسلام، ولهما نفس العمق التاريخي في العقيدة والمكان.
لم أذكر لك في ردودي السابقة ولو عرضاً كلمة تسامح، ومع ذلك جئتني بها وحملتها تعريفاً على لساني على أنها مقابل الوصاية، أي منهجية اتبعتها وأنت تقولني هذا، أم أنك كشفت عن قلبي. ومع ذلك أسمع نصيحتك دوماً وقبل أن تنطق بها، وأراجع ليبراليتي دوماً وشكرا لك على هذه (التذكرة).
أنا لا أستخدم كلمة (كل) حتى لو كان لو كان الأمر عاماً وشائعاً ومطبقاً، إنما أقصى مساحة أعنيها هي (معظم)، ذلك أن الاستثناء موجود دوماً. وأنا ما زلت على زعمي إن الإسلام الأوربي يتقدم في بعض جوانبه على إسلامنا، ولكن معظم الحراك الإسلامي انشغل بالمسائل الفرقية لذلك انشغل عن تجديد الفكر، وعاد ليستغرق في القضايا الخلافية التاريخية ويستغرق فيها أيما استغراق. لذلك لا أطرب فرحا ولا أرقص طرباً لأشقر بعين زرقاء دخل في الإسلام، ربما يكون قد دخل ليكون أداة للقاعدة في تفجير مراكز المدن، وقتل العزل… أن يهمني أن ينتشر المفهوم الإبداعي والحضاري للإسلام كعنصر من عناصر بناء المجتمع العالمي اليوم، الإسلام التواصلي الذي يتفاعل مع الأنماط الأكثر إنسانية اليوم للعلاقات داخل المجتمعات وخارجها.
وصلت للتشكيك بمنطلقي من الإسلام، ولك ذلك، فلست وصياً على ظنك، ولن أناقشك في هذا ولا في معرفي (الشبحي)، والذي هو معرف يخضع لاعتبارات كثيرة غير التي في ذهنك، على أية حال أنا أرى هذه الحالة الشبحية يا دكتور (استفهام) مفيدة جداً لبناء تصور أجدى، ولتمرن نفسك على تواصل إنساني دون الركون إلى دائرة ضيقة تضيق علينا، فقد أكون من الأشراف ومن أبناء عمومتك يا سيدي، ولكن لا يعنيني هذا الأمر كمتكأ للفكر… فهل تعجز حينها عن التواصل معي، وبيان منطقك أمامي. أم أنك لا تستطيع ذلك بمعزل عن فهم معين للوحي؟!
أما في قراءتك لحديثي عن أعداد الداخلين في الإسلام في أوربة، فهي قراءة منفعلة جداً، لذلك أتمنى عليك أن تعيد النظر فيما قلت، وأن تعيد القراءة أكثر من مرة فقد يصلك المعنى الذي اقصد، أما أن تهتاج علي من خلال تقويلي ما لم أقل فتلك آفة مؤسسية لا برء منها.
تتهمني بالاستقواء وها أنت تستقوي بالصحابة، وتجعلني عدوا لهم، يا سيدي الفاضل، لهم مكانتهم عندي ولست بصدد تفصيلها أمامك، وأنا لا أرفض اجتهاداتهم ولا اجتهادات من تبعهم، ولكني أراهم بشراً لا يرجمون بغيب، ولا يطلعون على حال الأمة بعد ألف عام، وليس لي مشكلة معهم تحديدا ولا من تبعهم من الفقهاء والمفسرين على اختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم وآرائهم، أنا مشكلتي هي معك عندما ترتهن لفقه مضى زمانه ولأحكام انقضى عهدها، ولأدوات معرفية أدت دورها في وقتها، ولكنها ما عادت تصلح وحدها لإدارة المعنى وتجديد الإسلام. أنا مشكلتي هي معك ليس عندما تنتصر لمدرسة معينة، ولكن عندما تسفه المدارس الأخرى وتستهزئ من العقائد الأخرى، وخاصة عندما يكون ما تهزئ منه متوفرا في عقيدتك، وذكرتني بفقيه أقل منك ثقافة قال لي عن الهندوس أنهم على غباء شديد لأنهم يتصورون أن مياه الغانج تمنحهم البركة، فقلت له: وما ترى أنت في مياه زمزم؟ قطب جبينه، وزم شفتيه واستغفر ربه وحوقل وبسمل قائلا: كيف يخطر لك أن تقارن مجرد المقارنة!!
يا أخي لماذا تفترض المراوغة، جهبذيتك وقدرتك على حوار النصارى واليهود والبوذيين و(الرافضيين) لماذا تقصر عن مناقشتي في بضعة مبادئ إنسانية، لست بصدد محاججة إيمانية، ولا مقارعة دينية، ولست أحمل إليك دينا أو مذهبا أقارعك به، كل ما أتمناه أن تقول لي بصريح العبارة: أنك لست الوصي على الإسلام، وأنك اليوم وغداً ترى أن من حق أي امرئ أن يعتقد ما يشاء، وأنك تتفهم حرية التفكير والتعبير، حتى لو كنت غير راض عنها في داخلك.. يا سيدي صنفني منذ اليوم كمرشح لجهنم آخرتك، وتفنن في تصور أنواع العذاب التي سأكتوي فيها، ولكن فقط لا تدخلني جهنم وأنا في حياتي الدنيا، ولا تقضي علي بحدودك الإيمانية ولا على بواطني العقدية، واتركوا لله دوراً، أليس هو مالك يوم الدين؟
أنا لم أناقشك بحيض ولا نفاس، ولا بحكم جلسة الاستراحة، ولا بالمواريث والأقضية والأنكحة، أنا فقط أقول لك: إن لم يكن بك رغبة للاستفادة من الجديد من المنجز الإنساني في الحقول الفلسفية والاجتماعية، دعنا نستفيد نحن، وعش قطيعتك الاجتماعية والمعرفية كما ترغب دون أن تفرضها على غيرك! فهل هذا ممكن؟
أحكم عليك بظاهر قولك فتتهمني بالافتراء، ومع ذلك لا تجد حرجاً من ان تتدخل في طويتي ومضمري وعللي النفسية المستحكمة بنظرك.
بعد كل حديثنا تعود للقول : (يا أخي الكريم .. أنت لم تبين الوحي لا بالمعنى الواسع ولا الضيق ولا النصف كم ، أنت اصلا لا تريد طرق هذا الموضوع من أصله ، لأنك لا تملك أصلا النظرة لهذا الموضوع). وتتبجح بقول مغرور مستفز : ( وتعرف الاشكال المعرفي لو دخلت فيه ).
لن انجر إلى استفزازك هنا… وسأترك الأمر لمن يعقلون.
أخي الكريم أنا لا أحاكم لا الضوابط ولا منتجها وفق فهم معين، أنا فقط لا أنغلق على أدوات المعنى، لأن هذه الأدوات بحد ذاتها تحتاج إلى تطوير وتفريع وتوسع في الفهم، ودراية تنمو باضطراد.
تحاضر لي في العقل وأنا الذي بينت لك موقعه ومكانته في ردودي الأولى، بل إنك تكرر بعض ما قلته، على أنك ترد علي، على أية حال عد لحديثي عن العقل لتدرك أني لم أقدس العقل، بل لم أرفعه إلى مستوى النص المقدس، بل وضحت لك مراراً انك لا يمكن أن تحكم الوحي عبر عقل ملزم، لأن النص مفتوح ولا نهائي، والعقل منهجي ومقصور على وسائله ومعارفه، وهذا سبب رفضي لمؤسسيتك، فأنت تجعل عقلاً تاريخياً يحكم نصا أزلياً، وهذا ما أرفضه، لأنه إسباغ للقداسة على العقل، دعوتي لحرية العقل لا تعني تقديسه، وإذا كان هذا فهمك فيا للأسف… لأن هذا الفهم مشكلة، أنا أدعو إلى تفعيل العقل هذا صحيح، ولكني لا أمجده أما أنت فتدعو على تسفيه العقل وأنت تمجد عقلأً غابراً أدى دوره في حين مضى.
أشكرك على نكتة الوردي، ,اقدر لك أن تقرأ هذا (الرافضي) وأن تستشهد به، فهذا يمدني ببعض الأمل أن تتقبلني أيضاً ذات يوم، ولكن نكتته ضد ما تقول أنت وليس ما أقول أنا…
ما من فكرة ناجزة إلا في عقل مؤسسي، كل شيء قابل للتغيير والتجديد، حتى الدين الحق لم يكن ناجزاً في يوم من الأيام، فكل يوم هناك مسائل جديدة، وكل عصر لابد من تجديد جديد، والتجديد لا يتجه نحو الأحكام وحدها إنما يتجه نحو الأدوات المنتجة لهذه الأحكام.
من خلال قولك أنا أرى أنه بات لزاماً عليك أن تنافح عن سلفيتك وتبينها لنا حتى لا نظلمك، مع أني حقيقة لست رافضا لوجود السلفية أو سواها، ولست رافضاً حتى لحياة بن لادن في كهوف تورا بورا، تلك حريته ذاك اختياره، إلا أنني أرفض التكفير و التدمير والتسفيه والتعالي. على أية حال يسرني أن تكون أقرب للتسامح مني مع أن التسامح مفهوم استعلائي، وما كنت أتمناه أن تكون أقرب إلى التفهم أكثر مني… فلست أدري علامَ تسامحني، وتتسامح معي!
على أية حال أنا أتقبل منك حديثك العمومي عن سلفيتك وأرى فيها إنجازاً طيباً تستحق الثناء عليه حتى ولو كان مجرد أفكار لم تتكرس كسلوك، فهي واعدة ومبشرة بتفهم أوفر.
وأحيي يدك الممدودة للتعاون، طالما لم تفرض علي يقينك، لكن سنتعاون من اجل واقع أفضل للجميع وليس لفئة دون سواها. اترك عنك التحليل النفسي والرجم بالغيب والقراءة من وراء حجب… لست مستلباً للغرب بقضه وقضيضه، ولي نظرة نقدية حول الاستشراق والكولونيالية والرأسمالية وكل الحراك السياسي والتاريخي، ولكن حين البحث في الفكرة الليبرالية أجد أن محاكمة هذا الغرب تغدو أكثر دقة، من مناهج ترتكب ربما أموراً لا تقل عن فظاعة ما ارتكبه الغرب.

د . استفهام

كلما زاد الحوار مع الأخ مهيار ، كلما إزدادت ضبابية ما يريد قوله ، وما ينتقده على غيره ، وكأن الأخ مهيار دخل في الحوار ليقول شيئا في نفسه ، ويفضفض ، وقد فعل ، وهذا حقيقة يسعدني أن نجد من التيار الليبرالي من ” يصرح ” بموفقه من خصومه ، ولكني كنت أرغب من الأخ مهيار أن يكون أكثر وضوحا في ما يريد حتى أستطيع أن أتعاطى معه ثقافيا ، فوضوح المنطلقات والغايات والمنهج مهم في أي حوار ، وإلا صارت الأمور إلى غير ما ترغب الأطراف المتحاورة ، بل والمتابعين للحوار .. ولذلك لا أرغب أن يقول المتابعون بأننا قلنا كلاما كثيرا ، لكننا في نهاية المطاف لم نقل أي شي !

الأخ الكريم مهيار يمارس وصاية .. لكنها ليست وصاية علي ، بل وصاية على عقل المتابع ، فهو يوهم أن ” دكتور استفهام ” ولله الحمد قد حصل له تغير بسبب حواري له ، وهذا يعني أنني استطعت أن أتفوق عليه ، ولذلك وضع جملة ” مشعل الليبرالية ” التي تبين تفوقه في هذا باللون الأحمر .. وأنا حقيقة لا أحب في حواري مع أحد أن أبين تفوقي عليه ، ولا تفوقه علي ، أريد فقط أن نستفيد جميعا … فلا أنا املك إعلان الانتصار ولا الأخ مهيار كذلك .. والناس تفترق في الموقف من الحوار بناء على منطلقاتها الايديلوجية والثقافية ..

ثم إن طبيعة مثل هذه الحوارات ليست داخلة في باب ” المناظرة والجدل ” التي ينقطع فيها خصم من الخصوم عن الإجابة ، بل هي تثاقف ونقاش أكثر منها جدل ومناظرة وحوار ، وخاصة حين يكون الذي أمامك لا يرغب في أن يبين بالضبط ما ينتقد عليك ، بل هو يقوم ما يتوهمه منك ، وهذا هو السمة الغالبة في معظم ما قاله الاستاذ مهيار ..

في رده الأخير يبين مهيار نقطة ” الخلاف ” بيني وبينه بطريقة عجيبة .. فهو يقول : ( لم تكن المشكلة بيني وبينك مشكلة فلسفية، بل كانت في الموقف من الفلسفة، ولم تكن المشكلة دينية، بل كانت في فرض الدين أو الرؤية الدينية الخاصة ) .ولا أدري هل موضوعي الأساسي هو في ” الموقف من الفلسفة ” ؟ وأين جرى الحوار حول الموقف من الفلسفة فيما مضى ؟ ثم يعقب هذا بأن المشكلة كذلك ليست في ” الموقف من الدين ، بل في فرض الدين والرؤية الدينية الخاصة ” ، وكل هذا لم نتطرق إليه من قبل .. وهذا جزء من ” التيهان ” الفكري الذي يعانيه الأخ الكريم – ولا أرغب أن يفهم من كلمة ” التيهان ” أنها مسبة ، بل هي وصف حال ولي أدلتي عليه من خلال ما مضى .

أما قضية ” الموقف من الفلسفة ” ، فأنا لم أبين موقفي منها ، ولم أعلن رفضي لها ، بل إني أرى ان الفلسفة هي من نتاج ” العقل البشري ” ، وهي تأمل في الكون والإنسان والحياة ، وهي في أصلها عملية ” عقلية ” تأملية ، تؤتي ثمارها في مجالات ، وتفسد العقول في مجالات ، ولم يدع أي أحد من الفلاسفة أن كل نتاجها صالح ، وإلا لما اختلفت المدارس الفلسفية في كثير من مجالات المعرفة الإنسانية ، فلا شك أن الفلاسفة أهل عقول نافذة ، حتى أن ابن تيمية والذي ألف في نقض المنطق والرد على الفلاسفة ، وكان هذا من سمات مشروعه العلمي الكبير يقول : ( والقوم – أي الفلاسفة – لولا الأنبياء لكانوا اعقل من غيرهم : الرد على المنطقيين 147 ) ، والموقف السلفي من الفلسفة لم يكن هو موقف من ” العقل والتعقل ” ، بل كان من اعتبار الفلسفة مصدر هداية في الإلهيات بعد أن جاءتهم النبوة ، وكذلك اعتبار المسائل الفلسفية والمنطقية هي ” معيار ” للوصول إلى الحقائق والتصورات ، وهذا الأمر أشكل بشكل كبير في مسائل الاعتقاد التي شطت عما كان عليه المسلمون في زمن النبوة ، بناء على حاكمية المنطق على الدين ، وخاصة أن الفعل الفلسفي التاريخي إلى بدايات عصر النهضة كان يحمل بعدا لاهوتيا ، وبحثا ميتافيزيقيا ، ولم تكن الفلسفة لانتاج الحضارة المادية أو ابداعاتها المدنية والنهضوية ، بل إن النهضة الحديثة ، بل إن ابن تيمية ( وهو العقل السلفي الذي طارح الفلاسفة ورد عليهم وهو يعتبر منظر السلفية الأول ) تجاوز اللاهوتية الفلسفية إلى ” الإغراق ” في الجانب الحسي ، فهو كان ينتقد قصور الفلسفة على المسائل العقلية وحصر مسائل المعرفة فيها ، وإهمال مصادر المعرفة الأخرى مثل الحس ، وحتى الفلاسفة الذين خاضوا في الإلهيات أقروا بالتيه الذي اعتراهم والشك الذي أثر على إيمانهم ، وهم لم يضيفوا للبشرية في هذا إلا مزيدا من الشك والتيه ، وأما نتاج الفلاسفة في العلوم الطبيعية فلا يوجد نص سلفي واحد يقف أمام هذا الانتاج أو يستفيد منه ، لأنه من ” العقل الصريح ” الذي تتفق عليه عقول البشر ، ونتائجه تأخذ صفة القطع ، ولذلك كان من نتاج إزاحة الفلسفة القديمة والدخول في عصر الفلسفة الحديثة والتي تعتمد على المنهج التجريبي الأثر الفلسفي الأبرز في تاريخ البشرية على يد بيكون الذي هاجم الفلسفة التقليدية ، ولم يقف أحد من علماء المسلمين إلى ” الاستخدامات المفيدة ” للفلسفة والمنطق والمنهج التجريبي ، فقط الموقف من اقتحام الفلسفة مجالات الالوهية والشريعة التي تقف أمام النص الشرعي .

وأما ما ورد في منهج السلفيين في الموقف من الفلسفة فهو موقف خاص لأحاد لا يشكلون المنهج الكلي ، وكان منطلقهم في ذلك منطلق ” مصلحي ” ، وخاصة حين تلج الفلسفة في مسائل العقيدة والأسماء والصفات وحد الإيمان وغيرها من المسائل المستقرة عقديا ، وتشغب عليها ..

أما فيما تخالفني فيه في الفقرة الثانية وهي : ( فرض الدين ، والرؤية الدينية الخاصة ) ، فلا أدري حقيقة عن قصدك في فرض الدين ، وما أدري ماهو موقعي عندك في قضية ” فرض الدين ” ، فأنا هنا لم أدخل بحزام ناسف أو قنبلة عنقودية أفرض رؤيتي على أحد ، ولم يشهد التاريخ الإسلامي كله أن أدخل أحد في الدين عن إكراه ، بل كانت الأمم تدخل في الإسلام من خلال أخلاق أتباعه ، ولم يقم في التاريخ محاكم تفتيش على ضمائر الناس وأديانهم كم عند غيرهم ، فإن كنت تقصد بــ ” فرض الدين ” دعواي بصحة أقوالي وقناعتي التامة بالمنهج الذي أحمله ، فانت هنا تمدحني ولا تسبني ، وكما قيل :

عيرت بالشيب وهو وقار ** ليتها عيرت بماهو عار

فأنا حين أقول بأن الرؤية السلفية هي الرؤية الصحيحة لفهم الإسلام فانا هنا أعتقد هذا عقيدة لا تتزحزح ، ومن يعارضني في هذا لابد أن يعارضني علميا ، وهذه القناعة لا تعني أنني ” أفرض ” الرؤية الخاصة ، بل إني أنافح وادافع عنها ، وأبين خطأ ضدها ، وأعتقد أن ” الليبرالية ” تعطيني هذا الحق أكثر من غيرها ، فأنت مرة لا تنكر علي حملي لهذه المفاهيم ، ومرة تنكر علي ” فرضي ” لهذا ، فإن كنت تقصد بالفرض الوثوقية فاعتبرني هكذا ، وأما إن كنت تريد أن تدخلني في عدد أهل الهشاشة في الأفكارالذين يرون أن كل فكرة يقولها وكل عقيدة يعتقدها هي على شفا جرف هار فلن أوافقك عليه ، وهذه من أخطر إفرازات الليبرالية التي تقوض الأخلاق والقيم والأديان بدعوى النسبية التي تسلب الانسان كينونته في الحياة ، فالإنسان الحر هو المستقل بالتفكير ، الواثق بما يحمل من أفكار ، فحتى الفلاسفة لو كانوا بهذه الطريقة لما قدموا للناس أي فكرة ، ولما نافحوا وناظروا عن معتقداتهم ، وخاصة في قضايا الأفكار الإصلاحية ، إذ لا يمكن لأي مصلح أن يتقدم خطوة للأمام وهو رجل متشكك فيما يحمل ، هش في رؤاه ، فمثل هذا لا يصلح للحياة ، فضلا عن صلاحيته للإصلاح وتغيير الأفكار ..

أنا حرصت على بيان هذا الأمر رغم عدم قناعتي بأن هذه هي نقطة الخلاف بيني وبين الأخ مهيار ..

يقول الأخ مهيار :

(فالقرآن ليس كتاب جغرافية ولا فلك ولا حتى تاريخ، هو نص كوني مفتوح على الزمن ليحمل المعنى الأسمى والأسنى، وليبقى كذلك يجب أن لا يحده معنى صارم أو ملزم، وهذا لا يعني أن المعنى سيكون سائباً، فالنص قد وضع معايير للاستنباط منه، وهذه المعايير بحد ذاتها قابلة للتعديل، الشيء الوحيد غير القابل للتغيير، هو القصدية، فتفسيره يحكمه المقصد، وتدبيره يحكمه التمكن المعرفي الذي تختلف عناصره مع تقدم المعرفة، فصفعة الحداثة التي تلقاها العالم الإسلامي مع نزول عسكر نابليون بر مصر ومعهم المطبعة، أفرزت فيما بعد جهودا تفسيرية وفقهية جادة بخصوص المسائل العلمية، خاصة التي كانت تتطلب معرفة علمية، ولكن المفاهيم الاجتماعية كانت تلقى الصدود، لأنها مفاهيم يحتاج برهانها إلى أجيال، أو تستنبط من خلال قراءة تاريخية تتسم بالوعي وإعمال الفكر والعقل، لذلك أنت تتقبل بسهولة أوفر منتجات الليبرالية، فتخاطبني اليوم عبر وسيلة حضارية متقدمة، وتجد أزمة في تطوير أدواتك المعرفية والاجتماعية، فتنقم علي لأني أميل إلى منهجية ليبرالية، بزعمي أنها جديرة بأن يستفيد منها المسلمون. ) .

فالاستاذ مهيار يعتبر ” القرآن ” نص قرآني مفتوح ، ثم هو لا يريد المعنى الصارم له ، وفي نفس الوقت هو ليس سائبا ، ثم وافقني – ولله الحمد – بأن هذا النص وضع معايير الاستنباط ، ولكنه يرى أن هذه المعايير قابلة للتعديل والتغيير ، وهو في الأول يرى أن إنكاره الشديد على ( الإسلام المؤسسي ) هو في أنه ينظر للنص من خلال معايير الاستنباط ، ولقد حار فكري مع الاستاذ الكريم ، فهل هو ينكر وضع المعايير في الأصل ، ويسميها ” الإسلام المؤسساتي ” ، أم هو يوافق على ان النص ينتج معاييره الخاصة التي تكبح انفتاح معناه وسائبيته ؟ أم ينكر أن هذه المعايير جامدة لا تقبل التغيير والتبديل ؟ حقيقة أنا أرى ان هذه الترددية الواضحة هي جزء من تحريك الأخ إلى الأمام خطوة في التفاهم والتقارب .

ثم إن عدم الوضوح عند الأخ في الموقف من هذه المعايير لا تزال قائمة ، فهو يرى ان المعايير تتبدل ، ولكن ” القصدية ” هي الثابتة ، والصحيح أن هذا تحجير واسع ، فلو عكس الأمر لكان أقرب إلى المنطق العقلي ، فوضع المعايير في خانة ” الثبوت ” والقصدية في خانة ” التغير ” هو الأولى والأقرب إلى مفاهيم النص ، لأن دعوى ثبات ” القصدية ” هي التي لا تعتبر تغير الزمان والمكان .

ثم إني لا أنكر على الاستاذ الدعوى بالاجتهاد في تجديد المعايير ، ولكن : هل يوافق الاستاذ على أن يكون ” النص ” هو المنتج لهذه المعايير الجديدة ؟ وهل يرى أن ( كل ) المعايير لابد أن تتغير ، فما موقفه من المعايير التي هي محل إجماع عند العقلاء مثل مرجعية ” الكتاب والسنة في الاستنباط ” ، ” القياس ” الذي يتيح للنص ان يتفاعل مع كل المتغيرات .. ما موقفه من فهم الصحابة وفقههم للنص ؟ ما قوله في اعتبار الناسخ والمنسوخ ؟

أنا هنا سوف أسجل نقطة مهمة للأخ واستفسر عنها ، فهل هو سيلتزم باعتبار أن ” النص ” هو المنتج للمعايير ؟ فإن كان يرى ذلك .. فماهو إذن موقفه من ” الإسلام المؤسسي ” الذي يعتبر هذه المعايير ويرجع إليها في الفهم والاستنباط للأحكام الشرعية ؟ ثم لا بد أن يبين : ماهي منهجية ” تجديد هذه المعايير ، بعد ان يبين لنا هذه المعايير ؟ .

إن من أشق المسائل التي تعيق الحوار وتفسده هي ” الإصرار ” على أن نجعل من مسائل الاتفاق نقاط اختلاف ، وخاصة حين نجعل من أنفسنا قضاة وحكاما ومدعين في نفس الوقت ، فكثيرا من المسائل التي تنتقدها علي أوافقك فيها ، فهل هذا يعني ان لك فهما خاصا للإسلاميين في الواقع تجعلهم يتطابقون في أفكارهم ؟ أم انك لم تواجه رجلا يحمل المنهج السلفي وفي نفس الوقت ممكن أن تتعاطى مع ثقافيا وتتفق أنت وإياه على نقاط محدده ؟ أم ان ” السلفية ” مشوهة بدرجة كبيرة في ذهنك حتى جعلتها شرا محضا .. حتى صار هاجس الدم وتقطيع الرؤوس يؤرقك في حوارك معي ؟

إنني لا أخالفك في الاستفادة من معيطات العصر الحديث ، وحتى فلسفته المتعلقة بمناهج القراءة ، والدراسات الاجتماعية والسننية والنفسية ، والانفتاح على الناس جميعا ، هذا ليس هو موطن الخلاف ، فإن كنت تفهم أن المنهج السلفي يقف أمام هذا فراجع موقفك منه ، القضية يا استاذي الكريم هي في الاستلاب والتماهي مع الآخر حتى يسلبنا كل شي ، ثم لا نخرج بشي .. والقضية هي في معيارية هذه المناهج والتي تفرغ النص من محتواه وفهمه ، وتجعله فضاء لا قرار له ، المشكلة هي في الدعوات إلى ركاب الآخر والانقلاب على الهوية والتاريخ والواقع ، وإحالة المجتمع إلى قطيع يسوقه الغرب والشرق ، المشكلة هي في التضحية بالأخلاق والقيم في سبيل تحقيق مكاسب دنيوية عاجلة ، أما مجرد التعاطي مع البشر والاستفادة منهم فهذا لا يقف أمامه إلا الغلاة الذين يرفضون كل جديد ، والتاريخ الإسلامي يشهد هذا الانفتاح ، والواقع ليس بهذه الصورة السوداوية ، فالمسلمون يتعاطون مع الغرب مع قسوته وضراوته واستعماريته وامبرياليته ، ويقاتلون بالليل والنهار ليبينوا لهم أنهم ليسوا ارهابيين ولا متعطشين للدماء .. ولكني بعد حواري معك لم أعد ألوم الغرب في تهمه هذه ، فها هو رجل من أبناء جلدتنا ينظر لي وانا الذي أظن نفسي من أكثر الناس تسامحا ويصفني خصومي بأنني ” إنبطاحي ” من انبطح ينبطح انبطاحا ، ومع ذلك تصفني وتعرض بي بأن لعابي يسيل على رقبتك .. متمنيا تقطيعك إربا !

هذه الصورة المشوهة للواقع والتاريخ ، للإسلام بمدارسه وأصوله انتقلت عدواها من الغرب ليحملها بعض أبناء الإسلام ، وهم بلا أشد أصبحوا أشد ضراوة من الخصوم ، لأنهم يعيشون حالة انفصام في الرؤية والشخصية ، فهم ينظرون واقعهم المتخلف ، وينظرون إلى حضارة الغرب الطاغية ، فبدلا من تلمس طريق النهضة من خلال واقع أمتهم ، أخذوا ينكأون فيها بلا رحمه .. وينظرون إلى كل ما ينكد عليها في فكرها وقيمها ، وهذه حيلة العاجز الذي لم يستطع ان ينهض .. فأصبح عدائيا فوضويا ..

المشكلة التي وجدتها عند الأخ مهيار انه يخلط بين ” الفقه ” كمنتج من خلال ” العملية الاستنباطية ، وبين ” القواعد والمعايير الحاكمة ” ، فأنا أوافق الأخ في أن الظروف الزمانية والمكانية تغيرت ، والواقع تحكمه معايير جديدة في السياسة والاقتصاد والاخلاق ، وأن السياق الحضاري فرض كثيرا من الرؤى التي لم تعرف من قبل ، واننا نعيش غير منعزلين عن التأثر والتأثير في قيم العولمة ، وأن العالم تحكمه مؤسسات أممية لها رؤيتها وقيمها ، وأن الانغلاق يعني الفناء ، وأن التفاعل مع التغيرات هو الحل ، وأن استصحاب الموقع الطبيعي والحقيقي للمسلمين اليوم هو الذي يحدد لهم طريقة التعاطي مع هذه المتغيرات ، وأن بث مفاهيم الغلبة والنصرة والتمكين في وقت الضعف والاستذلال يقضي على المشروعات الإصلاحية ، وأن الفقيه يحتاج أن ينظر بعين الواقع من جهة وبعين النص من جهة أخرى ، وأن الخطاب العولمي له معاييره الخاصة ، وأن من يتعامى على هذه التغيرات سوف يعيش خارج الزمن ويغرد خارج السرب ، ولكني في مقابل ذلك لا أوافق الأخ على ان الحل يكمن في تنحية ” المدرسة الفقهية ” عن الواقع ، وذلك لاعتبارات :

الأول : أن الفقه هو الذي يمثل دينامية الإسلام في الحياة ، وعزل الفقه عن الواقع هو عزل للإسلام عن التعاطي الحضاري ، وخاصة أن الفقه الإسلامي فيه من السعة والمرونة والقدرة على التعاطي مع كل مستجد .
الثاني : أن المسلمين ينظرون إلى الإسلام على أنه ” الروح ” الذي يتنفسون من خلاله ، وأن عزل الفقه عن حياتهم وأخلاقهم وتعاطيهم مع الواقع هو قضاء على هويتهم وسباقهم الحضاري ، وأنهم إن فقدوا هذا فقدوا شرط بقائهم .
الثالث : أن الفقه الإسلامي بمعاييره وقواعده وأصوله ثري وقادر ليس فقط في حل الإشكالات ، بل في تقديم الرؤى الحضارية التي تحتاجها البشرية ، وما الاشادة بالاقتصاد الإسلامي من قبل كثير من الباحثين الاقتصاديين الغربيين بعد الأزمة المالية العالمية ، وجعل الاقتصاد الاسلامي منهجا لبعض البنوك الغربية إلا دليل على وجود الحلول النافعة للأزمات البشرية سواء دخلوا في الاسلام أم لم يدخلوا ..
الرابع : أن نهذا سوف يعيدنا إلى ” الموقف من التراث الإسلامي والفقهي على وجه التحديد ، وهذا يرجع الحوار الى نقطة الصفر .

ثم إن قولك بأننا لستا بالمدينة التي يتربص بها كفار قريش ، ولسنا في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم يتربص بها أعراب وفرس وروم ، هذا أخالفك فيه ، فانا سأقول لك بأن واقعنا الآن اشد وانكى ، فالأعراب والفرس والروم في ذلك الزمن كانوا يمارسون معنا حربا مشكوفة ومحدودة الوسائل ، والآن هؤلاء الفرس والروم يمارسون معنا حربا مخاتلة ومتعددة الوسائل ، سواء انطلقوا من رؤية ” صليبية ” ، أو من رؤية ” منفعية اقتصادية ” ، إذ لا فرق عندي بين من ياتيك ليخرجك من دينك ، وبين من يأتيك لينهب منك ثرواتك ، والعالم يشهد تحفزا غربيا لرؤية استراتيجية غربية جديدة ، يسونها بالشرق الأوسط الجديد ، وفي نهاية مطافها هي تحقيق المصالح ، وتشكلها رؤية شمولية تجتمع فيها الأبعاد التاريخية والحضارية والاقتصادية والدينية ، وقد يقوى عامل على عامل ، ولكن النتيجة هي تحقيق المصالح ولو كانت على حساب مصالح الآخرين ..

إنك لا تريدني انا أحاججك بأدواتي المعرفية ، فكف عن الإشغاب على مدرستي ، وإلا لن أجد ما احمي به مدرستي إلا ادواتي المعرفية ، فإما ان تعاملني بأدواتي ، او تبين أدواتك انت .. فإن كنت لا هذا ولا هذا ، فارحني واترك الحوار من أصله !

إن الإنطلاق من ” مفاهيم مقدسة ” يختزلها الإنسان في عقله على أنها مسلمات ، ثم يجعلها حاكمة على الآخرين هي مشكلة المثقفين في هذا الوقت ، وخاصة الذين يمارسون المهنة الصحافية فكلمة ” وصاية ” هذه هي درع معرفي لحماية الفكرة أكثر منها قيمة أخلاقية ، فحتى تحصر الإنسان في زاوية الاتهام المعرفي تتهمه بفرض الوصاية ، وهي عندي من ” الإرهاب الفكري ” الذي يمارسه من تأثر بالمدرسة الإعلامية الأمريكية المعاصرة ، فحين تحكم على فكرة من خلال منطلقاتك المعرفية فأنت تمارس ” وصاية ” ، وحين ” تقاتل على إقناع الناس بصحة منطلقك فانت تمارس وصاية ، وحين تقف من الناس موقف الرافض لأفكارهم فأنت تمارس وصاية .. وكأن الناس قد اتفقت على ” رفض ” الوصاية ، وما بقي إلا استخدامها في تقييم الأفكار والرؤى ..والبديل عن هذه الوصاية هي ان تقول لإخواننا الليبراليين أنتم على حق .. فسيروا على بركة الله ، وإلا فأنت وصي عليهم ..

المشكلة هي سرعة الانقلاب على هذه المفاهيم متى ما صارت تحرج المقابل ، فهو يدعو للــ ” تسامح ” ، فإذا رأى ان التسانح يعيق الفكرة صار التسامح مفهوم غوغائي ومؤدلج ، وفي نفس الوقت يركب فكرة التسامح في الاشادة بالغرب والنكاية بالنفس من خلال مفهوم التسامح ، وانا معك في مخاتلة هذا اللفظ ، وضربك الأمثلة بانفتاح الغرب على المسلمين ، وفي مقابل ذلك رفض المسلمين لبناء كنائس هي من قضايا الفقه التي لا ينعقد فيها الاجماع ، والحكم على النسق كله من خلال فتوى او جماعة رافضة لا يعني ان العموم على هذا الفكر ، مع أني لا أرى رفض أي ممارسة أو منهج أو فكرة تعارض فكرة التسامح ، فكل بلد له دستوره الذي يحتكم إليه ، فبعض بلاد الغرب الديمقراطي المتسامحة ترفض قيام الأحزاب على أسس دينيه ، والبعض يرفض قيام أحزاب او الترويج لها على اسس فكرية كالنازية ، وأذكر في هذا الصدد أن الرئيس الأمريكي كلينتون حينما تحدث عن ” الإسلام ” في امريكا قال بأنه لم يصل إلى ” الخطوط الحمراء ” ، مما يعني أن الوضع الآن غير مقلق ، ولكنهم سوف يقفون بشدة أمامه إن هدد مصلحتهم القومية ، فالدنيا لن تعيش فوضوية من أجل فكرة ” التسامح ” وكل أناس لهم دستورهم الذي يبني على حدود ما يفعل مالا يفعل ، وما يجوز ومالا يجوز .

نعم .. أنا أوافقك في أن هناك مشكلة في التفريق بين ” السياسي ” و ” الديني ” في منهجية الكثير من الحركات الإسلامية ، وان الخطاب الديني يسيس أحيانا لأجل مصلحة حزبية ضيقة ، وأن هناك إنغلاقا على أقوال فقهية لا تصلح للواقع ، وأن هناك غلوا في حمل ” الرأي ” الفقهي وإلزام الناس به ، ولكن الذي يقضي على هذا ليس مفهوما عائما مثل ” عدم الوصاية ” أو ” التسامح ” بل الذي يقضي عليه هو حركة ” تجديد الخطاب الدعوي والفقهي ” ، وفك الارتباط بين علاقة الفرد بالسلطة ، وحدود التعاطي الفقهي في القضايا السياسية ، والتمييز بين القضايا المدنية التي في أصلها الاباحة وأن المصلحة هي التي تحكم التصرف السياسي ، وبين التصرف والرأي الفقهي والديني .. وبيان حدود تدخل القواعد الكلية الشرعية في التعاطي السياسي ، وفي هذا المجال يكاد يكون الواقع الفكري الإسلامي مقفرا ، وحتى الدراسات السياسية الشرعية في التراث الإسلامي لم تأخذ حقها من البحث والتنقيب ، هذا كله موطن اتفاق بلا شك ، ولكن الحل ليس في الاحلال المعرفي للمناهج ، وليس في الموقف الحدي من التراث ، بل إن فتح باب الاجتهاد ، والابداع الفقهي ، وتطوير الخطاب هو الذي يحفظ التوازن بين الانفتاح وحفظ الهوية والسلامة من الاستلاب والتماهي في الآخر .. وكل هذه المفاهيم لها أصولها المرجعية في التفكير السلفي .

مما قال الاستاذ مهيار : ( تتهمني بالاستقواء وها أنت تستقوي بالصحابة، وتجعلني عدوا لهم، يا سيدي الفاضل، لهم مكانتهم عندي ولست بصدد تفصيلها أمامك، وأنا لا أرفض اجتهاداتهم ولا اجتهادات من تبعهم، ولكني أراهم بشراً لا يرجمون بغيب، ولا يطلعون على حال الأمة بعد ألف عام، وليس لي مشكلة معهم تحديدا ولا من تبعهم من الفقهاء والمفسرين على اختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم وآرائهم، أنا مشكلتي هي معك عندما ترتهن لفقه مضى زمانه ولأحكام انقضى عهدها، ولأدوات معرفية أدت دورها في وقتها، ولكنها ما عادت تصلح وحدها لإدارة المعنى وتجديد الإسلام. أنا مشكلتي هي معك ليس عندما تنتصر لمدرسة معينة، ولكن عندما تسفه المدارس الأخرى وتستهزئ من العقائد الأخرى، وخاصة عندما يكون ما تهزئ منه متوفرا في عقيدتك، وذكرتني بفقيه أقل منك ثقافة قال لي عن الهندوس أنهم على غباء شديد لأنهم يتصورون أن مياه الغانج تمنحهم البركة، فقلت له: وما ترى أنت في مياه زمزم؟ قطب جبينه، وزم شفتيه واستغفر ربه وحوقل وبسمل قائلا: كيف يخطر لك أن تقارن مجرد المقارنة!!) .

وهذه الفقرة كذلك هي من إحالة نقاط الاتفاق إلى خلاف ، فأنا لم أدع أن الصحابة معصومين ، ولم أقل كل اجتهاداتهم صحيحة ، ولم أقل أن فقه ما قبل ألف عام يصلح لهذا العام ، والخلاف معك ليس في هذا أصلا ، بل في مرجعية الفقه التي تسميها ” الإسلام المؤسسي ” ، ثم تركت هذا كله ، وجعلته ليس نقطة خلاف وصار الخلاف في ” إستهزائي ” بالعقائد الأخرى ، وأنا لا أذكر أني استهزأت بأحد ، وإن كنت تعتبر أن نقضي أو حكمي بالضلال والخطأ على أي عقيدة خرافية هو استهزاء فسجلني أول المستهزئين ..

إنك هنا تحاكمني إلى رؤيتك الخاصة الليبرالية التي تسوي بين الأفكار في القوة والدرجة والقيمة ، وتلزمني بتبعية هذا ، وهذه على أصولك ” وصاية ” لا تليق برجل ليبرالي ، لأنك تريد أن نقول للجميع : أحسنتم قولوا ما تشاءون ونحن لا موقف لنا من هذه الأفكار .. فلماذا لا تطرد الأمر مع الذي يكفر الناس وهو لا يتعدى عليهم .. أليس حكمه عليهم بالكفر والخروج من الناس عقيدة خاصة .. فهل تحترمها وتقبلها ؟ فإن قلت لا فأنت تفرق بين المتماثلاث التي لا يقبل هذا لا عقلا ولا شرعا ..

تقول : ( يا أخي لماذا تفترض المراوغة، جهبذيتك وقدرتك على حوار النصارى واليهود والبوذيين و(الرافضيين) لماذا تقصر عن مناقشتي في بضعة مبادئ إنسانية، لست بصدد محاججة إيمانية، ولا مقارعة دينية، ولست أحمل إليك دينا أو مذهبا أقارعك به، كل ما أتمناه أن تقول لي بصريح العبارة: أنك لست الوصي على الإسلام، وأنك اليوم وغداً ترى أن من حق أي امرئ أن يعتقد ما يشاء، وأنك تتفهم حرية التفكير والتعبير، حتى لو كنت غير راض عنها في داخلك.. يا سيدي صنفني منذ اليوم كمرشح لجهنم آخرتك، وتفنن في تصور أنواع العذاب التي سأكتوي فيها، ولكن فقط لا تدخلني جهنم وأنا في حياتي الدنيا، ولا تقضي علي بحدودك الإيمانية ولا على بواطني العقدية، واتركوا لله دوراً، أليس هو مالك يوم الدين؟
أنا لم أناقشك بحيض ولا نفاس، ولا بحكم جلسة الاستراحة، ولا بالمواريث والأقضية والأنكحة، أنا فقط أقول لك: إن لم يكن بك رغبة للاستفادة من الجديد من المنجز الإنساني في الحقول الفلسفية والاجتماعية، دعنا نستفيد نحن، وعش قطيعتك الاجتماعية والمعرفية كما ترغب دون أن تفرضها على غيرك! فهل هذا ممكن؟
أحكم عليك بظاهر قولك فتتهمني بالافتراء، ومع ذلك لا تجد حرجاً من ان تتدخل في طويتي ومضمري وعللي النفسية المستحكمة بنظرك. ) .

وهنا أجدك تصر على رسم الصورة النمطية عني ، فأنا بينت سابقا وكأنك لا تقرأ ما أقول ، بأن من شروط الحوار بيان منطلقات المتحاورين ، وإلا أصبح عبثا ، وها انت تصر على أنني أطلب منك هذا حتى أختم عليك بخاتم الكفر ، وأشويك بنار جهنم .. فلن أطيل في الكلام عن هذه الفكرة ، إذ التكرر ممل ومكروه
تقول : ( بعد كل حديثنا تعود للقول : (يا أخي الكريم .. أنت لم تبين الوحي لا بالمعنى الواسع ولا الضيق ولا النصف كم ، أنت اصلا لا تريد طرق هذا الموضوع من أصله ، لأنك لا تملك أصلا النظرة لهذا الموضوع). وتتبجح بقول مغرور مستفز : ( وتعرف الاشكال المعرفي لو دخلت فيه ).
لن انجر إلى استفزازك هنا… وسأترك الأمر لمن يعقلون.
أخي الكريم أنا لا أحاكم لا الضوابط ولا منتجها وفق فهم معين، أنا فقط لا أنغلق على أدوات المعنى، لأن هذه الأدوات بحد ذاتها تحتاج إلى تطوير وتفريع وتوسع في الفهم، ودراية تنمو باضطراد.
تحاضر لي في العقل وأنا الذي بينت لك موقعه ومكانته في ردودي الأولى، بل إنك تكرر بعض ما قلته، على أنك ترد علي، على أية حال عد لحديثي عن العقل لتدرك أني لم أقدس العقل، بل لم أرفعه إلى مستوى النص المقدس، بل وضحت لك مراراً انك لا يمكن أن تحكم الوحي عبر عقل ملزم، لأن النص مفتوح ولا نهائي، والعقل منهجي ومقصور على وسائله ومعارفه، وهذا سبب رفضي لمؤسسيتك، فأنت تجعل عقلاً تاريخياً يحكم نصا أزلياً، وهذا ما أرفضه، لأنه إسباغ للقداسة على العقل، دعوتي لحرية العقل لا تعني تقديسه، وإذا كان هذا فهمك فيا للأسف… لأن هذا الفهم مشكلة، أنا أدعو إلى تفعيل العقل هذا صحيح، ولكني لا أمجده أما أنت فتدعو على تسفيه العقل وأنت تمجد عقلأً غابراً أدى دوره في حين مضى.
أشكرك على نكتة الوردي، ,اقدر لك أن تقرأ هذا (الرافضي) وأن تستشهد به، فهذا يمدني ببعض الأمل أن تتقبلني أيضاً ذات يوم، ولكن نكتته ضد ما تقول أنت وليس ما أقول أنا…) .
هنا يا أخي الكريم ترفض ” مؤسستي ” التي لم تجعل عقلا تاريخيا يحكم نصا أزليا ، وهذه إذا سمحت لي نص مغرق في الغموض ، فماهو ” العقل التاريخي ” ، وكيف جعلت النص ” أزليا ” ، فلا العقل التاريخي معنى واضح ، ولا النص الأزلي صحيح ، فلا المسلمون يرون النص أزلي ولا حتى العقليون والفلاسفة ، فالمسلمون يرون النص هو متكلم به بعد إن لم يكن ، فهو حادث الآحاد قديم النوع والعقلانيون والفلاسفة يرونه مخلوقا أي حادثا ، وهذه مشكلة الاصطلاحات الخاصة التي يقولها الإنسان ولربما يقصد معان خاصة به لا تتسق مع المعارف والعلوم .

أما أني ادعو إلى ” تسفيه ” العقل ، فهذا ينقضه محاضرتي لك عن ” العقل ” ، ووضعه في وضعه الطبيعي الذي لا يجعله مقدسا ولا يجعله مرفوضا .. فإما انك لم تقرأ ما قلت في محاضرتي عن العقل ، أو أنك لم تفهم مرادي ، فأخبرني حتى أضطر إلى الاعادة .
على كل حال .. نكتة علي الوردي لم تبين كيف هي لك وليست لي !

تقول أخيرا : ( ما من فكرة ناجزة إلا في عقل مؤسسي، كل شيء قابل للتغيير والتجديد، حتى الدين الحق لم يكن ناجزاً في يوم من الأيام، فكل يوم هناك مسائل جديدة، وكل عصر لابد من تجديد جديد، والتجديد لا يتجه نحو الأحكام وحدها إنما يتجه نحو الأدوات المنتجة لهذه الأحكام.
من خلال قولك أنا أرى أنه بات لزاماً عليك أن تنافح عن سلفيتك وتبينها لنا حتى لا نظلمك، مع أني حقيقة لست رافضا لوجود السلفية أو سواها، ولست رافضاً حتى لحياة بن لادن في كهوف تورا بورا، تلك حريته ذاك اختياره، إلا أنني أرفض التكفير و التدمير والتسفيه والتعالي. على أية حال يسرني أن تكون أقرب للتسامح مني مع أن التسامح مفهوم استعلائي، وما كنت أتمناه أن تكون أقرب إلى التفهم أكثر مني… فلست أدري علامَ تسامحني، وتتسامح معي!
على أية حال أنا أتقبل منك حديثك العمومي عن سلفيتك وأرى فيها إنجازاً طيباً تستحق الثناء عليه حتى ولو كان مجرد أفكار لم تتكرس كسلوك، فهي واعدة ومبشرة بتفهم أوفر.
وأحيي يدك الممدودة للتعاون، طالما لم تفرض علي يقينك، لكن سنتعاون من اجل واقع أفضل للجميع وليس لفئة دون سواها. اترك عنك التحليل النفسي والرجم بالغيب والقراءة من وراء حجب… لست مستلباً للغرب بقضه وقضيضه، ولي نظرة نقدية حول الاستشراق والكولونيالية والرأسمالية وكل الحراك السياسي والتاريخي، ولكن حين البحث في الفكرة الليبرالية أجد أن محاكمة هذا الغرب تغدو أكثر دقة، من مناهج ترتكب ربما أموراً لا تقل عن فظاعة ما ارتكبه الغرب ) ..وهذا الكلام أنه لا توجد فكرة ناجزة إلا في عقل مؤسسي عجيبة ، فأنت الآن وضح لنا ماهو العقل المؤسسي ، حتى نوافقك او نخالفك على الفكرة الناجزة ، وفكرتك هذه الأخيرة هي ” المشكلة المعرفية التقويضية التي تعرفها ولم تبينها ، أو انك لم تتفطن إليها حتى الآن ” ، ففكرتك هذه هي فكرة التقويضيين الذين يقضون على ما يسمى بــ ” الحضور الميتافيزيقي ” في المعاني ، أوما يسمونه بـ ” التمركزالمنطقي ” ، وهذه فكرة ما بعد الحداثة التي تبناها دريدا مستفيدها من رولان بارت ، وهي في النهاية فكرة ” عدمية ” تقويضية تقضي على كل قيمة خلقية او سماوية ودينية ، فتكون المعاني سابحة في فضاءات المعاني التي لا يحدها حد ، وهي أفكار إشقائية للبشرية اللاهثة وراء فهم الحق والحقيقة واكتشافها ، فحتى الدين ( الحق ) عندك لم يكن ناجزا في يوم من الأيام .. فلماذا إذن سميته ( حقا ) إذن إذ لم يكن ناجزا ؟ولو طالبتك ببيان معنى النجوز وضرب الأمثال لاتهمتني بأني أطلب رأسك للعدالة ، فأنت هنا تقضي على كل عقيدة للمسلمين ، فكل عقيدتهم بالله واليوم الآخر والنبوة ، والملائكة والكتب واليوم الآخر هي ليست أفكارا ناجزة ، بل هي أفكار قابلة للتطوير ، وهذه الفكرة تذكرني بمهووسي المادية الحديثة التي جعلتهم يعسفون آيات القرآن للتوافق مع الكشوف المادية ، فحتى يوفقون بين الدارونية وبين خلق آدم جعلوا ( آدم ) كناية عن الجنس البشري ، وجعلوا ( إبليس ) كناية عن الشر ، وجعلوا ( اليوم الآخر والنار ) من أجل الحث فقط على فعل الخير ..

أخيرا .. فما أرجوه من هذا الحوار أن نكون أكثر صراحة في حمل أفكارنا ، وأن نتعاطى معها بجدية أكثر ، وأن نفرق بين المستوى الشعوري والمستوى الفكري الذي يغطي أحيانا على التفاهم والتعاطي الحواري المثمر .

شكرا لك أخرى .. مع تمنياتي لك بالتوفيق.

د . استفهام

كلما زاد الحوار مع الأخ مهيار ، كلما إزدادت ضبابية ما يريد قوله ، وما ينتقده على غيره ، وكأن الأخ مهيار دخل في الحوار ليقول شيئا في نفسه ، ويفضفض ، وقد فعل ، وهذا حقيقة يسعدني أن نجد من التيار الليبرالي من ” يصرح ” بموفقه من خصومه ، ولكني كنت أرغب من الأخ مهيار أن يكون أكثر وضوحا في ما يريد حتى أستطيع أن أتعاطى معه ثقافيا ، فوضوح المنطلقات والغايات والمنهج مهم في أي حوار ، وإلا صارت الأمور إلى غير ما ترغب الأطراف المتحاورة ، بل والمتابعين للحوار .. ولذلك لا أرغب أن يقول المتابعون بأننا قلنا كلاما كثيرا ، لكننا في نهاية المطاف لم نقل أي شي !

الأخ الكريم مهيار يمارس وصاية .. لكنها ليست وصاية علي ، بل وصاية على عقل المتابع ، فهو يوهم أن ” دكتور استفهام ” ولله الحمد قد حصل له تغير بسبب حواري له ، وهذا يعني أنني استطعت أن أتفوق عليه ، ولذلك وضع جملة ” مشعل الليبرالية ” التي تبين تفوقه في هذا باللون الأحمر .. وأنا حقيقة لا أحب في حواري مع أحد أن أبين تفوقي عليه ، ولا تفوقه علي ، أريد فقط أن نستفيد جميعا … فلا أنا املك إعلان الانتصار ولا الأخ مهيار كذلك .. والناس تفترق في الموقف من الحوار بناء على منطلقاتها الايديلوجية والثقافية ..

ثم إن طبيعة مثل هذه الحوارات ليست داخلة في باب ” المناظرة والجدل ” التي ينقطع فيها خصم من الخصوم عن الإجابة ، بل هي تثاقف ونقاش أكثر منها جدل ومناظرة وحوار ، وخاصة حين يكون الذي أمامك لا يرغب في أن يبين بالضبط ما ينتقد عليك ، بل هو يقوم ما يتوهمه منك ، وهذا هو السمة الغالبة في معظم ما قاله الاستاذ مهيار ..

في رده الأخير يبين مهيار نقطة ” الخلاف ” بيني وبينه بطريقة عجيبة .. فهو يقول : ( لم تكن المشكلة بيني وبينك مشكلة فلسفية، بل كانت في الموقف من الفلسفة، ولم تكن المشكلة دينية، بل كانت في فرض الدين أو الرؤية الدينية الخاصة ) .ولا أدري هل موضوعي الأساسي هو في ” الموقف من الفلسفة ” ؟ وأين جرى الحوار حول الموقف من الفلسفة فيما مضى ؟ ثم يعقب هذا بأن المشكلة كذلك ليست في ” الموقف من الدين ، بل في فرض الدين والرؤية الدينية الخاصة ” ، وكل هذا لم نتطرق إليه من قبل .. وهذا جزء من ” التيهان ” الفكري الذي يعانيه الأخ الكريم – ولا أرغب أن يفهم من كلمة ” التيهان ” أنها مسبة ، بل هي وصف حال ولي أدلتي عليه من خلال ما مضى .

أما قضية ” الموقف من الفلسفة ” ، فأنا لم أبين موقفي منها ، ولم أعلن رفضي لها ، بل إني أرى ان الفلسفة هي من نتاج ” العقل البشري ” ، وهي تأمل في الكون والإنسان والحياة ، وهي في أصلها عملية ” عقلية ” تأملية ، تؤتي ثمارها في مجالات ، وتفسد العقول في مجالات ، ولم يدع أي أحد من الفلاسفة أن كل نتاجها صالح ، وإلا لما اختلفت المدارس الفلسفية في كثير من مجالات المعرفة الإنسانية ، فلا شك أن الفلاسفة أهل عقول نافذة ، حتى أن ابن تيمية والذي ألف في نقض المنطق والرد على الفلاسفة ، وكان هذا من سمات مشروعه العلمي الكبير يقول : ( والقوم – أي الفلاسفة – لولا الأنبياء لكانوا اعقل من غيرهم : الرد على المنطقيين 147 ) ، والموقف السلفي من الفلسفة لم يكن هو موقف من ” العقل والتعقل ” ، بل كان من اعتبار الفلسفة مصدر هداية في الإلهيات بعد أن جاءتهم النبوة ، وكذلك اعتبار المسائل الفلسفية والمنطقية هي ” معيار ” للوصول إلى الحقائق والتصورات ، وهذا الأمر أشكل بشكل كبير في مسائل الاعتقاد التي شطت عما كان عليه المسلمون في زمن النبوة ، بناء على حاكمية المنطق على الدين ، وخاصة أن الفعل الفلسفي التاريخي إلى بدايات عصر النهضة كان يحمل بعدا لاهوتيا ، وبحثا ميتافيزيقيا ، ولم تكن الفلسفة لانتاج الحضارة المادية أو ابداعاتها المدنية والنهضوية ، بل إن النهضة الحديثة ، بل إن ابن تيمية ( وهو العقل السلفي الذي طارح الفلاسفة ورد عليهم وهو يعتبر منظر السلفية الأول ) تجاوز اللاهوتية الفلسفية إلى ” الإغراق ” في الجانب الحسي ، فهو كان ينتقد قصور الفلسفة على المسائل العقلية وحصر مسائل المعرفة فيها ، وإهمال مصادر المعرفة الأخرى مثل الحس ، وحتى الفلاسفة الذين خاضوا في الإلهيات أقروا بالتيه الذي اعتراهم والشك الذي أثر على إيمانهم ، وهم لم يضيفوا للبشرية في هذا إلا مزيدا من الشك والتيه ، وأما نتاج الفلاسفة في العلوم الطبيعية فلا يوجد نص سلفي واحد يقف أمام هذا الانتاج أو يستفيد منه ، لأنه من ” العقل الصريح ” الذي تتفق عليه عقول البشر ، ونتائجه تأخذ صفة القطع ، ولذلك كان من نتاج إزاحة الفلسفة القديمة والدخول في عصر الفلسفة الحديثة والتي تعتمد على المنهج التجريبي الأثر الفلسفي الأبرز في تاريخ البشرية على يد بيكون الذي هاجم الفلسفة التقليدية ، ولم يقف أحد من علماء المسلمين إلى ” الاستخدامات المفيدة ” للفلسفة والمنطق والمنهج التجريبي ، فقط الموقف من اقتحام الفلسفة مجالات الالوهية والشريعة التي تقف أمام النص الشرعي .

وأما ما ورد في منهج السلفيين في الموقف من الفلسفة فهو موقف خاص لأحاد لا يشكلون المنهج الكلي ، وكان منطلقهم في ذلك منطلق ” مصلحي ” ، وخاصة حين تلج الفلسفة في مسائل العقيدة والأسماء والصفات وحد الإيمان وغيرها من المسائل المستقرة عقديا ، وتشغب عليها ..

أما فيما تخالفني فيه في الفقرة الثانية وهي : ( فرض الدين ، والرؤية الدينية الخاصة ) ، فلا أدري حقيقة عن قصدك في فرض الدين ، وما أدري ماهو موقعي عندك في قضية ” فرض الدين ” ، فأنا هنا لم أدخل بحزام ناسف أو قنبلة عنقودية أفرض رؤيتي على أحد ، ولم يشهد التاريخ الإسلامي كله أن أدخل أحد في الدين عن إكراه ، بل كانت الأمم تدخل في الإسلام من خلال أخلاق أتباعه ، ولم يقم في التاريخ محاكم تفتيش على ضمائر الناس وأديانهم كم عند غيرهم ، فإن كنت تقصد بــ ” فرض الدين ” دعواي بصحة أقوالي وقناعتي التامة بالمنهج الذي أحمله ، فانت هنا تمدحني ولا تسبني ، وكما قيل :

عيرت بالشيب وهو وقار ** ليتها عيرت بماهو عار

فأنا حين أقول بأن الرؤية السلفية هي الرؤية الصحيحة لفهم الإسلام فانا هنا أعتقد هذا عقيدة لا تتزحزح ، ومن يعارضني في هذا لابد أن يعارضني علميا ، وهذه القناعة لا تعني أنني ” أفرض ” الرؤية الخاصة ، بل إني أنافح وادافع عنها ، وأبين خطأ ضدها ، وأعتقد أن ” الليبرالية ” تعطيني هذا الحق أكثر من غيرها ، فأنت مرة لا تنكر علي حملي لهذه المفاهيم ، ومرة تنكر علي ” فرضي ” لهذا ، فإن كنت تقصد بالفرض الوثوقية فاعتبرني هكذا ، وأما إن كنت تريد أن تدخلني في عدد أهل الهشاشة في الأفكارالذين يرون أن كل فكرة يقولها وكل عقيدة يعتقدها هي على شفا جرف هار فلن أوافقك عليه ، وهذه من أخطر إفرازات الليبرالية التي تقوض الأخلاق والقيم والأديان بدعوى النسبية التي تسلب الانسان كينونته في الحياة ، فالإنسان الحر هو المستقل بالتفكير ، الواثق بما يحمل من أفكار ، فحتى الفلاسفة لو كانوا بهذه الطريقة لما قدموا للناس أي فكرة ، ولما نافحوا وناظروا عن معتقداتهم ، وخاصة في قضايا الأفكار الإصلاحية ، إذ لا يمكن لأي مصلح أن يتقدم خطوة للأمام وهو رجل متشكك فيما يحمل ، هش في رؤاه ، فمثل هذا لا يصلح للحياة ، فضلا عن صلاحيته للإصلاح وتغيير الأفكار ..

أنا حرصت على بيان هذا الأمر رغم عدم قناعتي بأن هذه هي نقطة الخلاف بيني وبين الأخ مهيار ..

يقول الأخ مهيار :

(فالقرآن ليس كتاب جغرافية ولا فلك ولا حتى تاريخ، هو نص كوني مفتوح على الزمن ليحمل المعنى الأسمى والأسنى، وليبقى كذلك يجب أن لا يحده معنى صارم أو ملزم، وهذا لا يعني أن المعنى سيكون سائباً، فالنص قد وضع معايير للاستنباط منه، وهذه المعايير بحد ذاتها قابلة للتعديل، الشيء الوحيد غير القابل للتغيير، هو القصدية، فتفسيره يحكمه المقصد، وتدبيره يحكمه التمكن المعرفي الذي تختلف عناصره مع تقدم المعرفة، فصفعة الحداثة التي تلقاها العالم الإسلامي مع نزول عسكر نابليون بر مصر ومعهم المطبعة، أفرزت فيما بعد جهودا تفسيرية وفقهية جادة بخصوص المسائل العلمية، خاصة التي كانت تتطلب معرفة علمية، ولكن المفاهيم الاجتماعية كانت تلقى الصدود، لأنها مفاهيم يحتاج برهانها إلى أجيال، أو تستنبط من خلال قراءة تاريخية تتسم بالوعي وإعمال الفكر والعقل، لذلك أنت تتقبل بسهولة أوفر منتجات الليبرالية، فتخاطبني اليوم عبر وسيلة حضارية متقدمة، وتجد أزمة في تطوير أدواتك المعرفية والاجتماعية، فتنقم علي لأني أميل إلى منهجية ليبرالية، بزعمي أنها جديرة بأن يستفيد منها المسلمون. ) .

فالاستاذ مهيار يعتبر ” القرآن ” نص قرآني مفتوح ، ثم هو لا يريد المعنى الصارم له ، وفي نفس الوقت هو ليس سائبا ، ثم وافقني – ولله الحمد – بأن هذا النص وضع معايير الاستنباط ، ولكنه يرى أن هذه المعايير قابلة للتعديل والتغيير ، وهو في الأول يرى أن إنكاره الشديد على ( الإسلام المؤسسي ) هو في أنه ينظر للنص من خلال معايير الاستنباط ، ولقد حار فكري مع الاستاذ الكريم ، فهل هو ينكر وضع المعايير في الأصل ، ويسميها ” الإسلام المؤسساتي ” ، أم هو يوافق على ان النص ينتج معاييره الخاصة التي تكبح انفتاح معناه وسائبيته ؟ أم ينكر أن هذه المعايير جامدة لا تقبل التغيير والتبديل ؟ حقيقة أنا أرى ان هذه الترددية الواضحة هي جزء من تحريك الأخ إلى الأمام خطوة في التفاهم والتقارب .

ثم إن عدم الوضوح عند الأخ في الموقف من هذه المعايير لا تزال قائمة ، فهو يرى ان المعايير تتبدل ، ولكن ” القصدية ” هي الثابتة ، والصحيح أن هذا تحجير واسع ، فلو عكس الأمر لكان أقرب إلى المنطق العقلي ، فوضع المعايير في خانة ” الثبوت ” والقصدية في خانة ” التغير ” هو الأولى والأقرب إلى مفاهيم النص ، لأن دعوى ثبات ” القصدية ” هي التي لا تعتبر تغير الزمان والمكان .

ثم إني لا أنكر على الاستاذ الدعوى بالاجتهاد في تجديد المعايير ، ولكن : هل يوافق الاستاذ على أن يكون ” النص ” هو المنتج لهذه المعايير الجديدة ؟ وهل يرى أن ( كل ) المعايير لابد أن تتغير ، فما موقفه من المعايير التي هي محل إجماع عند العقلاء مثل مرجعية ” الكتاب والسنة في الاستنباط ” ، ” القياس ” الذي يتيح للنص ان يتفاعل مع كل المتغيرات .. ما موقفه من فهم الصحابة وفقههم للنص ؟ ما قوله في اعتبار الناسخ والمنسوخ ؟

أنا هنا سوف أسجل نقطة مهمة للأخ واستفسر عنها ، فهل هو سيلتزم باعتبار أن ” النص ” هو المنتج للمعايير ؟ فإن كان يرى ذلك .. فماهو إذن موقفه من ” الإسلام المؤسسي ” الذي يعتبر هذه المعايير ويرجع إليها في الفهم والاستنباط للأحكام الشرعية ؟ ثم لا بد أن يبين : ماهي منهجية ” تجديد هذه المعايير ، بعد ان يبين لنا هذه المعايير ؟ .

إن من أشق المسائل التي تعيق الحوار وتفسده هي ” الإصرار ” على أن نجعل من مسائل الاتفاق نقاط اختلاف ، وخاصة حين نجعل من أنفسنا قضاة وحكاما ومدعين في نفس الوقت ، فكثيرا من المسائل التي تنتقدها علي أوافقك فيها ، فهل هذا يعني ان لك فهما خاصا للإسلاميين في الواقع تجعلهم يتطابقون في أفكارهم ؟ أم انك لم تواجه رجلا يحمل المنهج السلفي وفي نفس الوقت ممكن أن تتعاطى مع ثقافيا وتتفق أنت وإياه على نقاط محدده ؟ أم ان ” السلفية ” مشوهة بدرجة كبيرة في ذهنك حتى جعلتها شرا محضا .. حتى صار هاجس الدم وتقطيع الرؤوس يؤرقك في حوارك معي ؟

إنني لا أخالفك في الاستفادة من معيطات العصر الحديث ، وحتى فلسفته المتعلقة بمناهج القراءة ، والدراسات الاجتماعية والسننية والنفسية ، والانفتاح على الناس جميعا ، هذا ليس هو موطن الخلاف ، فإن كنت تفهم أن المنهج السلفي يقف أمام هذا فراجع موقفك منه ، القضية يا استاذي الكريم هي في الاستلاب والتماهي مع الآخر حتى يسلبنا كل شي ، ثم لا نخرج بشي .. والقضية هي في معيارية هذه المناهج والتي تفرغ النص من محتواه وفهمه ، وتجعله فضاء لا قرار له ، المشكلة هي في الدعوات إلى ركاب الآخر والانقلاب على الهوية والتاريخ والواقع ، وإحالة المجتمع إلى قطيع يسوقه الغرب والشرق ، المشكلة هي في التضحية بالأخلاق والقيم في سبيل تحقيق مكاسب دنيوية عاجلة ، أما مجرد التعاطي مع البشر والاستفادة منهم فهذا لا يقف أمامه إلا الغلاة الذين يرفضون كل جديد ، والتاريخ الإسلامي يشهد هذا الانفتاح ، والواقع ليس بهذه الصورة السوداوية ، فالمسلمون يتعاطون مع الغرب مع قسوته وضراوته واستعماريته وامبرياليته ، ويقاتلون بالليل والنهار ليبينوا لهم أنهم ليسوا ارهابيين ولا متعطشين للدماء .. ولكني بعد حواري معك لم أعد ألوم الغرب في تهمه هذه ، فها هو رجل من أبناء جلدتنا ينظر لي وانا الذي أظن نفسي من أكثر الناس تسامحا ويصفني خصومي بأنني ” إنبطاحي ” من انبطح ينبطح انبطاحا ، ومع ذلك تصفني وتعرض بي بأن لعابي يسيل على رقبتك .. متمنيا تقطيعك إربا !

هذه الصورة المشوهة للواقع والتاريخ ، للإسلام بمدارسه وأصوله انتقلت عدواها من الغرب ليحملها بعض أبناء الإسلام ، وهم بلا أشد أصبحوا أشد ضراوة من الخصوم ، لأنهم يعيشون حالة انفصام في الرؤية والشخصية ، فهم ينظرون واقعهم المتخلف ، وينظرون إلى حضارة الغرب الطاغية ، فبدلا من تلمس طريق النهضة من خلال واقع أمتهم ، أخذوا ينكأون فيها بلا رحمه .. وينظرون إلى كل ما ينكد عليها في فكرها وقيمها ، وهذه حيلة العاجز الذي لم يستطع ان ينهض .. فأصبح عدائيا فوضويا ..

المشكلة التي وجدتها عند الأخ مهيار انه يخلط بين ” الفقه ” كمنتج من خلال ” العملية الاستنباطية ، وبين ” القواعد والمعايير الحاكمة ” ، فأنا أوافق الأخ في أن الظروف الزمانية والمكانية تغيرت ، والواقع تحكمه معايير جديدة في السياسة والاقتصاد والاخلاق ، وأن السياق الحضاري فرض كثيرا من الرؤى التي لم تعرف من قبل ، واننا نعيش غير منعزلين عن التأثر والتأثير في قيم العولمة ، وأن العالم تحكمه مؤسسات أممية لها رؤيتها وقيمها ، وأن الانغلاق يعني الفناء ، وأن التفاعل مع التغيرات هو الحل ، وأن استصحاب الموقع الطبيعي والحقيقي للمسلمين اليوم هو الذي يحدد لهم طريقة التعاطي مع هذه المتغيرات ، وأن بث مفاهيم الغلبة والنصرة والتمكين في وقت الضعف والاستذلال يقضي على المشروعات الإصلاحية ، وأن الفقيه يحتاج أن ينظر بعين الواقع من جهة وبعين النص من جهة أخرى ، وأن الخطاب العولمي له معاييره الخاصة ، وأن من يتعامى على هذه التغيرات سوف يعيش خارج الزمن ويغرد خارج السرب ، ولكني في مقابل ذلك لا أوافق الأخ على ان الحل يكمن في تنحية ” المدرسة الفقهية ” عن الواقع ، وذلك لاعتبارات :

الأول : أن الفقه هو الذي يمثل دينامية الإسلام في الحياة ، وعزل الفقه عن الواقع هو عزل للإسلام عن التعاطي الحضاري ، وخاصة أن الفقه الإسلامي فيه من السعة والمرونة والقدرة على التعاطي مع كل مستجد .
الثاني : أن المسلمين ينظرون إلى الإسلام على أنه ” الروح ” الذي يتنفسون من خلاله ، وأن عزل الفقه عن حياتهم وأخلاقهم وتعاطيهم مع الواقع هو قضاء على هويتهم وسباقهم الحضاري ، وأنهم إن فقدوا هذا فقدوا شرط بقائهم .
الثالث : أن الفقه الإسلامي بمعاييره وقواعده وأصوله ثري وقادر ليس فقط في حل الإشكالات ، بل في تقديم الرؤى الحضارية التي تحتاجها البشرية ، وما الاشادة بالاقتصاد الإسلامي من قبل كثير من الباحثين الاقتصاديين الغربيين بعد الأزمة المالية العالمية ، وجعل الاقتصاد الاسلامي منهجا لبعض البنوك الغربية إلا دليل على وجود الحلول النافعة للأزمات البشرية سواء دخلوا في الاسلام أم لم يدخلوا ..
الرابع : أن نهذا سوف يعيدنا إلى ” الموقف من التراث الإسلامي والفقهي على وجه التحديد ، وهذا يرجع الحوار الى نقطة الصفر .

ثم إن قولك بأننا لستا بالمدينة التي يتربص بها كفار قريش ، ولسنا في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم يتربص بها أعراب وفرس وروم ، هذا أخالفك فيه ، فانا سأقول لك بأن واقعنا الآن اشد وانكى ، فالأعراب والفرس والروم في ذلك الزمن كانوا يمارسون معنا حربا مشكوفة ومحدودة الوسائل ، والآن هؤلاء الفرس والروم يمارسون معنا حربا مخاتلة ومتعددة الوسائل ، سواء انطلقوا من رؤية ” صليبية ” ، أو من رؤية ” منفعية اقتصادية ” ، إذ لا فرق عندي بين من ياتيك ليخرجك من دينك ، وبين من يأتيك لينهب منك ثرواتك ، والعالم يشهد تحفزا غربيا لرؤية استراتيجية غربية جديدة ، يسونها بالشرق الأوسط الجديد ، وفي نهاية مطافها هي تحقيق المصالح ، وتشكلها رؤية شمولية تجتمع فيها الأبعاد التاريخية والحضارية والاقتصادية والدينية ، وقد يقوى عامل على عامل ، ولكن النتيجة هي تحقيق المصالح ولو كانت على حساب مصالح الآخرين ..

إنك لا تريدني انا أحاججك بأدواتي المعرفية ، فكف عن الإشغاب على مدرستي ، وإلا لن أجد ما احمي به مدرستي إلا ادواتي المعرفية ، فإما ان تعاملني بأدواتي ، او تبين أدواتك انت .. فإن كنت لا هذا ولا هذا ، فارحني واترك الحوار من أصله !

إن الإنطلاق من ” مفاهيم مقدسة ” يختزلها الإنسان في عقله على أنها مسلمات ، ثم يجعلها حاكمة على الآخرين هي مشكلة المثقفين في هذا الوقت ، وخاصة الذين يمارسون المهنة الصحافية فكلمة ” وصاية ” هذه هي درع معرفي لحماية الفكرة أكثر منها قيمة أخلاقية ، فحتى تحصر الإنسان في زاوية الاتهام المعرفي تتهمه بفرض الوصاية ، وهي عندي من ” الإرهاب الفكري ” الذي يمارسه من تأثر بالمدرسة الإعلامية الأمريكية المعاصرة ، فحين تحكم على فكرة من خلال منطلقاتك المعرفية فأنت تمارس ” وصاية ” ، وحين ” تقاتل على إقناع الناس بصحة منطلقك فانت تمارس وصاية ، وحين تقف من الناس موقف الرافض لأفكارهم فأنت تمارس وصاية .. وكأن الناس قد اتفقت على ” رفض ” الوصاية ، وما بقي إلا استخدامها في تقييم الأفكار والرؤى ..والبديل عن هذه الوصاية هي ان تقول لإخواننا الليبراليين أنتم على حق .. فسيروا على بركة الله ، وإلا فأنت وصي عليهم .

المشكلة هي سرعة الانقلاب على هذه المفاهيم متى ما صارت تحرج المقابل ، فهو يدعو للــ ” تسامح ” ، فإذا رأى ان التسانح يعيق الفكرة صار التسامح مفهوم غوغائي ومؤدلج ، وفي نفس الوقت يركب فكرة التسامح في الاشادة بالغرب والنكاية بالنفس من خلال مفهوم التسامح ، وانا معك في مخاتلة هذا اللفظ ، وضربك الأمثلة بانفتاح الغرب على المسلمين ، وفي مقابل ذلك رفض المسلمين لبناء كنائس هي من قضايا الفقه التي لا ينعقد فيها الاجماع ، والحكم على النسق كله من خلال فتوى او جماعة رافضة لا يعني ان العموم على هذا الفكر ، مع أني لا أرى رفض أي ممارسة أو منهج أو فكرة تعارض فكرة التسامح ، فكل بلد له دستوره الذي يحتكم إليه ، فبعض بلاد الغرب الديمقراطي المتسامحة ترفض قيام الأحزاب على أسس دينيه ، والبعض يرفض قيام أحزاب او الترويج لها على اسس فكرية كالنازية ، وأذكر في هذا الصدد أن الرئيس الأمريكي كلينتون حينما تحدث عن ” الإسلام ” في امريكا قال بأنه لم يصل إلى ” الخطوط الحمراء ” ، مما يعني أن الوضع الآن غير مقلق ، ولكنهم سوف يقفون بشدة أمامه إن هدد مصلحتهم القومية ، فالدنيا لن تعيش فوضوية من أجل فكرة ” التسامح ” وكل أناس لهم دستورهم الذي يبني على حدود ما يفعل مالا يفعل ، وما يجوز ومالا يجوز .

نعم .. أنا أوافقك في أن هناك مشكلة في التفريق بين ” السياسي ” و ” الديني ” في منهجية الكثير من الحركات الإسلامية ، وان الخطاب الديني يسيس أحيانا لأجل مصلحة حزبية ضيقة ، وأن هناك إنغلاقا على أقوال فقهية لا تصلح للواقع ، وأن هناك غلوا في حمل ” الرأي ” الفقهي وإلزام الناس به ، ولكن الذي يقضي على هذا ليس مفهوما عائما مثل ” عدم الوصاية ” أو ” التسامح ” بل الذي يقضي عليه هو حركة ” تجديد الخطاب الدعوي والفقهي ” ، وفك الارتباط بين علاقة الفرد بالسلطة ، وحدود التعاطي الفقهي في القضايا السياسية ، والتمييز بين القضايا المدنية التي في أصلها الاباحة وأن المصلحة هي التي تحكم التصرف السياسي ، وبين التصرف والرأي الفقهي والديني .. وبيان حدود تدخل القواعد الكلية الشرعية في التعاطي السياسي ، وفي هذا المجال يكاد يكون الواقع الفكري الإسلامي مقفرا ، وحتى الدراسات السياسية الشرعية في التراث الإسلامي لم تأخذ حقها من البحث والتنقيب ، هذا كله موطن اتفاق بلا شك ، ولكن الحل ليس في الاحلال المعرفي للمناهج ، وليس في الموقف الحدي من التراث ، بل إن فتح باب الاجتهاد ، والابداع الفقهي ، وتطوير الخطاب هو الذي يحفظ التوازن بين الانفتاح وحفظ الهوية والسلامة من الاستلاب والتماهي في الآخر .. وكل هذه المفاهيم لها أصولها المرجعية في التفكير السلفي .

مما قال الاستاذ مهيار : ( تتهمني بالاستقواء وها أنت تستقوي بالصحابة، وتجعلني عدوا لهم، يا سيدي الفاضل، لهم مكانتهم عندي ولست بصدد تفصيلها أمامك، وأنا لا أرفض اجتهاداتهم ولا اجتهادات من تبعهم، ولكني أراهم بشراً لا يرجمون بغيب، ولا يطلعون على حال الأمة بعد ألف عام، وليس لي مشكلة معهم تحديدا ولا من تبعهم من الفقهاء والمفسرين على اختلاف طبقاتهم وتوجهاتهم وآرائهم، أنا مشكلتي هي معك عندما ترتهن لفقه مضى زمانه ولأحكام انقضى عهدها، ولأدوات معرفية أدت دورها في وقتها، ولكنها ما عادت تصلح وحدها لإدارة المعنى وتجديد الإسلام. أنا مشكلتي هي معك ليس عندما تنتصر لمدرسة معينة، ولكن عندما تسفه المدارس الأخرى وتستهزئ من العقائد الأخرى، وخاصة عندما يكون ما تهزئ منه متوفرا في عقيدتك، وذكرتني بفقيه أقل منك ثقافة قال لي عن الهندوس أنهم على غباء شديد لأنهم يتصورون أن مياه الغانج تمنحهم البركة، فقلت له: وما ترى أنت في مياه زمزم؟ قطب جبينه، وزم شفتيه واستغفر ربه وحوقل وبسمل قائلا: كيف يخطر لك أن تقارن مجرد المقارنة!!) .

وهذه الفقرة كذلك هي من إحالة نقاط الاتفاق إلى خلاف ، فأنا لم أدع أن الصحابة معصومين ، ولم أقل كل اجتهاداتهم صحيحة ، ولم أقل أن فقه ما قبل ألف عام يصلح لهذا العام ، والخلاف معك ليس في هذا أصلا ، بل في مرجعية الفقه التي تسميها ” الإسلام المؤسسي ” ، ثم تركت هذا كله ، وجعلته ليس نقطة خلاف وصار الخلاف في ” إستهزائي ” بالعقائد الأخرى ، وأنا لا أذكر أني استهزأت بأحد ، وإن كنت تعتبر أن نقضي أو حكمي بالضلال والخطأ على أي عقيدة خرافية هو استهزاء فسجلني أول المستهزئين ..

إنك هنا تحاكمني إلى رؤيتك الخاصة الليبرالية التي تسوي بين الأفكار في القوة والدرجة والقيمة ، وتلزمني بتبعية هذا ، وهذه على أصولك ” وصاية ” لا تليق برجل ليبرالي ، لأنك تريد أن نقول للجميع : أحسنتم قولوا ما تشاءون ونحن لا موقف لنا من هذه الأفكار .. فلماذا لا تطرد الأمر مع الذي يكفر الناس وهو لا يتعدى عليهم .. أليس حكمه عليهم بالكفر والخروج من الناس عقيدة خاصة .. فهل تحترمها وتقبلها ؟ فإن قلت لا فأنت تفرق بين المتماثلاث التي لا يقبل هذا لا عقلا ولا شرعا ..

تقول : ( يا أخي لماذا تفترض المراوغة، جهبذيتك وقدرتك على حوار النصارى واليهود والبوذيين و(الرافضيين) لماذا تقصر عن مناقشتي في بضعة مبادئ إنسانية، لست بصدد محاججة إيمانية، ولا مقارعة دينية، ولست أحمل إليك دينا أو مذهبا أقارعك به، كل ما أتمناه أن تقول لي بصريح العبارة: أنك لست الوصي على الإسلام، وأنك اليوم وغداً ترى أن من حق أي امرئ أن يعتقد ما يشاء، وأنك تتفهم حرية التفكير والتعبير، حتى لو كنت غير راض عنها في داخلك.. يا سيدي صنفني منذ اليوم كمرشح لجهنم آخرتك، وتفنن في تصور أنواع العذاب التي سأكتوي فيها، ولكن فقط لا تدخلني جهنم وأنا في حياتي الدنيا، ولا تقضي علي بحدودك الإيمانية ولا على بواطني العقدية، واتركوا لله دوراً، أليس هو مالك يوم الدين؟
أنا لم أناقشك بحيض ولا نفاس، ولا بحكم جلسة الاستراحة، ولا بالمواريث والأقضية والأنكحة، أنا فقط أقول لك: إن لم يكن بك رغبة للاستفادة من الجديد من المنجز الإنساني في الحقول الفلسفية والاجتماعية، دعنا نستفيد نحن، وعش قطيعتك الاجتماعية والمعرفية كما ترغب دون أن تفرضها على غيرك! فهل هذا ممكن؟
أحكم عليك بظاهر قولك فتتهمني بالافتراء، ومع ذلك لا تجد حرجاً من ان تتدخل في طويتي ومضمري وعللي النفسية المستحكمة بنظرك. ) .

وهنا أجدك تصر على رسم الصورة النمطية عني ، فأنا بينت سابقا وكأنك لا تقرأ ما أقول ، بأن من شروط الحوار بيان منطلقات المتحاورين ، وإلا أصبح عبثا ، وها انت تصر على أنني أطلب منك هذا حتى أختم عليك بخاتم الكفر ، وأشويك بنار جهنم .. فلن أطيل في الكلام عن هذه الفكرة ، إذ التكرر ممل ومكروه ..

تقول : ( بعد كل حديثنا تعود للقول : (يا أخي الكريم .. أنت لم تبين الوحي لا بالمعنى الواسع ولا الضيق ولا النصف كم ، أنت اصلا لا تريد طرق هذا الموضوع من أصله ، لأنك لا تملك أصلا النظرة لهذا الموضوع). وتتبجح بقول مغرور مستفز : ( وتعرف الاشكال المعرفي لو دخلت فيه ).
لن انجر إلى استفزازك هنا… وسأترك الأمر لمن يعقلون.
أخي الكريم أنا لا أحاكم لا الضوابط ولا منتجها وفق فهم معين، أنا فقط لا أنغلق على أدوات المعنى، لأن هذه الأدوات بحد ذاتها تحتاج إلى تطوير وتفريع وتوسع في الفهم، ودراية تنمو باضطراد.
تحاضر لي في العقل وأنا الذي بينت لك موقعه ومكانته في ردودي الأولى، بل إنك تكرر بعض ما قلته، على أنك ترد علي، على أية حال عد لحديثي عن العقل لتدرك أني لم أقدس العقل، بل لم أرفعه إلى مستوى النص المقدس، بل وضحت لك مراراً انك لا يمكن أن تحكم الوحي عبر عقل ملزم، لأن النص مفتوح ولا نهائي، والعقل منهجي ومقصور على وسائله ومعارفه، وهذا سبب رفضي لمؤسسيتك، فأنت تجعل عقلاً تاريخياً يحكم نصا أزلياً، وهذا ما أرفضه، لأنه إسباغ للقداسة على العقل، دعوتي لحرية العقل لا تعني تقديسه، وإذا كان هذا فهمك فيا للأسف… لأن هذا الفهم مشكلة، أنا أدعو إلى تفعيل العقل هذا صحيح، ولكني لا أمجده أما أنت فتدعو على تسفيه العقل وأنت تمجد عقلأً غابراً أدى دوره في حين مضى.
أشكرك على نكتة الوردي، ,اقدر لك أن تقرأ هذا (الرافضي) وأن تستشهد به، فهذا يمدني ببعض الأمل أن تتقبلني أيضاً ذات يوم، ولكن نكتته ضد ما تقول أنت وليس ما أقول أنا…) .
هنا يا أخي الكريم ترفض ” مؤسستي ” التي لم تجعل عقلا تاريخيا يحكم نصا أزليا ، وهذه إذا سمحت لي نص مغرق في الغموض ، فماهو ” العقل التاريخي ” ، وكيف جعلت النص ” أزليا ” ، فلا العقل التاريخي معنى واضح ، ولا النص الأزلي صحيح ، فلا المسلمون يرون النص أزلي ولا حتى العقليون والفلاسفة ، فالمسلمون يرون النص هو متكلم به بعد إن لم يكن ، فهو حادث الآحاد قديم النوع والعقلانيون والفلاسفة يرونه مخلوقا أي حادثا ، وهذه مشكلة الاصطلاحات الخاصة التي يقولها الإنسان ولربما يقصد معان خاصة به لا تتسق مع المعارف والعلوم .

أما أني ادعو إلى ” تسفيه ” العقل ، فهذا ينقضه محاضرتي لك عن ” العقل ” ، ووضعه في وضعه الطبيعي الذي لا يجعله مقدسا ولا يجعله مرفوضا .. فإما انك لم تقرأ ما قلت في محاضرتي عن العقل ، أو أنك لم تفهم مرادي ، فأخبرني حتى أضطر إلى الاعادة .
على كل حال .. نكتة علي الوردي لم تبين كيف هي لك وليست لي !

تقول أخيرا : ( ما من فكرة ناجزة إلا في عقل مؤسسي، كل شيء قابل للتغيير والتجديد، حتى الدين الحق لم يكن ناجزاً في يوم من الأيام، فكل يوم هناك مسائل جديدة، وكل عصر لابد من تجديد جديد، والتجديد لا يتجه نحو الأحكام وحدها إنما يتجه نحو الأدوات المنتجة لهذه الأحكام.
من خلال قولك أنا أرى أنه بات لزاماً عليك أن تنافح عن سلفيتك وتبينها لنا حتى لا نظلمك، مع أني حقيقة لست رافضا لوجود السلفية أو سواها، ولست رافضاً حتى لحياة بن لادن في كهوف تورا بورا، تلك حريته ذاك اختياره، إلا أنني أرفض التكفير و التدمير والتسفيه والتعالي. على أية حال يسرني أن تكون أقرب للتسامح مني مع أن التسامح مفهوم استعلائي، وما كنت أتمناه أن تكون أقرب إلى التفهم أكثر مني… فلست أدري علامَ تسامحني، وتتسامح معي!
على أية حال أنا أتقبل منك حديثك العمومي عن سلفيتك وأرى فيها إنجازاً طيباً تستحق الثناء عليه حتى ولو كان مجرد أفكار لم تتكرس كسلوك، فهي واعدة ومبشرة بتفهم أوفر.
وأحيي يدك الممدودة للتعاون، طالما لم تفرض علي يقينك، لكن سنتعاون من اجل واقع أفضل للجميع وليس لفئة دون سواها. اترك عنك التحليل النفسي والرجم بالغيب والقراءة من وراء حجب… لست مستلباً للغرب بقضه وقضيضه، ولي نظرة نقدية حول الاستشراق والكولونيالية والرأسمالية وكل الحراك السياسي والتاريخي، ولكن حين البحث في الفكرة الليبرالية أجد أن محاكمة هذا الغرب تغدو أكثر دقة، من مناهج ترتكب ربما أموراً لا تقل عن فظاعة ما ارتكبه الغرب ) ..وهذا الكلام أنه لا توجد فكرة ناجزة إلا في عقل مؤسسي عجيبة ، فأنت الآن وضح لنا ماهو العقل المؤسسي ، حتى نوافقك او نخالفك على الفكرة الناجزة ، وفكرتك هذه الأخيرة هي ” المشكلة المعرفية التقويضية التي تعرفها ولم تبينها ، أو انك لم تتفطن إليها حتى الآن ” ، ففكرتك هذه هي فكرة التقويضيين الذين يقضون على ما يسمى بــ ” الحضور الميتافيزيقي ” في المعاني ، أوما يسمونه بـ ” التمركزالمنطقي ” ، وهذه فكرة ما بعد الحداثة التي تبناها دريدا مستفيدها من رولان بارت ، وهي في النهاية فكرة ” عدمية ” تقويضية تقضي على كل قيمة خلقية او سماوية ودينية ، فتكون المعاني سابحة في فضاءات المعاني التي لا يحدها حد ، وهي أفكار إشقائية للبشرية اللاهثة وراء فهم الحق والحقيقة واكتشافها ، فحتى الدين ( الحق ) عندك لم يكن ناجزا في يوم من الأيام .. فلماذا إذن سميته ( حقا ) إذن إذ لم يكن ناجزا ؟ولو طالبتك ببيان معنى النجوز وضرب الأمثال لاتهمتني بأني أطلب رأسك للعدالة ، فأنت هنا تقضي على كل عقيدة للمسلمين ، فكل عقيدتهم بالله واليوم الآخر والنبوة ، والملائكة والكتب واليوم الآخر هي ليست أفكارا ناجزة ، بل هي أفكار قابلة للتطوير ، وهذه الفكرة تذكرني بمهووسي المادية الحديثة التي جعلتهم يعسفون آيات القرآن للتوافق مع الكشوف المادية ، فحتى يوفقون بين الدارونية وبين خلق آدم جعلوا ( آدم ) كناية عن الجنس البشري ، وجعلوا ( إبليس ) كناية عن الشر ، وجعلوا ( اليوم الآخر والنار ) من أجل الحث فقط على فعل الخير ..

أخيرا .. فما أرجوه من هذا الحوار أن نكون أكثر صراحة في حمل أفكارنا ، وأن نتعاطى معها بجدية أكثر ، وأن نفرق بين المستوى الشعوري والمستوى الفكري الذي يغطي أحيانا على التفاهم والتعاطي الحواري المثمر .

شكرا لك أخرى .. مع تمنياتي لك بالتوفيق !

مهيار

لم أستغرب ردك الأخير، حاولت أن أتحاشاه منذ البداية رغبة مني في أن نفكك سوياً القطيعة المعرفية بين اتجاهك وجميع اتجاهات البشرية، ولذلك وافقت على يدك الممدودة كما زعمت، ودخلت في بعض المسائل العقدية في ردي السابق حتى أقطع عليك التخفي وراء هذا المطلب، ولكن التفكير التفخيخي لديك عمل عمله، فأدخلتني في خلافات الحنابلة والمعتزلة والجبرية والمرجئة ووو، وأدخلتني خضم مسائل خلق القرآن والتجسيم والصفات… أحييك على هذا الهروب إلى الأمام… لن ألحق بك، لأجيب عن هذه القضايا، إن مصطلحاتي هنا فلسفية، وليست سلفية مبطنة بالتكفير.
يبدو أن هذه اللازمة حول ضبابية الرؤية لن تفارقك، على طريقة: (لو خرجت من جلدك لم أعرفك)، فعلى الرغم من كل التوضيحات التي بلغت حد الملل، مازلت تستقوي بهذا الموقف لتبدأ حوارك معي، وهو أسلوب لا يليق بمثقف، وإن كنا تعودناه من الفقهاء. وأنت تصر على الخصومة ما لم أتماهَ معك، وأنا أسعى جهدي إلى فك الخصومة دون أن يكون مطلوباً مني أن أتماهى معك، ولكن ذهنية التخاصم لا يمكنها أن تتحلى بغير الخصام.
منطلقاتي واضحة جداً إلا أنك تصر على سحب الحوار إلى حقل فقهي، لندخل مجادلة فقهية، أو إيمانية، وهذا ليس مقصدي كما بينت لك مراراً وتكراراً، ولكنك تصر على ألا ترى ولا تسمع، ولكن تتكلم فحسب.
وأجد أن قول المتابعين أننا لم نقدم شيئاً، سيكون على قدر كبير من الصواب طالما تدور أنت في نفس الحلقة، ولا تستطيع أن تغير شكل محكمتك، أما التغيير الذي حدث لك ولم تلاحظه، لم أدعِ انه من نتاج تفوقي عليك، وهذه فرية معيبة يكذبها ردي على أحد الأخوة بأن طرفا الحوار (كلاهما) لن يخرجا كما دخلا. وأنا اليوم في حواري معك لن أخرج كما دخلت، بل ربما أكثر إيماناً بضرورة إقصاء التفكير المؤسسي عن الشؤون العامة،لأنه تفكير حربي، وأنا لست هنا لأهزمك، ولسنا في حلبة مصارعة رومانية أو حلبة ديوك، ولكن يبدو لي أنك ترى الأمر هكذا، لك ذلك ولكن أنا لا أراه كذلك.
من يمارس الوصاية؟ أنا أم أنت الذي تهرب من الفكرة إلى الطعن في الإيمان والموقف من الوحي، ومع ذلك أنا ألاحظ التثاقف وأثره عليك، فكثير مما أرفضه من آرائك في نقاشي معك، تعود لتدلس في الأمر وتتنكر لقولك وكأنك تنسبه إلي، ثم تنتقده، والأمثلة كثيرة، حول العقل والحرية وتحييد مسألة الوحي …
هي في الأصل مشكلة فلسفية، فقضية حول حرية الفكر، هل تكون قضية رياضية أم موسيقية، وأنا لطالما بينت لك أني أهتم بحريتي دون تسامح منك، ولكن يبدو أن فهم الأمر صعب على ذهنية نمت وتربت على العداء للحرية. دعني أسألك وأجب بصدق ودون مناورات لمرة واحدة، لم تصر كل هذا الإصرار على موقفي من الوحي؟ ألم يكن كله من أجل تحويل النقاش إلى (كلاميات) فارغة، تعتبر أن النقاش ليس قضية فلسفية ولا في الموقف في الفلسفة، وتلجأ إلى مراجعك الصفراء تستعين بها لبيان طهرانيتك، ولست أدري ماذا تسمي الأفكار التي تصر عليها كل المذاهب الحية، والتي تقر بحق الاختلاف دون منة، أهي مجرد قرارات إكليروسية، أم نتاج فهم فلسفي عميق فرض على الإكليروس أن يتزحزح من نصوصيته ليبحث عن جوهر الإنسان.
مصطلحاتك تفضح منهجيتك وتفكيرك الذي تحاول تزينه ببعض الأسماء، الأسماء التي تريد أن توهمنا أنك قرأت ما لديها، ولا يمكن بتاتاً أن تكون قرأتها، لأن مجرد قراءتها كان يجب أن يكون لها تأثير عليك.
إذا تيهان فكري، وأنا تائه أضاع صراطك المستقيم، هذا هو خطابك التاريخي، فلمَ تخلع عنك أحيانا إهاب ابن لادن؟ أنت لا تختلف عنه سوى بالتزويق، فذاك يشمل البشرية في فسطاط الكفر وأنت تشملهم في فسطاط التيه. وكل فكر لا يكون مستقره بين يديك فهو فكر تائه. نعم هو ليس مسبة، إنما تصنيف نخبوي، وأدلتك التي مضت لم أبحث عنها، لأنها موجودة في ذهنك وحسب.
أنت لم تبين موقفك من الفلسفة، ولا يمكنك ذلك طالما تحاكمها بمنطق (ابن تيمية) الاستعلائي، فمجرد إدخال الأنبياء إلى صلب النقاش حول الفلسفة، هو إقحام للمقدس في العقلي، والمقدس لم يجابه العقل إلا ليحتكره أو يأسره، وترى أن الشطط حصل بسبب حاكمية المنطق على الدين، وهذا موقف عدائي لا يمكن لكل ادعاءاتك (الفلسفية) أن تخفف منه. وابن تيمية تجعله في مواجهة الفلاسفة مطارحاً، ولا تقول لنا هل كان في مواجهتهم كفيلسوف أم كوصي على الرسالة المقدسة؟ فالموقف يختلف!
هل علي أن أتبنى تعريفك للعقل الصريح حتى أكون واضحاً، أم علي أن أجلس بين يديك أيها المحاضر وأجادلك رواقياً في منهج السلفيين، حتى لا تعتبرني مشاغباً.
أنا لا استبعد منك أن تعاملني بحزام ناسف، ولكنك لن تحمله، بل سترسله مع مستلب، كشأن سدنة التكفير، وحزامك الناسف ليس من الضروري أن يكون شحنةtnt ، فالتشكيك بالعقيدة والمحاسبة وفق محكمة تفتيش أدهى وأمر من الأحزمة الناسفة، وتأليب الجهلة والاستعانة بذوي العاهات العقلية لطالما كان وسيلة الفكر الذي ترعرع مستمداً نسغه من رؤيتك، ولن أدخل في جدل حول مسائل الإكراه في التاريخ الإسلامي، فهذا التاريخ الذي تسبغ عليه حالة طهرانية كان يعج بإكراهيين على نمطك وأشد، ولن يلطف تسميتك لغزوات المسلمين بالفتوحات من الأمر، ولن يفلح منهجك الانتقائي في التعامل مع التاريخ، لذلك ما من تاريخ واحد معتمد لدى أساتذتك، فكلهم (المؤرخون) ينتابهم الشك، ولديهم ميل إلى التشيع، وذلك للهروب من بعض المرويات التي لا تتفق ورواياتكم الطهرانية النقية، مع أني شخصياً لا أحمل الإسلام الأصل جريرة أخطاء المسلمين، إنما أحمله لفهم معين، حوّل الإسلام إلى إيديولوجيا غازية أو عنفية غير مهادنة.
وأنا شخصيا مذ وعيت على الفكر، وجدت الاتجاهات الإسلامية المتزمتة على نحو ما أنت عليه، تقيم محاكم التفتيش، بل مارست القتل حينما لاحت لها الفرصة، أنا لا أناقشك داخل الدائرة الإسلامية اليوم، ولن أناقشك في يوم من الأيام، لأن كل نقاش تيولوجي برأيي هو تكريس للمقدس وخاصة في ظل مدرسيات مدججة بالتكفير، لذلك لن أناقشك إسلامياً، أنا أناقشك إنسانياً، في الموقف من الإنسان عامة، وأنت تصر على جر الحوار إلى مسائل عقدية. لذلك نافح ما شئت، واجعل الجنة مقصورة عليك، ليس هذا بذي بال عندي، ولكن تفهم أن لكل إنسان أن ينافح عن ما ورائياته وأن يحلم بجنة تخصه، وأن يعتقد في قرارة نفسه بجهنم تأتي على كل مخالفيه.
تقول: (إذ لا يمكن لأي مصلح أن يتقدم خطوة للأمام وهو رجل متشكك فيما يحمل ، هش في رؤاه ، فمثل هذا لا يصلح للحياة ، فضلا عن صلاحيته للإصلاح وتغيير الأفكار)
تأمل تفسيرك هذا لقولي أن الفكرة قد تكون خاطئة، أليس ما تقول مجرد تدليس والتفاف، أم هي مشاحنات (الورعان)…لست أدري هل يفيد الشرح مرة ثانية، وهل من الممكن أن تعي الأمر ما لم تعه من سابق قولي! وتقول لا يصلح للحياة، فإذا قلت لك ها أنت تدعو لاستئصاله ستنكر وتقول لم أقصد ذلك… إنما و إنما وإنما…
لن استفز في مسألة الضوابط والمعايير وسأرد عليك بتفقيط مفيد لمن يود أن يفهم:
فهل هو ينكر وضع المعايير في الأصل ____ لا لم أنكر ولم استهجن.
ويسميها ” الإسلام المؤسساتي “____ لم اسمها هكذا، بل أسميت من جعل هذه المعايير والضوابط ملزمة لكل زمان ومكان ومعرفة مدججا قناعته هذه بالتكفير أو التسفيه أو المصادرة.
فأين التردد المزعوم أيها الواضح الواثق.
المعايير لا تثبت إلا لخدمة إيديولوجيا تستغل المقدس، وهذا الثبات هو الحالة المؤسساتية المقيتة، والقصدية ثابتة وهي في مبناها ميتافيزيقية، ومع ذلك لم أنكرها، فقصدية الاقتراب من نور المعنى يجب أن تغلب كل معنى يغلف النص، وهذه هي القصدية المطلوبة، لئلا يلجأ جاهل أو زائغ إلى لي عنق النص كيفما يشاء، ثم فرض هذا الاعوجاج على أنه منهج السلف الصالح.

أما بخصوص قولك:
(وبخصوص المعايير التي تعتبرا محل إجماع عند العقلاء مثل مرجعية ” الكتاب والسنة في الاستنباط ” ، ” القياس ” الذي يتيح للنص أن يتفاعل مع كل المتغيرات .. ما موقفه من فهم الصحابة وفقههم للنص ؟ ما قوله في اعتبار الناسخ والمنسوخ ؟)
فعد لردي السابق ففيه تفصيل كاف لمن ألقى السمع.
أي طريق للنهضة، وذهنية التحريم والتجريم تلاحق كل عقل يحاول الإبداع؟ كيف تكون حضارياً ومذهبيتك تعادي أكثر من نصف أوجه التحضر المتعلقة بالرفاهية النفسية والفلكلورية؟ وتقيد الباقي وتجيره لعالم الأموات؟ هل الحضارة في قطعياتك وسيف قناعاتك المسلط على الرقاب؟ وهل كان التنوير يوماً ما بيد التزمت، وهل النهضة هاجسك أم تسليط سلفيتك على المجتمع وسد مسارب الحداثة؟ أي جهد نهضوي قام به ممن هم على رأيك، بل كل الجهود النهضوية مدانة برأيك، من الطهطاوي إلى محمد عبده إلى جمال الأفغاني ورشيد رضا وغيرهم.. فهم في تفسيراتكم الأدبية قد ركبهم شيطان الغرب وانحرف بهم عن عقيدتهم.
أنا لم أطالبك بتنحية الفقه، فالواقع قد نحى فقهك، والأمم المتحدة لا تسير وفق فتاوى مشايخك، والسلام الوطني لن يعزف بدف مفتوح من جانب، ومع ذلك ما من أحد يطالبك بتنحية فقهك، لكن في المجتمع أطياف وأوجه فقهية متعددة، واستحكام فقه معين بأحوال الناس هو لا يختلف عن أي استبداد مقيت. وهذا ما سيتغير إن شئت أم لا…لذلك كل تعداداتك الملحقة بهذه الفرية ليس لها أهمية. فلا تعدنا إلى نقطة الصفر.
إذا كنت تنظر إلى الواقع المعاصر من خلال منظور المدينة ومكة يوم كان يحيط بها عرب وروم وفرس، فكيف لك أن تحيا العصر ومفاهيمه، وكيف لك أن تقدر الجديد في الخارطة الثقافية والجغرافية لعالمنا. واعجبي!
أنا لا أريد أنا تحاججني بأدواتك المعرفية ، ولا أن أحاججك بأدواتي، فهل هذا يعني أن أحتكم إلى أدواتك، وإلا أصبحت مشاغباً…وإن كانت راحتك في ترك الحوار، فهو خيارك واختيارك… أنت الذي جئت ونظًرت، ونحن قوم لا نتلقى المحاضرات هنا، أنما نحاور الآراء.
تقول: (إن الانطلاق من ” مفاهيم مقدسة ” يختزلها الإنسان في عقله على أنها مسلمات ، ثم يجعلها حاكمة على الآخرين هي مشكلة المثقفين في هذا الوقت) مع أن الوقائع والأحداث والأفكار تدل أنها مشكلة الفقيه وليس المثقف، فالمثقف بمرجعياته المختلفة يقبل التغيير، من لا يقبل التغيير ويتعصب للآبائية هو الفقيه، الذي يقدس التوقيف.
لستَ مضطرا لقول هذا لإخوانك الليبراليين: أنتم على حق .. فسيروا على بركة الله ، ولم يطلب منك أحد هذا، وما من أحد جاءك واستلك من منتدياتك لتأتي هنا وتبارك لنا نهجنا، أنت من أتى بعقل الداعية وسفاهة تعاليه، وجئت محاضراً فينا لا محاوراً معنا، ومع ذلك أُستقبلت ومنحت مكانة تكريم، وتم تفسيرك غزوتك على أنها خطوة مباركة للحوار والتبادل المعرفي وتقريب وجهات النظر، لا للشتم والتسفيه والتكفير والاتهامات الرخيصة المعهودة بالعمالة والتبعية.
وأتحداك أن تأتي لي من قولي شاهدا واحدا حول التسامح، أنا لم أدع إليه ولن أدعو إليه، فأين الانقلاب المحرج، أم أن فقر وسائلك في المواجهة تلجئك إلى التلفيق!
نعم التسامح غوغائي ومؤدلج وخاصة في تيولوجية المتزمت الواعظ، والغرب متسامح فعلا فيما يملك الحق فيه، فأنت إذ تحجر على العقل وتعاديه تمنحه الحق أن يفعل بك ما يقابل فعلك، فإن تسامح حينها فهو يتسامح فيما يملك وليس فيما لا يملك. اتركني من الإجماع وقل لي صراحة هل توافق أنت على بناء كنيسة للمسيحيين القاطنين في الرياض؟ وهل كان من الممكن أن يجتمع كاردينال مع أحد المشايخ في بيت من بيوت مكة…
وقول الرئيس الأمريكي كلينتون حينما تحدث عن ” الإسلام ” في أمريكا وقال بأنه لم يصل إلى ” الخطوط الحمراء “، هو قول رائع ومدهش، إذن ليس له مشكلة مع الإسلام بحد ذاته، ولكن المشكلة ستكون عندما يتجاوز المسلمون الأعراف الديمقراطية. وأنا أؤيده في هذا تمام التأييد، وأشد على يده.
ويسرني أن تكون متفقا معي فيما تبقى، وإن كنت أختلف معك في نسبتها إلى التفكير السلفي فالوقائع تكذب ذلك، ولست أدري إلى من تنسب الواقع المؤلم الذي يحياه الناس بسبب التزمت، فمرجعية هذا التزمت هي السلفية، ومع ذلك تنكر وربما _أقول ربما_ تدعي أن مرجعيتها ليبرالية.
أنت من حاججني بالصحابة، يا عزيزي، أم أنك نسيت، عد إلى ردك السابق، وانظر ما قلت، أنت من يجعل هذا الأمر خلافاً باتهامات جزافية، والغريب فيك أنك تتساءل عن أمور فإذا بينت لك موقفي منها استغربت مني ذكرها… ولست أدري إن كان هذا أسلوباً من أساليبك التمييعية أم مجرد فقدان مؤقت للذاكرة.
أما ما يتعلق بمسألة الاستهزاء بالعقائد الخرافية، فما تراه خرافة هو عند آخر يقين، مثلما يقينك هو خرافة عند آخر، فبادره بالاستهزاء، ولكن لا تستغرب منه أن يستهزئ بك! فكل لا معقول لا يوافق لا معقولك هو خرافة، أما لا معقولك فهو غيب مقدس لا يعلمه إلا الله، أليس هذا كيل بمكيالين…؟
أنا لم أحاكمك على نقدك لليبراليتي، وقد استهلك مني قولي لتبق على ما أنت عليه مساحة واسعة من الحوار، مشكلتك أنك لا تصدق هذا إلا إذا قبلت وصايتك، وسبق أن قلت لك كفّر من شئت، ولكن لا تضيق عليه بسبب موقفك هذا وحسب. فها أنذا كافر بكل وصايتك فهل بإمكانك ألا تسعى إلى نحري في الحياة الدنيا.
من الذي لا يقرأ، إن قولك مردود باعترافك أنت، إذ سبق لك أن قلت لي أنك تجدني أرد عليك فقرة فقرة، فكيف تدعي اليوم أني لا أقرأ؟! وأشكرك لأنك لم تعد لفكرة منطلقات المتحاورين، فالمنطلقات واضحة ولا لبس فيها لمن أراد أن يفهمها.
وسأفكك لك الغموض فيما يتعلق بالفقرة التالية، مع أني استخدمت هذه المصطلحات متكئاً على الأسماء والعناوين التي تدعي قراءتها، ومن المفروض أنها لا تخفى على فقيه مثقف مثلك، العقل التاريخي؛ العقل في مراحله التاريخية، (Dictionnaires des termes philosophiques)، أما ما يخص مصطلح الأزلية، فهو مصطلح فلسفي بشكل عام، وليس حكراً على الصراع حول خلق القرآن، لذلك اترك عنك مسائل (حادث الآحاد قديم النوع)، وليس من ضرورة أن يتسق المصطلح مع بنية اصطلاحاتك الداخلية، فهذا الاصطلاح دارج كثيراً في حوارات ونقاشات ومسائل النص المقدس اليوم، وفي الثقافة العربية، وهو يدل على النص المقدس الذي يفترض صلاحه لكل آن وأوان، أما محاضرتك القيمة عن العقل، للأسف لم أجدها وما وجدته كان خالياً من كل قيمة، يا أستاذنا المحاضر.

مسألة الفكرة الناجزة بينتها لك في ردي السابق بما لا يقبل الشك أو التمييع، وها أنت كعهدي بك تذهب بها إلى حتف مذهبي، لتجعلها في وجه المقدس، ولعمري أن هذا فيه عودة لنقطة ما قبل الصفر، ومع ذلك أبين لك المراد مرة أخرى، ليس لتلافي اتهامك، ولكن إتاحة لك للاستفادة من الفكرة:
أستاذ استفهام عد لقراءة رولان بارت وجاك دريدا، وكلود ليفي شتراوس بذهن منفتح، لتدرك مدى ظلمك لنفسك، عد إلى حفريات الخطاب وتمعن فيها بعين الباحث عن الحكمة، لعلك تخرج من أسر فهمك لها، حتى لا ترى المنجزات الفكرية عبارة عن اشقائيات للبشرية، طبعا أتفهم حرصك على توفير الوقت على البشرية، ودعوتها للانصياع للحق الذي أنت عليه دون أن تدفع ثمن تجربة الوصول إليه.
أسميته حقاً مراعاة لك، ولا يوجد بنظري دين حق، هي مقاربات، واجتهادات، وهي بالمحصلة رؤى آنية تخضع لاشتراطاتها ومعرفتها الظرفية، ولكنها ليست مطلقاً. وسأبين لك معنى أن يكون الدين ناجزاً، ولكن عليك بداية أن تفرق بين الوحي وبين الدين، فدمجهما دليل على عدم فهم كليهما، فالوحي ما ورائي، والدين تفسيري، الدين هو قراءة الوحي واستنباط نظام معرفي وسلوكيات ناظمة اجتماعية، وفي الإسلام هو مجموع الأحكام والتشريعات المستمدة من النص المقدس ( القرآن وصحيح السنة)، وهذا الاستنباط وكل العمليات الاجتهادية هي جهد بشري قابل للخطأ أولاً، ولا يرجم بغيب ثانياً، لذلك هو غير منجز بشكل مطلق، قد يكون منجزاً في مرحلة واكتمل انجازه بارتضاء الناس لتفسيره، إلا أنه لن يكون منجزاً إلى الأبد.
جميل منك أن تقول: (هذه الفكرة تذكرني بمهووسي المادية الحديثة التي جعلتهم يعسفون آيات القرآن للتوافق مع الكشوف المادية ، فحتى يوفقون بين الدارونية وبين خلق آدم جعلوا ( آدم ) كناية عن الجنس البشري) . وأنا أشاركك الرأي بعامه، ولكن أختلف واستغرب من اصطلاحك العجيب والغرائبي: (مهووسي المادية الحديثة).
الأخ استفهام، أتمنى عليك أن تتخلى عن استعلائيتك، وهروبك لحقلك الكلامي، ودعنا في خضم ثقافة عامة، كل ما أرجوه وأتمناه أن أستفيد منك، وتستفيد منا نحن هؤلاء المارقون في هذا المتنفس.

فعلا أتمنى ألا تكرر ما تقول، حتى لا أكرر لك الرد…
وأعود لأقول لك: حلبات المصارعة الحرة…لا تستهويني… وهدايتك ليست مطلبي…
كف عن التسفيه، لأنه يمنعك من تجديد هوائك الفكري
هناك أمور أهم يمكن مناقشتها … بدلا من هذا التسفيه الذي تلبسك

مع التقدير لك ولكل الحاضرين.

د.استفهام

مما أسعدني في هذا الحوار متابعة أستاذ كبير مثل أبي يعرب المرزوقي ، وكنت حقيقة أتشكك في أن الاستاذ مهيار قد نقل القضية إلى الهجوم علي حتى قرات كلامي أبي يعرب عن النقاش ، ثم لما قرأت ” هجائية ” الاستاذ مهيار الأخيرة أيقنت ان ما ظننته صحيح ، وأن القضية عنده مثل ما قال المثل : رمتني بدائها وانسلت ..

في ردك الاستاذ مهيار الأخير تتبين هذه الصورة بأوضح تجلياتها ، ولن يزيلها تمجيد البعض او نحاولة التعمية على القارئ ، فأنا منذ البداية حددت موقفي من الحوار ،ولا لوم على أي محاور أن يبين منطلقاته في الحوار ، ثم يطلب من مقابله أن يبين عن منطلقاته ، وأما قضية ” حوار إنساني ” ، فهذه ثالثة الأثافي ، فهو يريد أن يعرب الحوار فأعجمه ، فهل يقصد أن كونه إنسان وأنا إنسان كاف لأن نتثاقف ؟ وهل جرى في التاريخ يوما في الفلسفات القديمة ، وفي العصر الإسلامي ، وفي فلاسفة الأنوار ، وفي الفرق العقدية أن اجتمع أناس يناقشوا قضية دون أن ” يحرروا محل النزاع بينهم ” ، وهل المثقافة إلا نقاش من خلال منطلقات متوافقة أو متباينه ؟ فإن كان المحاور لا يريد أن يبين نقاط الاتفاق ، ولا نقاط الاختلاف ، فما الحيلة والحال هذه ؟

الأستاذ مهيار منذ بداية الحوار وهومرة مع ” الإسلام ” ومرة ضد ” الإسلام المؤسسي ” ، ومرة لا يريد المعايير ، ومرة يقرها ويطالب بتغييرها ، مرة يمجد بالليبرالية على أنها هي المخلص ، ومرة يراها قاصرة وقد تستغل في إذلال الناس ، فهذا التزحلق الفكري لن يفيدني ولن يفيده ولن يفيد القارئ ..

حقيقة سأتجاوز كل هذه ” الهجائية ” التي بدأت تتصاعد عند الأستاذ ، ويكفيني حقيقة أن يظهر في هذا الحوار من هم أصحاب الطرح الدوغمائي والتعبوي والتجييشي ، فقد انقلبت الآية .. وهذا فقط يعني لي الشي الكثير ..

يا أستاذ مهيار ، لك أن تربطني بأبي عبدالله الراسبي ، او بابن لادن ، أو بمن تشاء من التكفيريين والدمويين ، ففي نهاية المطاف أعلم ان هذا محاولة لربطي بمن يكره الليبراليون ، ولكن حتى معارضي سوف يدركون هذا .. والمقصد منه .

إذا كنت يا استاذ مهيار ترى أن الحوار في أصله ” فلسفي ” ، فلماذا لم تقتصر في حوارك على البعد ” الفلسفي ” في قضية ” الليبرالية ” وتقتصر عليه ، فأنا بدأت أصلا في الحديث عن الليبرالية من خلال مشكلاتها المعرفية ، فلماذا إذن تقحم الكلام حول ” الإسلام المؤسساتي ” وتنظر له ، وتتكلم حول منهجه الكلامي ، فأنت نقلت الحوار إلى حقلي المعرفي ، ثم لم تستطع ان تحاورني في حقلي ، ولم تستطع ان ترجع إلى حقلك ، فلا أنت نقضت منهجي بأدواتك ، ولا بأدواتي ، مع ان التطارح الثقافي يقتضي أن تفعل هذا ، فلسنا نناقش القضايا من منطلق واحد حتى تناقشني أنسانيا ، فأنت رجل ” ليبرالي ” وقد أسميت عنوان الحوار ( حوار ليبرالي مع الدكتور استفهام ) ، فناقشني من خلال ما التزمت به ، فإن رأيت خطأ منهجي ، فإما ان تناقشني عقليا في نقضه ، أو أداتيا من داخله ، وإلا فأنت عبثي لن تقدم للآخرين شيئا ..

ثم .. إن هذا المنطلق ” الإنساني ” مشكل من جانبه المعرفي ، ومن جانبه المصطلحي ، وحقيقة فقد أجلت الفكر في هذا المصطلح ، فرأيته يتماشى مع الرجل الليبرالي الذي ينطلق من الوجودية والذاتية ، ثم وجدت ان ” المفاهيم الإنسانية ” في محصلتها عن الليبراليين والعلمانيين العرب هي مفاهيم ” الغرب ” ( الرجل السوبرمان ) ، فهم يدعون للإنسانية ، ولكنها إنسانية الغرب ومفاهيمه وقيمه ، ثم يجعلونها مرتكز الكون ، ثم يريدون محاكمة الناس وأفكارهم وأديانهم وعقائدهم من خلالها ، وهي في النهاية حرب ثقافية بالوكالة عن الرجل الأبيض .إنني إدرك ” المأزق ” الذي قد يقع فيه أي محاور حين يكون النقاش عن المصطلحات الفلسفية ، ومقارنتها بمفاهيم الدين الإسلامي ، فهو يجزم حتما بأن هذه المفاهيم لابد أن تصطدم بالنص مباشرة ، فهو سيقع الآن في إشكالية التوفيق ، وخاصة من لم ينتزع من الإسلام ومفاهيمه ، أما من أعلن موقفه من النص فهذا لا شك سيكون أكثر اتساقا مع نفسه ، وأكثر وضوحا في حمل فكرته ، إنما الذي يعجزك ويشغب عليك ذاك الذي يحاول الالتفاف على النص من خلال تفريغه من محتواه بعدة وسائل ، ومن ضمنها ضرب أدواته المعرفية او إحلال البديل الادواتي له حتى يصل في النهاية إلى تمرير رؤاه وأنسنته من خلال النص نفسه ، وما محاولة التفريق بين ( الوحي ) و ( الدين ) إلا محاولة للفصل بين النص وآلياته ، ثم يجعل القرآن محيدا عن الفكر والتأثير فيه أو الحاكمية عليه من خلال قبول النص لأي معنى من هذه المعاني ..

نعود هنا للحديث حول الفلسفة ، فالأخ الكريم مهيار ينكر على ابن تيمية إدخال الأنبياء في موضوع الفلسفة ، وأنا اتعجب هل قرأ الأخ مباحث الفلاسفة في القديم والحديث ؟ ألم تأخذ الألوهية وفهم الحياة ونشأتها ومعادها والقصدية منها الحيز الأكبر من عمل الفلاسفة ؟ ألم تكن الألوهية والربوبية هي محور دعوة الأنبياء ، وهي في نفس الوقت محور حديث الفلاسفة ؟ ألم يكن موضوع ” قدم العالم ووجوده ” المحور الأساسي الذي أنتج المنهج الأرسطي وخوض المعارك مع السفسطائية ؟ ألم يكن الفلاسفة يرون أن لا حاجة للأنبياء بحجة أن ” العقل ” يتوصل إلى كل تعاليمهم
بلا حاجة لوحيهم ؟ ألم تكن قضية ” الالهيات ” هي قضية الفلاسفة المسلمين عبر تاريخهم ؟ أليست هذه نقاط تماس واضحة لا لبس فيها بين ” الفلاسفة والأنبياء ” ؟ ألم تكن مهمة الفلسفة هي ” الوصول إلى الحقيقة ” سواء كانت دينية او دنيوية ؟ يبدو ان هناك مشكلة في أصل موضوع الفلسفة التي وقف لها ابن تيمية ، ولذلك لم أستطيع ان اعرف هذا التراوح في فكر مهيار ، فمرة يخيل أليك أنه فيلسوف عصره ، ومرة تغيب عنه أبجديات العلوم والمعرفة .. فبدأت أشك حقيقة في قدراته المعرفية الأولية ..

أنا حقيقة سأتجاوز قضية ” الحزام الناسف ” وما حوله ، لأني أرى ان النقاش حول هذه القضية ينزل كثيرا من قيمة النقاش العلمي ، ويزيد من الإقناع بان المقابل بدأ يلجأ إلى الشخصنة أكثر من الجدة في مناقشة الأفكار ، وطريقته هذه تذكرني ببعض إخواننا حين يناقش الليبرالي ، فكلما ذكر فكرة قال : نعم ، نعرفكم ، تريدون ان تمشي نساؤنا عرايا في الطرقات ، تريدون أن تقضوا على الكتاب والسنة ، تريدون وتريدون .. انتم منافقون تبطنون الكفر وتظهرون الإسلام .. وهذه طريقة عقيمة وسقيمة في المناقشات ، فكل طرف عنده القدرة على تشويه الطرف الآخر ، ولكني أعاملك من منطلقك المعرفي ، فإن كنت تقرر أن الإنسان حر في اعتقاده ، وأنه لا يجوز ممارسة اي وصاية عليه من أي باب ، وأن
الحرية في أن يقول ما يشاء ليست منه من أحد ، فلماذا لا يبين الإنسان عن فكرته بشجاعة ولا يخاف أحدا طالما أن الأمر مكفول له ، وأن القضية هي حق لا يستطيع أحد أن يسقطه .. وهذه ليست محاولة للتكفير ولا للقتل ، بل هي محاولة للفهم واستيضاح المنطلقات حتى يكون الحوار أكثر قيمة وجدية ..

أنا هنا يا استاذ مهيار لم آت لاستفيد معان جديدة من مفاهيم ” الإنسانية ” فعندي مكتبة عامرة فيها كتب الفلاسفة المحدثين والقدامى ، وأنت هنا لا تريد أن تستفيد مني في بيان المنهج المعياري السلفي في الفهم والتلقي ، انا بدأت حواري حول إشكالية ” الليبرالية ” في السعودية ، من خلال أمرين :

1- الإشكالية التي تعتور الليبرالية كمفهوم فلسفي ضبابي ومائع
2- موقف الشريعة من الليبرالية .
فحين يأتي إنسان ليناقش هذه الأفكار لابد أن يلتزم بما يرغب في مناقشته ، وخاصة أنك انت الداخل في الحوار ، ثم تريد أن تصرفه للمنحى الذي تريد ، فإذا عرفت موقفك من الليبرالية من خلال مفهومها الفلسفي … وعرفت تصورك حول موقف الشريعة منها انتهى الأمر ، فلماذا تستدعي كل هذه المشكلات المعرفية ، والمواقف الشخصية ، والاسقاطات العجيبة ؟ فلا أنا ولا أنت ملزمين بمواصلة الحوار .. ولسنا في حلبة مصارعة كما قلت ..

صدقني في ردك الأخير اتلفت لأبحث عن فكرة جديرة بالحوار فلم أجد إلا النزر اليسير ، فكل سطورك هي هجائية متوجه للذات ، وأمور مكرورة قد ناقشتها من قبل ، فلا أدري ما قيمة هذا الأصرار أن تخرجني في نهاية الأمر أني ” الوجه الآخر لابن لادن ” ، والمشكلة الكبرى عندك وأنت الرجل الليبرالي المحترف أن احاكمك لا تقبل المساومة ، فلا أدري أين تغيب النسبية حين يكون الحكم ضد منهجي ومدرستي ؟ كل شي عندكم معاشر الليبراليين نسبي ، كل شي قابل للتعديل والتبديل ، كل شي قابل للمراجعة ، كل فكرة لها ظل آخر ، كل معنى له ترحل ، كل انهدام لمعنى سوف يقوم على انقاضه معنى جديد .. إلا في شأن واحد فقط :

حين يكون الكلام موجه إلى المدرسة السلفية ، فالأحكام فيها قاطعة ، فهي تكفيرية ، وتفجيرية ، ومتخلفة ، قد تجاوزها الزمن ، فلم تعد صالحة لشي ، إقصائية حدية ، فلماذا لا تحضى هذه المدرسة منكم ولو بشي من إنسانيتكم الطافحة التي تستوعب ماركس ولينيين والشيعة والمتصوفة والفلاسفة واليهود والنصارى وحضارة الغرب والشرق ، اتسعت بطائنكم لكل هذا .. ثم ضاقت عن فكرة عشتم في كنفها ؟ إنني لا أريد ان تحتكمون إلى مؤسستي ومدرستي ، أريد فقط أن تحتكموا إلى تعاليم مدرستكم أنتم .. فهل ستتسقون مع أنفسكم ؟

إنني لا ألوم الرجل السلفي القاطع في أحكامه ، الصارم في فهمه ، الحدي في تصوراته ، ولكني ألوم المتلفع بإهاب الليبرالية وهو شخص في حقيقته مستبد ، شخص سوداوي ، تقطر كلماته دما في مقابل دم ، وعندي لو أن الله أمكن رجلا مثل تفكير الأخ مهيار على رقاب السلفيين سوف يقيم لهم محاكم تفتيش ، ويبيدهم بالهوية ، فالنازية خرجت من رحم الأنوار ، ولن يقتصر على السلفية ، بل هو سيقضي على المدرسيين تحت كل سماء وفوق كل أرض .. ثم يكشرب في الليل كأس الليبرالية المنعش ..

أنت هنا ايا استاذ مهيار تمارس مع ” استبدادية ” مطلقة وأنت خلف معرف شبحي لا يعرف ، فكيف بالله لو كانت عندك القدرة أن تفعل ماهو أشد من هذا ؟ إن ركوب الليبرالية لأنها تتيح لك ولغيرك النكاية بكل خصم مفترض ، والناس عندك فسطاطان : ليبراليون انسانيون .. وآخرون تفجيريون ظلاميون مدرسيون .. فالعقلية واحدة ,وأنت وابن لادن وجهان لعملة واحدة .

إن استخدام المصطلحات الرخيصة التي لا تدل على معنى محدد مثل ” التزمت ” هي شعارات إعلامية وصحفية ، لا تقف أمام المحاكمة المعرفية ، ولذلك فما أسهل قلب كل مصطلح على رأس صاحبه ، فإن كان التزمت صفة فكرية ونفسية تعني التشدد في حمل الفكرة والدعوة إليها ، أو في تعنيف المخالف ، فلا أخال بني جلدتنا من الليبراليين إلا في قمة التزمت والإقصائية ..

في هذا الحوار أحاول أن أتجاوز أي فكرة تلجئ الإنسان إلى الدفاع عن ذاته إلى الدفاع عن فكرته قدر المستطاع ، وما أتجاوزه من نقاط هي تصب في هذا المصب ، فحين ذكر الأخ مهيار قضية ” الأزلية ” قال بأن المسألة مصطلحات خاصة ، ولا تلزمني بمصطلحاتك وفهمك ، وهذا نتاج طبيعي لغياب المنهجية في التحاور العلمي ، فحتى من يتفقون في المرجعية ” العقلية ” للأفكار ، ويحيدون الوحي والدين عن الحوار لابد أن يتفقون على مرجعية تحدد وتضبط المصطلحات ، فإن لم يكن المبدأ ” الوضعي ” للمصطلح هو الحاكم ، فلا أقل من” لغة الخطاب ” ، فحين تقول أزلية فأنا اتكلم مع رجل عربي يكتب باللغة العربية ، فإن كسر مرجعية اللغة في التخاطب فلم يبق إلا لغة الإشارة للطرشان ، وهذه هي مشكلة المعرفة المراوغة التي لا تتكئ على أصول ومنطلقات واضحة ، فالفرار من الالزام والالتزام من أسهل ما يكون ، وهذا الذي يميز بين الصرامة المنهجية ونفلاتها ، والغريب أنك في بداية الحوار بينت أن الليبرالية منهجية صارمة ، وتبين في أثناء الحوار أنها لا صارمة ولا منهجية ، بل هي فضاء لا يعرف له أول من آخر ، ولا رأس من ساس ، فهي تتيح للإنسان فقط الترحل ، دون ان تعطيه الأسس المعرفية المحكمة التي يتكئ عليها في نقاشه مع الأفكار ، وما أسهل ان يقول الليبرالي : ربما ..ثم تتحسف على الوقت الذي أمضيت فيه تحاجه .. وهذا يبشر بولادة سفسطائية جديدة لا تستطيع ان تقف على أرض صلبة فيما تقول أو تفعل .. وليتها في نقدها للسلفية تقوم بنفس الأمر ..

يقول الإستاذ مهيار : ( أستاذ استفهام عد لقراءة رولان بارت وجاك دريدا، وكلود ليفي شتراوس بذهن منفتح، لتدرك مدى ظلمك لنفسك، عد إلى حفريات الخطاب وتمعن فيها بعين الباحث عن الحكمة، لعلك تخرج من أسر فهمك لها، حتى لا ترى المنجزات الفكرية عبارة عن اشقائيات للبشرية، طبعا أتفهم حرصك على توفير الوقت على البشرية، ودعوتها للانصياع للحق الذي أنت عليه دون أن تدفع ثمن تجربة الوصول إليه.
أسميته حقاً مراعاة لك، ولا يوجد بنظري دين حق، هي مقاربات، واجتهادات، وهي بالمحصلة رؤى آنية تخضع لاشتراطاتها ومعرفتها الظرفية، ولكنها ليست مطلقاً. وسأبين لك معنى أن يكون الدين ناجزاً، ولكن عليك بداية أن تفرق بين الوحي وبين الدين، فدمجهما دليل على عدم فهم كليهما، فالوحي ما ورائي، والدين تفسيري، الدين هو قراءة الوحي واستنباط نظام معرفي وسلوكيات ناظمة اجتماعية، وفي الإسلام هو مجموع الأحكام والتشريعات المستمدة من النص المقدس ( القرآن وصحيح السنة)، وهذا الاستنباط وكل العمليات الاجتهادية هي جهد بشري قابل للخطأ أولاً، ولا يرجم بغيب ثانياً، لذلك هو غير منجز بشكل مطلق، قد يكون منجزاً في مرحلة واكتمل انجازه بارتضاء الناس لتفسيره، إلا أنه لن يكون منجزاً إلى الأبد.) ..
إن شاء الله سوف أعود لقراءة رولان بارت وجاك دريدا بذهن منفتح ، ولكن ما الحيلة إذا كان هناك من بين ” عدمية هؤلاء وتقويضيتهم وعبثيتهم ” وهم لم يشمون في يوم الأيام رائحة السلفية ولم يدخلوا في دائرة الإسلام ، فإن كنت ترى أن خلفيتي المعرفية هي التي جعلتني أقرأهم قراءة متزمته ، فما بالي أجد من يوافقني على نتائج قراءتي لهم من غير المسلمين ؟ فهم ليسوا مصيبة فقط على الاسلام والسلفية والوحي والنص ، بل هم مصيبة على كل قيمة قارة وأخلاقية مطلقة ، ولذلك سأعود لقراءتهم لعلي أجد غير ذلك .. ولا أظن !

أما قضية التفريق بين ” الوحي ” الذي هو ( ما ورائي ) ، و ( الدين ) الذي هو عملية الاستنباط من الوحي ، فهي فكرة جديرة بالبحث معك ، وها انت في ختام كلامك الكثير الذي لم نعرف منه الزمام من الخطام تصل إلى نقطة فعلا تضرب على وتر ما تريد ، ولعلك ختمت بها لاهميتها عندك ، وهذه حقيقة ألمسها من سياقك ..
أولا : فكرة ” الماورائية ” إن كنت تقصد أن معانيه مخبأة لا يعرفها الناس ، فهذه أقرب إلى فكرة الباطنية في إشارية وغموض المعاني على العامة ، وانت هنا تثبن انه لا يمكن ان نفهم أي فهم من ” الوحي ” يكون هو مراد الله تعالى ، وعليه فلا قيمة لهذا الوحي الذي لا يستطيع أن يوصل الناس إلى هداية الله ومرضاته ، فمهما قرأنا القرآن فلا قيمة لهذه القرآءة ، لأن كل فهم نفهمه هو ” دين ” قد يتغير بعد قليل بتغير الظروف الموضوعية ، وعليه فالناس تقرأ نصا جامدا لا روح فيه ، وما يتولد فيه من معان ليست هي خطاب الله للمكلفين بوحيه .. فماذا يبقى للناس تتعبد فيه الله ؟
ثانيا : الوحي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى قال : ( لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم ) ، فهل بيان وتفسير وشرح النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لصحابته يعتبر من الدين الذي لا يعبر عن الوحي الماورائي ؟ أم ان بيان النبي صلى الله عليه وسلم الوحي للناس هو إفهام للناس للوحي الذي هو كلام الله وهدايته للناس ؟
ثالثا : حتى الذين يخالفونك في هذا لا يقولون أن كل عملية ” استنباط ” هو تعبير عن مراد الله ورسوله ، بل قالوا بأن هناك موارد قطع ويقين في خطاب الوحي للمكلفين لا يشك فيها مسلم ، فوحدانية الله هل هي عندك من الوحي الماورائي الذي يخرج عن إطار الدين ؟ ام هو من الدين القابل للتبدل والتغير ؟ تحريم الزنا والفواحش … الأخلاق وغيرها ، ضعها أين ما تشاء ، فقط بين هل هي ” وحي ” أم دين ؟

إذا كان غير المسلمين يعرفون أن الإسلام جاء بمحرمات قاطعة ، وأحكام عقائدية ، وأخلاق محددة ، والأنبياء وأسماءهم ، والكفار وصفاتهم ، والمنافقون وذكرهم .. فهل هم اخترقوا حجب السماء فقرأوا ما في اللوح المحفوظ في معانيها ؟ أم هم يعرفون أكثر من بعض فلاسفتنا أن الدين منه ماهو تعبير مباشر عن مراد الله ورسوله ،( المحكم ) ،ومنه ما هو موارد ظن واجتهاد ( المتشابه ) ، بل هم يدركون مناطق الاشتراك بين الإسلام والديانات الأخرى بجامع أنها كلها شرائع سماوية ..

أخيرا … فالرمي بالاستعلاء والتسفيه وغيرها لا استطيع ان أمنعك منها ، وسوف أتركها لأخلاقياتك ، فإن كنت تفهم من ردي لفكرتك ، ونقضها انه تسفيه واستعلاء ، فلك هذا .. وفتش عن طريقتك في الحوار ، ستجد كل صفة رميتني فيها فيك أضعافها ..

شكرا لك على ما قلت ، مع تمنياتي لك بالتوفيق والسداد .

مهيار

يسعدني أيضاً أن يتابع الحوار الأستاذ المرزوقي، الذي أحترمه وأحبه وأقدره وأقرؤه بمنتهى التقدير والاحترام، ولا أخفي أني تتلمذت على بعض كتبه، وربطتنني به علاقة قصيرة قبل أكثر من عشرة سنوات، مازلت أذكر تفاصيلها بكثير من التقدير، قد يكون لي رأي مخالف له في بعض المسائل الفرعية، ولكنه عموماً رجل فكر وعلم وثقافة، وأنا أتابعه كلما سنحت لي الفرصة.
عزيزي لن أنجر إلى المهاترات، كما أني لن أقطع صلة الحوار من طرفي، وسأوضح لك جملة من الأمور، ولا أنتظر منك تقييماً كعادتك، ذلك أني بت على يقين انك لا تود أن تفهمني، ربما لأن أدواتك قاصرة عن تقبل أي اختلاف، إضافة إلى موضعة تصر عليها، وهي لا تهمني البتة.
أوضحت لك منطلقي مراراً، وبينت لك الليبرالية التي أفهمها، والتي تكيل لها التهم وتخلط بينها وبين كل ما أنتجه الغرب من أفكار وحراك إنساني، وبينت لك مراراً أنها بمعزل عن مسألة الوحي، فما كانت تصلك الفكرة ولن تصلك… أنت لا تقرأ الكلام إلا من خلال تأويل مسبق، وعدائية ناجزة، وأصدقك القول هذا ما وجدته في معظم الدعاة الذين يدعون ثقافة شاملة وواقع الحال أنهم دوماً يقرؤون لتسقط عبارة هنا أو هناك، ليجعلوها متكأً لرفض الغرب بقضه وقضيضه.. ولرفض التجديد.. على أنه متأثر بمناهج غربية.
الغرب حقيقة ماثلة أمامنا، وهي تفقأ كل عين تراوغ، المنجز الغربي تجاوزنا منذ زمن بعيد ونحن لا نزال أسرى افتخارياتنا الهزيلة، ومدارسنا المتآكلة، وخصوماتنا الأزلية، وبدلاً من الاستفادة منه، نصوره دميماً مليئاً بالآثام، حتى لا نشعر كم نحن في حالة يرثى لها، نعم يا أيها الشريف تأخذنا العزة بالإثم، فلا نقر بما نحن عليه من وضاعة، وإذا حاول نفر منا أن ينبه للأمر، وأن يدعو للاستفادة تحاملنا عليه وطالبناه ببيان موقفه من الوحي، لست الأول ولن تكون الأخير، هذه ثقافة مستمرة منذ أكثر من ألف سنة، وهي الثقافة التي تمنع كل بصيص أمل. إلا إن الزمن كان دوماً يتكفل بالمقلدين فيرسلهم إلى غياهب النسيان والاستنكار.
محل النزاع عندي ليس إيمانك، ولا مدرستك، أنما ما تسبغه على نفسك من مكانة تبيح لك تصنيفي مؤمناً أو كافراً، صحيح أنك تستمدها بالمحصلة مما نشأت عليه، وليس من مشكلة لدي أن تبقى على رأيك، بل أنا معني بالعمل على حريتك في التفكير والاعتقاد، مهما اختلفت معك، أما أنت فقد أوتيت تفويضاً سماوياً يبيح لك تسفيه كل مخالف، فساعة هو ضال، وساعة هو مغضوب عليه. لا فكاك لمن تختلف معه من إحدى الخانتين.
اللهجة الهجائية لم تتصاعد، أنا فقط أقرأ ما يتضمنه كلامك وموقفك، وأتمنى من كل قلبي أن أكون مخطئاً، إلا أنك كل مرة تقدم لي المزيد من الأدلة. ولم أشخص الموضوع، فأنا لا أعلم من أنت، ولا يهمني إن كنت شريفاً أو قبلياً أو من سلالة عنترة، أنت تدعي الانتماء إلى مدرسة وتحاكمني باسمها، ثم تتنكر لها إذا ناقشتها مدعياً أنك أنت أيضاً تنتقد بعض المظاهر السلبية التي ترتكب باسمها… هذه مشكلة النصوصيين، يحاكموننا باجتهاد نصوصي لا يوجد إلا في الكتب وواقع الحال أنهم يستبدون وينحرفون ويبيحون ما لا يمكن إباحته.
ثمة أمور وضحتها بدقة متناهية وأنت تصر أن تؤولها، فقراءتك تعبوية كما أسلفت لك منذ البداية، وأنا واثق أنك لو تمكنت من ركن مسألة العداء المسبق على جنب، لاستفدت وأفدت، لا تتمكن من دحض ما أطرحه من رأي، فتلويه على غير محمله لكي تجد لك ما تتحدث فيه، وهذا النهج لا يصل إلى نتيجة مفيدة، فقط مصارعة رومانية حرة متضمنة كل وسائل العنف اللفظي.
الحوارات أمام الجميع، ومن يقرأ سيدرك من هو المتزحلق، وسيدرك من هو الذي يبادر الآخر بالتسفيه، أنا لم أشخص لك حالتك، بل أنطلق من من قولك حينا تدعي السلفية وحينا تدعي أن لك اجتهاداً خاصاً بك ضمن السلفية، أنا لم أطالبك بداية ببيان أي شي يتعلق بإيمانك، ولكنك تصر على أنك سلفي حينا وحينا تدعي انك قد خرجت من عباءتها، فاحترت معك… ,أردت أن اعرف موقفك بالضبط.. بناء على ما تهتم به وليس ما أهتم به، وأنا على صلة طيبة بكثير من السلفيين الذين لا يتبنون هذا الموقف العدائي، والذين أخذوا من السلفية ميزتها الأفضل في تنقية الإسلام من الأوهام، دون أن يبنوا أوهاماً جديدة، أو ينحروا الناس على سلم مقياسهم.
أنا أفهم سبب ثورتك، فالأسئلة المباشرة وضعتك في خانة إليك كما يبدو، فلجأت إلى ما تنكره علي- باتهامات وافتراءات- من الإشغاب. وأنا حقيقة لم أطرح هذه الأسئلة لكي أختبرك أو طلباً لإجابة، ولكنها مسائل علينا أنا وأنت أن نفككها وننظر في واقع ملاءمتها اليوم لمصالح المسلمين في عالم تغيرت سماته. ولكنه العنف، العنف لدي لا يقتصر على فعل جسدي، بل إن عنف الخطاب أدهى وأمر، والربط بينك وبين من ذكرتهم لك ربط منهجي، هذا يؤدي إلى ذلك، وذلك يؤدي إلى ذاك.
نعم حواري معك حوار ليبرالي، يتسم لدي بحرية الرأي والتعبير، ولا يميل إلى سجال ثنائيات، على قاعدة إما أو، وكنت آمل فيك أن تكون على مستوى المسؤولية، فتنهج نهجاً تواصلياً مع تقدم الحوار، إلا أنك انكفأت على أدواتك، وشرعنت نفسك خصماً وحكماً. اعذرني يا أستاذ استفهام، لا يمكن للحوار أن يأتي أكله إذا لم تستسغ المائدة المستديرة.
ليست لدي مشكلة أن يكون لك طريقتك في تناول المسائل العقدية، لذلك لم أهتم بالضبط المنهجي، فهذا الضبط المنهجي بحد ذاته ليس مقدساً، كما أنه لن يمهد للقاء بيننا لذلك كنت أؤجله، ريثما نتمكن من تفكيك المسائل الرئيسة حول حرية التفكير والرأي، ويبدو لي أنك استطبت إهمالي لهذا الجانب فبت تركز عليه، وتود أن تضعني في مواجهة عدائية مع مناهج أصلاً أنا لا أعاديها، وإن كنت لا أقدسها، إنما أرى أنه هناك ما هو لها وما هو عليها.
قل ما تشاء عن الغرب، إلا أنه يتقدمك في كل مجال، وقل ما تشاء عن الليبرالية إلا أنها نفق النور الممكن اليوم، وبقدر ما تتعنت في إنكار الحقائق ، بقدر ما تظلم نفسك وقومك، لا شك أن للغرب مثالبه وعيوبه ومركزيته، إلا أن مثالبه لا تذكر أمام مثالبنا، وعيوبه ربما هي أرقى من ميزاتنا للأسف، ومركزيته نابعة من تسيده العلم والحضارة والبحث في إنسانية الإنسان، أسقط الغرب من حساباتك، ستعود إلى الكهوف ولن تحظى حتى بكأس بلاستيك. مليار ونصف من المسلمين لا يساوون شيئا اليوم بسبب هذا التعنت وهذه القطيعة الأيديولوجية، وهذا الاستسلام لنمطية ماضوية مغرقة في التقليد الأعمى، والنقل البليد. مليار ونصف من المسلمين اليوم لا يحسب حسابهم في المحافل الدولية وما يصدر فيها من قرارات تتعلق بالإنسانية، وباتت تفرض على الجميع وخاصة المسلمين، إن لم يكن بحزام اليد، فببسطار القدم، ومازلت أنت مشغولاً بتقليد عدائي..وبآبائية مستحكمة تدفعك اليوم إلى كل هذا العداء لي، وواقع الحال أن كلانا له عدو واحد ومصلحة واحدة.. أنا لي فهمي المستقل عن فهمك لكثير من المسائل المتعلقة بالإيمان والوحي، وأود فعلاً أن أناقشك فيها وأن نتحاور فيها باستفاضة واستفادة، ولكن ليس قبل أن نتفهم وأن نتفاهم على أساسيات لابد لها ليكون الحوار مفيداً. نحن على حافة العقيدة وقد وصلت هذا الموصل من تكفيري وتتبيعي وتجريمي، فكيف إذا ما دخلنا في صلب حوارات عقدية. دع عنك هذه المسائل إلى مكانها، وناقشني في المسائل الأساسية التي جمعتنا هنا، حول حرية الاعتقاد، والرأي، وضوابط المصلحة، وفي ماهية الليبرالية دون أن تجعلها مرادفاً لكل ما تكرهه. إنما في كينونتها وأسلوبيتها ومسالكها، وسأقدم لك فيما يلي بعضاً من أوجهها، فالليبرالية لم تتقبل التحديد المنهجي لها لأنها تفلت من إسار التحكم وتحويلها إلى أداة سلطة، هي حازمة ومنضبطة في تحقيق حقوق الإنسان بغض النظر عن مذهبه أو عرقه أو ثقافته، هي وإن كانت تقصي الدين عن كونه معياراً لإنسانية الإنسان، تحترم كل الأديان وتحترم حرية الفرد في تبني أي عقيدة يشاء، وتحترم خيارات المجموعات البشرية في تبني ما يشاؤون من أحكام دينية أو قانونية،ما يهم هو ألا يخالطها الإكراه أو الاعتداء على جدول حقوق الإنسان المتعلقة بحريته وكرامته وضمان موارده وغيرها…فهل لديك مشكلة مع هذا التعريف أو هذا النهج، وما هي مشكلتك مع هذا التصور، ولماذا ترفض أن تنضوي تحت هذا المطلب مثلك مثل أي دين أو مذهب آخر. من الواضح أنه لا يسلبك أي حق لك، ولكنه يكف يدك عن حقوق الآخرين، وكنت أظنك _ومازلت استبشر خيراً_ معني بالإشادة بهذا المبنى وفق ما رأيته من قراءات متنوعة، فلم أغلقت الباب دونك ودونها، وجعلت العداء نصب عينيك في تعاملك مع الليبرالية، تتهمني مرارا بعدم المنهجية، وأنا مازلت في حيرة من أمري، ما المنهجية التي تجعلك أن تشمل الكولونيالية تحت تعريف الليبرالية، مع أنهما متضادان تماماً، فالكولونيالية بوركت حتى من الاتجاهات الدينية ولكنها لم ولن يتم تقبلها ليبرالياً.
هذه الليبرالية التي تنتقدها، هي التي تكفل لك ولغيرك أن يمارس عباداته وقناعاته في الغرب، دون أن تكون مصدراً للعداء، والمظاهر التي وجدت فيها خصاما بين العلمانية والمتطلبات الإسلامية الشكلية، لها طريقة أخرى في الفهم، ويسرني أن نناقشها بهدوء حتى نفهم مكمن الخطأ، وحكمة التصرف، ما يهمني اليوم أن تسمعني دون عداء مسبق، فكلانا ننتمي إلى هواجس تنموية واحدة، التباهي بموقف نقدي ومراجعة ذاتية بشارة خير، ما يهم ألا نمرغ أنفسنا فيما بعد في وحل التجني.

لا شك أن معظم المبادئ الليبرالية اليوم مستقاة من الغرب، وهذا لسببين:
أولاً الغرب لم يخترعها إنما راكم جهودا تاريخية واستفاد من تراث عالمي ساهمت فيه كل الحضارات، وأعاد صياغتها لتلائم الوضع الإنساني الجديد( وأنا لا أنكر مركزيته في هذا الجانب، ولكن مركزيته هذه يمكن تفكيكها ونقدها..)
ثانياً: إن الصراعات التي دارت في أوربة كانت حافزاً للبحث فيها لإيجاد مشترك إنساني، بينما بقي عالمنا الإسلامي يغوص في انعزالياته وحدة اختلافاته، وتحييد الدين عن مسائل العلاقة مع الآخر أفاد الغرب كثيراً فمهد لمجتمع تحكم علاقات اتجاهاته ضوابط غير دينية، وتطورت لديهم المسائل العقدية لتواكب هذا المستجد، ذلك أن مساحة التأويل واسعة ومنفتحة لأبعد حد.
المسألة لدينا في العالم الإسلامي تختلف بدون شك، ولكنها ليست عسيرة، وهي مطلب أساسي للنهضة، ولا تتطلب منا الخروج من الإسلام، إنما زحزحة فرقيتنا قليلاً، وسيكون هذا الأمر مختلفا عما جرى في الغرب لأسباب تتعلق ببنية المقدس وأنا أقدرها. فالقرآن الكريم نص أنزل مقروءاً، وحفت به المعاني التي أوردها النبي (ص) الذي لا ينطق عن الهوى، إنما هو وحي يوحى، وهذا الأمر يجعل مساحة التأويل ضيقة، ومسألة المعنى عسيرة على الانتقال، ولكنه لا يغلق باب التأويل ولا يضيق على المعنى إلى درجة الثبات، فالحركية والتجديد والتفاعل مع المستجد من آيات الآفاق والأنفس، والمطالبة المستمرة بتغيير ما في الأنفس، والتحذير من طول الأمد والآبائية، كل هذه الأمور أتاحت للمسلمين في السابق أن يختلفوا مع أن مرجعيتهم واحدة. وما تقدمه الليبرالية لا يصطدم بالمعنى العام، وإن كان هناك معنى خاص يصطدم به دون شك، بل إن الليبرالية تتيح اليوم علاقة أكثر صحة بين الاتجاهات الإسلامية، وبإمكانها أن تتوسط بينها لبناء مجتمع تعددي خالي من الصراع، وقابل للنهوض.
وكون الليبرالية ذات مبنى غربي، يجب ألا يمنعنا من مناقبها، والاستفادة منها، بل إننا سنكون معنيين حينها بتخليصها مما يشوبها من مركزية ألمت بها في نشأتها، فهذه المركزية نتاج تفوق الغرب في المسائل المعرفية والعلمية، وليست مجرد صرامة عنصرية بلهاء.
ليكن، شكك ما شئت في معرفتي، لن أغضب من هذا ولكني مقتنع أن الخروج على ابن تيمية ليس خروجاً على الإسلام، وأن رفض معطفه ليس رفضاً للوحي، وفي مسألة الفلسفة وارتباطها مع المقدس أقوال وأهوال، ذلك أن المقدس يقطع الطريق على الفلسفة، والمقدس كان دوماً حتفاً للفلسفة، أنا لا أجد مشكلة للأنبياء مع الفلسفة، بل إن نشأتهم هي نشأة فلسفية، المشكلة تكمن في مقابلة النبوة بالفلسفة، فالاعتقاد هنا يلعب دوره في توجيه التأملات، وتتحول الفلسفة إلى حقل ألغام، وتتحول النبوة على أيدينا إلى صارم بتار.

لا أدري لم تصر أن يكون الفيصل بيننا هو النظر المعياري السلفي في الفهم والتلقي ، إذا كنت ستضع مرجعيتك فيصلا بيننا كيف لنا أن نتحاور؟
لا يا سيدي أنا لن أشرب من دماء السلفيين، وأنت من حولت هذا الحوار إلى مشكلة مع السلفية، لي رأي نقدي حولها، ولكنها ليست رمزا للشر عندي كما تتصور، بل إلى حد كبير معظم الإشكالات السلفية المعاصرة عندي تقتصر على السلفيين وفهمهم وليس على ينابيعها بالضرورة، وإن كنت أجد أن تقديس هذه الينابيع مشكلة أيضاً، أنا أرى أن كل الفرق الإسلامية معنية اليوم بتجديد آلياتها وفقهها ورؤاها، وأن تستفز طاقاتها التنموية من أجل عالم مختلف، وأن تخرج من آبائيتها وتقليدها الأعمى إلى اجتهادات جريئة لا تقدس أشخاصاً أو فهماً مرحلياً، إنما تبحث في مقاصد الشريعة متزودة بالعلوم الحديثة في كل مجال ومنها المجالات الفلسفية والاجتماعية، وأن تعيد النظر في مسائل الاختلاف والآخر، وأن تقارب الفهم الجديد للإنسان وكيفية تشكل بنيته وشخصيته، حتى تكون أكثر دقة في التعامل مع العصر، وحتى يتاح لها رؤى مستقبلية حقيقية تعين على الإبداع والمساهمة في الحضارة، بل ترميم الكثير من جوانبها التي تحتاج إلى إكمال.
أما مشكلة المعرف الشبحي، لا تبتئس سأحلها لك، ذلك أن معرفي هذا قديم قدم (استفهام)ك وربما أقدم، وليس من مشكلة لدي أن نجلس وجها لوجه نتحاور، بشروط الحوار التي تفترض المساواة بين أطرافه. مع أهمية توقع فائدة فكرية جمة من الحوار. دعنا اليوم نتفق، ولا ـاخذ ما أقوله لك على محمل شخصي، فأنا لا أعرف عنك شيئاً وما عرفته هنا نزر يسير ولم أهتم به، وكل ما تظنه من نقد لك بنيته على قولك لا على شخصك، فلعلك تغير نظرتي إليك بما تغيره من بنية القول لديك.
التزمت ليس علة دينية فحسب، وأنا أشاركك هذا الرأي، بل هناك تزمت عرقي وقبلي وليبرالي أيضاً، وفي هذا المنتدى نفسه لطالما وقفت في وجه تزمت يرتدي لبوس الليبرالية، أنا ضد التزمت بكل أنواعه وأشكاله، فحتى التزمت الذي نلبسه ثوب التزمت في سبيل الحق، هو تزمت في حق نفترضه نحن ونتقبله، بينما قد لا يكون حقاً عند آخر…لذلك أقبل التزمت تجاه الذات، ولا أقبل التزمت تجاه الآخر مهما استند إلى قدسيات وماورائيات وإنسانيات مدعاة.
تقول: (حتى من يتفقون في المرجعية ” العقلية ” للأفكار ، ويحيدون الوحي والدين عن الحوار لابد أن يتفقون على مرجعية تحدد وتضبط المصطلحات) ليكن أنا معك، ولكن ما هي المرجعية التي تودنا أن ننطلق منها وأنت تصر على بيان موقفي من الوحي، أنا اليوم لا أحدثك في مسائل تخص عقيدتي، إنما مسائل عامة تشمل كل الملل والنحل، فإذا بسطت لك عقيدتي ورحنا نتحاور فيما هو متاح في عقيدتنا من حقوق للملل والنحل المغايرة، لن نصل إلى فهم أفضل، لأن جهدنا سيكون جهداً داخلياً، هناك مستجدات في الحالة الإنسانية عامة لا تخفى عليك، واليوم الإنسانية تمضي قدما غير آبهة بمن لديه مشاكل عقدية أو فكرية في النظر إلى الإنسانية نظرة جديدة، أنا أود أن ألحق بالركب لأفتح المجال لثقافتي وخصوصيتي أن تساهم في صياغة عالم الغد، وأنت مصر على الانغلاق عليها والانشغال بخلافات عقدية وتفسيرات كلامية، ليس هذا ما أهتم به، وما دامت الليبرالية تشكل لديك هذه الحساسية، دعنا نسمها تسمية أخرى تقترحها أنت، المهم ألا تحصرها في مرجعية محددة، أو في ملة واحدة.
واللغة بيننا واضحة حتى وإن اختلفت مرجعياتنا، فأنا مطلع على مرجعياتك، وأنت مطلع على مرجعياتي، إلا إن افتراض الغموض وغياب المرجعية لازمة علينا أن نتخلى عنها لكي نسمع ما يريد الآخر أن يقوله لا ما نفترضه فيه.

أما نتائجك التي استخلصتها من تفريقي بين الدين والوحي، فهي لوحة سريالية بديعة، لم يتفتق ولن يتفتق ذهن بما يوازيها إبداعاً، لذلك لن أرد على افتراضاتك المتوهمة، فنحن فعلاً إلى الآن نفتقد التفهم، ولعلك تعود وتقرأ ما قلت بعين ودودة أكثر حتى لا تذهب بي إلى جحيم تصورك السريالي. ها أنت تدخل مدخلاً تكفيرياً واضحاً مع أنك تنكر أنك تكفيري، وأنا أصدقك، ولكن ما تنتهجه من تقويل وافتراض لا يختلف عن الحكم على البواطن.
لذلك سأهمل الجزء الأخير من ردك إهمالاً مؤقتاً، إلى أن نتفق على مسائل الحوار، وإلى أن تدرك أني بليبراليتي مازال لدي حق في نقاش عقدي مستقل.
الأخ استفهام، بلغ (المرزوقي) الرائع، تحيتي واحترامي، وحاول أن تقرأ كلامي ليس على أنه عريضة اتهام ضدك، ربما نكون أقرب للحوار في قادمات القول..
مع تقديري.

د.استفهام

الفرق بين متأخر كلام مهيار ومتقدمه ، أن المتقدم كان أهدأ ، وأوضح ، وكلما طال وقت الحوار كلما دخل في الإبهام أكثر ، وهذا حقيقة يدل إلى الآن على أن الاستاذ لم يفهم طبيعة الحوار ، فهو لم يعرف موقعه وموقفه ، ولا موقف وموقع المقابل .. وهذه مشكلة كبيرة تصور المنطلق من الحوار ، فأنا وغيري من المنتسبين للمدرسة السلفية حين نتكلم عن ” الليبرالية ” لا نتكلم عنها من منطلق أنها فكرة يحملها بعض الأفراد الذين تختلف تصوراتهم ومنطلقاتهم ، بل وفهمهم لليبرالية ، بل ننطلق من القضية على أن ” الليبرالية ” مفهوم شمولي يحاول أصحابها تقديمها باعتبار أنها ” بديل حضاري ومعرفي ومنهجي ” للوضع القائم في المملكة العربية السعودية ، فالصراع هو بين فكرتين ” فكرة سلفية تتخذ من تاريخها ومن واقع حال الدولة التي تنتمي إليها ومن الإسلام ” منطلقا شموليا في فهم الحياة وحكمه وتفاصيله ، ومدرسة ” شمولية ” غربية تتخذ من الليبرالية ومبادئها الفلسفية ومنطلقاتها القيمية حلا للمشكلات وبديلا منهجيا ومعرفيا وسياسيا للوضع القائم ، فالتصارع بين الفكرتين ليس من باب ” التثاقف ” فقط ، بل هو من باب التزاحم والتسابق والحرب الفكرية والعقائدية ، وهذا هو واقع الحال شئنا أم أبينا ، وهذا الصراع ليس هو وليد اليوم والليلة ، بل هو بدأ مع التماس الحضاري بين العالم الإسلامي والحضارة الغربية الحديثة ، وإن كانت جذورة ممتدة في التاريخ عبر الصراع بين السلفية والمدارس الفلسفية التي تلتقي مع الحضارة الغربية بالفلسفات القديمة التي طورها مفكروا الغرب ، فامتزجت وأصبحت جزءا من الثقافة الغربية المعاصرة .. فهو وإن كانوا قد رفضوا معضمها إلا أن المادة التراثية الفلسفية والقانونية كانت منطلقا لحضارتهم المعاصرة ..

الأخ مهيار يبدو أنه رجل طيب للغاية ، هو ينظر إلى القضية من باب خلاف بينه وبين دكتور استفهام ، وأن الأخير يطارده ليقيم عليه حد الردة والتكفير ، ولم يستوعب أن القضية أكبر من ذلك ، فنحن في المملكة العربية السعودية نقوم على محددات عقائدية ضاربة في الأرض وضاربة في عمق التاريخ منذ عهد الرسالة ، وليس من السهولة أن يأتي شخص ليقول : لا تلزمني بمدرستك ، فأنا سأقول له : حسنا لن ألزمك ، ولكن : هل ستكف عن إلزامي بمدرستك أنت ؟ ألست تهجم على مدرستي لتدكها من أصولها ، لأجل ” إحلال ” مدرسة مفترضة في الذهن ؟ ترى انها اكسير الحياة ، والمنقذ المنتظر ؟ إنك ببساطة يا أستاذ مهيار تقول : أفسحوا لنا الطريق لنمسح كل تاريخكم وفكركم وثقافتكم ومنطلقاتكم لانها لم تعد صالحة للزمن ، ثم ماذا ستفعل ؟ لاشك أنك سوف ترشح البديل الذي ترتضيه ، بل إنك تراه خلاصة خلاصة خلاصة التجربة الإنسانية التي تحقق للإنسان السعادة والرفاه والحق والعدل ، ولكنك في مقابل ذلك تهدم المدرسة بأساليب ليست مكشوفة على طول الخط ، فبدلا من رفضها بالكلية تلبسها عدة ألبسة لتمزقها ثوبا بعد ثوب ، فكرة هي ” إسلام مدرسي ” ، ومرة هي ” إقصائية تكفيرية ” ، ومرة هي ” ميتافيزيقية متعالية ” ، وكل هذا لتقنعني في نهاية المطاف أن البديل الناجز الذي يمتلكه خصمي هو الحل .. فهيهات !

إنني يا استاذ مهيار لا أهتم لو كانت رؤاك حاسمة مع ” الإسلام ” كله ، فانت لست الأول والأخير الذي يصرح بهذه القطيعة المطلقة ، ولكنك تمسك بالإسلام باليد اليمنى ، وتخنق أصوله وقواعده باليد اليسرى ، وحتى لو لمعت وزخرفت القول بأن القضية ليست مع ” الوحي ” بل هي مع قارئيه ، وأن المسألة ليست مع الدين ، بل مع مدرسته المؤسساتية ، فصدقني أن النتيجة واحدة ، ومن الطبيعي جدا على من يحكم على فساد فكرة أن يقدم ما يعتقده صالحا ، وهذا هو محور الخلاف بين ( الإسلام و الليبرالية ) .

تقول بأنك لست عندك مشكلة مع إيماني ولا مشكلة مع مدرستي ، فأقول شكرا ، بارك الله فيك ، لقد أرحتني جدا ، فقد كنت قلقا من هذا ، ولكنك نسيت شيئا بأن المسلم ليس كالليبرالي ، فانت هنا تتكلم بلسان الليبرالي الذي لا يجد مشكلة في أن يعتقد الإنسان أي عقيدة ، وإلى هذا الحد كذلك لا مشكلة عندي البتة ، فـ ( لا إكراه في الدين ) ، ولكن المشكلة أن تجعل هذا هو الذي ينطق فيه الإسلام نفسه ، وان فهم الصحابة والسلف ومن تبعهم من المدارس الفقهية كله لابد أن يترك لأجل أن نطبق الليبرالية التي تحقق للإنسان ما تعجز عنه كل المدارس الإسلامية ، وفي هذه الرؤية يغيب ” الوحي” لأن النص فضاء مفتوح يصلح أن تخرج منه قيم الماركسية والليبرالية والعلمانية والهندوسية .. وهو فضاء فسيح رحب يستوعب كل فكرة .. فبدلاّ من أن يكون الإسلام دينا جاء ليكون مهيمنا على الدين كله ، وينسخ ما قبله من عقائد باطلة ، ويكون خاتم الأديان ، ويحمل مبادئ وقيما شمولية ، أصبح مفرغا من كل هذا ، بحكم أن كل فهم للناس للنص هو روحه ، ومراد الله ورسوله هو أمر ما ورائي ليس بمقدور الإنسان معرفته ولا الإطلاع عليه .. ولو كان الإسلام بهذه المثابة فأنا سأقول بان البشرية ليست بحاجة له البتة ، ولأصبحت قيم الفلسفة خير من هذا الدين الذي لا يمكن أن يضبط أي مسألة بالوجود باعتبار هذه الهلامية في أحكامه .. والتي لا يمكن أن يعرفها أحد من البشر .

أعتقد أن كل ” ليبرالي ” سعودي يدرك لا محالة أن جوهر الخلاف بينه وبين خصومه هو خلاف أصولي ، ولكن البعض منهم لا يختلف مع أي إسلامي البتة في الاتفاق معه على أصوله ومحدداته ، فهو يقر بالاسلام دينا ، وأنه هو أصل الدستور ، وأن هوية البلد إسلامية ، ثم يختلف مع الإسلاميين في قضايا هي من مجال التداول المعرفي المقبول ، فكونه يرى الانفتاح ، أو تفعيل المؤسسات المدنية ، أو يتكلم في تطوير القضاء ، أو في بعض مسائل المرأة ليست مشكلة كبيرة في حد ذاتها ، ولكن حين ياتي الإنسان فيقول : أنا أرفض أصلا كل النمط المدرسي ، ثم يطمنك أنه لا ينكر عليك قناعتك به فهو يعني أن المشكلة ليست مع صاحب فكرة محددة ، بل هي مع هوية البلد كلها ، وهو كذلك لا يرشح مشروعا خاصا ينطلق من إشكاليات المجتمع ، بل هو جاء متماهيا مع فكرة أجنبية يبشر بها ويدعو إليها ، وكل نقص فيها يراه أنه لا يؤثر على نموذجيتها وصلاحها للإحلال .. وبهذا فهو لا يصطدم مع مدرسة سلفية علمية ، أو دعوة إسلامية حركية ، أو مؤسسة دينية حكومية ، بل هو يصطدم مع المجتمع كله الذي لا يمكن أن يقبل هذا التحويل ، حتى لو مناهم بجنة الدنيا الليبرالية ، ووعدهم بشاليهات الهاواي أو شلالات نهر الرين ..

لقد ذكرت في مقالي والذي كان بداية للحوار مع الإستاذ مهيار أن بعض الليبراليين قد تلفع بعباءة لوثر ، وحتى يتمكن من أن يكون المصلح الفذ لابد أن يوصف الواقع المستهدف على نمط واقع الزمان اللوثري ، فنظرته للنص هي نظرة ذاك ، ونظرته لأهل العلم هي نظرة ذاك لرجال الدين ، وتأسيسه الفلسفي والفكري .. هو نفسه ، فهو يمارس إسقاطا منهجيا على وقائع مختلفة ، وعلى مناهج متباينة ، وعلى بيئات متفاوته في كل مجالات حياتها .. ولذلك صارت حتى أمثلته تصب في خانة الإقناع بأننا أرثوذوكسيين ، كهنوتيين ، إقصائيين ، وغيرها من الصفات التي رددها فلاسفة الأنوار والإصلاحيين الأوروبيين .. ولذلك كانت دعوتي للدخول في مناقشة المسائل التفصيلية التي أدت إلى هذه النهائيات في أحكام الأخ مهيار هي المهمة والمفيدة ، فأنت تهاجمني ومنهجي ، ثم إذا دافعت عن نفسي ومنهجي قلت : لانريد أن ندخل في الحوار المدرسي .. لك أن تعتقد ما تشاء .. ولك أن تقول ما تشاء .. فإن كنت تعتقد هذا ، فدعني أقول لك ما أشاء ، واناقشك فيما أشاء حتى تدلل على فكرتك ، وحتى ننتقل من الدعاوى الفارغة ، إلى الحقائق الناصعة ، فأنت مثل من يأتي ليقول بأن القرآن ليس كلام الله ، ولو سمحت لا تناقشني في هذا ، والحديث كله ضعيف لا يصح ، ولو تكرمت علي لا أريد أن اسمع حجتك في الرد ، فهو يقوم بدور المشغب المشكل فقط ، ويظن هذا هو العلم والمعرفة والثقافة ، مع ان العلم والمعرفة والثقافة ليست في الإشكال على الفكرة ، فهذا يستطيعه كل أحد ، بل يستطيع الإنسان أن يشكل على ” الوجود ” ذاته ، وعلى الألوهية ذاتها ، وإنما العلم والمعرفة هو في رد الإشكال وتفنيده .. وهذا مالا يريده الأستاذ مهيار ، وهو يذكرني ببعض العامة إذا تكلم بمسألة فرددت عليه .. فإن لم يكن عنده جواب قال : ولو!

من يقرأ حوار الأستاذ مهيار من بدايته يدرك أن المشكلة مستحكمة عليه ، والموقف من ” الإسلام المدرسي ” واضح أنه خليط من الموقف الفكري مع الموقف الشخصي ، مع التجربة المرة ، ومع ذلك فقد أصابه ما يصيب الكثير من المثقفين من النرجسية العالية التي تجعله يدافع عن نفسه أكثر من دفاعه عن فكرته ، ثم تصبح مشاعره زجاجية لا يريد لأحد أن يخدشها ولو بكلمة محتملة ، ثم هو متعال عن نقاش المسائل لأنها قد حسمت في وعيه فلا حاجة للنقاش ، أهم شي أن المقابل يتقبله كما هو، ولا يحاول أن يعكر على صفو فكرته ولو بأقل شي .. حتى يعيش حياته الوردية الجديدة المنعتقة من المدرسية والمدرسيين !

يقول الأستاذ مهيار في هذا الصدد : ( قل ما تشاء عن الغرب، إلا أنه يتقدمك في كل مجال، وقل ما تشاء عن الليبرالية إلا أنها نفق النور الممكن اليوم، وبقدر ما تتعنت في إنكار الحقائق ، بقدر ما تظلم نفسك وقومك .. ) ، فهو يقول : لو أتيت لي بكل آية عن خواء الليبرالية ومشكلاتها المعرفية والمنهجية والقيمية فستظل ( نفق النور ) ، ثم يجعل الموقف منها هو ” إنكار للحقائق ” ، أها ، فالآن برزت الحقائق عند الليبرالي ، مع ان الدين كله ليس حقائق ، ولكن خطاريف الليبراليين ، وقيمهم الزائفة هي حقائق لا يجوز إنكارها ، فمثل هذه العقلية هي أصلا لا تريد أن تناقش لان القضايا عندها محسومة .. وهذه الجملة عليها عدة تساؤلات وملحوظات :
الأولى : من الذي أنكر تقدم الغرب ؟ نعم هو متقدم في مجالات وليس في كل مجال ، ولكنه متخلف كذلك في مجالات ، وحصر التقدم في مجالات التقدم الصناعي والتقني ، أو في مسائل الحقوق العامة هو لا شك تقدم ، ولا ينازع في هذا إلا من انتزع الإنصاف من نفسه ، ولكن هل مشكلتنا مع الغرب هو تقدمه في هذه المجالات ؟ أم مشكلتنا معه هي في أن تقدمه مفصل عليه ، وقيمه مفصلة عليه ، ويتعامل مع الناس بعقلية الرجل المتفوق المطلق الذي له الحق ان يفعل فيك ما يشاء دون اعتراض ، فهو يفرض قيمه مثل ما يفرض أي مستبد قيمه ..
الثانية : أنك منازع في تقدم الغرب من الجانب القيمي والخلقي ، وان المسلمين على ما فيهم من تخلف حضاري يملكون من القيم والأخلاق ما يحتاجها الغرب والشرق ، وما انجفال الناس إلى الدخول في الإسلام في فرنسا واوربا إلا دليل على أنهم يعانون من هذه المشكلة .. وقيمة القيم والاخلاق أعظم من قيمة الآلة والتقدم التي أشقت الإنسان وأحالته إلى عبد ذليل كسير لها ..
الثالثة : لماذا تحصر ” نفق النور ” في الليبرالية وقيمها ، إن هذا هو القتل للإنسان وتعطيل لقدراته العقلية والذهنية ، واستلاب لإنسانيته حين تقعده عن الابداع من أجل نجوز نموذج غربي او شرقي ، وهو يملك من المقومات ما يستطيع ان يصنع له ” نفقه ” الخاص ، دون أن يجعل من إي نموذج أخر مخلصا له من التيه والتخلف .. فهذا الاستلاب هو قتل للعقل العربي والمسلم ، وهو الذي مارسه الليبراليون والعلمانيون الذين يريدون إحالة الرجل المسلم والعربي إلى مستهلك على الغرب كل حضارته .. ويظنون أنهم بهذا سيحققون له التقدم والرقي .
الرابعة: أن القضية ليست مقارنات بين تقدمهم وتخلفنا ، إنما القضية كيف نتقدم سواء تخلف الغرب او تقدم ، وهذا هو السؤال القديم الجديد وهو سؤال الأمير شكيب ارسلان ( لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم ) ، وعندي أن قضية ” التقدم ” والنهضة لا ينبغي ان تكون ردود أفعال ، أو لأجل التسابق فقط ، بل لأن الطبيعة الإنسانية الناضجة هي الشخصية الطموحة التي لا ترضي بالهون .
الخامسة : أن الخلاف مع الليبراليين ليس في مشاركة الناس في ” نفق النور ” ، وأظن هذا أمر لابد أن اقاتل حتى أبين موافقتي على هذا مع الأخ مهيار ، فالقضية ليست في الاستفادة من منتجات الغرب ، والواقع يشهد بالتعاطي مع هذا الواقع ، إنما المشكلة في ” الإحلال الشمولي ” الذي يريده البعض ، وهو سيأتي على أنقاض الدين الإسلامي ، والفصل بين مجالات الشمولية الليبرالية هو فصل تعسفي لا يستقيم ، ومن أقر بوجوب المحافظة على الأصول والثوابت مع الاستفادة من معطيات الناس كلهم وليس الغرب لا يمكن أن يخالفه أحد .. ولكن المشكلة في بني قومنا انهم قبل أن يبدأوا في التفاعل الحضاري التفتوا إلى بني قومهم فأردوا هدم ماضيهم وحاضرهم .. وكانهم يطبقون نظرية الفوضى الخلاقة التي تحتاج لهدم وإحلال ..

لا أدري حقيقة لماذا يصر الأستاذ مهيار على تبشيع صورتي أمام القراء ، ويحاول في كل مرة أن يصبغ علي صبغة التكفيري مع اني اتحداه اني أطلقت عليه معنى حكمي منذ بداية الحوار ، ولكنه يمارس تتريس نفسه بهذا حتى يسلم من مطالبتي له بتحديد المرجعية والموقف الواضح من الوحي والتراث ، فهو يفهم مرادي جيدا ، ثم يخاتل عنه ، وانا أقدر له هذا الذكاء ، وكانه يقول للقراء : أعذروني أن هربت خوفا على رقبتي من القطع ، وديني من التكفير .. ثم هو في نقس اللحظة يطالبني أن نتفاهم حول : ( دع عنك هذه المسائل إلى مكانها، وناقشني في المسائل الأساسية التي جمعتنا هنا، حول حرية الاعتقاد، والرأي، وضوابط المصلحة، وفي ماهية الليبرالية دون أن تجعلها مرادفاً لكل ما تكرهه ) ، يا أخي والله إني حرت معك ولا أدري كيف تفهم الأمور ، فأنت تريدني أن أحاورك في ” حرية الاعتقاد ” دون أن أجعل منطلقي في الرفض هو ( النص ) ، وتريدني ان اناقشك فيه دون أن أحاكمك إلى ( النص ) ، فهل تريدني مثلا ان أركن النص بحجة انه لا يستقيم كمرجعية لأنه ما ورائي ، وأحكم العقل مثلا ؟ ماذا تريد ؟ أنت تريد ان تحاور في ( ضوابط المصلحة والرأي ) ، ولا تريدني في نفس الوقت أن أجعل للنص حاكمية على هذا .. فلا انت حددت مرجعيتك ولا تريدني أن اتحاكم إلى مرجعيتي .. ولم ترشح مرجعية محايدة .. فبالله عليك هل هذا حوار يليق برجل ليبرالي ومثقف ؟

في هذه الفقرة القادمة أرى ان الاستاذ مهيار انتزع نفسه من الخصام الذاتي إلى نقاش الأفكار المحددة ، وهذا تقدم يحسب له حيث يقول : ( لا شك أن معظم المبادئ الليبرالية اليوم مستقاة من الغرب، وهذا لسببين:
أولاً الغرب لم يخترعها إنما راكم جهودا تاريخية واستفاد من تراث عالمي ساهمت فيه كل الحضارات، وأعاد صياغتها لتلائم الوضع الإنساني الجديد( وأنا لا أنكر مركزيته في هذا الجانب، ولكن مركزيته هذه يمكن تفكيكها ونقدها..)
ثانياً: إن الصراعات التي دارت في أوربة كانت حافزاً للبحث فيها لإيجاد مشترك إنساني، بينما بقي عالمنا الإسلامي يغوص في انعزالياته وحدة اختلافاته، وتحييد الدين عن مسائل العلاقة مع الآخر أفاد الغرب كثيراً فمهد لمجتمع تحكم علاقات اتجاهاته ضوابط غير دينية، وتطورت لديهم المسائل العقدية لتواكب هذا المستجد، ذلك أن مساحة التأويل واسعة ومنفتحة لأبعد حد.
وهذا جيد ، فإن كانت مركزية الغرب قابلة للتفكيك والنقد ، فكذلك مبادئه قابلة للتفكيك والنقد ، وكونها تراكمات حضارية لا يعني ان صحتها مطلقة ، بل إن الغرب ليس فقط استفاد منها ، بل فصلها عليه ، وحاكم الناس إليها ، ولذلك فقولك : ( وضع الإنسان الجديد ) هو الرجل الغربي الذي حدد موقفه من الدين ، ويريدنا أن نصنع مثلما صنع ، فما الحيلة اننا لا نستطيع ؟ وأن ديننا لا يمكن ان يكون مثل دين الغرب ، ولذلك كانت الدافعية للغرب ان يقدم على هذا هو تحديد موقفه من الدين بصرامة ، فأقنعني ان ديننا مثل دين الغرب حتى نبيح لأنفسنا ما أباحوا لأنفسهم ..ولذلك فنحن أمام خيارين :
الاول : الركوب مع موجة الغرب والتماهي فيه ، وهذا إن فعلنا انخلعنا من ماضينا وحاضرنا ، ثم لن يقبلنا الغرب العنصري .. الذي يرى أنه المتفوق ، فهو لن يقبل منك إلا ان تكون مستهلكا وخادما .
الثاني : عقلية الانتقاء الواعي ، وهي الموائمة بين الحفاظ على الدين والعقيدة وشموليته في الحياة ، مع الاستفادة من متجزات الحضارة دون تمييز ، ولا أدري لم يصر ربعنا على التبعية على الطريقة الطاهوية ( نسبة لطه حسين ) ، وهي نسبة خاصة طرت على بالي قبل ربع دقيقة ، والذي دعا لركوب موجعة الغرب والتبعية لهم في الحلو والمر .. ولكن الغرب أعطى مصر المر وأخذ منها الحلو .. لأنه رأسمالي بشع وجشع ومنزوع الأخلاق وبرجماتي نفعي ..

يقول الاستاذ مهيار : ( لا أدري لم تصر أن يكون الفيصل بيننا هو النظر المعياري السلفي في الفهم والتلقي ، إذا كنت ستضع مرجعيتك فيصلا بيننا كيف لنا أن نتحاور؟
لا يا سيدي أنا لن أشرب من دماء السلفيين، وأنت من حولت هذا الحوار إلى مشكلة مع السلفية، لي رأي نقدي حولها، ولكنها ليست رمزا للشر عندي كما تتصور، بل إلى حد كبير معظم الإشكالات السلفية المعاصرة عندي تقتصر على السلفيين وفهمهم وليس على ينابيعها بالضرورة، وإن كنت أجد أن تقديس هذه الينابيع مشكلة أيضاً، أنا أرى أن كل الفرق الإسلامية معنية اليوم بتجديد آلياتها وفقهها ورؤاها، وأن تستفز طاقاتها التنموية من أجل عالم مختلف، وأن تخرج من آبائيتها وتقليدها الأعمى إلى اجتهادات جريئة لا تقدس أشخاصاً أو فهماً مرحلياً، إنما تبحث في مقاصد الشريعة متزودة بالعلوم الحديثة في كل مجال ومنها المجالات الفلسفية والاجتماعية، وأن تعيد النظر في مسائل الاختلاف والآخر، وأن تقارب الفهم الجديد للإنسان وكيفية تشكل بنيته وشخصيته، حتى تكون أكثر دقة في التعامل مع العصر، وحتى يتاح لها رؤى مستقبلية حقيقية تعين على الإبداع والمساهمة في الحضارة، بل ترميم الكثير من جوانبها التي تحتاج إلى إكمال. )
هنا لا يبدو ان الأخ أدرك المشكل في الصراع مع الليبرالية ، فالجو سلفي والبلد سلفي والثقافة سلفية ، وحتى تبشر بمشروعك المفترض حدد لنا موقفك من هذه ، فإن كنت ترى أن لا مشكلة مع أصولها ومنابعها ، فأنا لن أخالفك في شي .. فقط سيكون خلافي معك في عملية ” التوفيق ” بين رؤاك وبين هذه المنابع ، وهذا الذي يجعلني أجعل السلفية معيارا لفكرتك .. وكل صراعك المستديم والمحتد مع ” الإسلام المؤسسي ” فيما أظن هو في التعارض بين قيمك وبين هذه المدرسة .. فإن شئت ان تقنعنا بقيمك ، أقنعنا أولا بعدم تصادمها مع قيمنا .. وإلا فأنت بلا شك تريد ان تفرض علينا رؤيتك .. وهنا وقعت فيما تنهى عنه .. أما فيما لا يتعارض مع هذه المنابع فنحن معك قلبا وقالبا ..

قال الليبرالي مهيار : ( تقول: (حتى من يتفقون في المرجعية ” العقلية ” للأفكار ، ويحيدون الوحي والدين عن الحوار لابد أن يتفقون على مرجعية تحدد وتضبط المصطلحات) ليكن أنا معك، ولكن ما هي المرجعية التي تودنا أن ننطلق منها وأنت تصر على بيان موقفي من الوحي، أنا اليوم لا أحدثك في مسائل تخص عقيدتي، إنما مسائل عامة تشمل كل الملل والنحل، فإذا بسطت لك عقيدتي ورحنا نتحاور فيما هو متاح في عقيدتنا من حقوق للملل والنحل المغايرة، لن نصل إلى فهم أفضل، لأن جهدنا سيكون جهداً داخلياً، هناك مستجدات في الحالة الإنسانية عامة لا تخفى عليك، واليوم الإنسانية تمضي قدما غير آبهة بمن لديه مشاكل عقدية أو فكرية في النظر إلى الإنسانية نظرة جديدة، أنا أود أن ألحق بالركب لأفتح المجال لثقافتي وخصوصيتي أن تساهم في صياغة عالم الغد، وأنت مصر على الانغلاق عليها والانشغال بخلافات عقدية وتفسيرات كلامية، ليس هذا ما أهتم به، وما دامت الليبرالية تشكل لديك هذه الحساسية، دعنا نسمها تسمية أخرى تقترحها أنت، المهم ألا تحصرها في مرجعية محددة، أو في ملة واحدة.
واللغة بيننا واضحة حتى وإن اختلفت مرجعياتنا، فأنا مطلع على مرجعياتك، وأنت مطلع على مرجعياتي، إلا إن افتراض الغموض وغياب المرجعية لازمة علينا أن نتخلى عنها لكي نسمع ما يريد الآخر أن يقوله لا ما نفترضه فيه. ) .
وهذا النص كذلك يأتي في سياق عدم فهم أصل الحوار ، فدائما استصحب وانت تحاور المرجعيات المتباينة ، فالرجل العلماني الغربي حين أراد أن يدعو إلى علمانيته حسم موقفه من الدين وحدوده وأطره ، ولم يحاول الإمساك بزمامي الأمرين دون حسم ، والليبرالي الغربي – حتى الدينيين منهم – حددوا موقفهم من ” النص والوحي ” بحكم مركزية الوحي في هذه الأفكار ، فانت حين تقرر مبدأ ” الفصل بين الدين والواقع ” فأنت تتسق مع نفسك حين تطرح أفكارك الليبرالية التي تتعلق بجميع شؤون المجتمع ، ولكنك لن تتسق مع نفسك ولا مع أفكارك حين تريد أن تعطي الوحي قيمته في الهيمنة ، وفي نفس الوقت تعطي الليبرالية في الهيمنة .. وهنا سوف تقع في التناقض لا محالة ، والخيارات سوف تكون صعبة .. فالمسلم لا يمك أن يقر بتحريم الربا مثلا ، ويسمح به في نفس الوقت ، إلا ان يكون مقرا بالتأثم .. أما غيره فلا !

إنني حين أخاطبك في تحديد مرجعيتك وموقفك من الوحي لأني أخاطب رجلا ” مسلما ” معتزا بايمانه وإسلامه ، ثم هو في نفس الوقت واللحظة يطرح طرحا يخالف فهمي للدين ، فلا بأس ان يقول لي فهمك للدين خطأ ، هذا لا يتعارض مع الدين ، وحينها سوف نرجع لا محالة إلى مرجعية الوحي والنص والتراث والفهوم .. فلا القضية عندي تكفير ولا هم يحزنون ، بل حتى أفهم منطلقك ، وخاصة أني اعرف الكثير من التوفيقيين الذين يرون العلمانية الصارخة لا تتعارض مع الدين ، وهم بهذا يقرون بمرجعية الوحي ، ومع ذلك لا يرون تعارضنا ، هنا سوف تدخل معهم في جدل علمي ومعرفي وفلسفي في تحرير الفكرة وصحتها .. فاترك عنك هاجس أني سوف أكفرك .. فلا الجنة بيدي ولا النار بيدي .. وحتى تطمئن فأنا قد ختم علي قبلا بالكفر ولا همني ..

أشعر أن الأمور عندي – على الأقل – بدأت تقترب من التفاهم .. وأرجو ان لا تخيب ظني فيك ، فترميني بما لم أقله ولم ادعيه .
لك مني وافر التحية .. والتقدير .

مهيار

الأخ الواضح استفهام..
على قاعدة (لكل نصيب من اسمه) يبدو لي أن معرفك الشبحي ينطبق عليك تماماً، لا من كونه استفهاماً عن المعرفة، إنما استفهاماً عقدياً، ولست أدري لم تنكر عقلية محاكم التفتيش، ونصوصك الأخيرة نصوص معبرة أشد التعبير عن هذه العقلية، بل تصلح شواهد عليها، فأنت تهددني بسيفي السياسة والدين، وتقصر الخلاف بيننا على بقعة جغرافية معينة، وتقولني ما لم أقل بخصوص اليقين.
أنت فعلاً غير مؤهل للحوار، إذا بقيت على هذا النهج الاقصائي، كنت أحاول أن أتلافى هذا الحكم عليك مراراً، ولكنك مصر أن تكرسه بدوغمائيتك، وانغلاقك الذي فعلاً لا يليق حتى بالجهلة في هذا العصر، فكيف بمن قرأ شكيب أرسلان. إني أربأ بك أن تعييك الحيلة إلى اللجوء إلى هذا. لو خرجت من جلدي لما نجوت من الإبهام الذي ترميني به. وواضح أنك تفهم الحوار على أنه حوارات الشيخ والمريد، لذلك علي أن أعرف موقعي وموقعك، وأن ألتزم آداب المريدين معك يا شيخ الزمان. لم أقصر حديثي على المملكة أبداً، ولم أذكرها في سياق حواري من مبتداه إلى هذه الأحرف، ولم أقصر مشكلة الإسلام المؤسسي على اتجاه محدد، وأتحداك أن تجد من سابق قولي دليلاً واحدا على هذا، ولكنها عقلية التأليب التي بمجرد أن تهزم (أمام متطلبات العصر التي ستكون قدراً محتوماً) وأمام نقاش إنساني يدعو إلى اللا إكراه ، فتلجأ إلى الديني والسياسي لتحشرهما في الأمر حشراً. وهذا الحشر هو بالضبط الإشغاب الذي ترميني به. وهو واقع تفكيرك الإقصائي، وليس واقع الحال بالضرورة.
أنت أقمت علي حكمك بالردة؛ مراراً، ونصوصك تحفل بالمزيد منه باضطراد، وليس الأمر متوقف على صيغة قضائية، صلاح منطلقاتك للزمن لا أقرره أنا أو أنت، فالزمن كفيل بها، وهو يتكفل بها باضطراد، ولكن قد يستغرق الأمر بعض الوقت. لن أرد على ما تفتريه علي جهاراً نهاراً. ففارق كبيرة بين الزحزحة وبين الانقلاب، وفارق كبير بين الاستفادة والتبعية، وكلما أسستُ للزحزحة والاستفادة، فسرتها انقلاباً وتبعية.
كل نصوصي السابقة تكذب ادعاءك بأنني أدعو للقطيعة مع الإسلام، بل واضح جداً أني حتى في تحييدي للدين عن التحكم بالمسائل الإنسانية العامة، إنما أستمده أيضاً من فهم ديني بالإضافة إلى فهم ثقافي واجتماعي وتاريخي. فكيف لي أن أصدقك وأنت تفتري كل هذا الافتراء علي.
سأرد على نقاطك الخمس باختصار، لأن التفصيل لم يجد معك:
الأولى : المشكلة ليست في رغبة الغرب فرض تصوره، ولكن في تحديدك مجالات الاستفادة من المنتج الغربي، ورفضك للعقل المنتج، فنمط الإنتاج هو الجدير بالبحث والاستفادة وليس ما تكدسه.
الثانية : للغرب مشكلاته، بلا شك، ولكن هذه الحالة الأخلاقية الشاملة التي تسبغها على المسلمين هي من نسج خيالك، فالوقائع تكذب ذلك، وأنت نفسك في مجالسك الخاصة لا يسعك إنكار إنسانية المجتمعات الغربية ودقتها والعدالة الاجتماعية وسلوكياتها الحضارية في التنظيم والنظافة والمساواة وتكافؤ الفرص التي تنتشر في كل ثناياها، مقابل كل الفوضى والتظالم والفتونة لدينا. أما إذا كنت تقارن بين واقع غربي، ونصوصية إسلامية، فهي مقارنة لا تصح.
الثالثة : لم أحصر النور في الليبرالية، ولكن أمام هذا الانغلاق والرفض للآخر ليس الديني فحسب، بل حتى المذهبي والفكري والقبلي، ستبقى الليبرالية هي الأمل، وحين يبرز فهم ديني متنور لا شك أن الليبرالية بحد ذاتها ستكون عاملاً مساعداً لبلوغ هذا التنوير مقاصده.
الرابعة: جميل منك أن تستعير من شكيب أرسلان قوله : (إنما القضية كيف نتقدم سواء تخلف الغرب أو تقدم( . فعلاً سؤال التقدم هو الأهم، ومع ذلك هاجسك هو موقفي من الوحي.
الخامسة : أنت تريدنا أن نستفيد من منتجات الغرب ونكدسها تكديساً، وهذه قضية فككها مالك بن نبي، وبما أن مكتبتك حافلة فأحيلك إليه اختصاراً للجدل، إذا لم يقنعك هو فجهدي هنا هباء. هول الأمر من الفكر الليبرالي، واستحث الناس على عدائها على أنها ستسلبهم دينهم وأعراضهم، وأنها ستهدد استقرار المجتمعات وتدمر يقينها، فالزمن كفيل بغربلة من كان يخدعهم.
وحول مركزية الغرب، وتجربته الدينية، وتساؤلك هذا، فإني أحيلك إلى ما لم تقرأه من ردي السابق ففيه تفصيل وإيجاز لما تسأل عنه لا حاجة إلى تكراره.
حقيقة لا أجد جدوى من الرد على كلامك الأخير… لأنه بكل المعايير لا يصلح لحوار، للأسباب التالية:
حمل الكلام على محمل سياسي وديني، بدلاً من الإطار الفكري الاجتماعي.
الخلط المتعمد بين الدعوة من الاستفادة من الغرب والتبعية له.
الهروب إلى تشخيص الموضوع، كلما حاولت أن أخرجه من إطاره الضيق، فمحاكماتك لي نفسية، وأنا أحاكمك ثقافياً.
الافتراء المتواصل وحمل الكلام على غير محمله، ثم الرد على الافتراء.. أي تلفق التهمة ثم تحاكمني بها.
التأليب السياسي والعقدي الذين لا يخفيان من خلال تحويل الحوار إلى حوار سياسي، وحصره على حاضر المملكة، مع أني أنطلق من واقع العالم الإسلامي والبنى الثقافية.
العقلية الانتقائية التي تتلافى المآزق بالبحث عن دواع الاتهام.
….
فقط أتساءل إن كان أستاذنا الكبير المرزوقي يتابع هذا (الحوار)، هل يقرك على طريقتك ونهجك في ردودك؟ أود ألا أكتفي بإجابة منك، فهي موضع شك عندي.
وسلام على عباده الذين اصطفى.

د.استفهام

مرحبا بمهيار المفترى عليه ..
لا أدري أستاذ مهيار هل مر عليك جدل قبل اليوم ؟
حين تقول قولا ، وهذا القول له لوازم ، فأنت أمام حالين :
الأولى : أن تلزم القول وتلتزم لوازمه ..
والثانية : أن تلتزم القول ولا تلتزم لوازمه ..
وأنا اعرف أنك حين تنفي لوازم القوم فقد برأت نفسك منها ، فيبقى أن أبين فساد القول بفساد لوازمه ..
هذي طريقة جدلية معروفة ..
المشكلة يا أستاذي الكريم أنك تجعل إلزامك بالقول الذي تقوله أو بلوازمه ( إفتراء ) ، فبدلا من مناقشة القول ولوازمه تبدأ تناقش افترائي عليك دون أن تعرج على أصل المسألة او تناقش اللوازم .. فأي جدل وحوار هذا بالله عليك ؟
لم يمر علي في حياتي الجدلية طريقة مثل هذه إلا عند ” متطرفي ” الأفكار من كل مذهب ، فهو يحصنون أنفسهم بادعائهم ظلم الخصم لهم ، وهذا يفقد القيمة المعرفية والعلمية للحوار ، ويبدأ الأطراف طرف بإلقاء التهم ، وطرف بالدفاع عن نفسه ..

وسأضرب لك مثلا بهذا :
حين تقول : أنني لا اعتبر الدين حقا ، وأن هناك فرق بين ( الدين ) و ( الوحي ) ، لأن الدين يخضع لفهوم البشر ، والوحي هو ( ما ورائي ) ، فهذا قولك .. أليس كذلك ؟
ثم إني أبين ( لوازم ) هذا القول لا لإدانتك ، ولكن حتى يظهر الاضطراب والفساد في القول ، فيلزم من ذلك رفض ( كل التأويلات والاجتهادات ) ، ويلزم من ذلك أن ( الوحي ) عصي عن الفهم والإدراك ، ويلزم من ذلك أن ( التأويل ) لا يتضبط بأي ضابط ، فانت تفهم من هذه اللوازم محاولة لإدانتك . وأنا آتي بها بيانا لخطأ قولك ..فكان الأولى والأخرى بك أن تذهب إلى عدم الالتزام .. أو الالتزام ، ثم تبين فكرتك بوضوح وجلاء !

خذ مثالا آخر :

حين تقول بأن الليبرالية هي ” نفق النور ” ، فهذا يعني انك ترشح الليبرالية بديلا شموليا للوضع القائم .. وهذا يلزم منه لوازم كثيرة ، لأني قررت أنه من الصعوبة بمكان فصل آحاد المسائل الليبرالية وقضايا السلوكية والعملية عن أسسها الفلسفية ، وهذا يعني بالضرورة مصادمتها للنص ، وهذا كله ( لازم قولك ) ، وليس هو قولك ، فبدلا من الذهاب إلى محاولة التوفيق بين القول ولازمه انتقلت ( كالعادة ) للدفاع عن نفسك ومحاولة الإيهام بأن الخصم حريص على التكفير .. ويبي حلقك .

هذا هو الوضوح الذي أنادي به من بداية الحوار ، وقد كان الأستاذ ” يوسف أبا الخيل ” في نقاشي معه أضبط منهجية منك ، فأنت تتفق وإياه على الإسلام كدين ومرجعية ، ولكنك أنت تكلمت عن ” إسلام ” افتراضي في ذهنك لم تفصح عنه ، بينما الأستاذ يوسف مقر بأن ” الإسلام ” هو الإسلام التاريخي بأصوله وقواعد نظره وطرق استدلاله ، وهي التي قضيت عليها أنت بجرة قلم حين أسمته بـ ( الإسلام المؤسسي ) ، وعندي أنني لو حاورت علي حرب ، أو محمد أركون ، أو محمد شحرور أو أبوزيد سوف يكونون أكثر انضباطية منك بحكم ترشيحهم لمنهجية خاصة في الفهم والمعرفة .. وهذه مشكلة الليبرالي المتشكك الذي لا يريد أن يقر بأي ضبط في المعرفة والعمل ، ولكنه سرعان ما يناقض نفسه حين يرى ان الليبرالية مجموعة من الحقائق ، فهو يحطم كل الأفكار والأديان والعقائد بحكم نسبيتها ، ثم يبرز حقيقته المطلقة الخاصة .. وحتى لو ادعى أنه متشكك حتى في حقيقته فهذا لا يغني ، لأنه سوف يدخل نفسه مع مجموعة المهدومين .

صدقني يا استاذ مهيار أنت يصدق عليك المثل العامي : ( يامن شرا له من حلاله علة ) ، فأنت تبنيت الليبرالية باعتبارها نفق النور ، ثم صارت عبئا عليك أكثر من كونها حلا لمشكلاتك ، فهي تنتزع الإنسان من فكرته الخاصة ، ثم لا تقدم له إلا التيهان في الحياة ، تخرجه من بيته الصغير الذي فيه شقوق تحتاج لأصلاح ، ولا تعطيه القصر الموعود ، تأخذ منه سيارته الكورلا المكسرة ، ثم لا تعطيه البانوراما الموعودة ، تقلب نفسه على مجتمعه ، ثم لا يكون ابنا لمجتمعه ولا لمجتمعها .. وهذا يفسر ” الغربة ” الثقافية، والانعزال الشعوري الذي يعانيه الليبراليون داخل المجتمع المسلم .. لأنهم قد ترحلوا عنه إلى مجتمع مثالي في الذهن، وسيكون الحل الأخير لهم الارتحال جسديا للعيش في ذلك المجتمع ، ومع ذلك سيظلون في ذهن الغربي عربا متخلفين وبرر همجيين حتى لو وضعوا في أفواههم أجود أنواع السيجار ..

ثم إن خلاصة فكرتك في إشكالية الدين والواقع ، والدعوة إلى لبرلة المجتمع لا تصلح حتى لأشد البلاد علمانية ، وعندي أن فكرتك لو عرضتها على أهل ” تركيا ” لقالوا هذا ليبرالي متطرف ، لأن العالم الإسلامي مع اختلافه عن المدرسة السلفية إلا انهم يتفقون على ” المذهبية ” التي تساوي عندك ( الإسلام المؤسسي ) ، فكيف بالله سوف تكون فكرتك حلا لبلد مثل ” المملكة العربية السعودية ” .

وحتى تكون نقاشاتنا مفيدة يجب علينا أن ننطلق من إشكاليات الواقع ومسائله بدلا من السباحة في فضاءات الفكر ، فأنت حين تطرح الفكرة الإنسانية مثل قضية ” حرية المعتقد ” هل تتكلم عن جزر الواق واق ، أم تتكلم عن واقع مثل الواقع السعودي الذي ترى غياب هذه القيمة الإنسانية ؟ وعند مناقشتها هل سوف تهمل المنطلق الأساسي الذي يتكئ عليه خصومك في تقييد هذه الحريات في المعتقد ؟ وإذا كانت منطلقاتهم رسالية شرعية هل سوف تفترض منهم ترك كل هذا حتى يناقشونك ” إنسانيا ” دون أن يكونوا قد أقروك أصلا بالمنطلق الإنساني ؟ القضية يا أستاذ مهيار هي في صراع الفرقاء في بلدنا ، ولكن للأسف الذي وجدته في هذا الحوار أن طريقتك في التعاطي مع المسائل التي تحملها هي مثل طريقة أي سلفي فيه غلو وتطرف ، فهو يحب الخصام ويضرب على جنبات الفكرة التي يراد نقاشها دون ان يضع النقاط على الحروف ، وكنت أود أن تتقارب وجهات النظر للوصول إلى حوار هادئ وعقلي وبعيد عن الانطباعات النفسية عن المقابل ، ولكنك في نهايته خيبت ظني في شخصنة الموضوع والالتفاف على مسائله دون فائدة ..

على كل حال ، التجربة معك مفيدة ، والحوار لا يعدم من فائدة واستفادة .. متمنيا مزيدا من الوضوه والهدوء .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

مهيار

استاذ استفهام

لا بأس سأرد عليك في المسائل التي أشرت إليها، مع أني كلما قرأت رداً لك، ازددت اقتناعاً بأنك لم تأت لتقرأ، إنما لتكتب وتحاضر وحسب.
مسألة الدين الحق لا توجد إلا في ذهن متزمت، وهذا لا يناقض وجود دين حق، ذلك أن جميع أتباع الديانات يحاولون الاقتراب من نور الحقيقة ولا يدعي امتلاكها إلا الدعيّ، لذلك أنت تتلافى كل ما ورد في ردودي من أسئلة مباشرة، وتحاول جعلي خصماً للدين(الحق)، لتتحول إلى خلق خصومة بيني وبين الحكومات والأديان، هذه الفكرة حقيقة تحتاج إلى مران فكري ونفسي ، أما من تقولبوا في مؤسسات صنعت لهم الأطر الحازمة، وأغلقت عليهم المنافذ منذ نشأتهم، فمن العسير أن يتقبلوا فكر الآخر أصلاً، حتى الآخر المشارك في العقيدة.
كل معرفتك الدينية تستقيها عبر علاقة تفسيرية بالوحي إضافة إلى تراث فقهي وتفسيري وما يحف بهما من علوم مساعدة، وهذه العلاقة مبنية على جهد بشري مبروك، وليس لي مشكلة معه كما قلت لك في عيانيته وشرطه، ولكنه في خدمة النص وليس فوق النص، أي اني أرفض أن يحجب النص عن آخرين يحاولون التواصل معه، بما يدعيه من مطلق الفقه والتفسير، كل جهدك الديني هو جهد بشري، والجهد البشري قابل للنقد والمحاكمة، أما رفعه إلى درجة المقدس بادعاء أنه يمثل حقيقة الوحي، هنا تكمن المشكلة وهنا كارثة الفكر الإقصائي. الذي يحجب عنا النص الأصل ليتموضع مكانه. وهي موضعة زائفة وقاصرة وتناقض مفهوم الوحي وكونيته.
هذا بخصوص التفاسير التي تشترك في مقدس، أما إذا لم يكن هناك مقدس مشترك، يجب حينها أن يكون هناك عقد إجتماعي إنساني، يجمع هذه الأطراف دون أن يعتدي أحدها على الأخرى بمنطق القوة. فعالم اليوم لن يحتكم إلى حلف الفضول ولا إلى صلح الحديبية، قد يستفيد منهما، ولكنه لن يكون في ظل خلافة إسلامية حتى تمارس فهمك للوحي على البشر. عالم اليوم تعددي، ولابد لك أن تواكب التعددية وإلا كنت منبوذاً خارج السياق المعاصر للبشرية. لا تساهم في الحضارة إنما تستهلك منتجاتها وتنفذ أوامرها التي تفرض عليك فرضاً.
مسألة المذاهب كانت عبر التاريخ الإسلامي مسألة صراع، وإلى الأمس القريب كانت المذاهب الأخرى مغيبة مثلاً داخل المملكة، إلى أن تمت الإصلاحات الأخيرة. التي ارتقت بهذه المسألة درجة، مع أني فعلاً لا أناقش وضع المملكة إنما وضع عالمنا الإسلامي.
كررت لك آلاف المرات أن المؤسسية هي حالة تتلبس كل مذهب إذ يتشدد، فهي عنوان رفض الآخر وغمطه حقه في الاختلاف أو الاجتهاد. فإذا كنت ستصر على أن ينضوي الجميع تحت إمرتك، ويصر مذهب آخر على نفس مطلبك لمذهبه، فهذا يعني الصراع إلى يوم الدين، ما نحتاجه هو هذه الفسحة من التقبل، تقبل الآخر المذهبي والديني والإنساني، ورفض التقبل هو ضعف دون شك، فالاختلاط مع الآخر لا يشكل مشكلة عند من يثق برأيه ورؤيته، ومن يخشى الرأي الآخر لابد أن له أزمة داخل فكره.
أنا أحترم حرية الفرد في الاعتقاد، وأحترم خيارات المجموعة في تبني نظام اجتماعي ومعرفي. وأحترم لكل طرف حقه في الاقتراب من الحق كما يبغي دون بغي أو طغيان.
من قال إني أرشح الليبرالية بديلاً شمولياً، الليبرالية ليست فيها شمولية، فهي لا تتدخل في ماورائياتك، إنما تقيم المساواة بينك وبين باقي البشر في حرية الاعتقاد والتفكير، ولا تسمح لطرف أن يفرض يقينه على الآخر، فمن أين أتت الشمولية، وكيف أقحمتها هنا، إنك تصر على جعلها عدوتك، وواقع الحال أنها تساويك بكل المنضوين في إطارها، وكما هي لا تقبل أن تصادر الحق مصادرة تعسفية، لا تقبل لمن يخالفك الرأي والاعتقاد أن يقوم بهذا الأمر، وإذ أطالبك بدليلك من قولي تلجأ إلى لازم قولي، وهذا اللازم هو من توهمك وحكمك على دواخلي، كأنما قد كشفت على قلبي، أو أوتيت قدرة الاطلاع على الغيب.
إصرارك على فساد ديني واعتناقي لليبرالية ديناً أليس تكفيراً؟ إذا لم تنكر هذا التكفير؟
لئن استطبت الحوار مع أبي الخيل، فهذا شأنك، وعموماً انا لم أطلع على مضمون سجالك معه، ولا يعنيني الأمر ذلك أنك لابد قد سلكت نفس المسلك معه، وهذا المسلك لا يفضي إلى نتيجة، لأنه يقف عند لحظة التكفير والتسفيه ولا يتجاوزها. وإذا كنتما قد اتفقتما على ما تحدثني به الآن فبئس هذا الحوار الذي يخلص إلى نتيجة تبيح لطرف أن يحتكر تفسير الإسلام دون طرف آخر.
الإسلام الذي في ذهني إسلام متنوع، فيه مدارس متعددة، وفيه فضاءات واسعة، وليس إسلاماً محدداً، وما أعلمه من القواعد أن لكل مسلم أن يعبر عن الإسلام حتى وإن اختلف مع مسلم آخر، ولا علاقة لليبرالية بمجوعة الحقائق، لأنها أصلاً لا تبحث في هذا الاتجاه. أنما تشتغل على علاقة الاتجاهات بعضها ببعضها وعلاقات الأفراد.
وإذا كنت ترى أن من ذكرتهم منضبطون بمنهجية، وأنا لا أنضبط بمنهجية معينة، لك ذلك، لأني لا زلت أصر على إقرارك بحق الاختلاف، وعدم غمط الآخرين اجتهادهم.
تحكمك الأوهام والاختلاطات بخصوص الليبرالية ولذلك أنت ترى أن الليبرالي ( متشكك لا يريد أن يقر بأي ضبط في المعرفة والعمل ، ولكنه سرعان ما يناقض نفسه حين يرى ان الليبرالية مجموعة من الحقائق ، فهو يحطم كل الأفكار والأديان والعقائد بحكم نسبيتها ، ثم يبرز حقيقته المطلقة الخاصة (
هنا خلط فظيع يجعلني أشعر بمدى معاناتك، لأنك في ضوء هذا الوهم تبدو لي مفهوماً. ولذلك لن ألومك على توترك وعدائيتك، ولكن ألومك على عدم تقصي مساحة الوهم في فهمك.
جهودك الجبارة في التحليل النفسي لن أرد عليها، لأنها أزمتك التي تصر على أن تعيشها. فمثلاً لم يرد على لساني ولو لمرة واحدة أن المذهبية هي الإسلام المؤسسي، ولكنك – من خلال ما تتوهمه من لازم قولي – تخلط بين المذهبية والتعصب المذهبي.
أنت ترى أن القضية هي في صراع الفرقاء، بينما أرى أن الأزمة نابعة من الصراع القائم على عدم التقبل والتفاهم، والمصادرة والإخراج من الملة.
فهلا ارعويت عن تقويلي مالم أقل، وتركت دواخلي لبارئي، رضي الله عنك وهدانا أجمعين.

د.استفهام

هل هذا رد في نقاش معرفي أستاذ مهيار ؟ أم هو إعلان عن حقوق الإنسان ؟
( مسألة الدين الحق لا توجد إلا في ذهن متزمت .. وهذا لا يناقض وجود دين حق )
حاولت أن أزيل التناقض الفضيع عن هذه العبارة فلم استطع ، قرأت ما بعدها علني ألتمس فهما من شرحك فلم يزدها إلا تناقضا ..
إن كان ( الدين الحق موجود ) فأين هو ؟
فإن قلت أنا أن هذا هو ( الدين الحق ) : قلت : أنت متزمت ..
فإن قلت بأنك تنكر أنه يوجد دين حق .. قلت لم تحاول تكفيري وجعلي خصما للدين الحق ؟
من تخاطب يا مهيار ؟
ثم ..
سوف أحاكمك إلى فكرك وقواعدك :
مسألة ” التكفير ” هذه ، أنا أعتقد ان الرجل السلفي أقرب إلى روح العدالة من الرجل ” الليبرالي ” في قضية التكفير ، أتدري لماذا ؟
لأن الرجل السلفي يقول : لا يجوز لمسلم أن يكفر مسلما ، والأصل في التكفير محرم ، فهو يردع التكفير برادع أخلاقي ديني ، ويرهبه بالموعيد في الدنيا والآخرة ، فتكفير المسلم ذنب عظيم يوجب سخط الله ، ثم يضع الشروط الكثيرة التي من خلالها يمكن ان يحكم على رجل بالكفر ، ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ، وقوله : ( من قال لأخيه يا كافر فقد حارت عليه ) ، وغيرها من النصوص التي تشنع على التكفير ..
ولكن في مقابل ذلك : فإن الرجل الليبرالي وبحكم حرية الاعتقاد والرأي يرى أن من حق أي إنسان أن يحكم على مقابله بالحكم الذي يراه صحيحا مالم يتعد عليه ، فأنت حين تراني ” متزمتا ” مثلا فهو حكم وفيه سب لي ، ومع ذلك أنت تعطي نفسك الحق بهذا ، لأنه من باب الحرية الفكرية ، وقد تقول بأن ” التكفير ” يؤدي إلى القتل ، فيقال لك بأن هذا غير صحيح ، لأن المسلمين يحكمون على أهل الكتاب الذين يعيشون في كنفهم قرونا طويلة بالكفر ، ومع ذلك يجمعون على حرمة القتل ، فالحكم بالكفر هو حكم بخروج الإنسان من فكرته الخاصة ، ولذلك تجد أن كل صاحب دين يحكم على من خالف دينه بأنه كافر ، فحتى اليهود والنصارى وغيرهم يحكمون بكفر من خالف دينهم .. ولا ارتباط بين التكفير والقتل إلا عند من لا يفقهون …
فأي الفكرتين أضبط لحماية اعراض الناس وأديانهم من التعدي ؟

أما رفضك بحجب النص عنك ، فارفض كما تشاء ، ولكن بين لنا كيف حجب النص عنك ؟ يا اخي انت تكثر الكلام الشعاراتي الخالي من المعنى والحقيقة ، وكأن الناس جعلت بينك وبين النص حجابا مستورا ، فإن كنت تقصد أن وضع معايير لقراءة النص تعني حجبا فهذه ليست هدما للنص والتراث ، بل هي هدم لكل فكرة إنسانية ، فلا يوجد نص مفتوح تغيب عنه قصدية القائل ومحاولة تلمسها إلا عند الحداثيين الذين ماتوا قبل أن يولدوا ، وحتى الدول الليبرالية الغربية حين استغنت عن ” قانون السماء ” ، ووضعت ” قانون الأرض ” لحكمها وتدبير شؤونها لم تقل بأن ” نصوص القانون ” هي فضاء مفتوح يجوز لكل إنسان أن يفهم منه ما يشاء ، إنهم لو قالوا هذا فسوف يخلقون الفوضى في حياتهم ، ولن يكون ” القانون ” محققا لأي قيمة أو حماية ، ولذلك كتبوا شروحات للمدونات القانونية ، ووضعوا قواعد بما يعرف بـ ” روح القانون ” ، وهو ما يقابل في الشريعة ” المقاصد ” ، وضبطوا معايير الفهم لهذه القوانين ، فإن كانت هذه توضع لبعض هذيان البشر ، أفلا يكون هذا من باب الأولى لكلام الباري سبحانه وتعالى ؟

إنني لا احجر عليك أن تقف موقفا رافضا لقاعدة أصولية ، أو منهج استدلالي ، فما زال علماء الأصول عبر التاريخ بل ومنذ زمن الصحابة يتناقشون ويختلفون في طرائق النظر والاستدلال ، ولكنهم مقتنعون بأن ” النص ” يفهم من خلال ” لغته ” التي تبين مفاهيمه ، لأنه نزل ( بلسان عربي مبين ) ، والرجل العربي يفهم القرآن وهو يقرأه ، ويعرف مجملة ومفصله ، ويعرف ناسخه ومنسوخه ، ويعرف عامه وخاصه من خلال ألفاظه ، وكان الإبداع العظيم لعلماء الشريعة هو في استدلال هذه القواعد من النص نفسه وجعلها معايير لفهمه ، وهذا هو ( البيان ) لأحكام القرآن ، فالرفض المطلق لهذه القواعد هو رفض للنص نفسه ..

يا أخي الكريم ، أذا كنت مارست عليك وصاية ، فأنت تمارس وصاية على ” التاريخ والتراث ” الإسلامي كله ، وتريد أن تقول فيه ما تشاء دون ان يكون لأحد الحق في أن يسائلك فقط ، أو يستوضح منك ماذا تريد بالضبط ، وللأسف فإلى الآن لم نجد عندك ما يغني في هذا الباب ..

تقول : ( كل معرفتك الدينية تستقيها عبر علاقة تفسيرية بالوحي إضافة إلى تراث فقهي وتفسيري وما يحف بهما من علوم مساعدة، وهذه العلاقة مبنية على جهد بشري مبروك، وليس لي مشكلة معه كما قلت لك في عيانيته وشرطه، ولكنه في خدمة النص وليس فوق النص، أي اني أرفض أن يحجب النص عن آخرين يحاولون التواصل معه، بما يدعيه من مطلق الفقه والتفسير، كل جهدك الديني هو جهد بشري، والجهد البشري قابل للنقد والمحاكمة، أما رفعه إلى درجة المقدس بادعاء أنه يمثل حقيقة الوحي، هنا تكمن المشكلة وهنا كارثة الفكر الإقصائي. الذي يحجب عنا النص الأصل ليتموضع مكانه. وهي موضعة زائفة وقاصرة وتناقض مفهوم الوحي وكونيته.) .
وهذا أجبت عليه في المداخلة السابقة ، ولا أدري لماذا تعيده ، ومع ذلك فأنا أعجب منك كيف تستطيع أن تطبق هذا وأنت رجل مسلم على الحد الأدني من فهمك للشريعة ، فأنت تقول بأن معرفتي الدينية استقيها عبر علاقة تفسيرية بالوحي ، طيب ، وانت كيف تكمن معرفتك الدينية ؟ وهل كل نص في الشريعة هو محتاج إلى أن يفسر ويؤول ؟ ألم تكن النصوص الشرعية ناطقة بنفسها في بيان كثير من المسائل التي لا يختلف فيها أي مسلم ؟ نبوة محمد ، اسماء الأنبياء ، المحرمات ، اليوم الآخر ، عالم الغيب ، عالم الشهادة ، الحدود ، الطلاق ومسائله ) .
أنا أدرك حقيقة ماهي المشكلة التي تعانيها ، لأنك لا زلت أسيرا للنمطية في الفهم عن السلفية ومنهجها ..ولذلك تقع بهذه التناقضات العجيبة ، فأنت تتهمني بأني أرى أن كل فهم للنص مني هو ” مقدس ” ، وهو يمثل ” حقيقة الوحي ” ، وتسمي هذا بـ ” الفكر الإقصائي ” ، ثم تجعلني من خلال هذا الفهم المقدس احجب النص عنك ، ثم أتموضع مكانه( مع أن كلمة التموضع هذي يبي لها جلسة ) ، ثم جعلتها موضعه زائفة وقاصرة ؟ لماذا ؟ لأنها تناقض ” مفهوم الوحي وكونيته ” ، ثم نبدأ بالسؤال من جديد ؟ ماهو مفهوم الوحي وكونيته يا استاذ مهيار ؟ واخالك هنا سوف تبدأ بشتيمة المؤسساتية إلى الفجر ولا نخرج بنتيجه ..

طبعا كلامك هذا لا يصمد للحقيقة العلمية ولا الواقعية ..
أولا : لأني أنا وغيري لم ندع يوما من الأيام أن كل فهم نفهمه من الشريعة هو ” مقدس ” ، ولم نقل بأن كل فهم نفهمه من النص هو الذي يمثل حقيقة الوحي ، هذه كذبة وافتراء منك يجب عليك أن نعتذر منها ، او تأتي بما يدل عليها ، .. ولأني احترم العلم وقواعده وأصوله فلا يمكن أن اقول مثل هذا الهذاء ، بل أقول بأن عملية الاجتهاد أصلا لا تكون إلا في النص القابل للتأويل ، والذي يخضع لقواعد النظر والاستدلال ، ولم يقل أحد من العلماء بأنه إذا رجح فهما لنص أنه هو فهم مقدس ويمثل حقيقة الوحي ، بل يقول : هذا رأيي ، ولا يحجر على أحد أن يختار فهما آخر ..وهذا أصلا لا يأتي إلا في مواد الاجتهاد التي يكون فيها النص ظنيا في دلالته .. ويثاب ولو أخطى في هذا الفهم لأن عملية الاجتهاد أصلا هي عملية فاضلة في الشريعة حتى لو كانت نتيجتها خطأ ..
ثانيا : اضطر علماء المسلمين في القديم والحديث للعناية بهذه الضوابط حتى يلجموا من يريد أن يعبث بفهم الشريعة ، لأنك إلى الآن لم تدرك ماهي قواعدهم وأصولهم ، فبالله عليك كيف إذن تستطيع ان تقيم فهما خاصا للوحي ، وأنت لم تستطع ان تفهم قواعدهم قبل ان تحكم عليها بالنقض والإبطال ؟
ثالثا : أما قولك بأن كل جهد قابل للـ( النقد والمحاكمة ) ، فهذا ليس جديدا عليهم ، فقد قاله أحمد ومالك والشافعي وابو حنيفة قبل 1200 سنة ، حيث قالوا : ( كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر عليه الصلاة والسلام ) ، وهذا يعني ان كل قول لأحد من البشر قابل للنقد والمحاكمة ، فأيكم اسبق إلى تقعيد هذا ؟ مهيار الليبرالي في القرن الواحد والعشرين أم أئمة المذاهب قبل الف عام ؟
رابعا : أنت تقول قابل ( للنقد والمحاكمة ) ، فأقول لا بأس : أنقد وحاكم ، ولكن كيف ؟ وماهي أدواتك في النقد ، حتما سوف تنظر في النص ، وتحاكمهم إلى قولهم ، وتنظر القرب والبعد منه ، وهذا يحتاج لأدوات علمية ، فإن لم تملكها ، أو لم تكن مقتنعا بها فلا تقربن حماهم ، احتراما للعلم والمعرفة ..

يقول الاستاذ مهيار :
( هذا بخصوص التفاسير التي تشترك في مقدس، أما إذا لم يكن هناك مقدس مشترك، يجب حينها أن يكون هناك عقد إجتماعي إنساني، يجمع هذه الأطراف دون أن يعتدي أحدها على الأخرى بمنطق القوة. فعالم اليوم لن يحتكم إلى حلف الفضول ولا إلى صلح الحديبية، قد يستفيد منهما، ولكنه لن يكون في ظل خلافة إسلامية حتى تمارس فهمك للوحي على البشر. عالم اليوم تعددي، ولابد لك أن تواكب التعددية وإلا كنت منبوذاً خارج السياق المعاصر للبشرية. لا تساهم في الحضارة إنما تستهلك منتجاتها وتنفذ أوامرها التي تفرض عليك فرضاً.
مسألة المذاهب كانت عبر التاريخ الإسلامي مسألة صراع، وإلى الأمس القريب كانت المذاهب الأخرى مغيبة مثلاً داخل المملكة، إلى أن تمت الإصلاحات الأخيرة. التي ارتقت بهذه المسألة درجة، مع أني فعلاً لا أناقش وضع المملكة إنما وضع عالمنا الإسلامي.) .
أنت هنا تريد أن تخرج من مشكلة الفهوم المتعددة للنص ، لتقع في مشكلة الفهوم المتعددة في السياسة من خلال العقد الإجتماعي ، وكان ” النص ” أصبح لا يحمل قيمة مطلقة للبشرية أبدا بحكم تعدد هذه الفهوم ، والخلاصة النهاية لهذا الأمر ، أن الإسلام لا يمكن ان يكون حافظا لحقوق الناس ، والاستعاضة عنه سوف تكون برأي جون لوك في العقد الاجتماعي .
العجيب أنك يا استاذ مهيار تفترض أمورا من عند نفسك ، فكل قضاياك التي ناقشتني فيها هي ما تتوقعه مني لا ما أقوله ، فأنا لم أقل أو أنادي ” بخلافة إسلامية ” ، وجعل شرط تطبيق الوحي على الناس لا يكون إلا في ظل خلافة شرط من عندك لم أقله ، وإنما أنطلق من واقع اعيشه ، ولست منظرا لأي بلد خارج حدودي ، ولست عولميا في طرحي ، مع اني ادرك أن التيار الليبرالي في البلد ينكر على الصحوة الإسلامية عولمتها لخطابها الإصلاحي والدعوي ، والاهتمام بمشكلات الآخرين ، وأنت هنا تنظر الحلول للعالم الإسلامي ، وهذه البلاد لها أهلها الذين يهتمون بشؤونها ، وإن كانت تهمنا من باب الاتصال الشعوري والديني والتاريخي ، إلا أن نجاح المشروعات الإصلاحية لابد أن يأخذ منحى ” الإقليمية ” التي تقصر نطاق الإصلاح في إطار ضيق حتى يمكن أن نعمل شيئا ، وأنا لا أخالفك في أي شكل من أشكال تحقيق الأمن والعدالة وعدم التعدي على حقوق الآخرين ، سواء أسميته بيعة ، أو عقد اجتماعي ، أو نظام شورى ، أو أي مسمى ، شريطة أن ينطلق من عدم مخالفته لتعاليم الإسلام ، فإن شئت أن تحيد الإسلام عن سياقه الحكمي والتأثير في الواقع أصبح الخلاف بيني وبينك جوهريا وأصليا ، واصبح أي حوار بعده هو حوار عبثي لا طائل من ورائه ..
ثم إن هذا العالم التعددي الذي أصبح واقعا يتيح لأي أمة من الأمم أن تحكم نفسها بنفسها وبناء على محدداتها الثقافية والعقدية إذا صارت اغلبية ساحقة ، وهذا يعني أن هذه التعددية لا تتعارض مع حكم الإسلام ، فهذا العقد الاجتماعي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مع اليهود ، وكتب بينه وبينهم عقدا وعهدا ، ولو لم ينقض اليهود العهد لاستمر ولم يكن لأحد ان ينقضه ، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وهم يد واحدة على من سواهم ، وتحفظ لهم حقوقهم وذراريهم ، مع انهم كانوا أقلية حقيرة في المدينة ، ولم يؤصل أي عالم من علماء المسلمين في أي حقبة من حقب التاريخ منع الناس من اتباع مذهب فقهي ، أو اعتقاد معين ، ولم تقم معارك على الهوية إلا من خلال هيشات العامة التي لم يدخلها الكبار والعلماء ، إلا ان الساسة كانوا يحملون مذهبا فيشتطون فيه ، ويفرضونه على الناس بالقوة ، ولكن هذا لم يكن منهجا شرعيا يوافق عليه العلماء الحكام ، فإن كان أهل العلم قرروا أحكام أهل الذمة الذين يتمايزون عن المجتمع الإسلامي بالديانة والعرق وحفظوا لهم حقوقهم ، فما بالك بمن كان أصله الإسلام ؟ ولكن يجب ان ننبه إلى نقطة مهمة ، وهو أن الناس لابد أن ترجع إلى ” دستور ” حاكم ، فأن كان الدستور في السعودية يقوم على القرآن والسنة وجب الرجوع إليه عند الاختلاف ، ويحكم على السني والشيعي والاباضي والاسماعيلي وغيرهم بناء على الموافقة والمخالفة للدستور سواء بسواء ، وهذا هو الحال في دساتير العالم كلها ، إنما الفرق هو في كون دساتيرهم وضعية ، ودستور المملكة يقوم على الشريعة كأصل ، فالالزام هنا إلزام دستوري وليس من باب الإلزام المذهبي .. وهذا كله لا يتعارض مع القيم العولمية ، وإن كانت قيما استبدادية غير عادلة ، تقوم على مركزية غربية أكثر منها مشتركات بشرية ، والتعامل معها يكون بحسب المصلحة التي تتحقق للناس ، فالغلبة والضعف والقوة هي حالات تراوح بين الأمم ، والتعامل معها يكون بناء على القواعد الكلية العقلية والشرعية ، وليس فتح باب المواجهة على الاستمرار كما هو الحال عند الجماعات الجهادية الإسلامية ..

يقول الاستاذ مهيار : ( من قال إني أرشح الليبرالية بديلاً شمولياً، الليبرالية ليست فيها شمولية، فهي لا تتدخل في ماورائياتك، إنما تقيم المساواة بينك وبين باقي البشر في حرية الاعتقاد والتفكير، ولا تسمح لطرف أن يفرض يقينه على الآخر، فمن أين أتت الشمولية، وكيف أقحمتها هنا، إنك تصر على جعلها عدوتك، وواقع الحال أنها تساويك بكل المنضوين في إطارها، وكما هي لا تقبل أن تصادر الحق مصادرة تعسفية، لا تقبل لمن يخالفك الرأي والاعتقاد أن يقوم بهذا الأمر، وإذ أطالبك بدليلك من قولي تلجأ إلى لازم قولي، وهذا اللازم هو من توهمك وحكمك على دواخلي، كأنما قد كشفت على قلبي، أو أوتيت قدرة الاطلاع على الغيب. ) .

أولا الليبرالية فكرة شمولية تستغرق جميع حياة الإنسان ، وكونها لا تتحكم بالماورائيات فلا ينفي عنها صفة الشمولية ، فالشيوعية البلشفية الحمراء هي نظرية شمولية ومع ذلك هي في أصلها نظرية إلحادية لا تقيم للميتافيزيقيا وزنا ، ولم ينف عنها هذا صفة الشمولية ، إذ الشمولية هي تقديم الرؤية التي تتعلق بالقيم والاخلاق والنظريات السياسة والاجتماعية والاقتصادية ، وكل حقل من هذه الحقول تقدم الليبرالية رؤيتها الخاصة ، والربط بين أجزائها هو ربط متحتم ، فمن ينادي بحرية لاعتقاد لن يرضى إلا بحرية الاقتصاد والاجتماع ، ولأنها أصلا تقوم على أصل ” الحرية المطلقة ” التي هي تؤسس لهذه الشمولية ، ومن يقول غير ذلك فهو يرمم مفهوم الليبرالية لتكون ليبرالية خاصة ، وليست الليبرالية التداولية في محافل الفكر والسياسة والاجتماع ، وهذه مشكلة من مشكلات الليبراليين السعوديين الذين يحاولون ترميم الليبرالية وتقديمها بصورة مستساغة ، ولا يدركون أنهم يقدمونها بصورة شوهاء إذا أخرجوها عن سياقها وشموليتها ..

ثم إن فهمك لليبرالية لا يتسق مع واقعها الذي تعيشه في بلادها ، فهي صدقا تؤسس للتعددية ، ولكنها كذلك التعددية التي تؤدي إلى صراع نفسي وسياسي وأخلاقي وفكري ، والاحزاب المتصارعة في العالم الغربي هي أحزاب ” متناقضة ” في فكرها ، وكل حزب يضرب على وتر فساد الحزب الآخر ، ولم تستطع هذه الليبرالية أن تزيل هذه الحروب والتطاحنات التي بين الفرقاء ، نعم .. هي تفض الاشتباك وتمنع التداخل ، ولكن هذه القيمة ليست بتلك الأهمية ، لانها لم تستطع أن تسوي بين الأفكار ، ولذلك يمارس الفرقاء أخس الوسائل وأقبحها في النكاية بالخصوم ، لأن الليبرالية اصلا لا تؤسس لقيمة أخلاقية رادعة وسامية ، فهي تقول للناس قولوا ما تشاءون دون أن تبين ما ينبغي قوله وما ينبغي عدم قوله ، ولكأني أرى أن انبهارك فيها مثل بعض شيوخ الليبرالية في السعودية يحيلون كل باقعة فيها إلى نقطة مضيئة ..

تقول يا أستاذ مهيار : ( إصرارك على فساد ديني واعتناقي لليبرالية ديناً أليس تكفيراً؟ إذا لم تنكر هذا التكفير؟
لئن استطبت الحوار مع أبي الخيل، فهذا شأنك، وعموماً انا لم أطلع على مضمون سجالك معه، ولا يعنيني الأمر ذلك أنك لابد قد سلكت نفس المسلك معه، وهذا المسلك لا يفضي إلى نتيجة، لأنه يقف عند لحظة التكفير والتسفيه ولا يتجاوزها. وإذا كنتما قد اتفقتما على ما تحدثني به الآن فبئس هذا الحوار الذي يخلص إلى نتيجة تبيح لطرف أن يحتكر تفسير الإسلام دون طرف آخر.
الإسلام الذي في ذهني إسلام متنوع، فيه مدارس متعددة، وفيه فضاءات واسعة، وليس إسلاماً محدداً، وما أعلمه من القواعد أن لكل مسلم أن يعبر عن الإسلام حتى وإن اختلف مع مسلم آخر، ولا علاقة لليبرالية بمجوعة الحقائق، لأنها أصلاً لا تبحث في هذا الاتجاه. أنما تشتغل على علاقة الاتجاهات بعضها ببعضها وعلاقات الأفراد.
وإذا كنت ترى أن من ذكرتهم منضبطون بمنهجية، وأنا لا أنضبط بمنهجية معينة، لك ذلك، لأني لا زلت أصر على إقرارك بحق الاختلاف، وعدم غمط الآخرين اجتهادهم. ) ..

وها نحن رجعنا لقضية التكفير ، وفي فقرتك السابقة ما يدل على أنك لا تفهم قضية القول ولازمه ، وهذه مشكلة الثقافة الراجعة التي تبني رؤاها على مايقول مقابلها ، ولذلك قلت بأن الزامي بلازم قولي تنقيب عن قلبي ، فبالله عليك كيف يتم حوار معك وأنت تفهم الأمور هكذا ، القول ولازمه ليس له دخل في دواخلك ، بل لازم القول هو قضية عقلية ، فحين تقول : المسلم هو الذي يقول لا إله إلا الله ، فحتما ان لازم قولك بأن الذي لا يقول لا إله إلا الله ليس بمسلم .. فهل لازم القول هذا هو من المتقرر العقلي أم لا ؟ فما دخل باطنك والحكم على نواياك ، ومحاولة تفكيرك ؟ أصلحك الله ؟

أما قضية الإسلام الذي في ذهنك فهي حقيقة مضحكة ، فأنت تقول الإسلام الذي في ذهني هو ” الاسلام المتنوع ” ، فهل انت تتحدث عن ” الإسلام ” أم عن التنوع ؟ تقول : الاسلام فيه مدارس متعددة ، فهل السؤال هو عن الإسلام أم عن المدارس ؟ أنت تقول بان لكل مسلم أن يعبر عن الإسلام ، فهل تعبير المسلم عن الإسلام يجعل تعبيره هو الإسلام ؟ على هذا فرؤية ابن لادن هي الإسلام لأنه عبر عنها ، ورؤية لويس فرخان هي الإسلام لانه عبر عنها ، ورؤية الزرقاوي هي الإسلام لأنه عبر عنها ؟ إنك هنا تريد أن تفر من الضوابط والأصول لتجعل الإسلام هو التعبير عما يجول في خاطر المسلم من أفكار عنه .. إذن ، فتكفيري لك هو الإسلام ، وقول الخوارج في تكفير الناس هو الإسلام ، ولابد أن تقبله كله ، لأنك تقبل كل هذا التنوع .

يا أخي الكريم لو قال هذا الكلام رجل ليبرالي غربي لا يقول بأنه مسلم لقبل منه هذا الكلام ، لأنه وببساطة ترك كل الأديان وقال هي متساوية ، وكل إنسان له ان يعبر عن رأيه في الإسلام دون أن يكون هناك ” دين حق ” ، ولكن المسلم لا يمكن إلا أن يكون مقتنعا بأن هناك على الأقل حدا أدنى من الإسلام هو حق لا مرية فيه ، فإن غاب هذا الحد الأدنى فأي إسلام يبقى للمسلم ؟ فإن كانت الليبرالية تسوي بين الأديان كلها دون تمييز وتجعل الفكرة الشيوعية مستوية مع الفكرة الإسلامية فهي فكرة مخالفة للإسلام حتى لو لمعت بكل مكاييج الفكر ومخاتلة اللفظ ومعانيه .

أخيرا تقول : ( تحكمك الأوهام والاختلاطات بخصوص الليبرالية ولذلك أنت ترى أن الليبرالي ( متشكك لا يريد أن يقر بأي ضبط في المعرفة والعمل ، ولكنه سرعان ما يناقض نفسه حين يرى ان الليبرالية مجموعة من الحقائق ، فهو يحطم كل الأفكار والأديان والعقائد بحكم نسبيتها ، ثم يبرز حقيقته المطلقة الخاصة )
هنا خلط فظيع يجعلني أشعر بمدى معاناتك، لأنك في ضوء هذا الوهم تبدو لي مفهوماً. ولذلك لن ألومك على توترك وعدائيتك، ولكن ألومك على عدم تقصي مساحة الوهم في فهمك. )

نعم .. أعرف لماذا تركت التعليق على هذه الفقرة ، لأنها في نهاية المطاف هي حقيقة فكرتك التي لا تريد الاعتراف بها ، فأنت بنصك أبرزت الليبرالية بأنها حقيقة مطلقة ، ثم في مقابل ذلك سلبت هذا من الدين ، فكن متسقا مع نفسك حتى تستطيع ان ترد على هذه الفقرة ..

شكرا لك مهيار .. وجمعة مباركة !

مهيار

لا ليس نقاشاً معرفياً، لأن النقاش المعرفي يتطلب ذهنين منفتحين على بعضهما، أنت تحمل سلة أداوت ليس من بينهما التفهم والتقبل، وتصر على تحويل الحوار إلى جدل فقهي، مع أني لست هنا لمناقشتك فقهياً، أنت اليوم تحيا في عالم متعدد، وعدم إعدادك لنفسك لتقبل هذا التعدد وتفهمه سيجعلك إما منبوذا منزوياً، أو خاضعاً رغم أنفك… فالإنسانية لا يمكن أن ترتهن لفهمك هذا. وكما يبدو لي من قراءتك أنك فعلاً لا تفهم معنى الليبرالية ولا مبناها، فأولاً انت تنسب كل ما لا تحبه إلى الليبرالية، وثانياً تجعلها معادية لفكرة التدين، وكلا الفكرتين غير صحيحتين.
حتى حجب النص تفهمه بطريقتك، فليس كل نص معروض أمام الملأ هو غير محجوب، إن فرضك لأدواتك وفهمك لهذا النص هو الحجاب، فالنص تحت ثقل معناك وضوابطك يتحول إلى مجرد حامل لأفكارك ، التي تدافع عن استمرارها حتى لو أقلت النص، وهذا هو ما يحدث وأنت لا تود أن تفهمه، لأنك فعلاً على الرغم مما تذكره من قراءات، لم يتمرن فكرك على فهم هذا البعد. فأنت في دفاعك عن النص لا تدافع عنه، إنما تدافع عن فهمك له، فأنت الوصي عليه، وأدواتك هي مفتاحه. هذا هو لب الصراع داخل حدود الفقه الفرقي، لذلك تهرب من الأسئلة المباشرة، لأنك ستسقط لا محالة.
لك فهمك الضيق للسماء، لذلك تتصور كل من حاد عن رأيك قد خرج من رحمة السماء، ولكن هذا غير صحيح، ولا يصح بحال من الأحوال، فكل شخص لديه فهمه ويمكنه بناءً على ما تقول أن يخرجك الناس من ملكوت الله إذا كان لهم فهمهم، ولست أدري لم تغلق فهمك عن فهم هذا الأمر البسيط. ولم تجد أنه من حقك أن تخرج الناس من رحمة الله، وليس من حقهم أن يخرجوك؟!
الغرب الذي تراه أرضياً هو أقرب للسماء منك، فكل جدلياتك الفقهية لا تهم بقدر ما يهم الواقع، وواقع الحال أنه لا يمكنك أن تقارن مجرد المقارنة واقعك مع واقع الغرب، ولا تستطيع أن تباهيه بمنتج أو تضاهيه بفكرة جديدة. كل بضاعتك وعظ وترهيب من العقل وترغيب في الاستكانة. بينما ذلك الغرب الذي تمقته ولا تحاول فهمه، ينتقل من سؤال إلى سؤال، تاركاً لك التخبط في أجوبتك المكررة وفتاويك المكدسة. ذلك الغرب يصعد السؤال في مجال الحياة الإنسانية، وأنت تغرق في سماء تفترضها أنت، ذلك الغرب يحقق غاية العمران، وأنت تحيا للموت. هو يصعد إلى السماء، وأنت تهبط من منحدر.
لم أرفض القواعد لا مطلقاً ولا جزئياً، ولكن القواعد هي أدوات لاحقة على النص، وغايتها الاقتراب من غاية النص، وهذا النص أصلا هو نص مبين، فلم يحتاج إلى إبانتك أنت حصراً، ولم يقتصر على تفسيرك وأدواتك، هذا هو السؤال الذي تتهرب منه، قل لي بربك لم يجب أن يقتصر عليك؟
إن نزع القداسة عن الفقه والتاريخ لا يعني الاستهانة بهما، ولكنه منتهى الاحترام والتقدير الذي تعرض عنه أنت، فأنا أود أن أتفهمه وأن أبحث عن مقاصده وأدواته وأن أستفيد من تجربة التراث للوصول إلى ما يفيد الإنسان في حاضري، أما أنت فتصر على تكبيل الإنسان ووضعه في خدمة تفسير غابر، وعليه أن يتقبل هذا الأمر حتى لو خرج من العصر. وهنا مشكلة رئيسية بيني وبينك، فأنا أرى الدين في خدمة الإنسان وليس العكس.
سرني للحظة أن تطرح سؤال التقدم متكأً على أرسلان، وكنت آمل أن تنتقل إلى ما يفيد من أسئلة الهوية المتجددة ونمطية الانتاج، والمستقبليات، ورؤية إنسانية غير مقتصرة على جغرافية محدودة، إلا أنك تعلم أنك لن تصمد في خضم التحولات، فتنكفئ إلى كهفك.
وبدلاً من أن تدافع عن نفسك تسخر من كلمة لأنك لم تسمع بها من قبل، وهي أفضل تشخيص لوضعك، فحتى اللغة علينا أن نلجأ إلى بركاتك فيها.
أنا حقيقة بدأت أقفز على فقراتك الفقيرة، لأنها مضيعة للوقت، فهي لن تأتي بجديد إنما تلتف وتناور لكي لا تجيب على السؤال المطروح. أكتفي بهذا القدر إلى أجد لديك فعلا ما يستحق النقاش..
لاحول ولا قوة إلا بالله.

د.استفهام

يبدو أن الأخ مهيار يحسب أنه يعيش في هذا العصر ولا يعرفه أحد سواه ، فهو قد أدرك بفكره الفذ ، وقدرته المنقطعة النظير أن هذا العصر هو عصر التعدد ، وعصر أمريكا ، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا إلا أن ينخرط في هذا العلم ويتقبله كما هو ، وأن من شرط هذا أن يتخلى عن كل مبادئه حتى يعيش في هذا الزمن الغربي ، وان كل من يرفض هذا ” الانخراط ” ، فهو إما متزمت .. أو متزمت !
فأنا عند الأخ مهيار لا أعرف الليبرالية ، ولا أعرف الإسلام ، ولا أعرف العصر ، ولا أعرف النص ، ولا أعرف التاريخ ، ولا أعرف الواقع ..
هذه الطريقة في الحوار تجعل الإنسان يزهد في الحوار الفكري ، ويرى أن المسافات بين الفرقاء بعيدة جدا ..

حقيقة يا استاذ مهيار لو كنت أعرف أن لك تجربة ” صحوية ” لما ناقشتك ..أتدري لماذا ؟ لأن الليبرالي الذي لم يخص تجربة صحوية ألطف عبارة ، وأكثر تفهما للكلام ، وأبعد عن ردود الأفعال واستصحاب الحال السابق ، ولذلك تجد أن ” الغلظة والشدة ” سمة غالبة على كل صحوي يتبرلل ، لأنه تجتمع عنده خلفيته السابقة ، وحمولته النفسية ، مع فكرته الجديدة التي يأخذها بعنف يشبه إلى حد كبير عنفه السابق في حمل فكرته .. فيقفز من تطرف إلى تطرف !

أنت تحدثني عن ” النص ” وحجبي له ، وأن فهمي هذا أريد أن أفرضه على الناس ، وغيرها من الافتراءات المعرفية التي بدأت تحبكها حبكا ، وهذا قفز منك على النتائج ، فأنا أحاول إلى الآن أن أفهم منك ماهو ” النص ” عندك ، ثم بعد ذلك إن كنت ترى أن لي طريقة خاطئة فناقشني بها لعل الله أن يهديني على يديك من طريقتي في فهم النص ، ولكنك تركت كل هذا ، وتعاملت معي بخلفيتك الثقافية ، فانحدر مستوى النقاش عن أوله …

ثم إنك تريد أن تحيل النقاش إلى ثنائية الغرب والشرق ، ثنائية التقدم والتخلف ، ثنائية الغالب والمغلوب ، وليس هذا هو نقاشنا في البداية ، ولا أحجر عليك تيهانك وهيامك في الغرب ، أو إعجابك به إلى حد الغلو والتيم ، ولا كذلك اشادتك بمنجزاته الحضارية ، وإن شئت أن تجعله جنة الدنيا فافعل ، ولكن موقفك من الغرب هو مثل موقف الذي يحب رجلا ثريا وهو عاجز على أن يكون مثله ، فهو يحمّض مجالسه بالتلذذ بثروة الثري وهو مقحط ، ويطالب الناس أن يكونوا مثله في رفاهيته وفخامة سياراته وقصوره وهو لا يملك بيتا بالحلال ، ويقيس الناس به ، فينزلون من عينه لأنهم ليسوا مثل ذلك ، ثم يكتشف أنه لو أراد فقط أن يسلم على ذلك الثري لم يستطع ، فبدلا من أن يكون ” ثريا ” ويعمل على ذلك ، ويتعاون مع الناس ، إكتفى بالاعجاب والتيه به … فعاش حياته يمنيها الأماني حتى تخطفته يد المنون !

إن هذه حاجة غريزية في النفس ، فالاحتماء بــ ” الرمز ” الذي قد يكون رجلا ، وقد يكون حضارة ، وقد يكون دولة حاجة فطرية ، ولكن البعض يتوجه إلى الاتجاه الخطأ ، فهو لا يستطيع أن يحقق ذاته إلا من خلال أن يكون ” محاميا ” عن هذا الرمز ، مشيدا بإنجازاته ، فهو في الحقيقة يحقق ذاته من خلال الرمز ، أكثر من أن يكون جادا في التمثل به .

يا استاذ مهيار .. قضيتنا معك ليست في منجزات الغرب ، إنما في كيف ” ننهض ” مثل الغرب ، وهنا تفترق المدارس وتختلف ، ولقد وجد الكثير منذ عصر النهضة العربية – كما تسمى – إلى التأميم تجاه القبلة الفاتنة ” الغرب ” ، والمشكلة هنا ليست في تلمس نقاط القوة عندهم والسير في خطاها ، ولا في الاستفادة من تجربتهم الإنسانية ، وإنما تكمن المشكلة في قضيتين :
1- في حسم القضية مع ” الدين ” الذي يراه الكثير من رواد هذه المدرسة عائقا امام ركوب الموجة الحضارية الغربية ، وقد وجهت له عوامل كثيرة من الهدم والتشكيك والمراوحة بين ” الصراحة ” و ” الالتفاف ” حوله من خلال ابطاله من داخله ، ونقضه من أصوله ، وتحييده عن السباق الحضاري بين المسلمين وغيرهم .. وهؤلاء تكمن خطورتهم في انهم يفقدون الأمة هويتها التي يشكل الدين مرتكزا حاضرا لا يستطيع أحد أن يسلبه منهم، فإن كان الناس تقاتل دون أعرافها الطبيعية ، فكيف بمن يريد أن يسلبها دينها التي تراه دينا سماويا من عند الله .
2- الإحلال المعرفي من خلال النظريات التي تعاقبت على العالم الإسلامي ، فأصبح معمل تجارب لأفكار الغرب والشرق ، فالذين حملوا الفكرة الشيوعية والاشتراكية كانوا في يوم من الأيام أكثر منك حماسة لحمل فكرتهم من حملك لفكرة ” الليبرالية ” ، وكانوا يرون فيها المخلص الذي لا محيد للأمة عنه ، وطبقتها أنظمة سياسية في العالم الإسلامي فلم يجنوا منها إلا الذل والفقر والتشتت ، ثم سقطت سقوطا مريعا ، فسقط الحلم الذي كان يرواد أولئك الفئة من المفتونين ، وهاهم اليوم يؤممون تجاه الغرب بثقافته وأخلاقياته ومنظومته الشمولية ، وبدأوا من نقطة الصفر ، وسوف يسقط هؤلاء ، لأنهم لم يدركوا حركة التاريخ ، ولم يعرفوا أن النهضة لا تنفصل عن الأمة وتاريخها ، وان الغرب نفسه لم ينهض إلا حين حرث في فلسفاته وتاريخه ، وأن نهضته متسقة مع منظومته الفكرية والاخلاقية والثقافية والدينية ، وأنها كذلك نهضة لم تأت إلا بعد المرور بأطوار ثورية حصلت الأخضر واليابس ، وأن النهضة مع ما حققت من نتائج إلا أنها سقطت وارتكست في أمور كثيرة ، وفي مقابل ذلك شهد العالم الإسلامي رجوعا إلى قيمه الأولى ، فإن كنت ترى أن ” التمسك ” بالنص هو جزء من التخلف ، فإن الكثير يرون أن البعد عن النص والوحي هو الذي جعل الأمة ترتكس في التخلف بعد النصر والتمكين في الأرض..

إن ” الفحص ” للغرب ونظرياته ، وتلمس النهضة من خلال ظروف الأمة ووضعها ممكن ، ولا ينكره إلا من ينكر عقله ، والخلاف بين الإسلاميين والليبراليين هو في أن هذا ” الترحيل ” والأقلمة لقيم الغرب لن يزيد الأمة إلا ضياعا ، وأن كثيرا من الأمم تقدمت وهي لا تزال تمانع التماهي مع الغرب في قيمه ، وان أسرار النهضة والتقنية والتقدم وبناء الأنسان والتنمية لم تعد سرا محتكرا للغرب ، ولكن الإصرار على المشروعات الغربية الناجزة هي التي تعيق هذا الانطلاق ، فانتقل المثقف من منتج للنهضة والتنمية إلى عميل بالوكالة لغيره ، وخاصة حين يوطئ لمشروع أجنبي حتى ولو كان صالحا في بعض جوانبه .

المشكلة أن الغرب حين ينظر إلى العالم الإسلامي لا ينظر إلى المشكلة من خلال جماعات أصولية متطرفة ، لا ينظرون إلى الواقع من خلال القاعدة وابن لادن ، بل ينظرون إلى أن ” الإسلام ” نفسه دين فاشي يحمل قيما متطرفه ، وهذا هو ما يردده الكثير من المثقفين الليبراليبن الآن ، وأحسنهم هو من يخاتل في هذا – كما تفعل أنت – في التفريق بين الوحي والدين تارة ، وأن المشكلة في القراءة وليس الدين ، وخلاصة الأفكار المنتقدة هي ” تعاليم ” الإسلام نفسها التي لم يتدخل أحد في تفسيرها وتأويلها ..

أما قضية ” الليبرالية ” فمأزقها التاريخي والفكري والسياسي ظاهرة وقد كررت الكلام فيها في هذا الحوار ولا حاجة للإعادة ، ولكني أركز على أنك إلى الآن تريد أن تقول شيئا عن ” النص ” لم تستطع البوح به .. واعتقد أن كل من قرأ كلامك سوف يدرك هذا لا محالة .. سلام عليك !

مهيار

أخي الكريم استفهام
لم أقصر معرفة العصر علي، ولم أتهمك بجهل ما فيه، المشكلة هي كيف نفهم العصر أكثر، أنا وأنت، اسمح لي بأن أتجاوز اتهاماتك، وأرجو أن نركز على الأفكار، ولا ترمني بما حذرت أنا منه، فمنذ أول الحوار وأنا أحذر من الثنائيات..
لا بأس..كنت قد أشرت إلى تعريف لليبرالية أدرجه الأخ فرناندز نقلاً عن الكاتب الإيراني: عبدالكريم سروش، وما زلت أتمنى أن تشرح لنا مشكلتك مع هذا التعريف، فهو يصلح مرتكزاً للنقاش، ولعلك لا تهمل الأمر.
لا تتخل عن مبادئك يا أخي، ولم أتخل عنها ولو قليلاً يوم آمنت بالليبرالية مسلكاً، بل وجدت في الليبرالية ما يدعم إيماني كمسلم، فأصبحت أقرب إلى روح الإسلام، الذي أنزل رحمة للعالمين، وفي فاتحة كتابه جاء أن يوم الدين لله، لا هو لك ولا لي، والذي حض على اللا إكراه، وإنسانية الإنسان، وأتاح للفهم الفردي أن يبحر في كلام الله والأفاق والأنفس، بما حض عليه من أوامر استخدام العقل والفكر، يبدو لي أني أكثر ثقة بالإسلام منك، فأنا لا أخشى مزاحمة الباطل، ذلك أن الباطل كان زهوقاً، ولذلك لا يهمني أن يجاورني مختلف عني، وما كانت حرابة تقوم إلا مناهضة لاعتداء أو تهديد أو منع، أنا اليوم أجد نفسي أقرب فهماً للإنسان، وبذلك أكون أقدر فهماً للإسلام الذي كان، ثم لم يكن إلا لمماً. إن بناء كل هذه الشدة تجاه الآخر ينبغي أن يستند إلى منطق مفهوم، بدلاً من أن تتم نسبته إلى الوحي تلفيقاً، فكما ورثت الإسلام أنت، فكل فرد من ملة أخرى قد ورث دينه، وكل انبنى فكره وعقله قبل أن يكون له عقل يختار، إي تكاملت منظومة المعايير لديه عبر التلقين والمعايشة داخل أسرته أو طائفته، فبات لا يستطيع تقبل إلا ما يتوافق معها، كل هذا قبل أن يعمل الفكر، وهذا ينطبق على الجميع بما فيهم المسلم. فنظامك المعرفي لا يطابق النظام المعرفي لنصراني، حتى لو كنتما جيرة حي واحد، وما تراه علمياً ومنطقياً سيكون كذلك بدون شك، ولكن بحسب علمك ومنطقك أنت، بينما قد لا يبدو له كذلك… هذا أمر لا أظنك بعيداً عن فهمه، بل أكاد أجزم أنك اطلعت عليه مراراً، وصدقني أخي الكريم أني على الرغم من بعض الانفعال الذي شاب بعض قولي تجاهك، والذي اعتذرت عنه، إلا أني أتوسم خيراً في حوارنا، وحتى لا تفسر هذا الخير بطريقة ما، أقول إنه الخير الذي يجعلني اتفهمك أكثر وتتفهمني أكثر.
النفق الصحوي لم أدخله يا سيدي، إذ إن الله قد من علي بالابتعاد عنه قبل أن يحبك شباكه حولي، فاطمئن، وأنا ليس لدي مشكلة مع كل الصحويين، بل أحترم خياراتهم واتجاهاتهم، وحتى تشددهم مع أنفسهم، أنا فقط ضد الإكراه وحسب. فدع عنك يا أخي الكريم البحث في دواخلي، ولنحتكم إلى الفهم وحسن النية والظن، لعلنا نستطيع أن نستمر دون أن يطغى أحدنا على الآخر.
وأشكر لك تصحيح فكرتي عنك بخصوص فرض فهمك على الآخرين، فعلى الأقل إنكارك علي هذا القول يشير إلى أنك لا تقر فرض الفهم على الآخر، وهذا أمر حسن وطيب وأنا مسرور لأني كنت على خطأ في هذا، وجل من لا يخطئ.
لست هائماً في الغرب إنما أهيم بالحضارة حيثما كانت، وأهيم بالواقع الحضاري الذي تمور في جنباته التطلعات العلمية والفكرية والإبداعية، أهيم بمن يصنعون التاريخ، ويمهدون للمستقبل، أهيم بمن يطور أنظمته الاجتماعية والمعرفية لتشمل باضطراد كل البشر والاتجاهات والأعراق، أهيم بالمنجز الغربي البديع في كل المجالات العلمية والفكرية، وأتمنى أن نستفيد من كل مناقبهم ومنجزاتهم، وهذا لا يعني أني أقرهم على وصايتهم على العالم اليوم، أو سعيهم لتنميط المجتمعات البشرية، أو البراجماتية التي تكون على حساب الحس الإنساني، فكل هذه الأمور كانت وستكون لي دوما جهود نقدية، ومثلما يناضل ويجاهد معظم الليبراليين ويناهضون كل أوجه الوصاية والاستعلاء والمركزية والهيمنة.
جهودك في التحليل النفسي لا أظنها تحتاج إلى تعليق مني، ,أرجو أن أستفيد منها في سبيل أن أتخلص من هواجسي ومشكلاتي النفسية العسيرة، فشكراً لك.
لم يكن للغرب أن ينهض قبل أن يحل مشكلة التقبل، وقبل أن يحيد الدوغمائيات، وأن يجعلها تلتزم حدودها إنسانياً، والنهضة الأوربية قامت أولاً على أكتاف تنوير ديني، ثم تنوير فكري، ثم تجلى عبر حركة اجتماعية تغييرية اندفقت كسيل عرم، وأصبحت عمارة الحياة الدنيا الهم الرئيس بدلاً من صكوك الغفران، والتجارة بعقارات الجنة، كيف تبني جنة أرضية حتى تستحق جنة الآخرة، وكل هذا التقدم ساهم في تطوير رؤية ليبرالية باتت اليوم تتحلى بمعايير جديرة بالاهتمام والفائدة من الجميع، لذلك أرى أن من واجب الفقيه والمثقف أن يتمليا في أسسها وأفكارها دون عداء مسبق، وبنظرة باحثة عن الحكمة، حينها بإمكانهما أن يستفيدا من مخزونها الكبير وإنجازها المعرفي والاجتماعي، بل حينها من الممكن أن يضيفا (مثقفنا وفقيهنا) إليها ما يرونه ضرورياً من أجل الإنسانية.
لا تترحل إلى الغرب ولا تغلق على نفسك الأبواب دونه، فقط ما أتمناه ألا نقصر فائدتنا من هذا الغرب على تكديس منتجاته وبقائنا سوقاً لسلعه وتحولاته، وتلقي ما تنتجه مختبراته العلمية والفكرية بسلبية، ما أتمناه أن نستفيد منه في وسائله التي حققت هذا النهوض الذي لا يمكن نكرانه، وأن نستفيد من تجربته، لنعيش تجربتنا إلى أن تؤدي بنا إلى واقع أفضل.
أخي الكريم أنا لا أخشى في الله لومة لائم، وما لدي أقوله دون وجل، وما إعراضي عن الإغراق في مسائل الفقه والنص إلا من اجل ألا ينسحب الحوار إلى حدود ضيقة… أنا أتمنى فعلاً أن تقدم لنا قراءتك لما أشرت إليه… لعلها تبين لي ما لم أتبينه من محاسن قولك
مع احترامي وتقديري ومودتي أيضاً…

د . استفهام

المشكلة في الحوار مع رجل مثقف مثل الإستاذ مهيار أنه ليس بالأمر السهل ، لأن من احترام الإنسان لنفسه ، واحترامه لمن أمامه أن يعطي فكرة المقابل الجدية المستحقة التي تليق بمن يتصدى لمناقشة قضايا الفكر وخاصة المعقد منها ، ولكن هنا معضلة كبرى وهي أن هناك مصطلحات قد تبدو أحيانا في حس القراء سهلة ، ولكنها في عمقها ونفسها هي مصطلحات مفخخة ، وهنا تكمن خطورة المصطلح الذي ليس كلمة تقال ، بل هي كلمة لا تتجاوز ثلاثة او أربعة أحرف أحيانا ، ومع ذلك تجدها تقلب كيان الأرض كله ، فكلمة ” إرهاب ” مثلا هي كلمة مكونة من خمسة أحرف ، ومع ذلك بنت أمريكا استراتيجيها لمدة 25 سنة قادمة لأجلها ، لانها محملة بالخلفية الثقافية والحضارية والفكرية ، ولذلك كان النقاش والتدقيق في المصطلحات مهم للغاية ، مع انه كذلك “ممل ” للقارئ الذي يريد أن يصل للنتيجة مباشرة على قاعدة : هات اللي عندك وخلصنا !

لقد أصبح الأستاذ مهيار أقرب فهما للإسلام ، لأنه أصبح أكثر فهما للإنسان ، وهنا نعود مرة ثانية إلى مفهوم ” الإنسانية ” الذي هو المرتكز في الفكرة الليبرالية التي تجعل من الإنسان المنطلق في تصوراتها كلها ، وما الحرية المطلقة إلا قيمة طبيعة للإنسان ، وما عدم الإكراه إلا قيمة طبيعة للإنسان ، وما العدل إلا قيمة للإنسان ، ولا بأس بهذا كله فالله تعالى يقول : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ، ولكن الإنسان ليس معنى كلي خارج الذهن على مبدأ الفلسفة الافلاطونية ، والإنسانية ليست قيمة مطلقة تجتمع فيها صفة المحامد ، وتنتفي عنها المفاسد ، بل الإنسان هو ذلك المخلوق الفرد الذي هو مركب من روح وعقل وجسد ، والله تعالى الذي خلقه وكرّمه وهو أعلم به أخبرنا بانه كذلك مركب من ظلم وجهل وبغي ، وأن فيه نزعات شيطانية ونزعات رحمانية ، وأنه قد يرتقي ليكون بمصاف الملائكة طهرا وعفة وإيمانيا ورحمة ، وقد ينزل إلى الدرك فيكون بهيمة وشهوانيا ومجرما فتاكا ، والذين ينظرون إلى المعاني الكلية التي تجمع صفات الإنسان الطيبة ، هم يعيشون في الذهن ولا يعيشون في الواقع ، فالتجربة التاريخية تثبت أن الإنسان ليس كيانا واحدا ، بل فيه من الصفات ما تجعل مهمة ” الضبط ” ضرورية سواء في سلوكه ، وأخلاقه وتعاملاته ، بل اقتنع البشر كلهم عبر تاريخهم بأن من الناس مالا يصلحه إلا القتل ، وهاهي مقاصل الكراسي الكهربائية في الغرب تعمل إلى الآن ، لأنهم يدركون أن كونه ” إنسانا ” لا يعني كونه بشرا صالحا ، فإذا ندّ الإنسان عن الهدى والخشية أهلك الحرث والنسل ، بل هو يسعى لهذا سعيا حثيثا ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) ، وهاهو الإنسان الآن أفسد الكون ، وغير مناخه بيده ، ولوثه بإشعاعاته الضارة ، وهاهو قد خرق طبقة الأوزون التي تنبي بكوارث رهيبة ، وهاهو يسير على جثث القتلى ، ويفقر شعوبا على حساب شعوب ، هاهو الإنسان يجادل في ربه ( وكان الإنسان أكثر شي جدلا ) ، وهاهو يخرق الفطرة وسنن الكون ليقرر الشذوذ الذي يقضي على الجنس البشري ، وخطاب ” القرآن ” للإنسان متسق مع تجربة الإنسان التاريخية والواقعية والمستقبلية ، فهو الذي بدأ تجربته بالكون بالقتل ( قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) ، وصراع الإنسان في الكون هو صراع بين فكرتي ” الخير ” و” الشر ” ، وتصور الإنسان أنه خلو من الشر تصور مغرق في الخرافة ، ولذلك جاءت الشرائع لترتب ” العلائق ” بين البشر وتسوي نزعاتهم النفسية المركبة في نفوسهم ، فتغالب الشر بالخير ، والفساد بالصلاح ، وتسوي علاقته بالبيئة والناس والآلة ، والفرق بين الناس في مباحث ” القيم ” أن الليبراليين يجعلون الإنسان هو ” المنتج ” لقيمه ، بينما يرى الدينيون أن الدين جاء ليعلم الناس القيم والحدود والضوابط الأخلاقية ، فالنزعة المنطقية الوضعية هي التي تتحكم بقيم البشر حتى أصبح الليبراليون يقبلون من ” الإسلام ” ما يوافق أهواء ورؤى البشر حول ما يقبل ومالا يقبل من الأخلاق ، ولذا ينظرون إلى الحدود ، والمحرمات ، والضوابط الأخلاقية على انها انتهاك لحرية الإنسان وقفز على ” إنسانيته ” .

إن الإسلام إن كان أعطى الإنسان الحرية في أن يختار الدين الذي يريد ( لا إكراه في الدين ) فهذا ليس لأنه إنسان حر ، بل لأن الدين يقوم على قناعة عقلية وقبول وتسليم ، وهذا لا يتأتى بالإكراه ، ولكنه في مقابل ذلك لم يقل له إختر ما شئت وكلنا يوم القيامة مستوون ، إنه إن قال هذا فلم يكن له ميزة ، بل لم يكن للبوذي أي ميزة على المسلم في الدنيا والآخرة ، ولكن هذا لا يتوافق مع نص القرآن الصريح : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) ، وكذلك ألزمه بالتزامات كبيرة حين دخوله الدين ، وتوعده بالعذاب حين خروجه منه ، لأن الشريعة متسقة فالشرع والقدر في اتساق تام ، وهنا تكمن المشكلة المعرفية بين ” الإسلام والليبرالية ” ، التي تسوي بين الأفكار ، وتجعل الحق فيها نسبي ، وهنا لا أنازع في نسبية الحق بين حملة الأفكار ، ولكن الخلاف هو في الحكم على نسبيتها بذاتها ، فالنصراني يقول : الله ثالث ثلاثة ، والمسلم يقول ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) ، فماهي الحقيقة المطلقة بذاتها ، أما نسبيتها بالنسبة لحامليها فلا ينكرها إلا مخبول إو مسفسط ، وكأن هذا يقول : المسلم والكافر عند الله واحد … فلم ينزل الله القرآن إذن ؟ هل نزل القرآن حتى يميز بين المسلم وغيره ، أم نزل حتى يقول للناس كلكم واحد وإن اختلف أديانكم ، فأصبح أبو لهب بمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم .. والليبرالي حين يقرر هذه النسبية بين حامليها لم يأت بما لم تستطعه الأوائل ، بل هي متقررة في بداهة العقول ، والمشكلة هي في نفي الحقيقة بذاتها …

يكرر الأخ مهيار كثيرا قضية ” الإكراه ” ، وأنه ضده ، ولا منازع له في ذلك ، وإنما المنازعة هي في مفهوم ” الأكراه ” ، فالأخ مهيار يرى أن مناقشة الفكرة بوثوقية وجدة ، ونفي ما سواها هو من باب الإكراه ، مع ان الإكراه هو الإلجاء إلى حمل الفكرة او قول الكلام بالقوة أو التعنيف ، ولا أظن هذاممكنا في حوار مثل هذا ، بل حتى لو أردناه لم نستطعه ، وأما إن كان يقصد الجانب السياسي والحكمي ، فهذا مستساع بحكم الطبيعة البشرية ، فالناس تحكم بقوانين دون ان يكون الاتفاق المطبق عليها من كل الناس ضروريا ، والالزام والالتزام بالأفكار لاجل اتساق المجتمعات لم ينفك منه أي مجتمع ، فالقانون هو سلطة حاكمة على الناس سواء كان القانون وضعيا أرضيا ، أو كان حكما سماويا ، دون أن يشترط أحد قناعة الناس كلهم به ، سواء كان هذا في بعد حقوقي او عرفي اجتماعي ، فحتى في المجتمعات الديمقراطية التي تتيح للناس التصويت على القوانين هي تأخذ بالأغلبية ، ويعني ذلك بأن الأقلية معارضة للفكرة ، وفي نفس الوقت هي ملتزمة بها قسرا ..

إنني أشكر لك أخي الكريم طموحك الحضاري ، وهمك النهضوي ، وشوقك إلى اللحاق بركب الحضارة ، وهو هم للجميع ، فكلنا نتوق إلى النهضة والإبداع في كل المجالات ، وإعمال العقل بما ينفع الناس ، وتحقيق الرفاه والتنمية للبشر وحل كل المشكلات العالقة ، ولكن الخلاف هو في فلسفة الإصلاح ، ورؤية التغيير ، فأنت في فقرتك الأخيرة جعلت هناك تعارضا بين عمارة الأرض وما أسميتها صكوك الغفران ، والاتجار بعقارات الجنة ، هل تريد منا مثلا ان نتفق معك ونلغي هذه القيم العظيمة ونشطبها من القرآن ، أم تريد أن نقرأها في القرآن دون أن نعمل العقل في فهمها ؟ لماذا أنت تحيل القيم الجميلة إلى قيم سلبية ؟ أليست الوعود في الجنة هي محفزات للعمل في الدنيا ؟ أليس الرجل الذي لم يردعه قانون الأرض عن البغي يردعه قانون السماء الذي يعالج ضميره الذي لا تستطيعه قوانين الأرض ؟ هذه مشكلتنا مع الليبراليين أنهم يستخفون بقيم المسلمين التي ليست محل خلاف ، وليست هي من خصائص السلفيين والوهابيين ، بل هي حاضرة في ذهن الرجل الذي يعرف الحد الأدنى من الإسلام حتى لو كان يعيش في حواري شيكاغو ، والأمر الآخر ، أن جنة الأرض قد تكون نقيضة لجنة الآخرة ، فالله تعالى حين يقول : ( هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) لم يجعل العمارة هي هدف بذاتها لأن الدنيا فانية مهما امتدت ، ولكنه جعل العمارة جزء من تبليغ العبودية له ، ولذلك لم تكن جنة الأرض ذات قيمة للكافر لانها دولة وستزول ، ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا ، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ، والآخرة عند ربك للمتقين ) ، فهذا ليس تزهيدا بجنة الدنيا بقدر ماهو دافعية ان تكون عمارة الدنيا لأجل الآخرة ، فأي الفريقين سوف يحقق الجنتين ؟ أترك لك الإجابة ..شكرا لك …

مهيار

أخي الكريم استفهام
الفقرة الأولى من ردك أوافقك عليها تماماً، وهي عندي لا تتعلق بالمصطلح فحسب، بل بالنظام المعرفي، بما فيه من فهم للمصطلحات وتفسير للكون والخليقة وللقيم وأسس الاستنتاج والاستدلال والأدوات المعرفية …. لذلك لا أتوقع البتة أن تفهمني وتفهم ما أورده خالصاً من نظرة مسبقة، أو من فهم سابق على القول، بينما أستطيع أن أفهم ما تطرحه أنت لأني لست غريباً عن نظامك المعرفي، وهي مرحلة مررت بها سابقاً وكنت ربما أكثر تعنتاً منك في مواجهة الليبرالية، بل نافحت ضد فهم ملتوٍ لها في سجال شهدته إحدى أكبر الصحف، ومع شخصية تصنف على أنها علمانية، بل ربما أشهر علمانيي ثقافتنا، إذ أنه كان يشترك معك في تصور أن الليبرالية ضد الدين، فكان يعمل جهده في تسفيه الاتجاهات الدينية، والتنظير لاستبداد مقابل، من أجل حصر الدين داخل المعابد، ومسألة أن الليبرالية ضد الدين فرية ينكرها كل ليبرالي من مشارق الأرض إلى مغاربها، فعلينا ألا نصدق الفرية حتى نتبينها، الليبرالية ليست إلا في وجه الاستبداد أياً كان حامله، دينياً أو قومياً …بل حتى ثقافياً، وإذا كانت الليبرالية تواجه أوجه الإكراه الديني، فهي تواجه الإكراه الثقافي بضراوة أكبر، ونظرة أبستمولوجية لحقوق الإنسان، توضح هذا الجانب عند كل منظري الليبرالية الذين أسسوا لها دون أن يسموها، وتحتفي بهم الليبرالية ليس لأنهم رفعوها شعاراً، إنما لأنهم فككوا الاستبداد وخلفياته، وناهضوا كل فكر مستبد. بل إن الليبرالية في فلسفتها لا تجد حرجاً في اقتباس اليسير المضيء من فكر سجالي أو منغلق، ذلك أنها تبحث عن الحكمة التي تمنح الإنسان المكانة التي يستحقها والتي لا يمكن لدين صحيح أو مبدأ قويم أن يرفضها.
نعم أصبحت أكثر قرباً من الإسلام، وأكثر فهماً لما فيه من مبادئ عامة تصلح للاستفادة منها عالمياً، بل أدركت الجانب المضيء من فقه الأولين، وما أنجزوه في إطار ثقافي فقهي يقارب المسائل الإنسانية بفهم وافر، وتقدير سافر.
وسرني أنك تنتقد المثالية في مقدم فقرتك الثانية، وهي مدخلي إلى نفي قدسية الاجتهاد، فأي تصور مثالي أو فلسفي، أياً كان حامله، هو ابتسار وطوباوية لا تستقيم أبداً، قد تستقيم مع عقل ما بما يفترضه هذا العقل من بدهيات ومسلمات، ولكنها لا تصمد حتماً أمام بحث علمي أو منهج برهاني. المشكلة ليست في أن تصور القيم المطلقة هو تصور غير ناجز وحسب، إنما المشكلة تكمن فعلاً في فهمنا اليوم أن الليبرالية تدعي قيماً مطلقة للمثاليات، لا تحيد عنها، وهنا لسنا أمام مشكلة معرفية بقدر ما نحن أمام قطيعة معرفية، فنظرية كنظرية الحرية، في الرؤية الليبرالية تغيرت وتبدلت وتوثقت و تعمقت ثم نقضت ثم تبلورت ثم انتقدت… وإلى اليوم هناك بحث فلسفي واجتماعي في مبنى الحرية وفهمها ووسائلها وحدودها …. ولن ينقطع الجهد في هذا الإطار إلى يوم يبعثون. هذا الجدل الاجتماعي والفلسفي والأخلاقي يفرز قيماً مشتركة تصبح عقداً اجتماعيا يحكم حياة الإنسان، إلا أنه لا يكون فوق النقد ولا يغلف بتابوهات أو طوطميات تحيله إلى تيولوجيا صارمة نقدياً. فهو قابل للنقد كل حين، ولكن النقد لا يكون نقضاً بالضرورة، فالأصل في النقد جهد فردي، والأصل في النقض جهد جماعي.
أثبت لي أن الليبرالية تدعو إلى حرية مطلقة أو إنسانية مطلقة كما تقول، لأنضم إليك في مواجهتها، فالمطلق صفة للمستبد إنسانياً، وليس من مطلق بهذا المعنى قط، حتى معرفتك بالله معرفة غير مطلقة، إنما نابعة من ثقافة معينة ترفدها تجارب وأحاسيس متكونة فترسم صورة نمطية قد لا تطابق الصورة النمطية لدى من يشاركك كل شيء حتى معتقداتك وتراثك وفلكلورك. فللتجربة الإيمانية دورها في تصور الله، ونحن نخلط بين الصورة الذهنية والمطلقة، حينها نتصور أن أي ذهن مختلف عن أذهاننا هو ضد الله. أو نتوهم أن من يخالفنا إنما يخالف الله، فكيف يجرؤ!
الحرية المطلقة ليست قيمة طبيعية، وها أنت تحذرني من استخدام غير دقيق للمصطلح، ولكن تبيح لنفسك اللهو به، لأن الحرية المطلقة تناقض الطبيعة بحد ذاتها، فأنت لا تملك الطيران بجناحين، ولا تملك أن تغوص في قاع المحيط، وليس الفراغ المحيط بك خالياً أو متاحاً لتتحرك كما تشاء في الاتجاهات كلها، فمن هو الليبرالي الذي قال لك هذا؟
وحقيقة لدي شواهد قرآنية أكثر دقة على ما تفضلت به، ولكني سأؤجلها لئلا ندخل إطاراً معرفياً آخر، ونحن لم نعط هذا المجال حقه.
كما أن الليبرالية معنية ببناء الضوابط، بل إن الضوابط هي حقلها الأساسي، فلم نتصور أنها ضد الضوابط؟ ونتخيل أنها تعمل على إنشاء مجتمع شريعة الغاب؟ ..هذه التصورات المسبقة حقيقة تحيل بينك وبين فهم أوفر لليبرالية، ولذلك أعذرك كثيراً في نقمتك عليها، لأن الإنسان عدو ما يجهل، واسمح لي بالقول أنك رغم تميزك عن الخطاب الديني الذي تعودنا عليه، تجهل الليبرالية، لا لأنك عاجز عن معرفتها، لكن لأنك لا تود أن تقيم جسور المعرفة بينك وبينها. وأتفهم الأمر لديك بما مررت به أنا، ذلك أن القلق كان ينتابني من كل فكرة لدي تصور مسبق عنها أنها ضد الإسلام.
وواقع الحال أن مقابلة الليبرالية بالإسلام مقابلة لا تصح البتة، قد تصلح هذه المقابلة بالاستبداد باسم الإسلام، وحينها علينا أن ندرك أن مشكلة الليبرالية هي مع الاستبداد الذي يتلبس الإسلام، لا الإسلام نفسه، وكنت في قول سابق تقول أن المسيحية تتسق مع العلمانية والليبرالية بمبناها، بينما واقع الحال أنها لا تتفق البتة، فالمسيحية أصلاً لا تهيئ الضوابط وليس فيها جوانب تشريعية، هي نظام أخلاقي أصلاً، والاعتقاد فيها مبني على اللامعقول الديني على طول الخط، وليست فيها دعوة تحض على التفكر والتدبر أو الإعلاء من شأن العقل والتجربة، إلا القليل الذي يشير إلى معرفة فردية، للأفراد الصالحين الذين نعرفهم من ثمارهم. لذلك لم تستفد التجربة الليبرالية من المسيحية، بل استفادت من التجربة الإسلامية لتقف في وجه طغيان الكهنوت الكنسي، ومعظم فلاسفة عصر الأنوار، وجل رواد الليبرالية كان لديهم انطباع وتأثر إيجابي تجاه الإسلام، فولتير مثلاً كان يشيد مراراً بواقع المسيحيين في الآستانة تحت الحكم العثماني، لأنه وجدها تتعايش بوئام في قلب عاصمة إسلامية، بينما في أوربا يبنون الكنائس من جماجم مخالفيهم في أمور ثانوية، على نحو الكنيسة الشهيرة في جمهورية التشيك اليوم. وفولتير كان يجد في الإسلام مصدراً للقيم الأساسية أكثر من المسيحية الكاثوليكية، والمسيحية الإصلاحية، والمسيحية الأخلاقية، بل إن العديد من فلاسفة الغرب كانوا يرون أن افتقاد المسيحية لجدولة حقوقية، ورطها في استبداد مطلق، فكان للمقام الإكليروسي أن ينحر من شاء كيفما يشاء وقتما يشاء.
كما أن الليبرالية في بواكيرها هجرت الاستفادة من العقل الديني اليهودي، وإن كانت استفادت من المنتج الفكري ليهود، على نحو استفادتها من اسبينوزا مثلاً، إلا أنها في مبناها تخالف اليهودية مخالفة شبه مطلقة، ابتداء من استعلاء الشعب المختار، وانتهاء بالهيكليات التاريخانية المؤسسة للاستبداد الذي يشرعن، بالاستناد إلى تظلم مبالغ فيه. بل إن البنية الليبرالية تقف في وجه الاستبداد الإسرائيلي أكثر من الأدبيات والخزعبلات التي درجت في ثقافتنا على أنها قصص الأولين، والتي كانت تنسب إلى القرآن بمحاولات تفسيرية خائبة مستندة إلى معارف توراتية كانت الممكن المعرفي لمفسرينا القدماء، فقد وجدتُ في كتيبات دينية إسلامية موجهة للناشئة وصادرة عن دار نشر (إسلامية)، ما يبرر كل الحيف الواقع على فلسطيني غزة، من خلال الحديث عن العماليق الفلسطينين واعتدائهم على بني إسرائيل المنتجبين، ولعنات الإله على العماليق والدعوة لاجتثاثهم… وفي هذا الباب حدث ولا حرج في مضمون الكتب الصفراء، إلى تحولت إلى القتامة لرفضنا تسليط النور عليها بنقدها. بل إن الليبرالية التي ترفض المنطق التواراتي الذي يجعل أبناء حام ويافث ملعونين إلى الأبد وفي إمرة سام ونسله، ستصطدم بالتأكيد بما ورد في التراث الإسلامي من الكتب التي تبنت هذا الفهم، والتي بحمد الله بات فقهاؤنا يغيبونها ويتجاوزونها اليوم.
والليبرالية تشترك معك في مسائل البيئة وضرورة الحفاظ عليها وعدم القضاء عليها بسبب نزعات سياسية وعسكرية واقتصادية، بل إنها تقوم بهذا بمنهجية عالمية وليس ضمن تعريفات فقهية مقتصرة على الأتباع، وهي تحشد الرؤى الإنسانية التي ترفض هذا الإفساد لمستقبل البيئة البشرية، وتعمل منهجياً على ضبط هذا التلوث…
مسألة القتل في الآية (قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين) فيها أقوال ليس هنا المجال لنقاشها، ولكن أشير مجرد إشارة: لاحظ أن هابيل هو الذي يقول : (إنما يتقبل الله من المتقين)، وليس الله، أي إن هذا تفسير وتصنيف هابيل لواقعة قبول القربان، وهذا عنف لفظي شديد قوبل بعنف جسدي أشد، أدى إلى ما أدى إليه من قتل وخسارة وندم. نعم كل أشكال العنف ممجوجة وتؤدي إلى بعضها بعضاً، وليس إثم العنف اللفظي بأقل من إثم العنف الجسدي. وهذا المفهوم القرآني تسرب إلى الليبرالية وأصبح من أسسها المعرفية، قد لا يكون تسريباً مباشراً، ولكن لأن الليبرالية مشغولة دوماً بالأفضل والأسمى للإنسان بغض النظر عن عرقه وثقافته وعقيدته.
تقول يا صديقي: ( إن الليبراليين يجعلون الإنسان هو ” المنتج ” لقيمه ، بينما يرى الدينيون أن الدين جاء ليعلم الناس القيم والحدود والضوابط الأخلاقية ، فالنزعة المنطقية الوضعية هي التي تتحكم بقيم البشر حتى أصبح الليبراليون يقبلون من ” الإسلام ” ما يوافق أهواء ورؤى البشر حول ما يقبل ومالا يقبل من الأخلاق ، ولذا ينظرون إلى الحدود ، والمحرمات ، والضوابط الأخلاقية على أنها انتهاك لحرية الإنسان وقفز على ” إنسانيته “
واسمح لي أن أبين لك الأمر أو أصيغه بطريقة أخرى، فما تقوله صحيح في جزئية، وملتبس في جزئية ثانية، نعم الإنسان ينتج قيمه ويطورها ويدفع بها باستمرار لتكون أفضل مستمداً تحولاته من تجربته وبحث واستقصائه، بينما المشكلة عند الدينين تكون في فهمهم أن اجتهاداتهم هي لب ما أراده خالق الكون، لا ما فهموه من الوحي، هذا من جهة، إضافة إلى إنكار كل منهم اجتهادات الآخرين التي لها نفس الحق في الاستنباط بأدوات مشابهة أو مخالفة، من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة، ليس الإسلام طيفاً واحداً، ونحن لا نحيا عالماً يسوده الإسلام وحسب، فهناك ملل ونحل وفرق واجتهادات واتجاهات فكرية واجتماعية، فإذا سوغت لنفسي التحكم بالآخر بدعوى سماوية، فأنا أعطيه الحق أن يهيمن علي بدعوى سماوية مقابلة، ولكن فهمي لمسائل الإيمان الديني سيوفر علينا الكثير من الصراع.
إن ما تطرحه من ضرورة انصياع البشر لله وشريعته، هو في لبه دعوة للانصياع لتفسيرك وفهمك ووحيك، وهذا الفكر يتجه نحو الصراع مباشرة، هذا الصراع الذي يتجه إلى البعيد بداية ولكنه يصل إلى اقرب الناس إليك، فلم لا نترك الذكر لمن تعهد بحفظه، وهو أولى بالحفظ والعهد، ونتفرغ لتقديم أنموذج سلوكي حضاري تنموي قادر على كسب الناس بدلاً من أن نخرجهم من ملكوت الله لأنهم يقرون بحق الإنسان في الاختلاف، ويكافحون من أجل ذلك.
قياساً على ما تقول فإن المناهج الحديثة كلها نتاج خبل وسفسطة، مع أنها جعلت الإنسان في دائرتها أكثر رفاهية وكرامة وعدالة، وكم هو حري بالعاقل أن يتبع ذلك الخبال وأن ينهج تلك السفسطة طالما هي تحقق للإنسان واقعاً أفضل. على أية حال أنا لا أعتقد أن دحض الفكرة يكون بشتمها وتسفيهها.
نعم القانون ملزم، والشريعة التي يتفق عليها مجتمع ملزمة، بل إن كل الضوابط التي تسعى إلى تنظيم علاقات المجتمع وحفظ حقوقه ملزمة، وإن صحبها تعسف ضروري. ولكن نقد القانون ونقد الأحكام الشرعية يجب أن يكون متاحاً، ذلك أن الإلزام لا يعني التقديس، بل لأنها ملزمة عليها أن تتقبل النقد وتتجاوب معه عندما يطرح هذا النقد بجدية ما يجب الالتفات إليه، ولا يمكن لفهم ليبرالي أن يدعو لمجتمع منفلت، لأن المجتمع المنفلت هو نقيض المجتمع الليبرالي، ولكن الليبرالية لا تجعل مبدأً بمعزل عن النقد سواء أكان وضعياً، أو من وضع قراءة معينة للمقدس. فكلها وضعيات… حتى ما تسميه سماوياً، فإن فهمه وضعي، ولا فكر يستعلي فوق الوضعية إلا الفكر المقال تقديساً أو المقال جفاءً.
فيما يخص فقرتك الأخيرة حقيقة أستغرب يا أخي الفاضل أهو خلط متعمد أو عفوي، أنا أتحدث عن المتاجرين بالجنة، وأنت تظنني أرفض وعود الحياة الآخرة، أنا أتحدث عن الذين يصرون على منح صكوك الغفران ولعنات النقمة بتفويض متخيل، وأنت تفسره رفضاً لليقين الديني المؤمن بالآخرة ويوم الحساب. وهذه من مفرزات الذهنية المعبأة ضد الليبرالية، لأنها تحيل كل قول إلى ما ورائياته؟ أو إلى غايات افتراضية تفترض أن الليبرالية ضد النزوع الديني.
وفي مسألة عمارة الحياة الدنيا، هناك أقوال كثيرة ولا تحصى حتى في دائرة الاجتهاد الإسلامي، ومع أن الموضوع فقهي وأتمنى ألا يطغى على موضوعنا الأصل، ولكن مفهوم خلافة الإنسان لله في الأرض، هو مفهوم عمارة وخلق، وهو جعل في الأرض خليفة ليعمرها ويبنيها ويعمها بالعدالة والإحسان ويرتقي في مدارج صفات الخالق، فكل خليفة مرتهن بالسير في وظيفة مستخلفه، وهذا موضوع يطول رضي الله عنك لا بأس أن نناقشه تفصيلا بشكل مستقل ولدي كما هو لديك أدلة على قولي. الذي يهمني اليوم ألا ينصب أي طرف نفسه مديراً لمكتب عقاري لعقارات الجنة، وألا يضع أي منا نفسه في (موضعة) مسبقة، تتيح له أخذ مكان الخالق في الحكم بمصائر الناس، فالمشكلة المعرفية في هذا التصور باتت أوضح من اليقين، وهي منجز من منجزات الغرب، مع أني كنت ألمس منذ زمن بعيد آثاره في حديث نبوي تم اختزاله على يد الشراح، فما من مولود إلا ويولد على الفطرة، والفطرة ليست الإسلام، ذلك أن حي بن يقظان أو روبنسون كرزو ليس لهما أن يدركا العبادات وطريقة أدائها كالصلاة والصيام والحج من خلال الفطرة. الفطرة هي الإيمان.. رحلة البحث عن الله… والأبوان هما من يوجهان هذه الفطرة ويورثانه أن تكون ذات وجهة نصرانية أو يهودية أو مجوسية أو غير ذلك…. لمَ يغيب الإسلام هنا؟ لمَ لم يذكر دور الأبوين في إسلام من يليهما؟.. لأن الإسلام بقناعتي لا يكون وراثة، إنما يكون عقلاً… لذلك كل ما نرثه من تراث إسلامي يجب أن يخضع للمراجعة، ويجب أن تدخل العلوم الحديثة في مراجع القراءات وتطبيقاتها في الحقل الإسلامي… وهذا ما يدعوني لرفض تفسير صارم وقطعي، وهذا مات يدفعني لرفض كل دوغمائية تستبد بالنص والناس والحرية.
أنا اشكر لك ردك الأخير، وأنا مسرور حقاً بوجود شخص مثلك لا يضيق بالحوار…
مع تقديري.

د . استفهام

في فقرة سابقة يبين الأستاذ مهيار بأن ” الليبرالية ” ليست شيئا ناجزا ، وأنها لو كانت ناجزة لم تعد ذات أهمية ، ثم هو في نفس الوقت يتحدث عن الليبرالية على أنها ترى وتسمع وتقرر ، وهي ليست مع هذا ، وهي مع ذاك ، وعندي أن هذا كله هو حديث عن ” ليبرالية ” متخيلة في ذهن الإستاذ مهيار ، وهذه منهجية سهلة على كل فكرة ، فأي صاحب فكرة يستطيع أن يبرؤها من كل شر ، وينسبها إلى كل خير بكلمة ( هي تعني ) أو ( هي لا تعني ) ..

ينافح الأخ مهيار عن الليبرالية باعتبار أنها ليست ” ضد ” الدين ، وهي بهذا تختلف عن ” العلمانية ” الشمولية ، أو الشيوعية الشمولية التي تعتبر الدين ” أفيون الشعوب ” ، وأنا أقر الأخ مهيار أن الليبراليون ليسوا كالعلمانيين الشموليين في القطيعة مع الدين وإعلان حربه ، وأن الليبرالية في أساسها لم تقم لحرب الدين ، ولم أدع أن الليبرالية تمارس هذا العداء المكشوف مع الدين ولم أقله ، ولكن الخطورة ليست في هذا فقط ، بل في ” المصادمة ” مع الدين ، والمقصود في المصادمة هنا ليست في حرب متبادلة ، بل في تقرير ليبرالي لمفاهيم لا يمكن أن تتسق مع أي دين ، فتقرير مبدأ مثل مبدأ ” الحرية المطلقة ” لا يمكن أن يتسق مع أي دين ، وتقرير مبدأ ” نسبية الحقائق ” لا يمكن أن يتسق هذا مع أي دين ، لأن كل دين له من الضوابط الأخلاقية على الضمير وعلى السلوك وعلى الضبط الإجتماعي يصطدم مباشرة مع أي دعوة تعطي للفرد حريته المطلقة مالم تتصادم مع حرية الآخرين ، والتصادم هذا سيأتي على الأمور ” التفصيلية ” للأحكام ، أكثر من وضوحه في المعاني الكلية مثل معنى ” العدالة ” أو ” الحرية ” أو التعددية ” التي هي من المشترك اللفظي الذي يدعيه كل الأطراف ..

إنه لا يمكن لرجل مؤمن بــ” حاكمية الشريعة ” أن يتسق مع قيم الليبرالية ، لأن الشريعة لها أحكامها الواضحة في كثير من القضايا التي تتعلق بالفرد والمجتمع ، ولها حدودها الضابطة التي لا يمكن ان يستقيم ان يدعي الانسان حاكميتها من جهة ، ويتيح للناس أن يختاروا لأنفسهم ما يشاءون من أحكام ، وهنا تصطدم الليبرالية وتعاليمها مع الشريعة وتعاليمها ، وما محاولة الكثير من الليبراليين الضرب على هذه التعاليم بالتأويل أحيانا ، وبالرفض أحيانا ، وبإعمال أدوات معرفية كثيرة عليها إلا ليتحقق لهم هذا الاتساق بين الشريعة والليبرالية ، ومهما ادعى الليبراليون هذا الاتساق فإن المنهج المنضبط سوف يفضح كل هذه الدعاوى حين الدخول في ضرب الأمثال ، والتدليل على جزئيات المسائل وإرجاعها إلى كليات الليبرالية التي ترفض ” الوصاية ” على الناس ، بينما جزء كبير من تعاليم الشريعة هي ” وصاية ” على الناس ( وأقصد بالناس هم المسلمون الذين استسلموا لله ولحكمه ولكتابه ) ، فلا خيار لهم فيها .. ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا ) ، وهذا الخيط الرفيع بين القبول بالاسلام وبين رفضه هو الذي يدفع الليبراليون إلى أن ينقسموا ما بين ” مدع للإلحاد ” ورافض للدين ، وبين رجل ” تلفيقي ” يحاول أن تنسجم نظريته مع دينه .. فيقع في ضنك أشد من ” مدع الإلحاد ” ، لأن التضحية بالدين ليست أمرا باليد ، وخاصة عند من لا يزال قلبه ينبض بحب الله ورسوله مهما صرفته الشبه ، وغرته الأفكار ..ولربما هذا هو الذي جعل الاستاذ مهيار يكره أو يرفض أن ندخل في جدل فقهي ، لأن الجدل الفقهي هو الذي يبين حقيقة الالتقاء بين الاسلام والليبرالية ..

إن الليبرالية ليست ضد الدين ، لأنها تجعل من الدين شأنا خاصا لا يتفاعل مع الحياة ، وهذا لا يستقيم مع مجتمع يشكل الدين نسقه الاجتماعي والأخلاقي ، فكيف يصنع الليبراليون في هذه الحالة ؟ إنهم بلا شك سوف يشعرون بالتبعة الكبيرة في ترك الليبرالية ، أو صياغة المجتمع على نحو علماني حتي يتقبل الفكرة الليبرالية ..

كيف يمكن قبول أن الدين لا يتعارض مع الليبرالية والليبرالية بمجموع مفكريها قد انتزعوا القيمة الأخلاقية من أي نسق إجتماعي ، فهو يقررون في فلسفتهم عن ” الأخلاق ” وضرورتها أنها تقوم على المنفعة واللذة ، وهذا يعني ان اللذة هي المحركة للجانب الخلقي ، بينما نجد في الإسلام انونا صارما في الحد من انفلات اللذة والمنفعة ورسم آلاف الضوابط التي تجعل للذة والمنفعة حدودا لا يتجاوزها الإنسان حفاظا على إنسانيته ، وكبحا لجماح البهيمية التي توصلها إليه تعاليم الليبرالية وفلسفتها الأخلاقية ..

في بداية النقاش ادعى الأخ مهيار أن الليبرالية منهجية صارمة ، ثم هذه الليبرالية بقيمها ، وحقائقها كلها قابلة للنقد والتقويم والنقض والتكرار في هذه العملية المستمرة ، وعندي أن هذا إن كان يعتبره الإستاذ مهيار ميزة ، فأنا اعتبره منقصة ، لأن البشر ليسوا محل تجارب لأفكار البشر ، فأنت تقدم لهم حلا لمشكلاتهم ، ولكنك في نفس الوقت تقدم لهم فكرة مشكوك في صلاحيتها ، فيعسف الناس عليها ثم تنقض ، ثم يدعي آخر بأنه قد وجدلهم حلمهم ، ثم هو ينقد ، وهكذا في عملية مستمرة لا تهدأ ، وهذا يدل على محدودية الذهن والفكر البشري الذي يحاول أن ينتقل من مهمة ” المخلوق ” إلى مهمة ” الخالق ” ، بينما ” الإسلام ” يقدم أفكاره للناس ويقول لهم هذا هو ” خيارالله لكم ” ، هو الذي خلقكم وهو أعلم بما يصلح حالكم ، وكونه من الله فهو يعني الصحة المطلقة ، والصلاح المطلق ، والخير المطلق ، والذي يعترض سوف يعترض على نسبة هذا الأمر لله وعدم نسبته ..

يقول الأستاذ مهيار : ( أثبت لي أن الليبرالية تدعو إلى حرية مطلقة أو إنسانية مطلقة كما تقول، لأنضم إليك في مواجهتها، فالمطلق صفة للمستبد إنسانياً، وليس من مطلق بهذا المعنى قط، حتى معرفتك بالله معرفة غير مطلقة، إنما نابعة من ثقافة معينة ترفدها تجارب وأحاسيس متكونة فترسم صورة نمطية قد لا تطابق الصورة النمطية لدى من يشاركك كل شيء حتى معتقداتك وتراثك وفلكلورك. فللتجربة الإيمانية دورها في تصور الله، ونحن نخلط بين الصورة الذهنية والمطلقة، حينها نتصور أن أي ذهن مختلف عن أذهاننا هو ضد الله. أو نتوهم أن من يخالفنا إنما يخالف الله، فكيف يجرؤ! ) .

حقيقة لم أجد رجلا يشكل خليطا من أفكار مثل التقويضية والبنيوية والافلاطونية والارسطية والحداثية والليبرالية مثل الاستاذ مهيار ، ولعل ليبراليته تتيح له هذا التنقل بين مختلف المدارس الفلسفية ، وهي مشكلة أصلا في الرجل الليبرالي الذي تميزه الهشاشة المعرفية بحكم النسبية ، فهو أصلا يمكن ان ينقلب على نفسه وينقض فكرته التي يقاتل من أجلها ، فمرة هي مطلقة ، ومرة هي نسبية ، ومرة هي قابلة للنقد ، وهذا يجعلني استحضر جميع المدارس الفكرية الحديثة والقديمة عند قراءة ما يقوله الاستاذ ، ولعل الليبرالية هي محطة جديدة من محطات مدارسه الفكرية ، ومع هذا كله لم يفهم إلى الآن مقصودي من قضية ” المطلق ” الذاتي ، والنسبي الذاتي ، والمطلق النسبي ، لأن القضية مع الاستاذ مهيار هي في نفي المطلق الذاتي ، وليس في إنكار المطلق النسبي ، فالقرآن مثلا حين تكلم عن الله وصفاته هل هو تكلم عن مطلق نسبي أم مطلق ذاتي ؟ والقرأن نفسه حين يقول بأنه كلام الله ، فهل هذه من الحقائق النسبية أم الحقائق المطلقة ؟ هذه القضايا ليس محل نقاشها بين ليبرالي وسلفي ، بل نفاشها يتم بين مسلم وغير مسلم .. والتلبس باسم الإسلام وفي نفس الوقت إنكار حقائقه لا يستقيم ، بل هو جمع للنقائض على محل واحد .. وهذا مرفوض عقلا ..

مشكلة أخرى تكتنف كلام الإخ مهيار .. وهي أن تقرير حقائق الليبرالية سواء بالنسبة للرجل الليبرالي أو لمن يعارض الليبرالية لم يفصح عنه إلى الآن ، فهو يقول بأن الليبرالية لا تقر الحرية المطلقة ، والليبرالية معنية ببناء الضوابط ، وهو حقلها الأساسي ، ثم هو قرر في البداية أن الليبرالية ليست منهجية معرفية ، فهو يتحدث عن ليبرالية كلية ذهنية لا في الخارج ، تقرر ولا تقرر ، بينما لو رجعنا إلى مفكري الليبرالية الأقدمين والأحدثين لوجدنا انهم يقررون كل هذا ، فهل المشكلة أن الليبرالية فيها من الضبابية الشي الكثير ، أم أن النزعة التوفيقية بل وقل التلفيقية هي التي جعلت الوضوح مفقودا في طرح كثيرمن ليبرالي بلدنا ؟

الحقيقة أن الحديث حول تصادم الليبرالية مع الإسلام هي المحك الحقيقي الذي يجب ان ينصرف الحوار حوله ، وخاصة في مجتمع مثل المملكة العربية السعودية ، والتي أخذ التيار الليبرالية صفة ” الطائفة ” الليبرالية التي تجتمع حول أسس ونظام معرفي محدد ، ومهما حاول أصحاب هذا الطائفة الليبرالية أن يتحدثوا عن اتساق الإسلام والليبرالية فإن هذا عسير في باب البحث العلمي التفصيلي ، وفي نفس الوقت لا يدعي مدع بأن كل قيمة ليبرالية هي بالضرورة مصادمة مع الإسلام ، ووجود الجزئيات التي تند عن القاعدة العامة لا يؤثر فيها ، المشكلة الكبرى هي مع الشموليات في الفكر والحركة ، والعجيب أن الأخ مهيار يتكلم عن عدم تعارض ” الإسلام ” مع الليبرالية ، وهو في نفس الوقت ينعى على الآخرين أن يكون لهم فهم للإسلام ، فإن كان فهمه للإسلام لا يجعل الليبرالية متعارضة معه فليبين لنا كيف يفهم الإسلام وماهي آلية فهمه ، وهذا حتما متناقض مع دعوى أن الإسلام إن اعتبرناه وحيا فهو ما ورائي ، وإن اعتبرناه دينا فهو نسبي .. فهل الليبرالية متوافقة مع الأول أم مع الثاني ؟ فإن كان مع الثاني فهل فهمه للإسلام هو الإسلام بذاته ؟ أم هو فهم خاص للإسلام قد يخالف فهوم المسلمين كلهم في القديم والحديث ..وهذا لا شك سيحضر الجدل الفقهي الذي يبين هذه القضايا على حقيقتها بعيدا عن الشعارات التي لا تستند إلى حقائق علمية او معرفية .

ومما يدل على أن ” الليبرالية ” عند الأخ مهيار وغيره من الليبراليين ليست مجرد فكرة قابلة للنقد بل هي فكرة بمثابة الدين المعتنق مقابلة أفكارها بتعاليم الإسلام كند وخصيم ، فالليبرالية يقول الأخ مهيار : ( والليبرالية تشترك معك في مسائل البيئة وضرورة الحفاظ عليها وعدم القضاء عليها بسبب نزعات سياسية وعسكرية واقتصادية، بل إنها تقوم بهذا بمنهجية عالمية وليس ضمن تعريفات فقهية مقتصرة على الأتباع، وهي تحشد الرؤى الإنسانية التي ترفض هذا الإفساد لمستقبل البيئة البشرية، وتعمل منهجياً على ضبط هذا التلوث…) ، مع أن المسلم إذا كان يعتبر أن هذه القيم حاضرة في الإسلام منذ 1400 سنة ، فلا حاجة إلى الترحل منه إلى فكرة أخرى ، ثم مقارنته بها ، فالليبرالي المسلم غير منضبط في هذا الباب ، فهو يشيد بقيم الليبرالية ، وفي نفس الوقت ينسبها إلى الإسلام ، وهو لم يكن في موقع الباحث الابستمولوجي الذي يقرر الحقائق من باب العدل مع الأفكار الأخرى ، فيقبل ويرفض بناء على الموافقة والمخالفة ، بل هو ” متحيز ” إلى فكرة معرفية وإنسانية ، ثم هو في نفس الوقت ينفي عنها التعارض مع الإسلام .. فإن كان يرى في الإسلام هذه القيم فلا حاجة إذن لكل هذه الجلبة التي تسمى ” الليبرالية ” .

يقول الأخ مهيار : (مسألة القتل في الآية (قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين) فيها أقوال ليس هنا المجال لنقاشها، ولكن أشير مجرد إشارة: لاحظ أن هابيل هو الذي يقول : (إنما يتقبل الله من المتقين)، وليس الله، أي إن هذا تفسير وتصنيف هابيل لواقعة قبول القربان، وهذا عنف لفظي شديد قوبل بعنف جسدي أشد، أدى إلى ما أدى إليه من قتل وخسارة وندم. نعم كل أشكال العنف ممجوجة وتؤدي إلى بعضها بعضاً، وليس إثم العنف اللفظي بأقل من إثم العنف الجسدي. وهذا المفهوم القرآني تسرب إلى الليبرالية وأصبح من أسسها المعرفية، قد لا يكون تسريباً مباشراً، ولكن لأن الليبرالية مشغولة دوماً بالأفضل والأسمى للإنسان بغض النظر عن عرقه وثقافته وعقيدته.)
والمسألة ليست في صلب النقاش ، بل كانت في الحديث حول مفهوم ” الإنسانية ” ، ولكن العجيب هو في تفسير الأخ مهيار له من خلال قواعد الليبرالية التي جعلها تحكم على كلام الله ، فهو يرى أن ممارسة هابيل في عنفه اللفظي قابله عنف جسدي من قابيل ، وهذه هي المشكلة في إحلال آليات القراءة التي تخالف اللغة والضوابط العلمية ، فالله تعالى حين أخبر عن هذه القصة هو الذي قرر أنه تقبلها من هابيل لأجل تقواه ، ( واضرب لهم مثل ابني آدم بـ ( الحق ) إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ) ، وكانت آية القبول إحراق الناس للصدقة ، فهي تدل على تقوى من أحرقت صدقته ، فهي ليست حكما غيبيا بل هي حكم واقعي ، وكان هذا هو سبب قتل قابيل لهابيل ، فالآية تدل على أن ( الحسد ) هو الذي فعل فعله في نفس الأخ، وليس مجرد نزع التقوى ، لأن الذي نزع التقوى هو الله حين لم يقبل الصدقة .. ولذلك الله تعالى بعد ذكر موقف الأخ التقي وأنه حتى لوقتله أخوه فلن يبادله القتل قال : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) ، ولكن عسف هذه النصوص والحقائق لتتماشى مع قيم الأخ مهيار الليبرالية هو عبث بفهم النص ..

يقول الاستاذ مهيار : ( إن ما تطرحه من ضرورة انصياع البشر لله وشريعته، هو في لبه دعوة للانصياع لتفسيرك وفهمك ووحيك، وهذا الفكر يتجه نحو الصراع مباشرة، هذا الصراع الذي يتجه إلى البعيد بداية ولكنه يصل إلى اقرب الناس إليك، فلم لا نترك الذكر لمن تعهد بحفظه، وهو أولى بالحفظ والعهد، ونتفرغ لتقديم أنموذج سلوكي حضاري تنموي قادر على كسب الناس بدلاً من أن نخرجهم من ملكوت الله لأنهم يقرون بحق الإنسان في الاختلاف، ويكافحون من أجل ذلك. ) .
وهنا تكمن المشكلة التي لم تتحرر بيني وبين الأخ مهيار ، فهل الخلاف معك حول الدعوة لانصياع البشر لحكم الله ؟ أم الخلاف في تفسير هذا الحكم وإلزام الناس به ، وهل أنت تقر أصلا بضرروة الانصياع لحكم الله ؟ أم تجعل هذا من العنف المذهبي ، وأن الليبرالية اصلا ترفض هذا ؟ لا بأس حين نتفق على ضرورة الانصياع لحكم الله أن نتجادل في ماهو حكم الله ، وأن نفرق بين تفسيري أنا وبين حكم الله في ذاته ، ولذلك تجد أن الأخ مهيار حين يصل إلى هذه القضية بالذات تبدأ عنده الهلامية اللفظية والضبابية في المراد ، فهو يقول ( فلم لا نترك الذكر لمن تعهد بحفظه ) ، طيب كيف نتركه لمن تعهد بحفظه ، وهو أصلا لم يتعهد بحفظه إلا لنعمل به ؟ أم أنه تعهد بحفظه ليكون في المصاحف لا يؤثر في حركة الحياة ؟ ثم إن الأخ مهيار يرشح أن ننتقل من الديانة إلى الدنيوية المطلقة ، فواضح بأن الأخ تستحكم عليه فكرة ” المادية ” فقصارى ما يهمه هو إنموذج سلوكي حضاري تنموي قادر على كسب الناس ” فلسفة المنفعة ” ، وهذا يبين أن قضية ” العبودية ” و ” الإسلام ” لا يلتفت إليها في حس الأخ مهيار إلا في الوقت الذي تتقارب قيمها مع الليبرالية .. حينها تكون ذات قيمة ، أما حين تبتعد فأننا سوف نتركها لمن تعهد بحفظها ، وهذه قمة الانتقائية المرفوضة والناقصة ..

أخيرا .. فلم يقل أحد من علماء الإسلام أن معنى ” الفطرة الإسلام ” معرفة أحكام الإسلام التفصيلية ، ولكن يعنون بالفطرة هنا الحاجة الفطرية الغريزية لقضية ” الألوهية ” وحاجة النفس البشرية لها ، فهو مفطور على ” إدراك الخالق ووحدانيته ” ، وهذا الأمر مغروس في النفس البشرية منذ الخليقة الأولى ، وأما تفاصيل الأحكام فهي خاضعة للنبوات التي تختلف من نبي لنبي ، فالتوحيد هو قضية كلية أساسية في دعوة الأنبياء لم تختلف من نبي عن نبي ، ولكن الشرائع شتى ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ، ديننا واحد وشرائعنا شتى ) .

شكرا لك .. مع تمنياتي لك بالتوفيق والقارئين .

مهيار
أخي الفاضل
الرجاء ثم الرجاء… عدم الدخول في الموضوع بنفس جهادي، وترك مساحة لحسن الظن، والقراءة بعين ناقدة، وإلا فإن هذا الحوار لن يتقدم خطوة واحدة. كما أتمنى منهجياً ألا تتهم دون بينة، وكنت أكثر من مرة قد طلبت منك قراءة الليبرالية في تعريفها المختصر والكافي المثبت في هذا المنتدى، وبيان موقفك منها في ضوء ماهيتها، على أية حال، ردك كالعادة يميل إلى بناء الاتهامات المتسقة مع أحكام مسبقة، لذلك بات نصف ردك أو أكثر مكروراً تم تناوله باستمرار، لذلك سأرد على نقاط معينة، مع أنها بحد ذاتها أشبعت بحثاً وشرحاً، ولا أظنها ستنجو من تهمة الغموض أو التخيل أو غير ذلك مما يأتي على معظم مفرداتك. ولا أظن أني سأنجو من التأويلات النفسية.
بداية… السلام عليكم….ومساك الله بالخير..
الليبرالية ليست ناجزة ولن تكون لأنها ليست مطلقاً ولا إطاراً صارماً من القداسات المتجهمة، هي تجربة مستمرة تستفيد من الانجازات المعرفية باستمرار… وغايتها الإنسان عامة، ولا شأن لها بالعقائد، لا تأييداً ولا مناهضة، فقط هي في علاقتها بالأديان ترفض الاستبداد الديني. والقطعيات التي يفرضها البشر باسم السماء على الجميع إكراهاً. وكل هذا _ سيبقى برأيي _ غير مصادم للإسلام في أصوله وفهمه المنفتح، فحتى الإيمان الذي هو جوهر العقيدة كان ولما يزل تحت باب اللا إكراه إسلامياً، وكل اجتهاد يقول غير هذا هو لا يصادم فقهاً آخر إنما يصادم آية صريحة واضحة لا لبس فيها.. وهي لن تكون أبداً رهن قراءات التفافية تهمش هذا البعد الرائع، وتجيره لصالح الاستبداد.
العقلية الاختزالية لفقهائنا التقليديين الذي يختزلون العلمانية بقيامها على أساس مؤامرة ضد الدين أو تصور الماركسية على أنها تدور حول فكرة فقيرة واحدة بأن الدين أفيون الشعوب، لن تؤدي إلى فهم أوفر لتجارب الإنسان، وهذا ظلم للنفس وليس للآخر، وأتمنى فعلاً من مثقفينا الإسلاميين أن يزيلوا الحجب بينهم وبين حركة الفكر إنسانياً ليتخلصوا من هذه الأحكام الاختزالية، ويقدموا جهداً نقدياً بناء يفيدهم في بناء فكر أكثر معاصرة من جهة، وأكثر قرباً من المعنى الأول من جهة ثانية، أو على الأقل هذا ما يقتضيه الإنصاف مع الذات قبل الانصاف مع الآخر.
والليبرالية لا علاقة لها بخير أو شر، وهي غير مشغولة بهذه التصنيفات، إنما تشتغل على أطر ثقافية إرشادية وتنظيمية شفافة، بتنمية ثقافة تقبل الاختلاف، والعمل باستمرار على حقوق الأفراد والجماعات.
وعلى الرغم من أن النصوص والسلوكيات والأدبيات الليبرالية كلها تقف في وجه الحرية المطلقة وخاصة ما يصل إلى الاستبداد منها، إلا أنك تصر أنها تدعو إلى ذلك، ولست أدري فعلاً كيف أناقشك في هذه الجزئية التي تعرض عن قراءتها دوماً. لذلك أحيلك إلى ردودي السابقة التي لا يخلو رد منها من بيان هذا الأمر.
أخي الفاضل ” حاكمية الشريعة ” تتعلق بالخيارات الجماعية، وليست هناك مشكلة طالما أنها تطبق على من يؤمنون بهذه الشريعة، المشكلة تكمن في سياق فرض أحكام هذه الشريعة مع من لا يتفقون مع أدواتها الاستنباطية ، وأحكامها الاجتهادية أو حتى أسسها الاعتقادية، هؤلاء هم من ستحيل الليبرالية بينك وبين الاعتداء عليهم، أما إن لم يكن هناك اعتداء فلا علاقة لأي منهج ليبرالي بما تؤمن، حتى لو كنت تؤمن بحكايات السعلوات والأشباح. واستحضار الحالة الخاصة بالمملكة لا يبدو تصرفاًً حكيماً، فلا مشكلة لليبرالية مع ما يرتضيه الناس من أحكام وأنظمة اجتماعية، المشكلة هي فقط في تغييب البعد النقدي، واتهامه أنه يناهض إرادة الخالق، مع أنه في حقيقته ليس إلا اختلافاً مع اجتهاد فقهي محدود.
(تعاليم الشريعة) بالضبط هذه الكلمة يا سيدي يجب إلا تتحول إلى سوط عذاب، لأنها التعاليم المستنبطة من الشريعة وفق اجتهاد، وهي ملزمة لمن تبع هذا الاجتهاد في أدواته ومنهجيته، وفقط. ولا يجب البتة أن تتحول إلى سرير بروكروست، وإذا قضى مجتهد أمراً فهذا لا يعني ان الله والرسول قد قضيا ذلك الأمر، إنما هو يجتهد في سبيل فهم ذلك، وليس له أن يلزم من يخالفه في الاجتهاد أو يختلف معه في الأدوات؛ أن ينصاع مكرهاً. وعلى فرض أن ما جاء به هذا الاجتهاد هو غاية النص ومنتهاه، فالآية تقول: (فقد ضل ضلالا بعيدا). وليس لك أن تذهب أبعد من هذا…لك أن تتصوره ضالاً إلى يوم الدين…ولكن ليس لك أن تتصرف بحقوقه استناداً إلى تصورك هذا.
لقد أدخلتني في جدل فقهي يا سيدي، وها نحن فيما حذرت منه سابقاً، فرفض الاختلاف لا ينسحب على البعيد إنما يطال حتى أقرب الناس، وأخشى إن طال بنا الجدال الفقهي أن ندخل في فرقيات شغلت تاريخنا كله بغثاء زهيد.
وحقاً أفقد الأمل في التفهم، وخاصة أذا كانت الليبرالية في فهمك تطابق البهيمية، ولن أعلق على الأمر فهو لا يستحق التعليق. ليبراليتي لاشك تتيح لي الاستفادة من الجميع دون أن أجعل لهم سلماً تصنيفياً ابتداء من الضلال وانتهاء بالبهيمية، وأنا معني بالاهتمام بأفضل ما أنتجه الإنسان من فهم للدنيا والآخرة، ولا توجد لدي مشكلة في الاستفادة من الاتجاهات التي لم تذكرها أيضاً.
أما بخصوص تفسير الآيات والتي رفضت فيها فهمي لها، فهي حقيقة توضح تماماً هذا الرفض المطلق للآخر حتى لو كانت مساحة الاختلاف لا تتعدى تفسير كلمة، قأنت رفضت فهمي للآيات وكان الأجدر أن تعيد النظر فيها فتتحقق هل هذا الفهم محق أو قريب أم لا، وفي كل الأحوال: هل لي الحق أن افهم هذه الآيات بأدواتي أم لا.
وسأقارن بين أدواتك وأدواتي في فهم هذه الآيات لأقدم دليلاً واضحاً على أن الجدل التفسيري والفقهي عقيم مالم تقر بحق الاختلاف، فأدواتك في قراءة هذه الآيات هي:
التفسير المتوارث من عشرات القرون والذي تقر أحياناً انه دخل في مغالطات علمية بسبب نقص في المعرفة العلمية، مغالطات تاريخية بسبب الإسرائيليات المتفشية. رفض أي محاولة لزحزحة هذا التفسير. منع التفكير فيها إلا عبر نسق محدد ومنهجية صارمة مفروضة. الوقوف على المعنى السائد. اعتقال تعسفي للمعنى، وبنوع من الوصاية التاريخية. تقبل كل الأوهام والأساطير المؤسسة حول النص دون تفكير، وهذا نابع من تقديس المعنى المؤسس على حساب المعنى الأساس.
بينما أدواتي هي:
• تفكر وتدبر وتأمل في بنية القول والمعنى المراد. اعتماد على النص بمفاتيحه ومفاهيمه وسياقه، من خلال النظر في الكلمات المفتاحية . استئناس اركيولوجي لغوي ومفاهيمي، بالمأثور والتراث. الجديد معرفياً في حقل اللسانيات وأدوات النص والقراءة. ورؤية تربوية وفكرية. ونزع للخرافات الملحقة بالنص دون أي سند حقيقي على نحو حكاية دفن الغراب للغراب، والتفسير الذي صرف المعنى عن المعنى التربوي العظيم القائم على تلافي الصراع على ما جعل الله لنا فيه متسعاً.
فهل هذه قواعد ليبرالية للحكم على النص؟ سامحك الله…
إن حدثتك إنسانياً طلبت مني الاحتكام إلى الفقه، إن حدثتك في الفقه اتهمتني بأني صاحب فقه ليبرالي…فأي حوار يبقى ممكناً غير حوار الشيخ والمريد؟!
على أية حال قراءتي لهذه الآيات تستند إلى منهج أصيل منذ أيام الرازي وإلى اليوم، ولا يهمني كثيراً ان تقنعك أو لا، يكفيني منها أنها تدل على مشكلة الفكر المؤسسي الرافض لكل اختلاف مسبقاً. فأنت الذي تقرر أن الله تقبلها من هابيل ولم يتقبلها من قابيل وفق نسق تفسيري قائم على تصور توراتي، مع أن الحكاية كانت معروفة قبل نزول الوحي، ولكنها جاءت في سياق (نحن نقص عليك القصص الحق). وعلى أية حال هي قراءة لا تدعي امتلاك النص إنما تقترب من نوره وحسب. ويكفي أن أشير إلى سبب ورود (تُقبل) مبنية للمجهول، ولم لم تأت بـ (تقبلتُ) طالما أن القبول من الله؟ اعمل فكرك يا أخي ليس في هذه الآيات فقط، بل في كل ما تقرأ… فأنت تملك قدرات ممتازة للاقتراب أكثر من نور الفهم
…. بصدق يا أخي أتمنى أن تزيل الأوهام من رأسك المزدحم بما يفيد، علنا نستفيد من فضائله، لا أن نعاني من إعراضه المستمر.
لك كل التقدير والمودة، وبشكل خاص على فقرتك الأخيرة..

د . استفهام

وعليك السلام الأخ مهيار ..

خرجنا من النفس ” التكفيري ” ، ودخلنا في النفس ” الجهادي ” ، ولا أدري في المستقبل ماهو الوصف الذي سيلصق بي من قبلكم وفقكم الله ..
صدقني يا أستاذ مهيار أنا إلى الآن محسن الظن ، ولكني كذلك ومع إحسان الظن لا أستطيع إلا البوح بأني لم أجدك متسقا مع أي نظام معرفي ، ولا أجدك واثقا من أي فكرة تقولها إلى الآن ، أنت تقدم رجلا وتؤخر الآخرى في نقاشك ، وهذا ما يجعلك تحتد أحيانا في عرض الفكرة وتقولها وكأنك ستفجر قنبلة خطيرة ، ثم تتراجع أدراجك من جديد ..ولذلك تعيد هذه الأوصاف مع كل رد مني يوضح نقاط الخلاف ويقرب المسافات !

تقول الليبرالية ليست ناجزة ، وذلك – بحسب وجهة نظرك – لانها ليست مطلقا ولا إطارا صارما من القداسات المتجهمة .. وأنا هنا لا أتحدث عن انها وصلت إلى نهايتها ام لم تصل ، فطبيعي ان الليبرالية تحمل في مضمونها فكرة الحداثة في استمرارية ” التطور ” و ” التحول ” ، ولكن هذه الفكرة تجعل هذه القيم التي تنادي بها الليبرالية مثل ( الحرية أو التحررية ) ، ومثل ( العدالة ) ومثل ( التسامح ) هي قيما غير مطلقة ، ومعنى عدم الإطلاق هنا أنها قابلة للنقض والرد ، ويعني هذا انها ليست من الحاجات القطعية للبشر ، ولا أعجب من شخص يرى أنها حاجات فطرية في الإنسان وحق طبيعي ، وهي في نفس الوقت ليست من الحقائق المقطوع بها ، فيظل الإنسان في دوامة الوهم التي لا تنقضي ، وهذه مشكلة من يقرر القيمة ثم لا يستطيع أن يطردها في أفكاره ، لأنه إما يقع بــ ” الإبطال ” ، أو يقع بـ ” التناقض ” ، وكلاهما أحلاهما مر ..

قد تقول بأن النقد والمراجعة لا تأتي على الأصول وإنما على الممارسات والجزئيات ، فأقول كذلك القناعة بأن هناك أصولا لا تقبل المساومة مثل قيم الليبرالية المبثوثة بكتب الفكر والفلسفة فهنا إثبات لحقائق قطعية في ذاتها ، وهذه هي ما ينكرها الليبرالي على خصومه ، ثم هو لا يستطيع الفرار من إثباتها، وإلا دخل في السفسطة من أوسع أبوابها ..

ولأن الأخ مهيار لابد أن يتكئ على ” النص ” في تقرير مسائله ، فهو جعل الليبرالية لا تتعارض مع ” أصول الإسلام ” ولا جوهر العقيدة ، فرجع الاستاذ في النهاية ” أصوليا سلفيا ” يميز بين الأصول والفروع ، ويميز بين ” العقيدة ” و ” الفقه ” ، ونراه هنا رجع إلى ” الإسلام المؤسسي ” الذي يعتمد في فهم الدين على تقسيمات علمية ، ومصطلحات شرعية ، مأخوذة من النص الشرعي ، ولكن المشكلة عند الأخ مهيار هي أنه لا يريد أن يأخذ من كل هذه النصوص التي تعد بالآلاف إلا نصا واحدا يراه قطعي الدلالة ، ولا ينقضه أي أصل ثاني ، وكل ما عداه فهو مؤول أو منسوخ ، وهو قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) ، ولو قلت أنا أن هناك آية في القرآن ( لا لبس فيها ) ، أي أن دلالتها قطعية لا تقبل التأويل لقال فيّ كلاما لم يقله المتنبي في كافور الأخشيدي .. ولكن الليبرالي يحق له أن يقول في الأفكار والأديان ما يشاء ، واما أتباع الأفكار والأديان فهم مرتهنون لفهمه وفكره ..

إنني أعجب من الأخ مهيار كيف لم يجعل هذه الآية من ” الدين ” الذي هو خاضع لتفسير البشر ، بل جعل منطوقها هو ” الوحي ” الذي يعبر عن مراد الله ورسوله ؟ ولذلك يقول : ( لا لبس فيها ) ، فهو ينكر ” القطعيات ” التي يفرضها البشر باسم الإسلام ، ثم هو بعد ذلك يقرر قطعية ” عدم الإكراه ” والتي هي روح الليبرالية التي لا تتعارض مع الإسلام ..

لقد ولجت في ردك الأخير موضوعا أعتبره انا مفصليا في نقاشي معك اخ مهيار ، فانا لست شيوعيا ضد الليبرالية ، ولا قوميا يساريا أقف ضد الليبرالية ، أنا رجل مسلم أرى ان الليبرالية فيها مشكلتان : الأولى مشكلة في ” البنية ” المعرفية والفكرية ، وهي بذلك غير صالحة للبشر ، والثاني : أنها تتعارض مع ” الإسلام ” الذي يتسامى فوق فقه الففهاء ورأي أهل الرأي ، وأنا كذلك أعيش في بلد يعلن أن دستوره الإسلام ، والغالبية من شعبه مقتنعون بالإسلام شريعة وعقيدة ومنهجا ، فإن كنت لا ترى ضيرا في أن يحكموا أنفسهم بالإسلام فشكرا لك ، وأما من لم يقتنع ببعض الآراء التي يراها تخالف الإسلام فحقه الشرعي أن يبين هذه المخالفة ، وحق على أهل البلد حكاما ومحكومين أن يسمعوا منه قوله ، حتى لو خالف قوله الكتاب والسنة والإجماع ، ولا تجوز عقوبة من عارض أي تصرف ، بل حقه الحوار والنقاش ، وأما الانصياع لحكم الأغلبية فهذا هو عين العقل ، فلا يمكن لفئة قليلة في مجتمع كبير تخالف السائد الديني او الثقافي أن تند عن النسق بحكم عدم القناعة ، فحتى الدول التي فيها أقليات لا تستطيع الأقلية أن تتحكم بقيم الأكثرية ، فما تراضت عليه الأكثرية هو الذي يمشي ، وحتى هذا متقرر في قيم الديمقراطية التي ترى ان قول ” الأغلبية ” هو الذي يمشي حتى انها تتيح تغيير ” الدستور ” في نسب معينة إذا تجاوزت الستين بالمائة ..

ثم إن أقول الفقهاء واخيتاراتهم لم يقل أحد من المسلمين أنها دين يجب الالتزام به على أنه دين يعبر عن مراد الله ورسوله ، ولكن في مقابل ذلك لا يمكن ان تستقيم الحياة إلا بالضبط سواء سارواعلى رأي فقهي ، أو قانون وضعي ، أو مبدأ عرفي ، ولو ترك الناس على أهوائهم ومنطلقاتهم الخاصة ليتحكموا في الأمور العامة – وخاصة إذا كانوا شرذمة قليلون – فلن تستقيم حياة دولة ولا نظام ولا قانون ..

أما بخصوص تفسير الآية ، فانت تقول باني رفضت فهمك وجعلت هذا رفضا مني للآخر ، فما المشكلة حين أرفض فهمك ؟ هل أنت قبلت فهمي لليبرالية ؟ ألم تكرر مرارا وتكرارا أن فهمي غير صحيح لها ، فمجرد رفض الفكرة لا يعني رفض قائلها ، وإلا لما واصلت معك الحوار ، لكني اعترض على طريقة وآلة فهمك ، لانك أولا لم تبينها ، ولأن فهمك لا يمكن أن يتفق مع سياق الآية دون أن ندخل في أي قراءة أخرى سواء كانت سلفية او إشارية او كلامية او اسرائيلية ، ففهمك لا يتوافق مع السياق .. ولربما لم تراجع الآية من أولها لتدرك هذا فراجعها .

ثانيا النص الذي ذكرت فيه أدواتك للقراءة حقيقة لا أدري هل أنت ذكرته هازلا او جادا ؟ يعني انت ختمت الكلام عن آليات النص بقولك: هل هذه قواعد ليبرالية للحكم على النص ؟ سامحك الله .. فلا أدري حقيقة ماذا تعني ، هل أنت تقر أن هذه أدواتك ؟ أم لا ، لأني لا اريد أن أبني ردي على ظن ، فحبذا لو تبين هذا !

لا أدري حقيقة يا استاذ مهيار لماذا تنهار إذا جاء الكلام عن القضايا التي هي تشكل لب الخلاف بيني وبينك ، وفقرتك الأخيرة مليئة بالتوهيمات أو بمحاولة التعمية ، فانت في الوقت الذي تنكر فيه ” الفقه المؤسسي ” تتكيء تارخيا على مدرسة الرازي ، وسميتها مدرسة أصيلة ، فها أنت وقعت في نسق المؤسسة المعرفية ، ولكنها لانها تمثل ” الرازي ” فهي مقبولة وجميلة وليبرالية ، أما مدرستنا فمسينكية ، ومتخلفة ، ثم إن الآية لم تأت بسياق ( نحن نقص عليك القصص الحق ) و لا يوجد في القرآن كله آية مثل آية الاستاذ مهيار ، فإن كنت تقصد ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) فهي في سورة يوسف ، وآية الأخوين هي في سورة المائدة وأولها ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر … ) وأما إن كنت تقصد : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) ، فهي في سورة الكهف ولا علاقة لها بقصة الأخوين .

أنا لن ادخل معك في جدل حول الفعل المبني للمجهول أو غيره لأن القضية في أساسها ” منهجية ” ، ومن الخطأ القفز إلى الفروع مع الاختلاف في أصل المنهج الذي ذكرته في أسطر ثم حدث عنه ، او لعلي فهمت أنك حدت عنه .. مع اني أقرأ قول الله تعالى بعد هذه القصة قوله عز وجل : ( من أجل ذلك – أي القصة – كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) . وهذا يدل على بيان المعتدي والآثم ..

مهيار

ليكن أخي الكريم
استمر في قراءتك كما تشاء..أنا لم آت لأفجر القنابل، وليست لدي معجزات ولا كرامات، إنما أحاول جهدي أن أبين مسائل إنسانية أعتقدها وأراها صالحة للفصل بين الناس، وطالما أنت تتوهم في الليبرالية ما تطرحه دون دليل أو بينة، فلعلك تقصد شيئاً آخر… أما الليبرالية التي نراها هي التي وردت في التعريف الذي تعرض عنه بإصرار، وتتحاشاه بدأب، مع ذلك أدعوك للمرة الخامسة إلى بيان موقفك من هذا التعريف وحسب، لعلك لا تقفز هذه المرة أيضاً.
أخي الكريم أنا لم أقل أني ليبرالي خرج من دينه، لأني أصلاً لا أجد مشكلة مع الليبرالية حتى في تديني، فهل اكتشفت فجأة أني أقر مدرسة على سواها، هذا التضاد بين المدرسية والليبرالية، والتضاد بين الإسلام والليبرالية ما هو إلا وهم مشترك بينك وبين غلاة العلمانيين، وكوني أتبنى رؤية مدرسة أهل الرأي لا يضاد القناعات الليبرالية عندي، ولست ضد مدرسيتك البتة، بل أزعم جاداً انك تملك الحق في أن يكون لك منهجك وأدواتك، لكني أناهض الحالة المؤسسية القائمة على الإكراه، سواء أكان إكراهاً على اجتهاد أو عقيدة…لست أدري ما الغامض في هذا القول؟!
يا أخي هذا فهمي للدين وأنا لم أفرضه عليك، وهو فهم جمهور كبير من الفقهاء، ومع ذلك لم أفرضه عليك، ولكن إصرارك الشديد على الاحتكام إلى فهم الوحي، دفعني إلى بيان رأيي، ولعله كان صائباً، لأنه يبين لي حقيقة استحالة أن نتمكن من خلال فهمك أن نتواصل لا مع المخالف في العقيدة، بل حتى المخالف في الاجتهاد.
لك ما تراه في الليبرالية، ولكنك تفتقد البينة والدليل، إنما تسوق كلاماً مكرراً، لذلك لن أعلق على نقطتك الأولى، أما الثانية، إن طاب لك رأيي عليك ألا تحذف منه ما هو لاحق به، من حرية توجيه النقد، والمراجعة، والاختلاف في الرأي، ودون ترهيب… فإذا كان هناك تيار عريض يخالفك في الاجتهاد حق لهؤلاء أن يجدوا لأنفسهم مساحة لممارسة رؤيتهم الاجتهادية..هذا ما أتمنى أن تقرني عليه، فأنا أطالب بحق النقد للأفراد، ولا أقر لهم بحق النقض.
يا أخي ارفضني كما تشاء، ولكن لا تعط لنفسك الحق في حبسي وكتم أنفاسي، بدعوى سماوية، كلنا في المسافة نفسها من السماء، وكل منا يتصور أنه الأقرب… فهل علينا أن نتصارع؟!
وأنا لم أعترض على مدرستك، ولكن أعترض على جعلها المدخل الوحيد للسماء، والحكم الوحيد على الحياة الدنيا… مع أنه لدي الكثير مما أناقشه في هذا الإطار، ولكن مع شخص لا يتوهم أشياء لدي على نحو ما تتوهمه.
دع عنك هذا التفاصح وهذه الأستذة، فأنا لم أقل انه آية قرآنية قط، فلا تفتري علي أيها الفاضل، وأنا لم آت بأية محددة لأن الآيات التي تتحدث عن القصص الحق مبثوثة في كل القرآن إن كان تصريحاً أو إشارة، ومنها غير ما ذكرت حضرتك، ما جاء في آل عمران/62: (أن هذا لهو القصص الحق) آل عمران 62، وما جاء في الأنعام /6: إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين).هذا التذاكي يضر بالحوار يا سيدي، وأنا لولا موقف حازم أبديه حول النقاشات الفرقية، أستطيع أن أضع لك الصوى في ما أنت تنافح عنه، هذا الافتراء دليل إفلاس وهو فعلاً يغلق الباب أمام أي حوار، لأنه معيب. أنا من يقرأ الآيات في سياقها ولدي كما هو لديك تفسير لهذا السياق، بل أنا أعتني بالسياق أكثر منك، لأنك حتماً تكتفي بتناول كتاب من الرف لتقرأ ماورد فيه وحسب. أنت تستسلم لتفسير غابر، بينما أدعو لإعمال العقل وإزالة قيود الكهنوت، والنظريات الجديدة في إطار القراءة لن تقف عند الترديد الأعمى. وستدك كل القراءات التاريخانية المهلهلة بثقة، هذا ما تعلمناه من التاريخ، وهذا ما هو مدون في القرآن تحت بند العاقبة، وإن غداً لناظره لقريب.

د . استفهام
يا أستاذ مهيار الكريم ..

هل الحوار بيني وبينك أم بيني وبين شروس ؟ حتى تجعله فاصلا وحكما بيني وبينك ؟
أما كلام الباحث سورش فهو لا يختلف عن منهجك وطريقتك في فهم الليبرالية ، وإشكالياتي معك ومع الليبرالية هي نفسها مع سروش وطريقته في فهم الليبرالية ، بل هو يؤكد كل قضية قلتها في مسألة مناهضة الليبرالية للإسلام ، وخاصة في جزئها المعرفي ، فإن كانت الليبرالية تدعو للانعتاق من الديماغوجيات فهي في نفسها دعوة للتحرر من ” الإسلام ” نفسه ، فهو دين محمل باليقينيات والجزميات فكيف الفعل بكل جزميات الدين الإسلامي ؟

الجانب الثاني : فرق بين أن يبين الباحث رؤيته للقضية المعرفية ، وبين أن يدلل عليها من أقول منظريها ومنشيئها ، فمن يحب الليبرالية جعلها فكرة الخلود الأبدي ونهاية التاريخ ، ومن يرى أنها خبيثة جعلها شجرة الزقوم ، وهذه هي المشكلة التي تعتري طرفي البحث في أي قضية فكرية او منهجية ، وأنا حين أحكم على الفكرة الليبرالية لا أحكم عليها من خلال فكرة مسبقة – كما تدعي – ، وإنما أحكم عليها من خلال قراءة معرفية ابستمولوجية ، والمتعالى عن الايدلوجيا في البحث المعرفي يستطيع ان يميز بين نقاط الاتفاق والافتراق أكثر من الرجل المتيم بالفكرة ، فأنا مثلا أرى ان فكرة الدكتور المسيري في قبول ” العلمانية الجزئية ” وهي القضايا الاجرائية التي لا تعارض المرجعية النهائية للشريعة لا بأس بها ، وعندي أن دعوة الليبرالية لتحرير الفكر من المسبقات ، والتأمل العقلي ، وفحص المسلمات كلها دعوات لا بأس فيها ، بل هي تتوافق مباشرة مع العقلية السلفية التي ترفض التقليد ، وتدعو إلى التحاكم للنص ، وليست هذه هي مشكلتي مع الليبرالية ..
ولأن الليبرالية من المفاهيم والأفكار الحادثة فلا يستطيع أحد أن يقول بأنها ” شر محض ” ، وأن كل ما فيها خاطئ أو آثم ولكن هذا يقال في حال ” التقييم ” ولا يقال في حال البحث عن الموافقة والمخالفة بين فكرتين والتي هي أصل بحثنا في هذا الحوار الماتع معك أستاذ مهيار ..

هناك مفاهيم كثيرة في حديثك استاذ مهيار تدل على ” رومانسية ” حالمة ، ففكرة ” القبول والرفض ” ، وفكرة ” التواصل ” ، وغيرها هي مفاهيم قيمية وليست فكرية ، وكأننا دائما نجهز لغزوة كاسرة ، وانت النذير العريان تدعونا لنزع فتيل الحرب ، وهذه *****اوية التي تريدها حاكمة بين البشر في اختلاف أفكارهم لم تتحقق في أي زمن ولن تتحق بناء على الطبيعة البشرية ، وانا حقيقة لا يهمني أن يرفض أحد فكرتي ، بل وحتى ديني ، بل ولا يهمني أن ينظر إلى فكرتي أنها سخيفة ، المهم هو في وضوح الأداة النقدية المعرفية ، ومواجهة البرهان بالبرهان ، ولكن الكثير لا يطيق النقاش المعرفي الجاد ، ولذلك تجده مضطربا في حمل فكرته ، لأن صاحب الفكرة لا يقنعه ان تقبل فكرته على سبيل العموم والإطلاق ، بل لابد من قبولها على سبيل التفصيل ، وخاصة أنك رجعت فأصبحت رجعيا تلتصق بمدرسة الرازي السلفي ( سلفية في مقابل التنوير والحداثة ) ولا أدري هل انت من أتباع أبي زكريا أم الفخر ، والرازي وأضرابه كانت لهم خصومات كثيرة مع أنفسهم في تحقيق ما يريدون ، فضلا عن محاججتهم لغيرهم لقناعاتهم بصحة فكرهم .. ومع ذلك صارت نهايتهم قوله :

نهاية إقدام العقول عقال ** وآخر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وآخر دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من كدنا طول عمرنا ** سوى ان جمعنا فيه قيل وقال

الأفكار التي ذكرتها أنا في المداخلة السابقة والتي تعتبر مفصلية ومهمة في حوار الليبرالية مع د. استفهام تجاوزتها ، وخاصة قضية الأكثرية والأقلية ، وكذلك قضية المنهجية في القراءة وكلامك الضبابي فيها الذي قلته ثم نسخته بموعظة .. كل هذا يعطيني دلالة على أنك لا زلت تعاني من من مشكلة ” المرجعية ” التي لم تتضح لي إلى الآن ، ومن حقي كمحاور لك أن تبينها .. وأما الظهور بصورة المظلوم المضطهد من الوثوقيين والدغمائيين فهذه تفسد الحوار أكثر من أن تصلحه ، ولربما رققت لك بعض القلوب .. لكنها لن ترقق لك بعض العقول ..

دمت موفقا .. مع الشكر الجزيل لك .

مهيار
الشيخ استفهام
السلام على من اتبع الهدى..
أنت منذ بداية الحوار تطالب بتعريف لليبرالية، شرحته مراراً دون فائدة، وجئناك بتعريف دقيق له، ومع ذلك مازال الأمر ضبابياً لك..ولن يتضح مهما حاولنا..
لا يمكن لمن اعتاد الطاولة المستطيلة أن يتقبل المستديرة، ولا يمكن للشيخ إن يتقبل حواراً سوى حوار الشيخ والمريد، وها أنت تحسم الأمر، وهو ما يفضح آخر أوهام الحوار… طالما لديك جزميات وقطعيات غير قابلة للحوار أو حتى التفكير… لم الحوار أصلاً؟
على الرغم من أن حواري كان فيه انتقادات لمراحل ليبرالية، ولأفكار ليبرالية، ولم يكن مطلوباً منك أن تتنكر لربك، إنما فقط ألا تحكم على فهمك أنه غاية الرب ومنتهى مراده… فمن منا مغرم بالخلود الأبدي؟
كنت أتمنى أن أرى شيئاً من قراءتك الأبستمية… وعدت لأبحث عن هذه القراءة، فلم أجد سوى مغالطات يغلب عليها التسفيه والتشنج، حقيقة خطابك يختلف عن خطابات المشايخ باحتوائه على بعض المصطلحات والأسماء التي توهم القارئ بأنك قريب لحركة الفكر المعاصر أو مطلع عليها، وواقع الحال إنها نوع من التوشية التي لا طائل منها.
واستشهادك بالمسيري يدل على خلط فظيع بين الليبرالية والعلمانية، ودعني أوضح لك فرقاً دقيقا بينهما يتعلق بما تخشاه، العلمانية ترفض المرجعية الدينية لأطياف المجتمع أو حركة العلم، وتحصر الدين في إطار شخصي فردي، بل وتحجر عليه عندما يتصاعد بشكل يهدد تماسك المجتمع. أما الليبرالية فهي لا تتدخل في المرجعية الفردية أو الجماعية، هي في وجه الاستبداد، والجزميات والدوغمائيات التي تقف في وجهها، هي تلك القطعيات التي تسلط على رقاب من لا يأخذون بها، وهي في هذا تكاد تطابق اللا إكراه، إلا أنني اكتشفت متأخراً أن هذا اللا إكراه لا يساوي شيئاً لديك… ولك تفسير آخر له يتسق مع ما تطرحه.
هذه الأحكام الاختزالية والهازئة لن تفيد ما تشرعه من نظرة تأحيدية، ودع عنك مفردة (حالمة) التي تستعيض بها عن نقاش ما لا تناقش…وليتك بدلاً منها اعتذرت عن الفرية السابقة، لكن هل يعتذر الشيخ؟ لا أظن…

أود أن تشرح لي لو سمحت كيف تدخل حوارا، وكيف تنظر إلى الفكر بجدية وأنت تردد هذا البيت السخيف من الشعر:
نهاية إقدام العقول عقال ** وآخر سعي العالمين ضلال
هذه الرؤية هي التي حجرت على العقل وحددت الإبداع، وجعلت كل تطلع يساوي الضلال، على أية حال، جئناك بالمنجز الفكري والعلمي والحضاري لليبرالية، فلم تأتنا إلا بهذا البيت من الشعر الذي يستخف بالعقل، ويستهجن السعي، وهو في كلا الأمرين يخالف صريح كلام الله بمعانيه وتأويلاته وتفسيراته المختلفة.
العفو يا شيخنا الجليل…

د.استفهام

يا أخي الكريم ..

أنا لم آت بقضية العلمانية لأجعلها نصيفة الليبرالية او شبيهة لها ، إنما أتيت بها حتى أبين لك أن القضية عندي ليست أحكاما مسبقة ، وليست كذلك رفضا مطلقا ، ولم أٌقل في أي مداخلة أن الليبرالية ترفض الدين ، وأظن أن ” التفريق ” بين العلمانية والليبرالية يعرفه المثقف المبتدئ ، ويبدو انك عدت لحالة الانفعال التي تجعل الإنسان لا يفهم الكلام على وجهه ..

نعم .. الليبرالية تتيح للجميع ان يقولوا ما يشاءون ، ويعتقدوا ما يشتهون ، فهي تعاملهم بناء على مبدأ ” الحرية ” و ” المساواة ” ، هذه الصورة من جهة ” الليبرالية ” نفسها ، ولو قدّرنا أن ” ليبراليا ” حكم مجموعة من البشر ، وهو يدعي أنه مسلم ، وتحته أكثرية مسلمة ، وأقلية نصرانية او رافضية او يهودية ، فهل موقفه الليبرالي سوف يسوي بين الجميع في عقائدهم باعتبار أنهم متساوون في القيمة الاعتقادية ؟ وهل حكمه عليهم بالإيمان والكفر واحد ؟ وهل النظام سوف يتبع لقيمة الأغلبية المسلمة ؟ وهل سيلزم الجميع بأحكام الأكثرية وما يرتضونه ؟ ترى لو طلب اليهودي أن يتزوج مسلمة بناء على التساوي في القيمة الوطنية هل سيرضى هذا الليبرالي بهذا الحكم ؟

الليبرالي الذي يرى الحقيقة نسبية ، وان لا فرق بين الإسلام وغيره حتى لو كان يدعي أن مرجعيته إسلامية سوف يترك أحكام الإسلام القطعية ، وأن الحرية قيمة أساسية ومطلقة لن يميز بين الناس من خلال عقائدهم ، وبهذا سوف يرفض ” حاكمية الشريعة ” من هذا الباب حتى في مسائل الأحوال الشخصية .

أما قضية ” لا إكراه في الدين ” فلا أدري لماذا اجتزاء النصوص بهذه الطريقة وعدم فهمها في سياقها ؟ ( لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى .. ) ، فلو سلمنا لك بأنه لا إكراه في الدين ، فهل ترضى بالتفريق الذي محصلته أن ” الإسلام ” رشد ، والكفر ” غي ” ؟ وهل ترضى التفريق بين الناس على أساس ( الإيمان بالله ) و ( الإيمان بالطاغوت ) ، أم أن هذا كذلك داخل في الوصاية والإكراه العلمي ، وإلحاق الضرر بغير المسلم بنبزه بالطاغوت والغي ؟

ثم إذا سلمنا لك بأنه لا إكراه في الدين سواء في الدخول فيه أو الالتزام بأحكامه بعد الدخول ، فهل يستقيم هذا مع ترتبات ما يقع للمسلم بعد تركه الدين من العقوبات المعنوية التي تحرمه من الزواج بالمسلمة ، والتفريق بينه وبين زوجته ؟ والإرث وغيرها … هذا إذا لم يقم عليه العقوبة الحدية او التعزيرية التي تناله من خلال تركه للدين ؟ ام أنك تبيح أن يتزوج الكافر والملحد المسلمة بناء على حرية الاعتقاد ؟ وهل هذه الأحكام تتسق مع قيم الليبرالية التي تسوي بين الناس دون تفريق بينهم على أٍساس العقيدة .. والاتفاق بينهم فقط على عقد ينظم العلاقات بينهم بعيدا عن أحكام الشريعة حتى لو كانوا في بلد إسلامي ؟ وأغلبيته مسلمه ؟

أنا قلت سابقا وفي بداية النقاش : الليبرالية لا تعارض الدين .. ولكنها حتما ستقضي عليه ، وهنا أدرك جيدا الفرق بين العلمانية والليبرالية ، وإن كنت أخالفك في أن كل العلمانية هي شمولية تقصي الدين ، فهي درجات في هذا الأمر حتى أنها قد تتقارب مع الليبرالية في هذه النقطة .

في الشريعة الإسلامية لا فرق بين من يقول : ( لا دخل للإسلام في أي شأن من شؤون الحياة ) ، وبين ( الإسلام مثل غيره في شؤون الحياة ) ، فالاولى علمانية والثانية لليبرالية ، ومشكلة الليبراليين أنهم يواجهون الإسلام الشمولي الذي لا يكن أن تتسق تعاليمه وحاكميته مع أفكار الليبرالية التي تصلح لمجتمعاتها الخاصة ، فإن كان المسلمون يتمتعون في البلاد الليبرالية بحرية التدين، فهذا لان المجتمع يتقبل هذه الفكرة ، وتصرف غير المسلمين ليس حجة على المسلمين ، فإن كانوا قد انخلعوا من دينهم وعقيدتهم وجعلوها لا تساوي شيئا في ميزان الأفكار ، ولا حاكمية لها على الناس ، فليس المسلم مطالب بهذا ، لأن القرآن يلزم بالرجوع إليه في أحكام الناس العامة والخاصة .. ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . وليس معنى حاكمية الشريعة أن يتحول المسلمون إلى ” جلادين ” لغيرهم ، أو مكرهين لهم على الدخول في الإسلام ، أو ملزمين لهم بترك شعائرهم ، فهذه حقوق محفوظة .. والتاريخ يشهد ان كل الطوائف والأديان كانت تعيش في كنف الحكم الإسلامي ، وما يحصل من هيشات ومشكلات طائفية فهي إما من متعصبة المذاهب ، أو من جبابرة الحكام الذين هم متطرفون في أنفسهم ..

بالنسبة للبيت ” السخيف ” الذي ذكرته ، فهو من أقوال الرازي نفسه ، وكونه سخيفا بالنسبة لك فهو جيد بالنسبة لي ، فلا تحجر علي ذوقي في الشعر ، والتزم بمبادئك الليبرالية …

الغريب يا استاذ مهيار أنك كنت اتعجب منك حين كنت ” ترفض ” قضية ” التسامح ” ، مع انها من أفكار الليبرالية الأساسية ، وهذا لأنك لا تريد أن تجعل على عنقك طوقا يقال له ” التسامح ” ، فتبيح لنفسك أن ترمي خصمك بما تشاء ، فإن قيل لك أين ” التسامح ” ، سوف تقول حتما : ومن قال لك بأني أرى التسامح قيمة ليبرالية ؟

سلام عليك …

مهيار

أخي الفاضل استفهام
ردك الأخير رد نموذجي، وأنا أشكرك عليه بما حوى، وهو يزيل الكثير من الالتباسات الحاصلة، أنا الآن أستطيع أن أقول أنك عدت إلى خندقك، وأصبحت مفرداتك ومفاهيمك أكثر قابلية للتفهم، ولست أنكر عليك هذا الأمر، بل جميل أن تتوسل المعتاد في إطار هذا الفكر المدرسي، وصفة (مدرسي) لا أقصد فيها أي إهانة حاشا وكلا..
في مسائل الزواج بين المسلمين وغيرهم لي رأي سبق أن جادلت به، ولا أظن أنه يتعلق بحوارنا هنا، والليبرالية لن ترغمك على تغيير رأيك بمسائل الزواج، وهي تحتكم إلى ما ارتضاه القانون أو الشريعة التي اجتمع عليها الناس، ولا يبدو لي استحضار مسائل الزواج في هذا الحوار أمراً حكيماً، لأن الزواج تحديداً وما يتعلق به شائك جداً حتى داخل دائرة الفقه، حتى أن علم الأنكحة ليكاد يطغى على تراثنا الفقهي، وحتى في المفهوم الليبرالي يأخذ الزواج أبعاداً دينية بل وفلكلورية، لذلك لن يكون بمواجهة ضوابطك بالطريقة التي تخشاها، لاشك أنه سيتيح انتقاد ممارساته، على نحو انتقاد زواج الطفلة الصغيرة من الشيخ الطاعن في السن.
ومسألة الزواج إسلامياً هي حقيقة أرقى مما ورد في دفاعك، وهي نظرة مفعمة بالإنصاف للمرأة، وخاصة في ظل ثقافة ذكورية، لذلك انبنى رفض هذا الزواج على اعتراف الطرف المهيمن (الذي هو الرجل في الثقافة الأبوية) بدين أو اعتقاد الطرف الأضعف. والحال أنه ما من يهودي أو مسيحي يعترف بالإسلام وحياً، وإذا اعترف بات مسلماً!
إن الزواج في أصله ديني، وهو مؤسسة اجتماعية مبنية على نظام اجتماعي الدين له البعد الأعمق والأوفر، لذلك فإن فصل الزواج عن الاعتقاد هو خروج من المؤسسة، وهذا ما لا يستقيم، لذلك اطمئن لن يرغم ليبرالي بنات المسلمين بالزواج من الملاحدة والكفرة والمشركين، ولن تتدخل الليبرالية في ما تعتقده بهذا الخصوص.
( لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى .. ) وهل أجمل من هذه الآية التي تناهض الطاغوت، وهل أجمل من هذه الآية التي تقول أن الرشد تبين من الغي، الرشد الذي يثق بالإنسان، أم الطاغوت الذي يرغم الإنسان، ومدخل الإيمان بالله هو الكفر بالطاغوت، الكفر بالطاغي المعتدي كثير الطغيان، ومما ورد في تعريف الطاغوت: الكاهن؛ الذي يطغى في الأرض باسم الله.
أما ما يخص بما يقع للمسلم من تبعات، علينا أن نتساءل بداية، عن الحكم الصادر بحقه، فما لمسناه من حالات كانت تحكم عليه بالردة وهو لم ينكر أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
واسمح لي أن أحييك بقوة على ما تفضلت به في قولك:
اقتباس:

وليس معنى حاكمية الشريعة أن يتحول المسلمون إلى ” جلادين ” لغيرهم ، أو مكرهين لهم على الدخول في الإسلام ، أو ملزمين لهم بترك شعائرهم ، فهذه حقوق محفوظة .. والتاريخ يشهد ان كل الطوائف والأديان كانت تعيش في كنف الحكم الإسلامي ، وما يحصل من هيشات ومشكلات طائفية فهي إما من متعصبة المذاهب ، أو من جبابرة الحكام الذين هم متطرفون في أنفسهم ..

فيما يخص بيت الشعر، أعلم يا سيدي أنه من أقوال الرازي المتأخرة، وقد حفظناها عن ظهر قلب أيام اليفاع، وكنت أجدها منذ ذلك الحين مقولة سخيفة، تعارض حث الإسلام على التفكر والتدبر والسعي في الأرض.. وذكري له في سابق ردودي لا يعني أني عصمته من كل زلل، ولا أرخيت له عنان العقل .. والمسألة لا تتعلق بالذائقة الشعرية، فهذا البيت من الشعر فيه اعتداء على العقل وميل إلى الكلالة.
لقد بينت لك بالتفصيل مسألة التسامح، وأنا في فهمي ضد هذا التسامح، إنما أنا مع ثقافة الحقوق، فما هو حق لك لا يحق لأحد أن يمن به عليك، وما هو ليس بحق لك ، لا يحق له أن يبيحه لك… أما إن كان التسامح في إسقاط حق خاص، فهذا بيننا وقبل أن يعم ويصبح حقاً عاماً…
أشكرك بصدق على ردك الأخير…
وهدانا الله أجمعين إلى صراطه المستقيم.

د . استفهام

أخي الكريم ..

أنا هنا لن أقدم نفسي مفكرا عالميا ، أحل مشكلات الجميع ، بل أنا أرى ان الأصلح لي ولك وللبلد الذي ننتمي إليه أن نعالج مشكلاتنا من خلال حدودنا الجغرافية والسياسية والثقافية ، والنظر في مشكلاتنا الحاضرة ، سواء كانت ثقافية فكرية ، أو حضارية نهضوية ، أو مدنية تنموية ، وهذا يعيدنا إلى أن ” الصراع” الليبرالي الإسلامي في السعودية تتجاذبه مسائل كثيرة ، فالحقوق السياسية ، والمؤسسات المدنية والدينية ، والممارسات الاجتماعية كلها حاضرة في هذا الصراع ، وكل فريق يتترس خلف مبادئه الثقافية التي يحتمي بها في مقابل خصمه الذي يزاحمه على الواقع ، وهذا يوجب علي وعليك أن نناقش هذه القضايا بعين المواطن الحريص على مصلحة بلده ، والذي يتلمس له النهضة والمحافظة على الهوية في وقت واحد ، وافتراض ان ” الهوية ” معيقة للنهضة هو افتراض قاصر وخاطئ وباطل ، ولذلك وجب علينا كمثقفين أن ننظر إلى مسائلنا من هذا البعد ، لأننا كلنا في سفينة واحدة ، وغرقها هو غرق الجميع ، والمحافظة على المكتسبات الحاضرة وتطويرها وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح خيار استراتيجي للجميع .

أنا اعتقد ان الليبراليين في السعودية يعانون من مشكلة حضارية ، وصدمة معرفية ، وهذا يجعلهم يتلمسون الخلاص في فكرة غربية مثل ” الليبرالية ” التي تحمل بين طياتها مفاهيم كثيرة ، وممارسات كثيرة ، وهي تظل في نهايتها تجربة ” إنسانية ” يعتورها الخلل والنقص والتناقض ، بل والضبابية ، والعجيب أن الفلاسفة والمفكرين المحدثين قد اطبقوا على أن هناك مشكلة معرفية وضبابية في الليبرالية ، لانها أصلا قائمة على هذا المبدأ الذي لو تنازلت عنه لفقدت بريقها ، ولأصبحت نسيا منسيا ، وهي قضية نفي القطع عن الأفكار وصحتها ، وتسويتها بين الآراء ، وإعطاءها قابلية التغير والتبدل ، وهنا تقع مشكلة الليبرالية والليبراليين في ملاحقة سرابها ، والتخوف من جديدها ، وعدم الثقة فيها ما دام أنها قابلة لكل هذا ..

ولأني أؤمن أن قانون ” الضبط الاجتماعي ” ، لا يمكن ان ينفصل عن ” ثقافة المجتمع ” ، وان أي قفز على هذه الثقافة المجتمعية سوف تحيل عملية الإصلاح إلى حال من ” الشقاء ” في المجتمع وخلخلة أصوله وفقدانه لهويته ، وأن ” القانون ” نفسه لا يحمل في ذاته قيمة أخلاقية دافعة للعمل او الترك ، بل هو فقط للضبط وترتيب العلائق بين البشر ، فأرى أننا بحاجة إلى الآتي :

1- القناعة بأن الثقافة في مجتمع المملكة العربية السعودية هي ثقافة ” إسلامية ” قائمة على الاعتزاز به ، وأن أي محاولة لسلبه هذه القيمة هو فتح لباب النار، وأغراق للمجتمع بمشكلات قد تبدأ ولا تنتهي ، وأن أي مشروع في الإصلاح لا يراعي هذه الخصوصية سوف يجد نفسه خارج إطار الزمن والواقع ، وسوف ينزوي خارج إطار التأثير .

2- أن ” النص ” الشرعي بمنهجه الأصولي والعلمي يحمل في طياته مبدأ الموازنة بين ” الدافعية الأخلاقية وحفظ التوازن المجتمعي ” ، وبين ” الدافع النهضوي والتنموي ” ، وان أي تصرف فردي او مؤسسي يؤثر على هذه التوازنية لا يجوز تحميلها للنص ، فكون النص حمال للأوجه لا يعني هذا اننا لا نستطيع التمييز بين علي بن أبي طالب ، وعبدالرحمن بن ملجم .. ولا بين الصحابة والخوارج !

3- أن القطيعة المعرفية والدعوة إليها بين البلد وبين ماضيه ومكوناته الثقافية والدينية والحضارية يعني سلخه من واقعه وتشويش على مستقبله ، وهذا ممهد قوي لإحداث الفوضى السياسية التي أكتوى بنارها العراق كما نشاهده ونسمعه .

4- أن خرق المراحل في الإصلاح هي خطة أمريكية استعمارية تقوم على مركزية الفكرة الغربية ، وأنهم يدفعون العالم الإسلامي إليها دفعا حتى ينقلونه بالقوة والقسر من عصر ” الإقطاع والظلام ” إلى عصر ” الديمقراطية وثقافة الرجل الأبيض ” ، وهذا ما قررره برنارد لويس في كتابه ( الغرب الديمقراطي ، والقبول الشرق أوسطي ) ، والذي يرى أن العمل على نقل العالم الإسلامي من واقعه إلى واقع النهضة الأوروبية هي حتمية تاريخية ، وأن الارهاصات الثورية كامنة في العالم الإسلامي ، وهم فقط مهمتهم إن يمنعوا العالم الإسلامي من المرور بالمحارق الثورية الأوروبية التي دشنت عصر النهضة .. وهذا يجعلنا نبني استراتيجيتنا في الإصلاح بعيدا عن خطط هؤلاء وهؤلاء ، وسالمين من حرق هذه المراحل التي تعتبر مقامرة غير محسوبة العواقب .. وخاصة أن واقعنا مهما كان فيه من الملحوظات إلا أنه يعيش حالة تعاف ونهضة وتقدم ، وما من أمة من الأمم إلا وفيها مشكلات في كل جوانبها ، فالاصلاح الواعي والراشد هو الذي سوف يحقق لنا التقدم .. وليس الانقلاب على المجتمع ومفاهيمه وهيئاته ومؤسساته المدنية والدينية ، مع ضرورة عدم التقديس لأي كان ، وأن لا أحد فوق النقد والتقويم ، ولكن فرق بين النقد ، وبين الاحتثاث والدعوة إليه ..

5- أن قضايا الإصلاح لا تبني على ردود الأفعال ، أو النقمة الخاصة التي توقع الإنسان في الغي ، وتصرف نظره الفاحص عن كثير من القضايا ، فالهدوء في التعاطي مع المسائل الإصلاحية ، وترك السباحة في المخيلات والتوهمات و*****اويات هو الحل لكثير من المشكلات ، وأن الواقعية في تلمس الإصلاح وتصور الواقع كما هو لا كما نتوهمه هو المنهج في النجاح .

6- أن ” الدين ” وخاصة – الإسلامي – يشكل دافعا ذاتيا للضمير الفردي والجماعي في الانضباط القانوني والأخلاقي في الحراك الإجتماعي ، وإن تحييده أو نقضه من أصوله إضافة إلى ان هذا محادة لله ورسوله فهو قضاء على دافعية الضمير الإنساني إلى السمو ، إذ القانون لا يفرض على الإنسان إن يحب شخصا ، أو يبره ويقسط إليه أو يحسن إليه ، فهو ينظم العلاقة فقط بين الناس ، بينما الدين يجعل من الضمير الإنساني الحي قيمة إضافية تدفع الناس إلى التعاون والبذل والصفاء ، فحتى في عصر النازية كان الناس يدرسون الدين في مدارسهم لأنه هو الذي يجعلهم ينتظمون في القانون ويستجيبون لقواعده .. فكيف إذا كان الإسلام الدين المحفوظ ينطوي على دستور أخلاقي وقيمي عظيم لم تعرف البشرية مثله في حياتها، وأن فيه من الضوابط السياسية والاخلاقية والاقتصادية ما يعفي الناس عن كثير من كد الأذهان لتلمس السعادة في حياتهم الدنيا ، وما علينا سوى أن نقرأ سيرة محمد صلى الله عليه وسلم حتى نعرف الجوانب المشرقة من الحياة النبوية التي فيها السمو للإنسان المسلم ، من العدالة والرحمة والمساواة والخير والبر والإحسان والبذل والرأفة ، والتعاون على البر والتقوى ، وإنصاف المظلوم ، وحكم الناس بالقسطاس المستقيم ، كيف لا وهو الذي يقول : ( لاقدست أمة لا يأخذ فيها الضعيف من القوي حقه وهو غير متعتع ) ، وهو الذي كان يتلو على الصحابة أيات تقرعهم لأنهم اتهموا يهوديا بريئا وألبسوه مالم يفعل حين سرق بيت من الأنصار واتهم اليهودي فقال تعالى : ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبيا ) . وكيف كان ينتصر لحمرة حين رآها ترفرف فقال : ( من فجع هذه بصغارها ، ردوا عليها صغارها ) ، فإذا كان قلب هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد تحرك لطائر فجع في أفراخه ، فكيف إذن هو قلبه إذا رأى الناس في حاجة ومظلمة ، وهو الذي كان يتمثل بالاشعريين فيقول : ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الحرب ، أو قل قوت عيالهم ، او أجدبت أرضهم ، جمعوا ما عندهم في إناء واحد ثم اقتسموا بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم ) ، فهم منه لأنهم كانوا يتعاونون على لأواء الحياة ومشكلاتها ، فهل نرفض كل هذا او نسويه بغيره ؟ هب لنا مثل محمد خلقا وكرما وديانة ومعرفة بالله .. سوف نتبعه من الغد !

إننا لن نترك هذا كله ، لأجل نظرية أرضية ناقضة ومتناقضة وضبابية ، فقدرنا أننا في بلد مسلم ، والناس فيه معتزون بإسلامهم ، ومن يساومنا على هذا الدين فلن يجد منا آذانا صاغية ، حتى ولو اتهمنا بأننا إقصائيون أو حديون أو وثوقيون ، فثقتنا بالاسلام فوق كل ثقة .. وقناعتنا به فوق كل قناعة .. وأما الأخطاء والتجاوزات فلا ينكرها إلا مكابر .. وإنما المشكلة تكمن في ” أصل المرجعية ” ومحاولة خلخلتها .. وإحلال البديل لها .

شكرا لك … وفقك الله !

مهيار

الأخ الكريم
المشكلة يا أخي أننا لن نتمكن أن نكون بمعزل عن عالمنا اليوم، وإن تصور إمكانية الاستفادة من منتجات الحداثة دون أفكارها هو وهم لا يستقيم، ذلك أن كل منتج يحمل القيم التي أنتجته، وما نحياه من إشكاليات معاصرة لاشك أنه نتاج هذا الاحتكاك الذي لابد منه لأننا جزء من هذا العالم، نؤثر فيه ويتأثر بنا، هل نستطيع أن نتغافل عن أن منظمة القاعدة بمثالبها هي من نتاجنا، وهي أحد أشكال فهم الإسلام، وهل يفيدنا إنكار أن القاعدة ارتكزت إلى فهم سلفي بشكل رئيسي.
نعاني وتعاني بلاد إسلامية من جراء تلك النزعة العنفية التي تملكت شباباً ظنوا أنهم يحسنون وهم يقتلون ويدمرون، المجتمعات الحية تراجع أفكارها عند أول بوادر أزمة، مهما كانت محدودة، في سويسرا ارتفعت أسعار اللحوم فرجعوا إلى أفكارهم ليكتشفوا أن هناك خللاً في مستوى القراءة، وفي فرنسا ارتفعت معدلات تعاطي المخدرات والعنف بين الشباب وقاموا بمراجعة أسس الهوية الفرنسية لينزعوا منها التفاخر بأنهم سدنة الحرية، لأن هذه النزعة كانت تمدهم بنوع من الاستعلاء المؤدي إلى الكلالة والقسوة بآن واحد. نحن لم تحرك فينا كل الأحداث الجسام التي مررنا بها أي جهد حقيقي للمراجعة، فقط كل طرف يتبرأ من المشكلة، مع أن الجميع شركاء فيها بشكل أو بآخر…هل وجدنا تياراً يراجع نظريته، وهل وجدنا فرداً عمد إلى مراجعة ولم يلق كل أشكال التسفيه والحرب من تياره.
لسنا بخير يا سيدي، وإذا كنا نشعر بأننا بخير فتلك آفة فكرية أدهى وأمرّ.
هل بإمكاننا أن ندير ظهرنا لحضارة الميديا والانفوميديا التي غزت حتى فراش نومنا؟ لو أن لدينا بديلا كانت المهمة أسهل ولكن نعالج المشكلة بدفن الرأس في الرمل، والرمل لدينا كثير.
هل لديك تصوراً واضحاً عن مستوى أنواع الإدمان عند الشباب الخليجي، هل تجد حالهم مطمئناً، وهل نفعت التربية المتشددة في تربية جيل أقل اضطراباً، هناك استحالة أن نتمكن من التقوقع على أنفسنا. إن الاضطراب الذي يعم العالم لابد أن يشمل داخل المجتمعات.
وكل ثقافة هي رهن ظروفها، فإن تغيرت الظروف لابد من تغيير ثقافي يلحق بها. قرون وقرون تمضي والظروف تنقلب انقلاباً ونحن نصر على ثقافة جامدة لا تتزحزح، ولا نقر أنه قد ران علينا طول الأمد، بل جعلنا بأدواتنا المقدس درعاً لثقافة متوارثة، بليت وتعفنت وآذت هذا المقدس، ولازلنا نصر أنها لب هذا المقدس، ومع كل حيثيات التغيير ودواعيه ومع كل ما يحفل به هذا المقدس من دعوة للتغيير جمدنا أنفسنا من أجل لحظة تاريخية، استمسكنا بها، وجعلناها العروة الوثقى التي لا انفصام بها حتى لو أصبنا بالانفصام والجذام.
ولم لا تقدم نفسك مفكراً عالمياً، ولم لا تفكر بواقع الإنسان عامة، أليست الأنانية ممجوجة، وإذا كنت قد سقت لنا من الأمثلة التي تدل على عطف الرسول الكريم (ص)، وحدبه حتى على الحيوانات، لم لا ننظر في أنه دعا إلى رحمة تشمل العالمين، وهل أمرنا أن نعتزل البشر؟
ولم لا تقدم نفسك وأنت تملك أدوات الفكر، وقد حباك الله بملكات تعز على كثيرين، ولم تبقى أسير دائرة محدودة وأنت القمين بجهد نهضوي عظيم.
مشكلاتنا يا أخي شئنا أم أبينا هي جزء من مشكلات الحاضر، العالم بات قرية واحدة، وأزمان الحجر والضبط الصارم قد ولت، وإذا كان لها أن تدوم اليوم بعض الشيء فلابد أنها ستستمر مشقية ناصريها ومناهضيها، وخاصة المملكة..
لا أظن أن التفكير بشؤونها بمعزل عن الآخرين سيفيد، فهي مهوى أفئدة مليار ونصف المليار من المسلمين، وهي قيمة معنوية ومادية وحياتية شاملة لهم، وبعد أن امتزج هذا الواقع بالوفرة النفطية، أصبحت مهوى أفئدة العالمين، فبالله عليك كيف يمكنك أن تحيا بعيداً عن مؤثرات الحياة المعاصرة.
إن هذا الوضع الديني التاريخي، والوضع الاقتصادي الحديث، كان حرياً أن يقدم تمازجهما فرصة تاريخية للتجديد والمساهمة في خلق نواظم العالم المعاصر بما نقدمه من أفكار مفيدة للإنسان في كل مكان، انظر إلى المؤسسات الدولية التي تفرض علينا أن ننفذ إرادتها، كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية واليونسكو واليونيسيف والدول العشر والدول الثمان والدول الفرانكوفونية ودول الكومونولث والناتو وووو، هذه الهيئات تملك أن تسيرنا على هواها، مع أننا لم نساهم في فلسفتها، لأننا فعلاً نظن إلى اليوم أننا نستطيع أن نكون في معزل عنها.
المملكة اليوم والأمس كانت تملك الأسباب التي تجعلها في ريادة العالم الإسلامي، فالمسلمون يثقون ويأخذون منها أكثر مما يأخذون من دولة أخرى تنطق بغير العربية أو تخلو من الحرمين. المملكة معنية بثقافة تعددية لأنها يجب أن تستوعب على الأقل العالم الإسلامي، فحجاج بيت الله الحرام مللهم ونحلهم وتوجهاتهم بقدر عددهم، جميعاً يتجهون إلى البيت العتيق من نفس معين الشوق، أليس الحري بنا أن نتفهمهم ونحن نشترك معهم القبلة نفسها. خصوصية المملكة وهم كبير صنعناه وصدقناه، خصوصية المملكة تنطلق من إسلامها الشامل وليس إسلامها الفرقي. فكيف تأسر فكرك في إطار ضيق، وخاصة أن من هو مثلك يملك أكثر من غيره لغة يبدد بها ما ابتلينا به من تشدد وتزمت وتعصب وتأحيد.
بل حتى على الصعيد الإنساني، لم نصر على وضع الحجب والسواتر، ولم نعامل أقوام العالمين وفق رؤية عالم عامل نجله جميعاً ولكنه كان معتزلاً في بقعة محدودة جغرافياً وثقافياً، هل برأيك لو أن احمد بن حنبل كان يحيا ظروفنا اليوم كان سيكون حنبلياً…أو إن الشافعي إذا أقبل على معارف اليوم، هل كان سينجو من مقصلة الشوافعة؟ إن أول ملاحظة يجب أن نلاحظها عند كل إمام مجدد أو إمام شكل مذهباً في الإسلام أنه جدد أدواته، واستقرئ الواقع الجديد بمعارفه وظروفه وتغيراته… وبدلاً من أن يغلق الباب دونه ودون هذه التغييرات، فتح الباب ناقداً ومراجعاً ومجتهداً دون خوف من جرأة على ماض، ودون حذر من خطأ قد ينتاب.
نحن أبناء اليوم، والعالم بات متزاحماً، اخرج من بيتك ساعة وارجع، على الرغم مما نظنه من طيف موحد، ستلتقي العشرات من الأجناس المختلفة. أغلق كل منافذ بيتك، لن يفيدك ذلك، فالعالم المعاصر ينفذ إليك ولو من خرم إبرة. فأي مشكلة تلك تود تعالجها داخل حدودنا الجغرافية رضي الله عنك.
الليبرالية السعودية حقيقة مؤهلة أكثر من غيرها من نشر الفكر التعددي في ثقافتنا الإسلامية، فهؤلاء الليبراليون ينطلقون من هوية إسلامية واضحة لا لبس فيها، وغيرتهم على الإسلام لم تخمد، قد يعلو الصوت في وجه تزمت ما أو مصادرة حرية الناس في التفكر والتدبر والاقتناع، لكنه جهد موجه نحو الإكراه الذي يتلبس الفكرة، وليس الفكرة بحد ذاتها، وقد يطال الفكرة إذا كانت تدعو للتعسف والإكراه. المهم ألا نعتبر رفضهم لتفسير أو اجتهاد أو مدرسة فقهية، رفضاً للإسلام كله، فهذا مما لا يقول به عاقل غير مغرض.
الأمم المتحدة اليوم أشبه بمجلس القبيلة، خمسة من الأعيان الكبار لهم الكلمة الفصل، يصرفون أمور الكون على هواهم، كيف لنا أن ننتقد هذه البنية، إذ لم نتخل عن هذه البنية في تفكيرنا. تفكيرنا الاجتماعي وتفكيرنا الديني، بل حتى الثقافي.
بدلاً من مجابهة التمسك الليبرالي بحقوق الإنسان وقضايا المجتمع المدني، لم لا نتعاون من أجل نظرة أكثر تأصيلاً ودقة لهذه الحقوق، وللمجتمع المدني الذي يشكل ممراً باتجاه المِكْنة الحضارية.
ولماذا على السفينة أن تنجو دوماً بنفس الإشكاليات، لم لا يجب أن تنفذ وهي أكثر حصانة، أليس تحييد الصراع أفضل لهذه السفينة، وكيف لسفينة أن تنجو باستمرار، إذا قامت على تقديس رأي وجعله مقدماً أهم من سلامة السفينة.
نعم نحن بحاجة إلى خيارات إستراتيجية، والخيارات الإستراتيجية للسفينة تتطلب دراسة المحيط الهائل الذي يطبق على آفاقها. تتطلب تغيير استراتيجياتنا في النظر إلى الشعوب الأخرى والملل الأخرى، تتطلب استنهاض الهمم والسعي لبناء أرضية التعايش، أم أنه قدرنا إما أن نكون غازين أو مغزوين، وإذا كانت رؤى التعايش لا تلبي حاجاتنا، فما أحرانا اليوم أن نسعى مع من يسعون ليلبي هذا التعايش الحاجات الإنسانية اللازمة لعالم أفضل. أما إذا كنا سنتمترس وراء قناعاتنا وقطعياتنا المتوهمة فإننا لن نتمكن فعلاً من بناء أي شيء يذكر.
أنا معك في أن الليبراليين في السعودية يعانون من مشكلة حضارية ، وصدمة معرفية، ولم يتلمسوا الخلاص في فكرة غربية خالصة، لأنهم يدركون أن هذا التلمس سيكون مسخاً، ولكنهم يطبقون مضمون الحديث الذي يحض على تلمس الحكمة على اختلاف مظانها، ويطلبون العلم ولو في الصين، واستغرب اليوم ممن لا ( يعانون من مشكلة حضارية ، وصدمة معرفية)، ولست أدري أخي استفهام لم تريد من الليبرالية أن ترث أسلوب القطعيات والجزميات، حتى تكون واضحة لك، إلى درجة أنك تعتبر أن قابلية التغير والتبدل معادلة للسراب. مع أن هذه السمة هي سمة كل فكر حيوي ويتمتع بآليات التكيف الحضاري.
لقد ناقشنا مسألة ” الضبط الاجتماعي ” وبينت لك بشكل مفصل أن توهم أن الليبرالية ضد مسائل الضبط الاجتماعي إنما هو خلط بينها وبين مذاهب عبثية سادت ثقافياً في أوربا منتصف القرن العشرين. ولم تتجاوز الإطار الثقافي، لأنها فشلت اجتماعياً. وفشلت بمبادرة جادة من الليبرالية الغربية التي ردت بالمزيد من القوانين والدساتير التي تكفل الحفاظ على حقوق الإنسان.
أنا فعلاً مع الفكر الإصلاحي على مستوى العالم الإسلامي، ولابد لنا من استنهاض الهمم التنويرية لتدخل بهذا العالم إلى المستقبل، بثقافة إنسانية تنموية، ولتؤسس فقهياً وثقافياً لواقع قادر على المواكبة الحضارية، بل المنافسة الحضارية، إذا لم نقل الريادة الحضارية.
أما أن نجلس هنا رافعين عقيرتنا بالدعاء، فلن يستجيب لنا رب العالمين لأنه ليس رب المسلمين وحدهم أو رب الخليجيين أو رب السعوديين فحسب. إني أربأ بك وأنت الذي ترفع لواء الإسلام أن تقصر اهتمامك على دائرة مختزلة، فأنت معني بالمسلمين، بل معني بالعالمين إذا كنت فعلاً مسلماً يعتز بدينه، وأنا أحتسبك عند الله كذلك.
إن قولي ان علي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن ملجم كلاهما ينطلق من تفسير ديني أعطاه صفة القطعيات، لا يعني بحال المساواة بينهما، ولكن كل منهما اعتمد هذا النص مرجعية له، فأحدهم قَتلَ، والثاني قُتل، فما الذي أدين، المرجعية التي تعددت أوجهها، أم التفسير المنغلق الذي فرض نفسه كجازم لا يقبل المراوحة، إن مشكلة الخوارج مع كل الآراء المعاصرة لهم، أنهم ظنوا أن قطعياتهم وجزمياتهم، هي من صلب النص ولا تقبل الاختلاف، فكانوا صارمين متعسفين وقتلة. ولو أنهم أدركوا أن اجتهادهم هو جهدهم هم، وحاوروا غيرهم وتعايشوا في ظل المكون الأكبر الذي هو الأمة، ما صرنا إلى ما نحن إليه. نعم المثال الذي ذكرته مثال غني بالعبر التي يجب أن ننتبه لها ونحن نصر أننا فقط ونحن فقط الأوصياء على شريعة الله في خلقه.
القطيعة المعرفية مع الماضي، لن تنتج غدا أفضل، ولست مع القطيعة المعرفية بحال من الأحوال، وأرجو ألا أكون قد أوحيت لك بهذا، ولكن هل نفي القداسة عن التراث، والنقد بمعناه الإيجابي، والمراجعة الذاتية، وإعادة إنتاج القيم الموازية بالاستناد إلى رؤية أكثر تبصراً ، هل هذه الأمور تمثل قطيعة معرفية؟.. لا أظنك ترد بـ ( نعم)!.
يا سيدي لا شأن بالاستعمار الأميركي بهشاشتنا، فهشاشتنا سابقة عليه، والمسلمون تضعضعوا قبل ميلاد أميركا بخمسة قرون وأكثر، والمصيبة ليست في الاستعمار بحد ذاته بقدر ما هي في قابليتنا للاستعمار، ثمة أمم استفادت من الاستعمار ونهضت، وثمة أمم خضعت للاستعمار دون أن تستعمر فعلياً. برنارد لويس نحن نمده بشواهد على أكاذيبه وأحقاده، نحن نجعله رائداً في قومه إذ نحقق له الصدق فيما يفتري به علينا، فهذا الغرب ليس بالغبي كما نتصور، ولو أن هذا الغرب لم يلمس منا ما يؤيد أضاليل لويس ومن لف لفه، لأقصى لويس عن مكانته واعتباره الثقافي. أما مسألة حرق المراحل فهي ليست مطلباً أميركياً ولكنه مطلب عصري، ذلك أن الاستفادة من تجارب الآخرين تتيح حرق المراحل بما يؤدي إلى المواكبة والمنافسة الواثقة، هل علي أن أعيد اختراع العجلات، أو أنتظر ألفيات عديدة إلى أن يتم اختراع الحواسيب، أم علي أن أكتشف عبر مسيرة مضنية الفتوح العلمية الجديدة في إطار التربية وعلم الاجتماع حتى أستخدمها، لا أظن هذا صواباً، تماماً مثلما لا أظن صواب الفكرة القائلة أننا يجب أن نمر في جميع الأنفاق لنكون أحسن حالاً، بالتأكيد نحتاج إلى إجراءات متنامية من أجل غد أفضل، إلا أن التعلل بالاستعمار والخوف على الهوية وانتظار الغد الذي لا يأتي من أجل تشغيل قاطرة الإصلاح… سيجعلنا مسمرين في عقمنا مستمرين عليه. لم ولن أدعو لحالات انقلابية، ولكن أدعو لفضاء تعايشي يساهم فيه الجميع بصناعة الغد الأفضل، أدعو أن نكون جميعا في سبيل ما يهم إنساننا، بدلاً من الاصطراع على الشكيمة.
قضايا الإصلاح لا تبني على ردود الأفعال ، وأن الواقعية في تلمس الإصلاح وتصور الواقع كما هو لا كما نتوهمه هو المنهج في النجاح بدون أدنى شك.
أخي الفاضل لم نقل أننا سنحيد الدين الإسلامي في المجتمع المسلم، ولكن في عالم متعدد علينا أن نكيف أنفسنا من أجل التعايش المديد وليس المرحلي، والقانون لا يفتقد الجوانب الأخلاقية كما نتوهم، فهاهو واقع الغرب محمي بالقوانين من الظلم والتعسف، أكثر من المجتمعات التي رفعت لواء الشريعة، وفي فهمي ومعرفتي وتحليلي، إن المشكلة كانت تكمن في جانبين:
تقديس الشريعة واعتبار اجتهادات الفقهاء ملزمة لكل زمان ومكان، والإصرار على تنفيذ فهم مرحلي على مر الدهور.
ترك هذه الشريعة في أيدي الاجتهادات الشخصية دون مدها بروح دستورية، مما جعل القاضي يفسر الأمور على هواه، ويقضي بما فهمه، إن رهن العدالة والشريعة لفهم تاريخاني، وتركها لعبة بين يدي فقيه قاض، سيجعل من الشريعة عبئاً على المجتمع ونهوضه بدلاً من أن تكون عوناً له على التنظيم والنهوض. لذلك لابد دسترة الشريعة حتى تكون الحقوق واضحة. وعندما تكون الشريعة المصدر الرئيس للدستور، هذا يعني فتح المجال للاستفادة من تجارب الآخرين.
أخي الكريم إن ما يعزز قناعتي بأنك تبني آراءك على مواقف مسبقة غير متحرية، دفاعك عن الدين…فهل هذا هو محور نقاشنا، لا أحد يقصي الدين يا سيدي، ولكن فعلاً يجب أن نقرأ هذا الكلام بدقة عالية، رفض الجزميات والقطعيات لا يعني البتة رفض الدين، ولكنه رفض للحروب الصليبية وما يماثلها اليوم من حروب الإرهابيين من تورا بورا إلى تل أبيب. فملة الإرهاب واحدة، ولن أناصر مسلمها أو يهوديها أو مسيحيها … وكلهم يجب علينا أن ننبذهم.
( لا قدست أمة لا يأخذ فيها الضعيف من القوي حقه وهو غير متعتع ) نعم هذا ما نجد في طلبه وأملنا أن يتحقق عبر تعاون وثيق بيننا، لا عبر صراع وقتال وتسفيه واستهزاء ومصادرة.
أحيي لغتك الراقية في ردك الأخير، وتقبل من أخيك كل الأمنيات الحسان.

د.استفهام

أشعر أخي الكريم مهيار بأن المسافات بيننا بدأت تقترب أكثر من خلال ردك الأخير الذي أحييك عليه .. مع تسجيل إعجابي بتدفق قلمك وسيلانه الذي لا يؤثر على محتواه ومضمونه ..
لا يخالفك أحد أخي الكريم بالاستفادة من ” منتجات الحداثة ” ، وهي واقع شئنا ام أبينا ، وما حديثي معك هذا اليوم وأنا احتسي كأسا من الشاي في بيتي عبر جهاز صغير إلاتفاعلا مع منتجات الحداثة وولوجا في عالمها ، ولكن الإشكالية هي حالة الإنقلاب المفاهيمي على الذات حين ننبهر بالحداثة ، وهذه هي المشكلة الكبرى التي منيت فيها الأمة في عصرها الأخير ، فهناك من تلمس النهضة من أعماق الماضي ، ثم أصبح أسيرا له لا يتحرك عنه قيد أنمله ، وهناك من قدّس الحداثة وقطع مع التراث واستخف به ، وهنا فإني أدعو إلى الرؤية الوسطية التي تستلهم من الماضي عبق المستقبل ونهضته ، والدعوة إلى أن لا نستسلم للحداثة على انها هي القائدة التي ترشدنا إلى تفاصيل الطريق ، فنكون أمام منتجاتها كالميت أمام مغسله ، إننا اليوم نعاني من تأثير الحداثة على الهوية ، وما هذه التشوهات الكبرى في الفكر ، وموجة الإلحاد والاستخفاف بالذات الإلهية والنيل من مقدسات المسلمين إلا من انتاج الحداثة التي ضربت في عمق أفئدتنا فقبلناها بعجرها وبجرها ..

إن التفاعل الواعي مع المنتج الحداثي هو الذي سوف يحقق لنا هذه الوسطية المنشودة ، فحتى من الجانب التربوي فرق أن نربي الجيل على الاندماج التام بالمنتج الحداثي باعتباره وافدا لا راد له ، وبين أن نبني له من القيم الذاتيه من يجعله يتفاعل مع هذه المنتجات التفاعل الواعي الراشد الذي تخرج لنا جيلا واعيا ومتفاعلا ومنتجا مع حفاظه على قيمه واخلاقه ، لا أن تكون الحداثة عند شبابنا تعاطيا للمخدرات او مظاهر مثل المثلية والكدش والجنس الثالث ، فهؤلاء غير صالحون للحياة ، وهي من إفرازات التقنية التي أسهمت في تطوير وتنظيم العلاقات بين المظاهر الشاذة التي كانت ساذجة وبسيطة .

إن الإشكالية في المنتج الحداثي أنه سلاح ذو حدين ، فقد يكون عاملا للارتداد عن الحداثة للرجوع إلى التخلف ، وهاهي القبلية الآن تستخدم المنتج الحداثي في ترويج مزاين الإبل وشعر المحاورة والرديات التي تدعو إلى التعصب القبلي وإثارة النعرات ، وهي تشكل نكسة للحداثة وأهلها ، حين تستخدم الحداثة في الرجوع إلى التخلف ، وهذا يعني أن الاستفادة من منتجات الحداثة لا تعني التماهي فيها ، بل تعني الاستفادة منها كوسائل محايدة يحكمها مضمونها ، ففرق بين أن استغل قناة فضائية في بث الوعي والرشد للناس ، وبين ان استغلها في ترويج الفيديو كليب والتعري والرقص الرخيص وإثارة الغرائز ، وهي في الحالين منتج حداثي ..

إن الربط بين المنتج الحداثي ومضمونه ربط غير عقلاني ، فالآلة ( التقنية التكنلوجية وثورة الاتصال اوالمعلوماتية ) لها شق إجرائي عملي ، ولها شق يعبر عن محتوى أخلاقي / فكري / سلوكي ، وفك الارتباط بين هذين الأمرين ضروري حتى تتم الاستفادة من الحداثة بالشكل الذي يحقق لنا النهضة ، وهذا لا يعني الإحجام عن التفاعل الحضاري ، فهو بلا شك مطلب ، ولكن التفاعل والتعايش الذي يجعل الإنسان واثقا بأن عنده شي يقدمه للناس ، فبدلا من أن يصبح مستهلكا لمنتجات غيره فهو يعرض نفسه على ان عنده ماليس عندهم ، فإن كانوا أبدعوا في الترقي التكنلوجي ، فعندنا من القيم ما تعبي هذه التقنيات ، وهذا مسلك ليس فقط مقصور على المسلمين ، فحتى الثقافة الكنفوشوسية تقدما نفسها الآن بديلا لليبرالية التي تعتبرها فاسدة في منهجها وفكرتها ، وهنا يتترس الإنسان بخلفياته الثقافية في تفاعله ، وحتى أثبت لك هذا فأنا قد وقعت على ” بيان التعايش ” الذي أصدره بعض المثقفين بعد الحادي عشر من سبتمبر ، مما يدل على أنني لا أرفض هذا التعايش والتفاعل الحضاري ، ولكني أدعو إلى فلترة هذا التعايش والتفاعل بما قد يؤثر على هويتي ، لأن خلفيتي الدينية والتاريخية لا تسمح لي أبدا أن اتماهى في هذا التفاعل حتى لا استطيع أن أميز بين نفسي وبين الآخرين ..

وأنا أؤيدك كذلك في ضرورة ” المراجعة ” ونقد الذات ( وليس جلدها ) ، وما يمارسه كثير من مثقفينا في هذا الوقت هو جلد للذات الذي يؤلم ولا يفيد ، بل يرتد عليهم بعاهات نفسية خطيرة ، حين لا يرون أثرا لهذا الجلد على الواقع ، فالخطاب الدعوي والإسلامي ، والخطاب السياسي ، والمناهج التعليمية ، والحياة الإجتماعية كلها بحاجة إلى تسليط الضوء الكاشف لعاهاتها الخطيرة ، ولكن هذا كله لا يتأتى إلا من خلال ” مرتكز مرجعي ” يربط بين لحظة الحاضر ولحظة الماضي ، وهذا لا أختلف معك فيه البتة ، وقد فقدت في سبيل هذا كثيرا من خلصائي وأحبابي حين وجهت أصابع النقد إلى الخطاب الدعوي ، فأصبح التيار يقرأ لي على حذر شديد ، وهو أمر جهادي كبير ، وملتبس وخطير ، ومع ذلك فأنا إلى هذه اللحظة أرى ضرورة المراجعة والتصحيح ، وفك الارتباط بين وثوقيات الخطاب والوثوقيات بذاتها ، ولكن اللطف في هذا الأمر ضروري حتى يؤتي الخطاب ثمرته المرجوة ..

إن الإشكالية الكبيرة التي يواجهها التيار الليبرالي وغيره من التيارات التي تقف في مقابل التيار الإسلامي هو أنها وفي سبيل تصحيح الرؤية إلى الأفكار ولجت في حمى ” المقدس ” بحجة أن الفقه غير مقدس ، وهي في سبيلها إلى تصحيح الخطاب اقتحمت النص ووقفت موقفا قاطعا منه ، وليت هؤلاء على الأقل سلكوا مسلك ” المستشرقين ” حين نقدوا مثلا ” مدرسة أهل الحديث ” ، فحاولوا نقدها علميا ومعرفيا ، بل هؤلاء ينطلقون من رؤية ” استخفافية ” بالتراث ، من خلال نزع القداسة عنه تارة ، أو دغمائيته تارة أخرى ، أو عدم صلاحيته تارات ، وهذه طريقة أفسدت سبل التواصل بين التيارين ، وأحدثت نوعا من الريبة والشك في مقاصد الآخرين ، وأن القضية ليست قضية ” إصلاح “، بل هي حرب معلنة على الإسلام الذي يشكل النص من الكتاب والسنة مادته وماهيته ، وهذا التوجس ليس وليد اليوم والليلة ، بل هو حاضر منذ اللحظة الأولى التي نشأ فيها التيار التنويري في العالم الإسلامي ، والذي كان جهده منصبا بدلا من الدعوة إلى النهضة المدنية والحضارية ، إلى دكدكة حصون الشريعة من خلال النكاية بمقدساتها ، والولوج في حمى المحرم المعرفي .. واليوم تعاد نفس الفكرة ، ونفس الطريقة والطرح ، ولا ينفع في هذا تليين العبارة ، او التطمينات التي تنقض في كلمة صارخة بالرفض او النقد اللاذع .

أما بالنسبة لقضية ” الخطاب العولمي ” و ” الخطاب الأقليمي ” ، فأذكر مرة أنني زرت احد كبار منظري الصحوة ، وهو رجل تاريخي فيها ، وقد أهداني كتيبا صغيرا وانا خارج من بيته عن ” تكريم المرأة في الإسلام ” ، يتحدث فيه عن المرأة وقيمتها التي منحتها لها الشريعة ، فقلت له يا شيخ ، والله إني أرى ان النصوص التي جاءت في الشريعة تتحدث عن كرامة المرأة لهي صالحة لأن تكون ميثاقا أمميا ، ولكن الإشكال ليس في هذا ، الإشكال أخي الكريم هو في أن ظروف المرأة السعودية وأولوياتها ومشكلاتها تختلف جذريا عن ظروف المرأة الجزائرية ، وما يصلح للمرأة في السعودية لا يصلح للمرأة في ماليزيا ، ولن يكون الخطاب مؤثرا إلا إذا نزلنا من مثلنا إلى تلمس مشكلاتنا الواقعية وإيجاد الحلول من خلال تلمس المشكلات الذاتية ، ودع أهل الجزائر يحلون مشكلاتهم بمعرفتهم ..

الخطاب العولمي يا استاذي العزيز هو الذي جعل الشاب عندنا لا يستطيع ان يصلح بيته أو يعزز من قدراته على التفاعل مجتمعه ، وهو في نفس الوقت يؤرقه وضع الشيشان ويفكر فيه في الصباح والمساء ، فلا هو أصلح وضعه ، ولا هو حل مشكلة غيره ، وعندي أن الإنكفاء على الذات ، وانجاح المشروع الخاص ، واعتبار الدولة مؤسسة كبرى كلنا ينتمي لها ، فكل مشكلة فيها هي مشكلتنا جميعا ، وكل تقدم فيها هو تقدم لنا جميعا سوف يجعلنا ننجح في التقدم خطوة ، ولا يليق برجل يعمل في مؤسسة أن يقتحم مؤسسة أخرى لينصح لهم بأن يصلحوا أخطاءهم ، وهذا لا يعني الانقطاع عن الخارج ، ولكنه التفاعل الذي ينعكس على المؤسسة ، والاستفادة من خبرات الكون بما يحقق الرقي الخاص ، ولو كل إنسان في العالم العربي عمل على إنجاح مشروعه الخاص ، لاكتمل لنا عقد النهضة ، ولكن الترحلات والتداخلات الكبرى في السياسة والاجتماع ، والتصارع على امور تافهة في العالم العربي والإسلامي أسهمت في حالة الركود الحضاري الذي نعانيه .

إنني أتفق معك أخي الكريم أن الرجل والعالم والمثقف هو ابن بيئتة ، وأن أولويات الإصلاح هي التي تحدد منهجه وطريقته ، وكل مصلح في التاريخ ابتداء بالأنبياء كانوا ينطلقون من إشكاليات واقعهم ، فلوط عليه السلام مع دعوته للتوحيد أخذت الفاحشة جزءا كبيرا من جهده ، لأنها هي المشكلة الأخلاقية والإجتماعية التي يعانيها قومه ، وشعيب يقول : ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ) ، فهو مع التوحيد يؤكد على بعد اقتصادي خطير ، وهي قضية الغش التجاري ، والنبي صلى الله عليه وسلم يتنزل عليه في العهد المكي ( ويل للمطففين .. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون .. ) ، فأولويات الخطاب والإصلاح هي التي تصنع المصلح والداعية والعالم والمثقف ، وتحمله تبعة أن يقدم من نفسه مثقفا او عالما ، فتنقلب الثقافة لتكون ” هما ” يحمل ، وليست ترفا واستعراضا لمعلومات يأخذها من هنا وهناك ..

الجميع يا أخي الكريم يعاني من صدمة حضارية ، ولكن القضية ليست في مجرد الصدمة ، بل القضية كماذكرت سابقا هي في الإنقلاب على الذات ، وتعميق الهوة بين الإنسان وواقعة فيشعر بالغربة الثقافية ، فيصبح الإنسان في هذا الطغيان الحضاري كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ، ولذلك دعوت إلى التترس خلف الثقافة أيا كان نقصها وعجزها عن مجابهة الواقع تلافيا لهذه الصدمة الحضارية ، وتلافيا للتيه المعرفي ، فالإنسان الذي عنده بينت متواضع ، أو فقير معدم في بيت فقر ، لا يجوز له أن يهجر بيته وأبناءه بحجة أن جاره ثري ويعيش رفاهية ، ولكن عليه أن ينطلق من بيته إلى تحقيق رفاهية تشبه رفاهيه جاره ، وإلا سوف يجد نفسه يعيش في الشارع ، فلا البيت المتواضع أبقى ، ولا القصر الفاره سكن ..

أما فيما يتعلق أخي الكريم بالنص وقراءاته المتنوعة التي جعلت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعبدالرحمن بن ملجم يتكئون عليه فعندي أن هذه مشكلة مفصلية في الصراع حول النص، فكون النص يتيح للآخرين قراءته بطرق مختلفة لا يعني إقصاء النص وعدم فاعليته ، ولا يعني ان النص غير منضبط في ذاته ، فالخوارج الأوائل اخذوا من ” القرآن ” ذاته تكفير الناس ، فهل المشكلة في النص أم في قارئه ؟ ولو طبقنا هذا على كل نص في العالم لرفضنا كل ثقافة بحجة ان النص مفتوح ومحتمل الأوجه كلها ، فحتى الليبرالية تتيح للناس قراءتها قراءة غالية ومعتدلة ، وهنا أرجع بك إلى بداية الحوار حين أكدت على أهمية الضبط المنهجي في قراءة النص ، فحتى النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر عن الخوارج قال : ( يأتون لآيات نزلت في الكفار فيجعلونها في المسلمين ) ، ومع ذلك أخبر بأنهم ( يقولون بقول خير البرية ) ، وعلي حين رآهم يستدلون بالقرآن قال : ( كلمة حق أريد بها باطل ) ، ولذلك فأي شاب الآن يستطيع ان يأتي إلى أي نص حتى لو كان من نصوص الساسة ليجيره لفكرته التي يريدها ، وهذا هو الذي دفع علماء المسلمين من وقت مبكر إلى الاعتناء بالضبط المنهجي للفهم ، ولو استقام هذا لما رأيت غلوا في فهم أي نص ، فعلي رضي الله عنه حين مر على قاص يقص على الناس فقال له : ( هل تعرف الناسخ والمنسوخ ؟ والعام من الخاص ، والمطلق من المقيد ) فقال له ، فقال إذن كف عن تحديث الناس ، لان هذا عبث حتى لو كان يلقي على الناس نصوصا ..

وأنا معك في أن تغيرات الزمان يستوجي نظرا في قضية الفتوى والرأي الشرعي ، وأن خروجه من خلال مؤسسات ضرورة ، وان تقنين الأحكام مهم ، وقد كتبت مقالا طويلا في جريدة عكاظ عن أهمية تقنين الأحكام القضائية ونقاشت حجج المانعين ، وهذا هو المطلوب ، تجديد الخطاب بما يتوافق مع العصر وليس النكوص عنه ورفضه ، لانه مكون أساسي للمجتمع لا يمكن تجاوزه أبدا ..

أما مسألة دفاعي عن الدين ، فهي مسالة مفصلة في صراع الفكرة الليبرالية مع غيرها ، ولو استطاع الليبراليون ان يجيبوا على الاسئلة التفصيلية في التعارض بين فكرتهم والحكم الشرعي الخاص ، لزال الإشكال .. وخاصة أني لا افرق بين رفض النص وبين تحييده عن الحياة او قراءته بآلية أجنبية عنه .. فكلها مشكلات تؤدي إلى النكاية بالشرع …

تحياتي لك .. مع تمنياتي لك بالتوفيق .

مهيار

أخي الكريم
لا يمكن للهوية أن تبقى ثابتة، فعناصرها تتبدل بتبدل الأحوال، ولاشك أن الحداثة تسهم في تغيرها، ولكن تغير الهوية يجب ألا يكون حاجزاً بيننا وبين الحداثة، فالهويات الجامدة هويات قاتلة لأنها لا تصمد إلا بالحجر والانغلاق، أما موجات الإلحاد فهي قديمة قدم هيرقليطس، وكانت مجالس الخلفاء الأمويين تعج بحوارات حادة بين ملحدين ومتدينين دون أن يخشى أحد منهم على رقبته، بل هناك حوارية تمت في حضور عمر بن عبدالعزيز وكانت تتناول وجود الله، ومع ذلك لم تحمر العيون ولم تسل السيوف، كانت ثقة المسلمين بيقينهم تدفعهم إلى الإيمان أن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض، وأن الزبد يذهب جفاء، بل كانوا أكثر ايماناً منا بأن الباطل ليس له أن يزاحم الحق، وإن زاحمه فإنه سيزهق، وإلا فإن هذا الحق غير جدير بالاتباع.
وثق يا أخي بأن السيف لم يرفع في وجه الملحد في ثقافتنا الإسلامية إلا عندما فقد المسلمون ثقتهم في دينهم فحملوا سيوف التكفير، ورموا كل عقل بالزندقة والهرطقة والشذوذ. فأهرقوا دم الإنسان من أجل فكره، وما كان دم الإنسان ليهرق إلا بدم. لم يظهر الحجر الفكري إلا عندما ضعف منطق الإيمان، وهل أبلغ من محنة ابن حنبل في ظل الاعتزال.
ليست المسألة انبهار بالحداثة بقدر ما هي تقدير لمنجزاتها، وأدرك أننا نتفاعل مع منتجاتها، ولكننا للأسف شعوب مستهلكة تكدس منتجات الحضارة، وللأسف بعضنا يسوغ الأمر بأننا الخزان الأخلاقي والروحي للبشرية، وليس من الضروري أن نتنطع لأنماط الإنتاج في المجتمعات المنتجة، بل إن بعضنا يذهب مذهباً آخر بأن الآخرين يشقون ويتعبون،بينما يكرمنا الله بالأموال تنبع من تحت الأرض لنتمتع بثمرة تعبهم دون تعب، إنها روح كليلة واستهلاكية، لا ترى أبعد من أنفها، هذه الروح التي يجب أن نواجهها سوية، وليس الحداثة بعجرها وبجرها، جلوسنا اليوم حول هذه الوسيلة الرائعة للاتصال والتي أزكت الفرصة لحوارنا، لا يمثل تفاعلاً مع الحداثة، فالحداثة ليست منتجات وتقنيات، إنما هي أنماط أنتاج تتسابق من أجل إنجاز الجديد، ولا وقت لديها للتفاخر بإسطرلاب ولا ساعة دقاقة، ولا مزول…هي أنماط إنتاج تتحرك في كل اتجاه، في البيولوجيا والطب والهندسة والاتصال والمواصلات والفضاء والجيولوجيا والاجتماع والفلسفة وووو.
نعم، على خطأ من أصبح أسيراً لماضيه، وعلى خطأ من تنكر لهذا الماضي وخرج منبتاً، وأنا مع الوسطية التي هي مطلب كل عاقل، ولكن التشوهات التي تحدث في هويتنا ليست نتاج حداثة بقدر ما هي نتاج عهود الظلام في ثقافتنا، منذ الانحطاط العباسي ومروراً بأزمان المغول والصليبين والسلاجقة والعثمانيين، وحتى هذا الحاضر البائس على صعيد الهوية أشد البؤس، فلا ندري هل هويتنا إسلامية حقاً أم ماذا، وهل الهوية الإسلامية تعني أن نعيش سيرة القرون الأولى بظاهرها ونمطيتها، أم هل تعني أن ننغلق على مدرسة معينة تقصر الإسلام على عبادات وأذكار رافضة كل ما لحق به من فكر بهي وفلكلور غني، ونرى أنها تحمي الإسلام دون غيرها، أم إنها ذلك الإسلام الحضاري بفنونه وعلومه وفلسفاته وحركيته. هل الإسلام الذي نتوهمه هوية ثابتة، يعترف بابن رشد، ويحتفي بزرياب ولا يجد حرجاً في حوارات بختيشوع في مجلس الخليفة .. هل يتقبل ابن عربي وجلال الدين الرومي والسهروردي وأبا يزيد البسطامي، هل ينسجم مع مؤانسات التوحيدي وتباريح مسكويه وألفة ابن حزم، هل يتقبل المتنبي وأبي العتاهية وابن الفارض وأبا تمام وعمرو بن أبي ربيعة والفرزدق، هل ينظر بنفس الثقة إلى ابن حنبل والشافعي والغزالي وابن أبي الربيع والأوزاعي وأبي حنيفة، هل يحاسب دون وجل قتيبة بن مسلم الباهلي وعبدالرحمن الداخل وقطز ومحمد الفاتح سواء بسواء، لينظر في ثمارهم. أي إسلام نبتغيه هوية، هل هو إسلام مختزل على نحو ما أسمعه من إمام الجامع كل يوم جمعة إذ يدعو ونحن نرفع أكفنا مؤمنين على دعائه، يدعو بالويل والثبور على كل الكفار والمسلمين يعدهم ملة ملة ونحلة نحلة، طالبا من الله أن ينصر أمة التوحيد وحسب، فهل كل ملل الأرض بأديانهم حتى المسلمين منهم، قد تنكروا للتوحيد؟
أنا معك تماماً في الحفاظ على هوية إسلامية، بل إني أستغرب ممن لا يجد حرجاً في قبول الصليب مرسوما على كل أعلام دول الكومونولث وأكثر وعددها أكثر من خمس وثلاثين دولة، ويتحرج من الشهادتين على علم المملكة حيث أقدس مقدسات المسلمين، ولكن هذه الهوية ينبغي أن تكون قادرة على استيعاب الإسلام بفرقه ومذاهبه واجتهاداته ومظاهره وفلكلورياته، حينها تكون الهوية فضاء، وليست سجناً، حينها تكون الهوية حضوراً في الحضارة، وليست خروجاً من التاريخ.
إن الدعوة إلى التفاعل مع الحداثة ليست استسلاماً، وأرجو ألا نتعامل مع المنتج الحداثي على أنه وافد لا راد له، وكأنما هو بلاء وشر مستطير، بل علينا أن نتعامل معه بإيجابية وتقدير، ووعي كما تقول، ودون حساسيات مسبقة، لنأخذ منه ما ينفعنا ويدفعنا في معارج الحضارة، فنستلهم من تجربة الحداثة العبر والدروس ونستعين بمنجزها الفكري والعلمي لدعم هويتنا بالبعد الإبداعي المنتج.
لا شك أن الأستار انكشفت بغتة، وأربكتنا في تربيتنا وأخلاقياتنا التي تعتمد الستر والاستئذان، ولكن لكل شيء ضريبة، وكل خطوة من خطوات الحضارة لها جوانبها التي تحتاج إلى حكمة في التصرف، فعهود الفتوحات الإسلامية بما أغدقت به من الأموال والجواري على مدائن المسلمين، أقلقت الفقهاء وأصحاب الفكر، وباتوا يشتغلون على استيعاب اللحظة بوعي وإدراك، دونما تشنج ورفض. ليس كل وافد إلينا قبيح، ولا كل ما هو متوفر لدينا مليح، فما أحرانا أن نلجأ إلى مليح الاثنين بدلاً من مراكمة قبيحهما.
نعم المنتج الحداثي قد يدعم تخلفنا، وقد يغرقنا في ظلام جديد، والوفرة قد تتيح للجاهلية أن تعود، على نحو ما ذكرت من أمثلة،لذلك كنت وما زلت أؤمن أن الحداثة لا تنفصل عن فكرها، والمنتج الحداثي له قيم مرافقة لابد لنا من النظر فيها وإلا تحولت السيارة من أداة للنقل إلى أداة للمباهاة أو التفحيط، وتحول الهاتف والجوال من أداة لتحقيق التواصل المفيد إلى مصدر إزعاج وإرباك، وتحول التلفاز من أداة إعلامية وتثقيفية إلى شاشة استلابية مليئة بالعنف والجنس وبرامج التسطيح العقلي والفكري، واعذرني إذا قلت لك أني لا أخشى الفكر بقدر ما أخشى تسويق النماذج الاستهلاكية الفارغة، أذكر كمثال أننا كنا نرتعب من ذكر الماركسية أكثر من مظاهر الحياة الرأسمالية، والحال أن الفكر الماركسي مضى بمثالبه، ولم نستفد من مناقبه، وكمثال قريب أذكر انطلاقة قناة الحرة الأميركية التي تبث بالعربية، الذي ترافق مع برنامج ستار أكاديمي، انشغلنا بالتحذير من قناة الحرة وتشاغلنا إلا قليلاً عن الستار أكاديمي، ذلك أننا لا نزال نرتعب من الفكر وندخله في باب الردة، بينما السلوكيات ننظر إليها على أنها فسق على أبعد احتمال. صحيح أن القناة تسوق وجهة نظر أميركية، ولكنها تبقى وجهة نظر فكرية، يفيدنا أن نتنبه لها لنقرأ ما وراءها، بدلاً من أن ينغمس أولادنا مع سفاهة ستار أكاديمي.
لست مضطراً لتثبت لي، ذلك أنك تكلمت ونحن رأيناك، وأنا واثق بأنك متنبه للتعايش، وهذا حقيقة ما يجعلني لا أمل الحوار معك، ولكني لا زلت آخذ عليك موقفك المسبق والحازم تجاه الليبرالية، واسمح لي أن أقول أنه موقف لا يقرأ الليبرالية كما هي، إنما كما يتصورها أعداؤها فحسب، واسمح لي أن أؤكد أن أعداء الليبرالية ينطلقون إما من دوافع سياسية صريحة أو دوافع دينية تخفي في داخلها مطالب سياسية، هذا ما دعا فولتير إلى الدعوة إلى شنق آخر كاهن بأمعاء آخر إقطاعي. واسمح لي أن أقول أنك في الكثير من آرائك ليبرالي، ولا يهمني ماذا تدعوها وسطية أو اعتدال أو وعي، المهم عندي إنك أقرب إلى فهم الإنسان وبنية الاعتقاد لديه ومطالبه المستجدة، بل حتى حرصك على الهوية هو حرص على جانب حقوقي لازب.
والليبرالية متحولة، لأن الاستبداد متحول، وكل من يقف في وجه الظلم أو الاستبداد يساهم في تكوينها المستمر رغب في ذلك أم لم يرغب.
أنت محق في فلترة التعايش، ولن يقف عاقل دونك ودون هذا المطلب، وخلفيتك التاريخية والدينية هي حق من حقوقك الأساسية التي لا يمكن نكرانها في يوم من الأيام، بل إنك بما تملكه من فكر نقدي والذي أقرأ فيه انك لا تخشى في الحق لومة لائم، أنت أقدر على إنتاج هوية تليق بمسلم القرن الخامس عشر. ومن فقدتهم من خلصائك يا سيدي لم تخسرهم، إنما خسروك بفداحة، وكيف يتأتى للإنسان أن يحظى بمن يجدد نسغه فيرعوي وينقلب على عقبيه…
أقرك بأن كثيراً من الليبراليين أفسدوا التواصل من خلال لغة متوثبة غازية، ولكن مع ذلك لا أقرك في أن الليبرالية تنزع قدسية المقدس، هي فقط لا تقر بفهم مقدس يتسلط على غيره من طرائق الفهم، ولا تقر باستبداد مقدس، وفي زعمي أنها في هذا الجانب تحديداً تتفق مع النظريات الإسلامية إلى حد كبير.
أتفق معك أن التوجس ليس وليد اليوم والليلة ، بل هو حاضر منذ اللحظة الأولى التي نشأ فيها التيار التنويري في العالم الإسلامي ، ولكني أعزوه إلى أمرين اثنين:
1) افتقاد الأرضية الملائمة للتنوير، حيث كان واقع العرب والمسلمين لا يزال أسير تلك الغفلة الحضارية المديدة التي انشغل بها المسلمون بفقه الفرق عن فقه الحياة.
2) الصدام المباشر بين التنوير والنزعات السياسية التي رسخت في أذهان الجماهير أن مناهضة التنوير هي مناهضة للاستعمار، ومتحججة بأن التنوير نشأ بعد الغزو الاستعماري لذلك هو صنوه.

ثق يا سيدي أن مشكلة المرأة السعودية لا تختلف عن الجزائرية إلا في أذهاننا، ذلك أن المرأة مرأة هنا أو هناك أو في الأسكيمو، ولو دققنا في الحياة الخاصة للمرأة، الحياة الحقيقة خلف أسوار المظاهر الاجتماعية لوجدنا أن الأحلام مشتركة والهموم مشتركة والآمال مشتركة، فقط المعاناة مختلفة إلى حد ما. وأنا أجد أن المرأة السعودية تحديداً أجدر بالثقة من سواها، وليس هذا الأمر وليد اليوم أو وليد تيار بحد ذاته، إنما هو أمر تاريخي عميق الغور في الأحقاب، إذ طالما كانت جديرة بالثقة ومؤهلة لاقتحام كل مجال جنباً إلى جنب الرجل. وبدلاً من التعذر بالخصوصية والتشكيك بالمجتمع وسوء الظن بإمكانية تقبله لحضور نسوي فاعل، والخضوع لمنطق جاهلي في العمق، بلبوس ديني متوهم، كم هو حري بنا أن ننتقد هذا الوضع ونسعى لإزالة هذا الحيف.
أنا معك في أن الإنسان معني ببناء مجتمعه، وهذا لا يتناقض مع مسألة تقبل الهويات المتعددة داخل الإسلام نفسه، أما تصدير الجهاديين فإنه كان نتاج تزمت ومعالجة بلهاء لأحداث العالم والمنطقة. وجزء لا يستهان به من وزر ما حدث يقع على عاتق الاتجاهات الإسلامية، لأنهم فسروا كل صراع تفسيرا دينياً صارماً، وهذا خطأ كبير في رأيي مع أني لا أنفي الدوافع الدينية التي تكون خلف كل صراع.. وأتفق مع أحد الباحثين في قوله أن كل ما نحياه اليوم من إسلام حركي عنفي تأسس على خلفية تفسير الصراع في أفغانستان (المحتلة من قبل السوفييت)، على أنه صراع بين الإيمان والإلحاد.. هذا الفهم الذي سوقه الغرب ليستخدم الحصان الإسلامي في وجه المد الماركسي، والذي صدقناه، فحولناها من حرب تحرير وطنية إلى جهاد مقدس.
لم أدع ولن أدعو إلى إقصاء النص يا سيدي، فمجتمع مسلم من حقه أن تكون مرجعيته مقدس إسلامي، فقط ما أتمنى أن تتفهمه مني أن نزع القداسة عن التفسير لا يعني نزع القداسة عن النص، وحسبي هذا.
ومع ذكري وتأكيدي لحرية التبحر في معاني المقدس، إلا أنني بكل تأكيد لن أفكر ولو لوهلة أن يكون المجتمع رهن تفسيرات مزاجية، إذ لا يمكن تقبل استخارة قائد وهو بصدد قرار حازم وواضح في معركة حامية الوطيس، فليس هنا موضع الاستخارة، ولا يمكن ارتهان المجتمع لأي كان هكذا بعبثية، ولكن نقد الفهم السائد خطوة مباركة وتحفيزية وإبداعية يجب علينا التأكيد عليها، فما هو نافع لا يخلق من كثرة الرد، ويمكث في الأرض دون شك.
أنا لم أنكر عليك دفاعك عن الدين، إنما أنكرت عليك أن تفهمني بأني أنكر عليك هذا الحق لذا وجب التوضيح.
وثق بأنه لا نكاية بالشرع، أنما صدق وجرأة في تناوله وقراءته.
اعذرني لم أمر على ما اتفق معك فيه وهو كثير لئلا أطيل وأكرر، واعذرني على الإطالة في بيان ما نختلف فيه مع أنه قليل …
مع تقديري واحترامي.

د.استفهام

الاستاذ الكريم مهيار ..

أعتقد أن ” الهوية ” شي ، والثقافة شي آخر ، فأنماط الثقافة لكل مجتمع تتولد من خلال تغير البنية الحضارية والمعمار وأشكال المعيشة ، بينما الهوية هي مثل الروح للجسد ، فإن تغيرت فكأنما حاول أحد أن ينتزع هذه الروح من ذلك الجسد ، فلا يمكن لأمريكا ان تبقى أمريكا وهي ستفقد المسيحية واللغة الانجليزية والتاريخ ، ولا يمكن لفرنسا أن تبقى فرنسا وهي مغزوة في هويتها حتى ولو كانت من الإسلام ، وهذا الحفاظ على الهوية ليس عبثا لا طائل من ورائه ، بل هو دافعية إلى التشبث بالمطالبة بالنهضة والترقي في الحضارة والتبشير بها ، وأنا أوافق في أن منتجات الحداثة تؤثر على الهوية من جهة ، وتؤثر كذلك على أنماط الثقافة المجتمعية من جهة أخرى ، ولكن البعد الوطني والقومي يدفع كل أمة من الأمم على المحافظة على القدرالذي يضمن تماسها وهويتها في خضم هذا الصراع الثقافي والعالمي .

إن الهوية هي الدافع لمواجهة الطوارئ التي تستهدف أي دولة من الدول ، فإن فقدت أي دولة هويتها فقدت وجودها وفعلها التاريخي والواقعي ، فالفيتناميون وغيرهم ممن واجه الأمم الغازية كانت الهوية تدفعهم إلى مفاصلة المستعمر ، وخاصة ان المستعمر حين تفتح له الأبواب مشرعة لن يعامل الدولة المغزوة معاملة أهل بلده ، فهو ينظر إليها على أنها فرصة للتكسب والاستذلال ، وهذه حال الامبرياليات الغازية التي تستغل خيرات الشعوب ، وأي محاولة للتأثير على الهوية وإذابتها هي سير في طريق الهلاك لأي أمة من الأمم ، وأولئك الذين يحاولون خلخلة القيم الاجتماعية وتشويهها ، والضرب على تسفيه المرجعية الدينية ، أو الدعوات الإلحادية ليست متعلقة برأي يراه الإنسان حين لم يدله عقله على الألوهية والهداية ، بل القضية قضية خيانة للهوية ، ومواجهة للمجتمع بعمقه الذي لا يمكن أن يتنازل عنه …

وإن أي حركة تنشأ في أي أمة من الأمم وهي مفاصلة لها في ثقافتها لا يمكن إلا ان تخلق مشكلة سياسية او اجتماعية ، والحركات الثورية التي شهدها العالم الإسلامي كالزنج والحشاشين والخوارج وغيرها كانت حركات في أصلها فكرية ، ولكن المفاصلة الشديدة والخروج عن ثقافة المجتمع وقيمه جعل القضية عندهم قضية حياة او موت ، وهنا تكمن خطورة الخروج عن الأنساق الاجتماعية ، ومن تأمل وضع ” الأقليات ” في العالم كله يجد أنها تهدد أمن كل دولة تنتمي لها ، فالقلة ، والشعور بالغربة الثقافية ، مع مصادفة استبداد او استذلال سياسي يجعل من هذه الأقليات هدفا لكل من يريد أن يستغلها من القوى المتصارعة ، ولذلك كان النفاذ في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها إلى عمق البلاد من خلال هذه الأقليات التي تشعر بالمظلومية ، وتفتح أبواب الفتنة على مصاريعها ، وخاصة حين تأتيها الأمنيات العريضة ، والوعود الحالمة من قوى الاطماع المتربصة ..

إنني أعجب حقيقة كيف لمثقف من مثقفينا أن يحشر نفسه في قشر جوزة ، حين يكون يملك الفكر الثاقب ، والرؤية النقدية العالية ، والمرتكزات الفكرية التي تجعله يستطيع ان يبني رؤيته الخاصة ان يترك هذا كله ليكون خادما لفكرة عليها من الإشكاليات الشي الكثير ، وخاصة حين تكون هذه الفكرة محل توجس من المجتمع ، فيحيل حياته للدفاع عن هذه الفكرة والتبشير بها ، وكأن عقول البشر وثقافتهم ورؤيتهم وقفت على أعتابها ، وكأنه يقول بأن الإنسان لا يكون شهما ولا حرا ولا عادلا ولا متطورا إلا أن يكون ” ليبراليا ” ، مع ان التاريخ والواقع يشهد بوجود نماذج رائعة من هذه القيم العظيمة دون ان يسمع بحياته عن جون لوك ، أو روسو أو غيرهم من مفكري الثقافة الليبرالية الاستهلاكية ، وهاهي الكثير من الدول تنهض في مسيرتها الحضارية دون ان تحتاج لنماذج معلبة وجاهزة تقاتل من أجلها ، فهي تخطو نحو التقدم بناء على رؤيتها الخاصة التي تحفظ لها التوازن والانفتاح في لحظة واحدة ، وليس صلاح الفكرة في أي جانب من جوانبها يعني صلاحيتها للاستخدام في أي مكان ، لأن لها ظروفا حاكمة وسياقات خاصة تجعلها أقرب إلى الثقافة الإجتماعية منها إلى الرؤية الفكرية او العلمية ..

نعم .. إنني أجزم ان الإبداع لا يولد إلا في جو الحرية ، ولكن الاستبداد أحيانا هو محفز للإبداع ، فالتفكير بالنهضة ناتج عن التخلف ، والحاجة إلى الأكل ينتج من الشعور الشديد بالجوع ، والتفكير بالحلول هو ناتج عن وجود المشكلات ، ولكن الحلول حتى عند مفكري التطوير والتخطيط الاستراتيجي يشترطون أن يكون منطلقا من الواقع كماهو ، والحل لابد أن يكون غير متعال عن طبيعة المشكلة ومحيطها، وأن الرؤية الاصلاحية او التخطيطية لا يصلح أن تكون حالمة أو عييه على التطبيق ، ومن يريد أن يرسم له التيوبيات الخاصة فعليه ان يذهب إلى كهف يعيش فيه فيحلم على طريقة الخلوصيين الصوفيين ، فيتحد عقله مع النموذج المتعالي ثم يشعر بالفناء والاتحاد ، ولكن هذا لن يغير في الواقع المعاش شيئا ، ولن يدفع إي مشكلة للحل ، بل ربما يكون جزءا كبيرا من المشكلة بدلا من أن يكون مساهما في حل المشكلة نفسها .

أماقضية قبول الماضي والتراث بكل ما فيه فهو ليس شرطا للرشد في التعامل مع التراث ، ولا يلام الإنسان حين يجعل له معيارا في القبول والرفض لأي فكرة او رؤية ، وخاصة حين تكون الأفكار متناقضة لا يمكن ان تتسق مع بعضها ، فلا يمكن لي أن اجمع بين الظاهرية والحنفية كمصدر للفهم والتلقي ، ولا يمكن ان أجمع بين المشبهة والنفاة ، ولا يمكن ان اجمع بين السبئية والصحابة ، ولا يمكن أن أجمع بين ابن تيمية وابن سيناء ، والخلاف ليس في الرفض المطلق او القبول المطلق ، بل في ” المعيار ” الذي يتحاكم إليه الناس في فلترة هذا التراث ، وقراءته بنقد ووعي ، فليس كونه تراثا ان يكون بمستوى واحد ، وليس كونه تراثا أن يكون كله صحيحا ، فالخوارج هم جزء من التراث بمنهجيتهم وطريقة تفكيرهم ، ومع ذلك نتفق أنا وإياك على رفض فكرهم وطريقتهم ، وكل من تبنى فكرتهم وطريقتهم فهو عدو للناس ، وهذا يؤكد مرة بعد مرة على أن ” المعيارية ” الأصولية الفقهية هي التي لابد أن تكون حاضرة في قراءة التراث ، ولابأس أن نناقش ” المعيار ” نفسه بقواعده وأصوله ، ولا زال علماء الأصول يختلفون عن حجية بعض القواعد في الاستدلال ودلالة النصوص عليها ..ولذلك كنت أزكز على قضية المرجعية لأنها هي التي تكون أصلا للنقاش ، لأن الاختلاف في المرجعية يعني أننا لا نمشي وإياك على أرض صلبة ننطلق منها للحوار .. فالرجل العقلاني مثلا لا يستطيع ان يتسق في نقاشه مع الرجل العرفاني لأن المنطلقات مختلفة .

هناك مشكلة جديرة بالنقاش ، أن الليبرالية وسعت فضائها ، وقدرتها على التحول وسعتها لاستيعاب أكثر الناس جعلت منها فكرة لا يحق لأحد أن ينطق باسمها ، فأنت حين تقول بأن الليبرالية تنزغ قداسة المقدس ، فأنت امام حالين :
الأول : أنك تعني هنا بـ ” الليبرالية ” فهمك لليبرالية ومدرستك الخاصة ، وهذه لا يمكن ان تكون حاكمة على كل الليبراليين ، وهنا يتم الخلط بين الرؤية الخاصة داخل الفكرة التي يتبناها الإنسان ، وبين الفكرة نفسها التي لها قواعد حاكمة يرجع إليها من خلال مفكريها الأساسيين ، او أفكارها الأساسية ..
الثاني : أنك تعني بالليبرالية هنا الأفكار الخاصة التي يحملها الليبراليون ، والواقع يشهد بأن هناك نزوعا يكاد يكون ظاهرة لدى الليبرالييين إلى النكاية بالمقدس ، ودخول حماه ، بل هذا الارتباط الكبير بين الليبراليين وبين نزعة الإلحاد أو رفض السنة ، أو إنشاء مناهج لا يمكن ان تتسق مع الرؤية الإسلامية التاريخية التي بدأت منذ عصر التدوين إلى هذا العصر ، حتى تجاوز هؤلاء زندقة الزنادقة في التاريخ ، مع غياب العلمية والمعرفية في حمل هذه الأفكار التي هي أقرب إلى العبثية والفوضوية منها إلى الرؤية العلمية المنهجية .

من المشكلات التي تكاد تكون سمة لليبراليين اليوم هي ” الاحتكار ” لأي فكرة صالحة ، فمرة يدخلونها باسم ” الليبرالية ” ، ومرة يدخلونها باسم ” التنوير ” ، فالفكرة السلفية مثلا التي يرونها جميلة وصالحة لا يقولون بأنها ” سلفية ” ، بل يقولون بأنها ” ليبرالية او تنويرية ” ، فأصبحوا هم معيار الحق والحقيقة والصلاح والفساد ، وهم يقومون بهذا حتى في قراءتهم للتراث بطريقة استقاطية غير منهجية ، فأي فكرة عقلية جميلة في التراث هي ليبرالية ، وكل فكرة جميلة لعالم حتى ولو كان سلفيا قحا فهي ليبرالية ، بل حتى أفكار المحاور إن كانت جميلة صارت فكرة ليبرالية ، وهذه وثوقية تطغى على وثوقية أي فكرة أصولية ، وهي كذلك جزء من التناقض الذي يقع فيه الليبراليون ، فأصبح العقل والتنوير والفكر الصحيح هو من نتاج ” الليبرالية ” ، وهذه أظنها مشكلة نفسية نرجسية أكثر منها رؤية علمية منهجية .

إنني أتفق معك تماما في أن ” التفسيرات ” للنص والتراث ليس بقداسة النص ولا تدانيه ، وان الاجتهادات تظل في إطارها الصحيح ، ولكن القضية بيني وبينك هي في تحديد ماهو ” الاجتهاد ” ، وماهو المقدس ، فكثير من الليبراليين والمفكرين المحدثين الآن ينقضون أصولا من الإسلام لا يختلف عليها أحد ، بل حتى الكفار أحيانا يعرفون أن الإسلام جاء بها ثم يحيلون ذلك إلى الا مقدس في القراءة ، مع ان كل نص من النصوص له درجته في ” الدلالة ” التي تكون ضرورية أحيانا ، وقطعية احيانا أخرى ، وظنية في أحيان ، والخلط بين هذه المستويات أوقعت الكثير بنقض الإسلام والعبث بالمقدس والنص بناء على حرية القراءة وفضاءات المعاني وترحل الدلالات .

كذلك أتفق معك في أن هناك ضعفا وسطحية في قضية ” الوعي السياسي ” في كثير من التيارات الإسلامية ، وعدم معرفة كافية للمناهج الحديثة ، والتي ينطلقون منها من بعد ” توجسي ” يطغى على العقل أن يتفكر في بعض المسائل الواقعية ، ولعل حواري مع بعض الإخوة حول قضية ” التطبيع ” مع إسرائيل مثال على اختلاط المستويات في فهم كثير من الأمور السياسية والعلاقة بينها وبين البعد العقدي .

شكرا لك … وما تجاوزته ، فأنا اتفق معك فيه .
مع التحية !

مهيار

أحييك يا د استفهام
أنت شخص جميل
والحوار معك ممتع وغني
سأكتب في كل ما طرحته في ردك الأخير والذي استمتعت به جملة وتفصيلاً
ولكن كرهت تأخير الثناء على لغتك الراقية والمثيرة للعقل والوعي…

سأعود

د.استفهام

أشكر لك لطفك وثناءك وخلقك الرفيع أخي الكريم مهيار ..
الحوار مع العقلاء لا يزيد الفكر إلا تقدما وهمة للمزيد المفيد ..
لا أدري حقيقة كيف سوف ننهي الحوار ..
لعل الإدارة تقرر الكيفية ..

سأرد إن شاء الله على ردك الأخير .. مع تمنياتي لك بالتوفيق !

مهيار

شيخ استفهام الموقر
أشعر أن الحوار بدأ يدخل في التفاصيل، وهذا أمر حسن، ويدل أننا تقدمنا خطوات إلى الأمام في مسألة التفهم، وهذا ما يجعل للحوار جدوى، إلا أنه مشوب ببعض ما سبق أن فصلنا فيه. أختلف معك في مسألة الفصل بين الثقافة وبين الهوية، فهما متواشجان تماماً، والهوية تستمد عناصرها من الثقافة، وإلا أصبحت هوية عرقية أو عابرة، فالسعودي اليوم ينتمي لدائرة جغرافية تاريخية بدون شك، ولكنه قبل عدة قرون كان أموياً أو عباسياً أو عثمانياً…والهوية اختلفت بتغير الأحوال، هذه الأحوال التي سنامها الثقافة السائدة، الثقافة أعم واشمل بدون شك، ولكن الهوية تدور في فلكها، ومع التغيرات التي تنتاب الثقافة تتحول الهوية وتأخذ أبعاداً جديدة. لذلك فإن المسائل الوطنية والقومية لها مقال آخر، فالبعد الوطني يتعلق ببنية الدولة، والبعد القومي يتعلق ببنية الأمة القومية، القومية لم يكتمل عقدها الاجتماعي لأنها نظرية طوباوية، لذلك تحايلت الاتجاهات القومية وخاصة على يد البرجوازية الأوربية على المفهوم القومي، وفسرته وفلسفته بطريقة مواتية للمتطلبات والطموحات السياسية، ومثال ذلك الاختلاف بين وجهتي النظر القومية؛ الألمانية والفرنسية، إذ اتكأت النظريات على مسألة الخلاف على إقليمي الألزاس واللورين، فتباينتا تباينا شديداً بين التاريخ المشترك من جهة وبين اللغة المشتركة من جهة ثانية. وفيما بعد؛ وخاصة بعيد الحرب العالمية الثانية التي أذكت نارها القوميات المتناحرة، بدأ الأوربيون يعالجون الأمر بحذر، فلا هم بقادرين على تسفيه المسألة القومية، ولا هم بقادرين على المضي فيها من جديد، وهذا الأمر مهد لنظريات جديدة نحو: الأمة الأوربية، والشركة المتوسطية..بل إن الاستعانة بالميراث الكولونيالي بات واضحا في مجموعة الكومنولث أو الدول الفرانكفونية…ثم تم تجيير الصراع لصالح صراع آخر يتمثل بالغرب الرأسمالي في مواجهة الشرق الماركسي، بينما لجأ من هم خارج الدائرتين إلى التمسك بعقد دول عدم الانحياز… وحديثا لقت الهويات القومية حتفها لصالح المجموعات الاقتصادية والتحالفات العسكرية وبشكل أقل لصالح الثقافة المشتركة.
وحتى في البلدان الإسلامية، جنحت القومية الطورانية بتركيا إلى تعصب أشد من التعصب الديني، وخلقت محيطاً هائلا للعداء داخل وخارج الحدود، وطوال قرن من الزمن، والقومية الفارسية ما زالت تثير الريبة في محيطها، والقومية العربية حدث ولا حرج استبدت ودمرت وأفسدت أكثر من أي قومية أخرى.
أما الهوية الوطنية فهي في تحولاتها كانت أوضح من الهوية الثقافية، فالتدافع والصراع الجغرافي والإقليمي ومسائل النفوذ والتحالفات كانت تؤثر بشكل مباشر على الهوية الوطنية، فالدولة تتسع أو تضيق، وتمتد أو تنحسر، والجغرافية التي رسمتها بريطانية وفرنسة بشكل رئيس، وبالتفاهم مع عدد من الدول الاستعمارية الأخرى بشكل متفاوت، هي مستمرة منذ قرن في أنحاء كثيرة من العالم، وهي جغرافية وضعت أساساً وفق رؤية سياسية وليست استناداً إلى عوامل علمية وتاريخية ولغوية بالضرورة. وحتى اليوم مسألة حدود الدولة في كل أنحاء العالم قضية فيها نظر لأنها فصلت بين أخوة وأقرباء ومن ينتمون إلى أرومة واحدة ثقافية كانت أم عرقية.
وهذا لا يعني أن نتنكر لهذه البنية (بنية الدولة) وخاصة إذا ارتضاها الناس، ثم ترسخت وأصبحت لها أسس واستراتيجيات ونظام علاقات داخلية وإقليمية ودولية، ولكن هذه الدولة بحد ذاتها تبقى منتمية إلى أطر ثقافية متعددة ترسم لها طابعها. كما أنها بحد ذاتها تحوي أطراً وأطيافاً ثقافية متعددة بداخلها، ومع الزمن تتطور العلاقات وتتغير، سواء أكانت علاقات خارجية أو داخلية، ومع تغيرها تؤثر على بنية الهوية، إضافة إلى ما تأتي به التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تتسع باستمرار.. ومن يتمتع بهوية حيوية قادرة على التكيف مع المستجدات بإيجابية يكون قد حاز هوية قادرة على الاستمرار والديمومة والاستقرار.
وحديثي عن تغيرات الهوية لا يعني نسفها، بل على العكس هو يمدها بما يتيح لها أن تستمر كنهر دافق تغذيه الروافد المتعددة، فتخضر ضفافه وتنتعش الحياة على حوافه. حينها تكون الهوية مسيرة نماء بدلاً من أن تكون عصبية هوجاء.
والهوية هي كالروح للجسد، بدون شك، ولكن الروح متبدلة ومتغيرة ومتكيفة من أجل جسد فاعل ونشيط وحي، وليس المهم أن تكون أميركا أميركا أو فرنسا فرنسا، إنما المهم هو أن تكون أميركا أكثر قدرة على الاهتمام بإنسانها وكذلك فرنسة وغيرها، وكنت اليوم أقرأ مقالة طويلة لخوان غويتسولو الإسباني، عن الشاعر الكبير لوركا، الذي كان يتحدث طوال الوقت عن: ثقافة أندلسية؛ كانت أكثر جدارة بأن تسم الجزيرة الاييبرية بالهوية الحضارية عوضاً عن همجية قشتالة الكاسحة، والتي أفرزت الدمار ومحاكم التفتيش. الأمة الحية تجعل هويتها قائمة على ثقافة حية تواصلية قادرة على هضم أفضل ما لدى الثقافات الأخرى، وقادرة على استثمار التنوع الداخلي بإحالته إلى رؤية أكثر وضوحاً وإبداعاً بدلاً من تكون صراعاً لا ينتهي بين أطياف يجمعهم هم واحد ومصير واحد.
الهوية ليست مادة للاستهلاك أثناء الطوارئ، ولا رقية نحتمي بها من أهوال الزمان، إنما هي تعكس الآمال والطموحات التي يسعى إليها المجتمع، والأنظمة الثقافية والعقدية التي تحزم المتفرق من الجهود والمتباين من الآراء لتدفعها نحو النهوض والحضارة.
لاشك أن العولمة تلعب دورها في حاضرنا من أجل إذابة الهويات الخاصة، وتنميط المجتمعات بحيث تتوافق مع نمطية استهلاكية محددة، وهذا الأمر يقلق كل حر في عالمنا، بل ربما هو الانتقاد الرئيسي أو المحوري في كل فكر مناهض للعولمة، حتى أوربة تشتكي من اكتساح الثقافة الأميركية، ولكن مواجهة التنميط لا تكون عن طريق التقوقع والانغلاق على الذات، لأن هذا التقوقع (إذا أفلح في التقوقع) هو ما سيدمر الهويات الخاصة أكثر من أي غزو آخر، وهو ما سيجعل هذا التنميط يبلغ مأربه التسويقي الاستهلاكي، وهذا هو حال من يرغب الاستفادة من منتجات التقدم الحضاري، دون الاستفادة من مناهج التقدم الحضاري، إذ يحكم على ذاته أن يتساوق مع غاية التنميط التي تهدف أصلاً إلى أسواق تتوسع باضطراد لمحاربة الكساد ومراكمة الوفرة على الجانب الآخر. والنقد الأكثر شراسة باتجاه العولمة يأتي من فهم ليبرالي… ينتقد انتهاك الخصوصيات.
إن القيم الاجتماعية والمرجعية الدينية، بحد ذاتهما يخضعان إلى رؤية متكيفة، فكيف يمكن الزعم أن الهوية المتكيفة مع متطلبات حامليها وحاجاتهم بأنها تخلخل القيم أو تفسد المرجعية، القيم الاجتماعية ليست أقانيم، والمرجعية الدينية في ذاتها يسيرة ومتغيرة بما تيسره من يسر، فلم نجعل الحفاظ عليهما مناطاً بهوية مغلقة.
أما مسألة الخيانة للهوية، فأي تشبث بالمصالح الخاصة بفئة، أو التفسيرات الاجتماعية الخاصة باتجاه محدد، على حساب الدولة.. يكون خيانة للدولة، وأي حجر أو زجر لفكر مختلف هو خيانة للفكر، وأي إقسار أو إكراه على يقين موصوف بصرامة، هو خيانة لحرية الإنسان. والخشية من أن تتحول الحركة الفكرية إلى حركات مشابهة للحشاشين والزنج والخوراج، فهذا للأسف يا صديقي تصور ساذج، فهذه الحركات كان لها ظرفها وشرطها الموضوعي والاجتماعي، ولا يمكن أن نفسرها في ضوء اختلاف فكري هكذا وببساطة. فالعامل الأساسي الذي يتوفر في كل الحركات العنيفة في التاريخ الإنساني هو التزمت في الرؤية، والتشدد في التفسير، والتعصب لفئة أو مذهب بعينه. فمشكلة هؤلاء لم تكن الاختلاف الفكري، إنما كانت هناك نزعات وأسباب لكل حركة منها، ولا تتقاطع مع حوارنا إلا بمسالتين هما التزمت والعنف، وأظن أني أرفضهما طوال الوقت، بل منهجي قائم على رفضهما بإلحاح فالرشد لا يأتي عن طريق الغي والطاغوت.
أما الأقليات فلا تتحول إلى خنجر في خاصرة المجتمع بسبب أجندات خارجية، بل الأساس في هذه المشكلة يكون في هضم حقوقها بالاختلاف، وخاصة في ظل هويات جامدة وصارمة، لا يمكن للإنسان أن يكون مخلصاً لسجانه أو المستبد به، كما أن الخروج عن فكر سائد لا يعني خروجاً من النسق الاجتماعي، وإلا لكان كل المفكرين عبر العصور مجرد خونة، لأن التفكير (في بنيته) يعني إمكانية الخروج من النسق الفكري بما يتيح للفكر أن يتطور ويتعمق.. ثم إن موضوع الأقليات غريب على حوارنا وأنت تناقش مسائل هذا المجتمع، إذ لا يوجد أقليات بالمعنى الناجز لمفهوم الأقلية هذا من جهة، ومن جهة ثانية جعل مفهوم الأقلية فضفاضاً بحيث يشمل فئات معينة هو تسطيح للمفهوم، فهل مثلاً تطالب نسف مخططات البناء الهندسية، لأن المهندسين المعماريين عبارة عن أقلية، وأنهم قد يتأثروا بأنماط المعمار الأجنبية، لذلك يجب حجرهم لئلا يغيروا من شكل شوارعنا وأحيائنا؟!
أما إذا كنا سنناقش وضع الأقليات في العالم، فالحيف الواقع على الأقليات هو المحرك الرئيسي لتمردها، وليست الوعود الخارجية، بل إن كثيراً منها تلجأ إلى الشيطان مكرهة، لأنها تحت الجور والطغيان والتزمت والانغلاق، واعذرني إذا استغربت تسطيح الأمر منك، فأنت أذكى وأوعى من تنظر للأمر هكذا أو تجيره لصالحك وأنت تملك ما هو أهم بكثير للنقاش، فالفقرة كلها غريبة على جسد نصوصك وكأنما أحدهم قد أقحمها رغماً عنك.
يا سيدي قشرة الجوزة التي تزعجك انساها للحظة، وانظر إلى ما داخل الجوزة، أنا ليس لي مأرب في اسم الليبرالية إلا للإشارة إلى جملة من المبادئ الرصينة والعادلة في النظر إلى الحقوق الإنسانية، دع عنك التسمية ولا تنظر إليها على أنها ذات مرجعية نصوصية مقدسة، المقدس في الليبرالية هو المقدس المفترض في كل الأديان والأنظمة والفلسفات، ألا وهو الإنسان، وكل شيء خلا ذلك فلا يمثل مرجعية صارمة لليبرالية، وأقسى نقد تتعرض له الليبرالية باستمرار، هو النقد الداخلي، إذ إن المنهج الليبرالي في الفكر أو في الاقتصاد أو في السياسة يتعرض إلى مراجعات مستمرة من قبل ليبراليين، وأحيلك مثلاً في هذه الأيام تحديداً إلى الايكونوميست أو اللوموند ديبلوماتيك، لتجدن أن التشريح والانتقاد لوجهات نظر ليبرالية تتم بضراوة على يد ليبراليين وليس على يد قساوسة أو رهبان. بل إن الدعوة إلى الاستفادة من بعض الصوى في الاقتصاد الإسلامي في الغرب، تكرر على لسان عدد من الليبراليين، وهي تمثل مطلباً ليبرالياً إلى حد ما.
الليبرالية لا تحتاج إلى تبشير، وما كنا مبشرين بها في يوم من الأيام، الليبرالية تحض على الوعي بالمسائل الأساسية في إطار الحقوق الإنسانية … وحوارنا أنا وأنت قائم على الاتهامات التي تكال لها، وليس بغاية التنظير لها بديلاً عقديا لدين أو هوية. فهي فضاء فكري حر، وليست تياراً على نحو ما تتصوره يتفرغ للنكاية والإنكال. وإذا كان هناك من مارس نكاية باسم الليبرالية فهو للأسف لا يمت لأي قيمة ليبرالية لأنه يخرق أسس الحقوق. ومنذ بداية الحوار وأنا أركز على أن الإنسان هو القيمة العليا، وليس الفكر، وإن الفكرة في خدمة الإنسان وليس العكس، وأن الانغلاق على فكر هو خروج من مهمة التفكير، فكيف تفهم قولي بأني خادم لفكرة!
جمال التوجه الليبرالي أنه لا يقر بعتبات للفكر، ولا بسدنة فكر، بل هناك إقرار مستمر أن العقل الإنساني والإرادة الإنسانية لا يمكن وضع عتبات صارمة لهما… ولم أقل أبداً أن الليبرالية هي مدخل الأخلاقيات المتداولة. ولكن الانحياز إلى منهجية ليبرالية عند أي اتجاه يمثل ميلاً للعدالة والحرية، كما أن أي انحياز إلى العدالة والحرية والتنمية والتطوير بل حتى الشهامة هو انحياز مبروك ويتفق مع مطالب ليبرالية. وليست الليبرالية في أسر جون لوك، أو جان جاك روسو، بل هما لم يذكرا الكلمة أبداً، ولم يشكلا حزباً سياسياً بهذا المعنى… ولكنهما نشرا أفكاراً تأسيسية ترسخت في الثقافة المعاصرة، وما عاد بي أو بك، حاجة لنسمع عنهما إلا من أجل تاريخ الفكرة. ومعظم الأفكار التي تستند إليها الليبرالية اليوم ليست لأناس يدعون أنهم ليبراليون أو يتداولون حصرا جون لوك وفولتير، بل إن الوقوف عند لوك أو ستيوارت ميل أو هوبس، أو أي قداسة تسبغ عليهم أو على أفكارهم هو طعن في صميم الليبرالية. ويمثل خروجاً من الليبرالية، وهذا ما كنت أوضحه لك باستمرار، وهو أن الليبرالية منهجية في التفكير والسلوك، وليست بديلاً عقدياً.
وأتفق معك بأن (الكثير من الدول تنهض في مسيرتها الحضارية دون أن تحتاج لنماذج معلبة وجاهزة تقاتل من أجلها ، فهي تخطو نحو التقدم بناء على رؤيتها الخاصة التي تحفظ لها التوازن والانفتاح في لحظة واحدة ، وليس صلاح الفكرة في أي جانب من جوانبها يعني صلاحيتها للاستخدام في أي مكان ، لأن لها ظروفا حاكمة وسياقات خاصة تجعلها أقرب إلى الثقافة الاجتماعية منها إلى الرؤية الفكرية أو العلمية) فالأمر هنا يتعلق بالانفتاح الذي يستفيد من الآخر دون أن يرضخ له، مما يجعل المسألة إبداعاً وليس إتباعاً.
يثير استغرابي أن تسوغ الاستبداد بأنه أحيانا محفز للإبداع، وأن نسوغ التخلف بأنه مدعاة للنهضة، كما أني لم أدع إلى القفز على الواقع، أو استيراد نظريات معلبة، وطوال الحوار كررت رفضي للبروكروستية، وأوضح لك باستمرار بأني ضد اليوتيوبيا الخلاصية الصارمة، ولوهلة خلتك قد خلطت بيني وبين محاور آخر، لا يا سيدي لن أذهب إلى كهف، إنما سأجاورك باستمرار ودأب لأمتح أفضل ما لديك وأنتقد ما أجده جديراً بالانتقاد وأمنية تحذوني بأن نتشارك في صناعة الغد بفضيلة ما نقدمه لا ما نزعمه. ولكن مع ذلك أحترم ذلك المتصوف الذي يحيا تجربته الخاصة وإن كنت لا أتفق معه في مسألة التصومع والاعتزال.
أخي استفهام إن تأويل الآراء على محمل سيء هو مقتل الحوار، وهذا ما كنت أنبهك إليه باستمرار، ومع ذلك تجعلني خصماً لمسألة المعيار في تناول التراث!!!! يا أخي تقبل التراث بتعدديته لا يعني الخلط بين صالحه وطالحه أو مستساغه وممجوجه، فلا أحد يمن عليك بحقك هذا ولا أحد يحرمك منه، ولكن كنت أشير إلى أمرين:
الأول أن رؤيتك النقدية للتراث يجب ألا تكتسب درجة الحكم القطعي الذي لا مراجعة فيه ولا استئناف.
الثاني أن تكون مخلصاً لمعيارك الذي تضعه فلا تكن لينا متفهما لما ترغب فيه، وشديداً ذو بأس فيما ترغب عنه، أي لا تكون انتقائياً ترجح ما يوافق هواك.
ليس مطلوباً منك أن تجعل ابن ملجم بمرتبة ابن طالب، ولكن بكل تأكيد يجب أن تحاكمهما إلى منطق إنساني واحد، فأحدهما معتدي، والآخر معتدى عليه. ولن أتقبل أي منطق (خوارجي) يفسر الأمر بأنه في سبيل الله، مثلما يجب ألا نكون (خوارجيين) في التعامل مع أي اختلاف في الرأي.
وأنا أزعم هنا أني انتهج نهجاً عقلياً في حواري، فهل أنت لا تنهج هذا النهج؟ لا أظن وإلا لما كان لهذا الحوار أي قيمة، المفترض أنه حوار عقلاني، وليس سجالاً بين عرفانيات أو بيانيات أو غير ذلك من التصنيفات التي لا أحبذ استخدامها كثيراً. فهي تؤطر الآخر وتصنفه وتمنع فهمه وتفهمه إلا كببغاء ثمل.
المشكلة يا أخي إني لو وضحت لك الليبرالية، فهمتها مني على أنها دين أنافح عنه، أو أنها تصور ناقص لمغفل لا يدرك حقيقتها الخبيثة .. وفي كل الحالين تشعرني أنت تقرأ كلامي قراءة عمودية وليست أفقية.
ليس هناك فهم تفقيطي لليبرالية، فلا مقدسات ليبرالية ولا أقانيم ولا طوباويات ولا تابوهات ولا إكليروسية، كل شيء في صالح الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو ثقافته؛ هو ليبرالي.. وكل من يساهم في رقي الإنسان وتنظيم العلاقات ودفعها نحو الإنصاف والعدالة هو مرجع لليبرالية سواء أكان نبياً أو فيلسوفاً أو درويشاً مسالماً أو حتى موسيقياً، لذلك أرجو أن تأتيني بالقواعد التي تقلقك وتترصدك وتضيق عليك أو تحاول سلبك حقك أو إنسانيتك، جئني بها لنحرقها ونلعنها سوية.
أما مسألة النكاية بالمقدس فعلى الرغم من تكرار الحديث عنها أوضحها مرة أخرى، ليست المسألة متعلقة بنكايات يا سيدي، وكل من يجعل النكاية هماً له هو سخيف وسطحي ولا يروم خيراً ولا صلاحاً ولا إصلاحاً، بل إن معظم من طرح أطروحات ليبرالية الوصف، في المملكة، كان يتوسل لها المقدس سبيلاً للإقناع، فكيف نفهم الأمر على أنه نكاية بالمقدس، إلا إذا كنت تقصد بنكاية المقدس، اختلاف بعض الأطروحات مع الاجتهادات السائدة، فهذا نوع من مقاومة الانكال والتزمت ، وليس نكاية بوحي ولا بنبي.
يا سيدي جد لي مصطلحا بديلا لوصف الجيد والمنير والمضيء والمقر بحق الاختلاف والداعي إلى حفظ حق الإنسان وكرامته وحريته، لنئد سوية تسمية الليبرالية… هذا ما أقصده بالحساسية من التسمية، من قشرة الجوز، والانشغال بها عن المضمون أو لب الجوزة… لست متحيزا للتسمية بل كنت أفضل استخدام كلمة تنوير، لولا أن استخدامها قد يوحي إلى شيء من الاحتكار والاستعلاء.. لذلك فضلت إبقاءها ليبرالية حتى تتمتع بنقد من ينتقدها ويصلح من شأنها باستمرار. حمانا الله وإياكم من مشكلات النفس وما أكثرها يا صديقي.
ودعني أهمس لك بأمر (حلوة الهمس الافتراضي): أني بصفة شخصية وداخل قناعاتي المتعلقة بيقيني لطالما تجادلت مع من لا يقرون بالوحي حتى، وعلى الرغم من كل دفاعي ليس عن الوحي فحسب بل حتى عن وجهات نظر اجتهادية، لم أنكر عليه تنطعه أو مبادرته لهذا الأمر… فأنا شخصياً ودون أن تكون فتوى فلست مفتياً، أجد أن الفكر لا حجر عليه، وكل مثالب الفكر تنعكس على حامليه قبل أن تنعكس على الآخرين.
وصدقني يا أخي حتى في هذا المنتدى لطالما جادلت (ليبراليين باسم الليبرالية) استهانوا بالإنسانية في أحد جوانبها أو أكثر، وما هو خارج هذا المنتدى أكثر بكثير.
مقالك حول عوض وجمال مثلاً أنا أختلف معك فيه، وأميل جهة الشيخ، لأسباب تتعلق بإنكار الظلم وممثليه، ومع ذلك أكبرت فيك أنك أعملت العقل في رأيك، والذي جعلك تميل ناحية المثقف (العصراني: على قولتهم).. على حساب الشيخ… هذا ما يجعلني حقيقة أستغرب بعضاً مما يرد في ثنايا ردودك الجميلة بالإجمال.
أشكر لك تحفيز الحوار … وتحية متجددة على هذا الدرب الطويل …
وأعتذر عن الإطالة …ودمت شهماً كريماً….

مهيار

أخي الكريم
أظن أننا جئنا على معظم ما يكون الاختلاف بشأنه
ولا أجد ضرورة في التفكير في كيفية انهاء الحوار
وأنا أقدر لك انشغالك بأمور أخرى مثلما أنا قد أنشغل بعد الآن
ولو لاحظت ردي الأخيرهو عبارة عن توضيحات وآراء مقابلة
وليست ردا بمعنى الرد عليك
وأنا استفدت منك الكثير
وأحب أن أقول لك بصدق:
أنا تشرفت وسعدت بالحوار معك
وأنت تستحق كل احترام وتقدير
أيها الفقيه المثقف الشهم

دكتور استفهام

أخي الكريم مهيار ..

لا أريد الإطالة في الحديث عن ” الهوية ” باعتبار أنها ذات مدلول سجالي طويل عند كثير من التيارات التي تختلف رؤيتها للــ ” هوية ” باختلاف مرجعياتها ومنطلقاتها ، ولأن تصور ” الوطني ” يختلف عن تصور ” القومي ” عن تصور ” الإسلامي ” للهوية ولمحدداتها ، ومن باب أولى فإن ” الليبرالي ” سوف يختلف عن رؤية هؤلاء جميعا للهوية باعتبار النزعة ” الإنسانية ” التي تتجاوز الحدود والسدود المعرفية التي تعتبر الإنسان – كونه إنسان – هو المحور الذي يصنع ” القيم ” و ” الأخلاق ” و ” الفلسفة ” والتقدم …
أما أنا نظيرك في هذا الحوار فأنطلق من رؤية واضحة في قضية الهوية مستندا فيها إلى بعد ديني تاريخي ولغوي وحضاري ، وأرى أن المعايير التي تشكل هويتنا في مقابل هويات ” الآخرين ” تكمن في ” إسلامنا ” الذي يقضي على مفهوم ” الحضارة لأجل الحضارة ” ،ويحدد الغاية من الحياة ، واستمرارية الحياة الآخرة التي تشكل ” بوصلة ” و ” مؤشر ” لتحديد ” الأهداف ” من البناء الحضاري والمدني والأخلاقي ..

إنني لا أشك لحظة في خطورة المرحلة التي نعيشها ، ولكن هذه المرحلة تحتاج إلى إعاة ” التأطير ” للذات بدلا من ” الاستلاب ” للآخرين ، وأعني بقضية ” التأطير ” هذه أن يقف الإنسان لحظة للتأمل بــ ” الذات ” ومحدداتها في مقابل ” الآخرين ” ، حتى يستطيع أن يتلمس الطريق الصحيح في التعاطي الحضاري مع الآخرين في الوقت الذي يحافظ على هويته وأخلاقه ودينه ومحدداته التي تميزه عن الآخرين ..

لا خوف على ” الهوية ” حال الوثوقية الإيمانية والعلمية :

وها نحن نقرأ في القرآن جدالات كثيرة في ” الألوهية ” التي تعرض أصناف المعترضين ، والمشككين ، بل والمستهزئين ، ولكن القرآن كان يتعاطى مع هذه الافتراءات او التساؤلات بنهجية علمية تطلب الدليل والبرهان ، فحين ادعى من ادعى أن لله ولدا وهو من أعظم ما قيل في حق الله تعالى الذي قال عن ذلك : ( تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدا ، أن دعوا للرحمن ولدا ، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ، إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا .. ) ، فقد تعامل مع من يقول هذا بمنطقية الرشد والجواب : ( قل إن كان للرحمن ولدا فأنا أول العابدين ) ، فالله تعالى يوجه النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب الدليل والبرهان على هذا ، فإن أثبت المقابل هذا فهو أول من يعبد ولد الرحمن ، وهي لهجة وثوقية غير متوجسه من التساؤل ، وغير ممانعة له ، شريطة أن يكون هذا عن قناعة وعلم وطلب للحق ، وموسى عليه السلام قد مارس معه فرعون صنوف التساؤل والاستخفاف ومع ذلك كان موسى عليه الصلاة والسلام يجيب بيقين لا يتطرق إليه شك : ( قال فمن ربكما يا موسى ، قال ربنا الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى ) ، وهو الذي كان يطلب من هامان أن يبني له صرحا لعله يبلغ أسباب السموات والأرض فيطلع على إله موسى .. ثم يقول : وإني لاظنه كاذبا ، ومع ذلك كان موسى يجيب عليه مع كونه جاحدا مع استيقان نفسه بالالوهية : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا .. ) . وكان القرآن يجيب بالأدلة العقلية القطعية على ضرورة وبديهية الألوهية والقضاء على العبثية في الخلق والإيجاد : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وغيرها من الآيات التي تجعل العقل يحيل أن يأتي هذا الخلق صدفة ..

ثم في درجة أقل من هذه كانت الآيات الكثيرة تبين ” تشكيك ” الكفار في النبوة والرسالة ، فتحداهم بأعز ما يملكون ، فهم العرب الأقحاح ومع ذلك لم يستطيعوا أن ياتوا بآية من مثله ، وناقشهم في إبطال الحجج التي أرداوا بها صرف الناس وتنفيرهم من النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، فإن قلتم بأنه مجنون فأنتم تعرفونه كما يعرف الصاحب صاحبه قبل الرسالة وتعرفون بحقيقة انفسكم أنه أعقل الناس : ( قل إنا أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ( بصاحبكم ) من جنة ) ، فهم يعرفونه معرفة الصاحب لصاحبه ، فإن قالوا شاعر قال :: ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) ، فإن قالوا كاهن أو ساحر فخبراؤهم بالسحر والكهانة يعرفون أن هذا ليس بفعل كاهن ولا ساحر ، وغيرها من الشبهات التي يقف القرآن موقف المجادل ، وهو يرسم للمسلم المنهج القويم في القدرة على التعاطي مع كل إشغاب حول صحة وصدق الرسالة والنبوة والألوهية ..
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في طريقه مع نفر من اليهود يجادلهم عن ” الروح ” ، ويأتيه عبدالله بن الزبعرى ليشكل عليه في آية من القرآن في قوله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها عابدون ) ، فيقول : من الناس من يعبد الرسل والملائكة ، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة : من عبد من دون الله وهو راض فهو مع من عبده .

والتاريخ يشهد أن هذا الدين صمد أمام أقسى الظروف والعاديات ، شريطة أن يحمله من هو موقن به ، ولذلك فهذا الانفتاح لا يزعج كثيرا إذا ربي الناس على الثقة بما عندهم من الحق ، وهاهم المسلمون اليوم وفي قلب الحضارة الغازية المهيمنة يتمددون في دعوتهم لغيرهم ، ويدخل الناس في الإسلام أفواجا ، فلا عجب أن يدخل في الدين الافارقة الفقراء لأنهم سيجدون فيه لقمة عيش ، ولكن العجب أن يدخل فيه أكثر الناس تحضرا مثل فرنسا وبريطانيا وأمريكا والتي وصلت قمة التفوق الحضاري والتقني ..

ولذلك نجد أن منهج القرآن لا يمنع الإنسان من التساؤل حتى في قضية ” الألوهية ” لأنه جاء ليحل هذه الإشكاليات الفلسفية الكبرى ، والتي حيرت عقول الفلاسفة الأولين والآخرين ، ولا يزال الجدل قائما في الخلق والإيجاد والمعاد منذ زمن الفلاسفة الأوائل وما قبلهم إلى هذه اللحظة ، ومع ذلك لا تجد اتساقا مع الفطرة والعقل كما في القرآن ، ولكن المشكلة أن تتحول هذه ” التساؤلات ” إلى حالة عبثية لا يقصد فيها الحق والمعرفة ، بل يقصد فيها ” الإشكال من أجل الإشكال ” ، وهنا ينتقل الإنسان من طالب للحق والحقيقة حتى لو لم يفلح مقابله في إقناعه إلى مشكك للآخرين بعقائدهم ، وهذا هو الذي سوف يؤثر على الهوية والكينونة الحضارية ، وهو ما يرفض بشكل قاطع ، وخاصة أن كانت المسألة محاولة لخلخلة المجتمع من داخله ، وتغير بنتيه الثقافية ، والتجرؤ على مقدساته وقيمه الكبرى ، فهذا بمثابة إعلان حرب على المجتمع وأهله .

إنني أدرك أن أي جو تتقدم فيه الحريات قليلا سوف يكون ” الإسلام ” فيها منتصرا ، وخاصة في البلاد الإسلامية التي يشكل فيها الإسلام مرجعية شعورية ودينية عميقة لا تنفصل عراها ، وإن الذي يجعل ” الغرب ” يحجم عن مزيد من الضغط لأجل الحريات يكمن في هذا التخوف من الإسلام الذي يضرب أطنابه في عقول وضمائر المسلمين ، وهذا يدل على ان الإسلام هو الذي يشكل الهوية الحضارية للعرب والمسلمين ، وأن أي دعوة نهضوية وعلمية وحضارية وتقدمية تحاول تحييد الإسلام او التقليل من قدره في هذه المسيرة سوف تحكم على نفسها بالفشل الذريع ، وأن الإسلام يعتبر ” المحرك ” الشعوري والوجداني والعقلي والدافع الأكبر نحو النهضة ، وأن كبحه يعني مزيدا من التخلف .

إن محاولة ” تشويه ” الإسلام ووصفه بالإرهاب والدموية والفاشية ، وغيرها من الألفاظ الإعلامية التي ينفق عليها الغرب ميزانيات ضخمة لا تستغرب منهم ، كيف وهم يعتبرونه المنافس الحضاري الأوحد للحضارة الغربية ، وانه يحمل من صفات البقاء والدافعية والضخ في جسد الامة ما يشكل خطرا عليهم في عقر دورهم ، فهذا أمر طبيعي في التزاحم الحضاري على القياد ، ولكن المشكلة حين تكون المعاول بيد أبناء العرب والمسلمين والذين يساهمون في تفريغه من محتواه ، وتعميق الصورة النمطية عنه ، وتشويهه المتعمد ، والدعوة إلى إقصائيه بصورة التفافية ، فهم يحاولون الفصل بينه وبين آليات قراءته ، ثم تفريغه من محتواه الرسالي بالضرب على وتر المدارس التأويلية والتكفيكية التي تحيله يبابا لا قيمة لة ، ومع ذلك لم يفلح هؤلاء فيما يريدون ، ولن يفلحوا ، لأنهم يواجهون دينا متماسكا ومتسقا مع النفس البشرية التي تميز وتعرف ما ينفعها وما يضرها ..

هل لليبرالية أثر على ” الهوية ” :

يبدو أن من أوضح نقاط الخلاف بيني وبين الاستاذ مهيار هو حول ” مفهوم الليبرالية ” ، فأنا أعتبر الليبرالية من المفاهيم الشمولية الفكرية والفلسفية التي تحاول صهر كثير من القيم والأفكار والأنماط السلوكية في بوتقة واحدة ، وأن أصل الكلمة اللغوي ، ثم ترحلها الفلسفي جعلت منها مذهبا صارما في النظرة إلى جوانب المجتمع السياسية والاجتماعية والأخلاقية ، ولذلك قامت على أساس ” مفهوم الليبرالية ” أحزابا سياسية ، تؤسس برنامجها على الأفكار التي أنتجها فلاسفة الأنوار في الغرب ، ولها موقف محدد من الشموليات الأخرى ، فهي في موقف عداء مع كل النظم التي تخالفها مثل النظم القومية او العسكرية او الملكية ، بل وصل الصراع بين الليبراليين مع الديمقراطيين أوجه في السنوات الأخيرة ، ولا يمكن لفكرة تعرض نفسها على أنها ” نهاية التاريخ ” وبلوغ الرشد البشري إلا أن تكون فكرة شمولية تقدم حلولا مختلفة لجميع قضايا البشرية .

ولكن هذا لا يعني أنها فكرة سليمة من الاعتراضات والإشكاليات التي جعلت منها مرتعا كبيرا للتقويم والمراجعة ، وما يهمنا في هذا الحوار هو مدى قربها وبعدها من ” تعاليم الإسلام ” الذي يشكل مرجعية للبلاد الإسلامية وخاصة المملكة ، وهل يمكن أن تتسق الليبرالية مع تعاليم الإسلام في مفاصلها الكبرى ، وخاصة فيما يتعلق بـ ” الحقوق ” و ” الإقتصاد ” و ” الاجتماع ” ، وهل يمكن أن تتوافق ” الليبرالية ” مع ” حاكمية الشريعة الإسلامية ومرجعيتها ” ، أعتقد أنه مع محاولات الاستاذ الكريم مهيار في هذا الحوار الطويل لم نجد إجابة كافية ، وخاصة أن إحلال البديل المعرفي او السلوكي أو الفكري سوف يؤثر مباشرة على ” هوية ” أي بلد آخر ، وقد بينت أن الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الليبرالية بعيدا عن ” الفهوم الخاصة ” لليبرالية لا يمكن أن تتسق مع تعاليم الإسلام الذي يقوم في كثير من مسائله على ” القطع ” والصحة المطلقة والإلزام وأخذ الناس بالقوة والقسر للاستجابة ، وخاصة فيما يتعلق بقضايا ” الحدود ” و ” التعزيرات ” ، ومسائل ” الأخلاق والسلوك العام ” ، وقضايا ” الأحوال الشخصية ” ، و ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” الذي يتجاوز السلوك العام ليدخل في تصرفات الأفراد في بعض الجانب ، وغيرها من الأحكام التي تعتبر تعاليم ربانية ملزمة لمن انتسب إلى دائرة الإسلام ، أو ضوابط تكبح جماح الحرية الفردية التي تعطيها الليبرالية الأولوية والإطلاق ، فتحريم المحرمات ، ومنع الأشربة المحرمة ، وتحريم العلاقات غير الشرعية ، كلها في نهايتها وقوف أمام الحرية الفردية التي يريد الإنسان أن ينطلق فيها في العرف الليبرالي دون حسيب أو رقيب شريطة إلا يؤثر على حريات الآخرين ..

فإذا كانت الليبرالية تنظم العلائق بين البشر ، وترسم لهم الحدود الأخلاقية ، فإن هذا سوف يتعارض حتما مع أي دين يقوم على تعاليم صارمة تجبر الناس على التقيد بها ، وهذه واحدة من الاشكاليات التي تواجه الليبرالية في العالم الإسلامي والعربي ، وباعتقادي أن ” أزمة عدم القبول ” والاتساق والتوافق بين القيم الليبرالية والإسلام هي التي كانت سببا في نشوء كثير من التيارات ” التوفيقية ” التي طرأت على الساحة الفكرية العربية والإسلامية ، والتي تؤسس لفكرة التوافق القسري بين الإسلام والقيم الغربية لا من خلال الحرب المكشوفة على الإسلام ، بل من خلال إعمال التهذيب والتشذيب للإسلام نفسه ليتوائم مع هذه الفكرة ، ابتداء باليسار الإسلامي ، مرورا بالمناهج الأدواتية التي رسمت للوصول إلى غاية الإبطال للثبوت المعرفي واليقين الفكري لكثير من قيم الإسلام ، فأحمد لطفي السيد والانفتاح على ثقافة الغرب والتبشير بمذهب ” الحُريّين ” ، بل إنه طالب ان تكون الليبرالية : ( أساسا للحكم في جميع بلاد العرب ) وأن تكون مبادؤها قاعدة للتشريع كما في كتابه : مشكلة الحريات في العالم العربي . ، وهذا يدل على ان الليبرالية مذهبا له مبادؤه التي تستغرق جميع حياة الإنسان ، بل أسماها السيد ” مذهبا ” ، بل هي أنفع المذاهب على وجه العموم ..

الليبرالية .. أو الفناء :

وهنا يلاحظ على كثير من الليبراليين ، ولعل ما تفضل به الأخ مهيار يصب في هذا المصب حين يصورون أن ” الليبرالية ” هي الحل الأمثل والوحيد الذي لا يمكن أن نتنازل عنه ، وهم في نفس الوقت يرون في الليبرالية منهجا في شحذ الفكر الذي يمكن أن ينتج النماذج لخاصة بعيدا عن قيم الليبرالية وغيرها من الأفكار الأجنبية ، وخاصة أنها تتعارض مع المرجعية الدينية ، وتخالف النسق الاجتماعي الذي تشكلت هويته تاريخيا بصيغة خاصة تختلف عن أي مجتمع آخر ، وقد كرر الاستاذ مهيار مشكورا في أثناء هذا الحوار أنه لا يعارض المرجيعة ، بل هو يعتبرها مهمة ، وهذا جيد وحسن ، ولكن تبقى المهمة الكبرى هو الحفاظ على هذه المرجعية مما يعارضها من زاوية ، والعمل على خلق النموذج الذي يتوافق معها من زاوية أخرى ، وهذا يجعلنا نوقن بأن العقل الإنساني قادر على حل مشكلاته المختلفة من خلال ” إعمال العقل ” ، وخاصة حين نجد أن الدين الإسلامي لا يمكن ان يقف عائقا أمام أي مشروع فيه مصلحة للبشر ، بل هو يدفع إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض والسير في الأرض لاكتشاف سنن الله الكونية والتي تسهم في امتلاكه القوة التي تنهض به حضاريا ، وخاصة ان المشروعات المنقولة مثل ” الليبرالية ” لا يمكن فصلها عن الطبيعة الحضارية التي جاءت منها ، والنفس البشرية نفس مقلدة ومستلبة للقوي ، ومولعة بتقليد الغالب ، وهذا يعني أن كل ضخ باتجاه النماذج يعني مزيدا من التبعية لها حضاريا وشعوريا ، وهذا بلا شك سوف يؤثر على الهوية الخاصة والتي تواجه إذابة او حلحلة من خلال وسائل عولمية اتفق معي الأخ مهيار على أنها تحاول كسر الهويات الخاصة ، وإحلال القيم الاستهلاكية الغربية التي تحقق طموح القوي على حساب الضعيف المستلب .

أعتقد أنني أقرب إلى الفطرة والعقل الإنساني الحر حين أدعو إلى اعمال الفكر الحر السابح في فضاءات التأمل العقلي حتى نستطيع ان نتوصل إلى مكامن القوة والضعف في بناء حضارتنا وتقدمنا بعيدا عن أي مشروع ناجز أو أجنبي ، وأن هذا أقرب إلى الإنسانية من جعل النفس ” عالة ” على الآخرين ، تقتات على فتات أفكارهم التي رسموها لأنفسهم ، بينما هو يتعاطى مع محددات مرجعية ” إلهية ” ترسم له الطريق العام في كشف آفاق الكون وسننه وأسباب القوة فيه ، ثم هو يحمل عقلا مثل عقول البشر ، له القدرة على اكتشاف الآفاق ، ولكن المشكلة حين يعمل مفكرونا على ” التقليل ” من عقولنا في مقابل عقول غيرنا ، وهم بهذا يمارسون تشويها لصورتنا عند أنفسنا أولا وعند الآخرين ، ثم يقتلون فينا الروح الجهادية العلمية حين يجعلون المشكلة في ” بنية العقل العربي ” الذي لا يستطيع ان يكون عقلا مفكرا وحضاريا ، فيوهمون الجيل بأن الحل هناك حيث أوروبا وحضارتها ، قارئين البعد الحضاري بقراءة ناقصة ، مركزين على البعد المادي الذي يسلب الإنسان إنسانيته ، بينما نجد نصوص الشريعة تدعو إلى خلق النموذج الخاص من خلال ” الاعتزاز بالذات ” في مقابل الآخر ، ( لتتبعن سنن من كان قبلكم ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) ، داعية إلى المحافظة على الهوية الخاصة ، وفي نفس الوقت جاعلة ” الحكمة ضالة المؤمن ، أني وجدها فهو أحق بها ) ، وهذا يعني دفعا إلى الإبداع في الفكر والعلم والتقدم ، وهذا يتيح للإنسان ” الانتقاء ” الذي يمنع من أخذ الصالح والطالح لزاما ، وهذا ما ندعوا إليه في ظل هذا الانفتاح الحضاري والتواصل الثقافي مع العالم كله .

أشعر أني أطلت كثيرا ..
والسجال في هذه الموضوعات يجعل الإنسان يطيل دون أن يشعر ..
ولكن .. لعل فيما يقال فائدة للجميع ، مع تمنياتي لك بالتوفيق والإخوة القراء .

> من منتديات حائل

About these ads

2 تعليقات

  1. جعفر العمري قال:

    لم اقرأ افضل واجمل من هذا الحوار مع ان لحظات من التشخيص خالطته
    استفهام عقل ديني منفتح ومتسلح بمعرفة حديثة
    ومهيار طاقة جبارة وفكر عالمي وإنساني مميز ورؤية شاملة وعميقة
    جدير بهذا الحوار ان يطبع وينشر في اوسع نطاق
    شكرا لكم

  2. noon قال:

    تتحد مظاهر الإتباع المذموم رغم اختلاف مكانه وزمانه الإ أن محصلته مختلفة صح أو خطأ ارجو الرد حالاً ظروري

تفضل بالتعقيب

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,278 other followers

%d bloggers like this: