الرئيسية > المقالات, عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني > صراع مع الملاحدة حتى العظم

صراع مع الملاحدة حتى العظم

بسم الله الرحمن الرحيم

صِرَاعُ مَعَ المَلاحِدَة حتى العظم

تأليف عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني

الحمد لله ، والصلاة على خاتم أنبيائه وإخوانه الأنبياء والمرسلين ، حَمَلة رسالات الهدى ، ودُعَاة الخلق إلى الحق .

اللهم ألهِمنا الصواب ، وآتِنا الحكمة وفصل الخطاب .

الإهْدَاء

إلى كل مفتون بتزييفات المبطلين ، مخدوع بزخارف أقوال الملحدين .

إلى كل ناشد للحقيقة الكبرى في الوجود ، حريص على النجاة ، طالب للسعادة الخالدة .

إلى الشباب المؤمن الذي يودّ أن يدمغ الملاحدة بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة .

أقدم هذا الكتاب الذي يمكن أن يعتبر معركة جدلية مع طائفة الملحدين المعاصرين ، جنود الشياطين ، وأجراء اليهودية العالمية ، التي تكيد لكل حق ، ولكل أمة ، ولكل خير ، ولكل فضيلة .

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، ووفقنا لما تحب وترضى ، واجمع كلمة المسلمين على الهدى والتقوى ، وانصر أولياءك على أعدائك ، وأيَّد جندك على جند إبليس ، وحقق وعدك إذ قلت وأنت لا تخلف الميعاد:

{بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

(الأنبياء/21 مصحف/73 نزول)

الفصل الأول

مقدمات

لولا واجب حماية المسلمين

من تضليلات المضلين ، حتى

السخفاء والتافهين ، لما كان

(د. العظم) يستحق النظر فيه ، ولا

الالتفات إليه .

(1)

تصدّى لمحاربة الإسلام متصدّون كثيرون بوسائل مختلفة ، فتحطّموا وتكسّرت على حقيقته الثابتة المتينة نظرياتهم وجدلياتهم وأقوالهم المزخرفة ، وتكشفت بنوره تزييفاتهم وأكاذيبهم وأباطيلهم وظل الإسلام بحقه ونوره يتحدى كل مخالف له ، ويصرع كل مصارع ، ويطحن كل محارب .

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}

(الصف/61 مصحف/109 نزول)

هذا وإني ما زلت أعتقد أنه من غير المستحسن إثارة معارك جدلية مع الملحدين من أعداء الإسلام ، حتى لا تعطيهم هذه المعارك فرصة لنشر آرائهم بين أبناء المسلمين ، وحتى لا تكسبهم هذه المعارك دعاية يستغلونها لنشر أسمائهم ، وترديد أفكارهم وآرائهم الباطلة ، وبإهمالهم يتساقطون تساقطاً ذاتياً أمام سلطان الحق المالئ للوجود ، وينساهم الزمان كما نسي أسلافهم ، وتطويهم الحقائق طي وفاة الهالكين ، ما زلت في هذا الاعتقاد إلى أن ألحَّ عليَّ فريق من أهل الغيرة على الإسلام ، أن أكشف زيف بعض الملاحدة المعاصرين الذين تصدوا لمحاربة الإسلام في جذوره الكبرى ، بمكتوباتهم ومنشوراتهم التي حاولوا أن يضعوا لها هالة البحث العلمي ، والنقد الحر الجريء ، وبرر لي هؤلاء الأحبة من أهل الغيرة ضرورة العمل ، وأنه قد أصبح واجباً إسلامياً متحتماً ، باعتبار أن طائفة من طلائع فتياننا وفتياتنا قد أثرت في نفوسهم وأفكارهم بعض أباطيل هؤلاء الملاحدة وسفسطاتهم ومغالطاتهم ، حتى نقلني إلحاحهم من موقع الرفض إلى موقع التردد ، وبقيت متردِّداً حولاً كاملاً ، حتى أعاد هؤلاء الأحبة الغيورون على إلحاحهم في صيف عام 1393-1973م ، فاستخرت الله ، وعزمت على تحقيق الطلب ، وكتبت هذا الصراع العلمي المنطقي المحتشم ، التزاماً بآداب المناظرة والجدال بالتي هي أحسن ، ما لم يستدع رد الضربة الباطلة بكفئها من الحق .

ورجوت من هذا الصراع أن يحقق الله سنته التي أعلنها بقوله في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):

{أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}.

والله ولي التوفيق ، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد والسداد ، وهو حسبي ونعم الوكيل.

(2)

لو عرف كثير من الملاحدة أن اليهود المقنعين يحرثون على أكتافهم وظهورهم مزارع سياستهم ، ولا يدفعون لهم مقابل ذلك إلا الغرور بالنفس والأجر اليسير ، والفحش الكثير ، والخمر والحشيش ، والمواعيد الكاذبة ، والأوهام الخادعة ، لاستقام تفكيرهم ، وتيقظت بصائرهم ، ولرجعوا إلى صفوف المؤمنين بالله ، يكافحون الإلحاد ومن يغذيه أو يدفع إليه .

إن اليهود الذين وضعوا أو دعموا ما أسموه بالنظريات المناقضة للدين ، وزعموا أنها حقائق علمية زوراً وبهتاناً ، وأدخلوها ضمن حشد التقدم العلمي المعاصر ، أرادوا أن يخدعوا بها أجيال المثقفين ليخرجوهم من صفوف أمتهم ويستخدموهم جنوداً يدمرون بهم كل المواريث الإنسانية والتعاليم الربانية .

ألا فليعلم هذه الحقيقة شباب مضللون سائرون في طريق الإلحاد ، أو واصلون إلى غايته ، أو متطلعون إلى السير فيه .

(3)

قرأت طائفة من مكتوبات ملاحدة القرن العشرين ، فرأيتها حشداً من المغالطات الفكرية المقرونة بزخرف من القول ، والمقنَّعة بقناع العلمانية . فهي تحاول أن تُدَلِّي قارئها بغرور إلى مواقع الباطل ، مغشية بصره وبصيرته حتى لا يرى وجه الحق الجميل ، ثم تنتقل به من تضليل إلى تضليل ، مستخدمة عبارات الأمانة العلمية ، وغوغائيات كلمات التقدم الصناعي والتكنولوجيا ، ومعطية أحكاماً قطعية على مذاهب ومبادئ لا تمثل إلى وجهة نظر معينة لفئة من العلمانيين ، تخالفها وتناقضها وجهات نظر أخرى تدعمها مدارس علمانيَّة كثيرة ، من علمانيات القرن العشرين نفسه ، قرن التقدم المادي على اختلاف جوانبه واختصاصه .

وتسير جدليّاتهم ضمن هذا المنهج من المغالطات والغوغائيات والتقريرات ، والعبارات التي تتصنَّع الهدوء والمنطقية ، وتستغل كل ثقل التقدم العلمي الذي أحرزه إنسان القرن العشرين لأنفسها ومذاهبها ، مع أن التقدم العلمي والتكنولوجيا بعيد كل البعد عن دعم مذاهبها ، أو تأييد إلحادها بالله ، وجحودها اليوم الآخر ، لدى تحري الحقيقة بصدق ، في كل مجالات التقدم الصحيح الحق ، في العلوم المادية والتكنولوجيا . وتدس جدلياتُهم في بعض عباراتها نفثات الهزء والسخرية ، وتبجحات التعاظم بالتقدم العلمي والصناعي ، وذكر الأسماء الأجنبية المعروفة في ميادين المعرفة والعلوم المادية وسيلة للتأثير على الضعفاء المراهقين في عقولهم ونفوسهم ، الذين لا يصمُدون لاستهزاء المستهزئين من أهل الباطل ، وتستهويهم مظاهر الاستكبار والتعاظم ، وتخدعهم دعاوَى المعرفة والتقدم العلمي الحديث ، وتؤثر في نفوسهم الأسماء المشهورة في ميادين العلم .

وأمام هذه المغالطات والغوغائيات الجدلية ، ذكرت قول الله تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

{وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً}.

(4)

قرأت فيما قرأت مقولات “نقد الفكر الديني” للدكتور صادق جلال العظم ، الحائز على لقب “دكتور” من الذين دسَّوا الكفر في فكره إذ منحوه هذا اللقب ، فرأيت في مقولاته عجباً من المغالطات والأباطيل والافتراءات ، وسائر وسائل الجدال بالباطل لدحض قضية الحق .

وكنت قلت في نفسي قبل أن أقرأ مقولاته بإمعان : لعله باحث أخطأ وجه الصواب ، وعاب بانحرافه الحق الذي لا يعاب ، ولكني بعد أن قرأت كتابه رأيته نموذجاً من التضليل المراد ، القائم على المغالطات والأكاذيب والادِّعاءات الباطلة ، وستر وجه الحق الديني الذي تصدى لمحاربته علناً ، وتزيين وجه الباطل الإلحادي الذي حمل لواء مناصرته والتبشير به .

وقد كنت قرأت علوم الفلسفة والمنطق والمناظرة ، ومررت فيها على ما يسمونه (بالمغالطة) وما يسمون (بالسفسطة) فإذا سئلت عن أمثلة لهما لم ينجدني الخيال إلا بأمثلة محدودة ، رغم الكد الذهني الذي أبذله ، فلما قرأت مقالات “نقد الفكر الديني” ظفرت منها بأمثلة كثيرة للمغالطات وأنواع السفسطات التي تعمدها كاتبها الناقد (د. العظم) ليضلل بها من يطالع كتابه من مراهقي الفتيان والفتيات ، من أجيال الأمة الإسلامية ، خدمة متحمسَة للماركسية والداروينية والفرويدية وسائر النظريات بل (الفرضيات) اليهودية الإلحادية ، وهو في كل ذلك يتستر بعبارات التقدم العلمي والصناعي ، والمناهج العلمية الحديثة ، ولا يقدم من البينات إلا قوله مثلاً: إن العلم يرفض هذا ، أو لا يسلم بهذا ، أو يثبت هذا ، دون أ، يطرح مناقشات علمية نقدية تتحرى الحقيقة .

فمن غريب ما فعل في منطقه الشاذ أنه جمع كل الأديان ، وكل ما فيها من حق وباطل ، وكل ما نسب إليها من ضعيف وقوي وفاسد وصحيح ، وقال : هذه هي الأديان ، ثم وجه النقد اللاذع للباطل الظاهر ، وللضعيف البين ، وللفاسد المعروف فساده ، ثم صنع من ذلك مقدمة فاسدة استنتج منها إبطال الدين كله .

لقد رأى في مقدمته الفاسدة أن الاتجاهات الدينية يوجد فيها ما هو باطل مخالف للحقائق العلمية ، التي توصل إلهيا البحث العلمي ( ووضع الأديان المختلفة كلها في دائرة واحدة ) ثم زعم أنه لما كان الدين كله يمثل جبهة واحدة ، وقد وجد الباطل في جانب من جوانب هذه الجبهة ، ولما كان الدين متماسك الحلقات متى انتقض بعضه انتقض كله ، فالنتيجة التي يستخلصها الفكر العلمي هي أن الدين كله مشكوك به ، ولا يصح الاعتماد عليه ولا الأخذ به .

هذه هي حجة (د. العظم) في إبطال الدين كله ، ولست أدري هل يقبل إنسان يملك الحد الأدنى من التفكير المنطقي السليم هذا النوع من الاستدلال العظمي الذي ليس له أسر[1] يشده ، ولا لحم يملؤه ، ولا إهاب يزينه ، أو تجرى فيه دماء حياء أو حياة .

على هذا القياس العظمي نستطيع أن نبطل العلوم المادية كلها ، ونجعلها شيئاً غير موثوق به مطلقاً ، فنقول : إن الاتجاهات العلمانية التي تعتمد على البحث العلمي المدروس بأناة واختبار وتجربة للوصول إلى الحقائق هي اتجاهات باطلة مزيفة ، بدليل أننا نلاحظ عند أصحاب هذه الاتجاهات نظريات متناقضة ، ونلاحظ بعضها فاسداً قطعاً ، وبعد هذه المقدمة نُصدر وفق القياس العظمي حكماً قطعياً عاماً على كل الاتجاه العلمي ، ونقول : هو اتجاه مشكوك به ، باعتبار أن فيه نظريات باطلة ، وبما أن أصحاب الاتجاه العلماني يُمثلون جبهة واحدة ، ومتى ظهر الفساد في بعضها فلا بد أن يكون الفساد أو الشك شاملاً لها كلها ، وبناءً على ذلك فالاتجاه العلماني باطل كله!.

لو قال هذا الكلام واحد من المتدينين لقال الناس جميعاً – وفيهم المتدينون أنفسهم- : هذا إنسان فاسد العقل فاسد التفكير .

أما سيادة العظم فيقول مثله تماماً عن الاتجاه الديني كله ، وهو يتظاهر بحرصه الشديد على الأمانة العلمية التي تنشد الحقيقة ، ثم لا يجد بين العلمانيين الماديين من يوجه له نقداً أو تصحيحاً منطقياً ، فأين الأمانة العلمية التي يزعمونها ويتبجحون بها؟!

أهذا أمانة علمية؟ أم هو مغالطة ، وخيانة للعلم ، وخيانة لأصول العقل السليم والمنطق السديد؟

هل يصح في أصول العقل السليم تعميم مثل هذا التعميم؟ إن هذا التعميم الفاسد لا يفعله بقَّال ولا بائع خضراوات ، بل نرى البقَّال يصنف بقوله ، ويميز بين الفاسد والصحيح منها ، ونرى بائع الخضروات كذلك يميز بين الفاسد والصحيح من خضرواته ، ثم لا يرفض أصحاب الحوائج كل ما عندهما ، ولا كل ما عند جميع البقالين وبائعي الخضراوات ، لأن بعضهم يوجد عنه فاسد من بقول أو فاسد من خضراوات .

فأين المنهج العلمي الذي يتبجح به ؟ وأين الأمانة العلمية التي يتظاهر بالغيرة عليها؟

قرأت جدليات (د. العظم) وجدليات غيره من أساطين الإلحاد ، فرأيت أن جدلياتهم كلها تعتمد على المغالطة الفاحشة الوقحة ، أو المغالطات المقنعة بالحيلة والخداع ، ولدى إحصاء هذه المغالطات وجدتها تعتمد على العناصر التالية:

1- تعميم أمر خاص ، والمغالطة هنا تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل .

2- تخصيص أمر عام ، والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل .

3- ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل .

4- حذف قيود وشروط لازمة ، يؤدي حذفها إلى تغيير الحقيقة .

5- التلاعب في معاني النصوص لإبطال حق أو إحقاق باطل .

6- طرح فكرة مختلفة من أساسها للتضليل بها .

7- تصيّد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام ، مع أنها اجتهادات منتقدة مردودة من قبل مجتهدين آخرين ، أو من قبل جمهور علماء المسلمين .

8- التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام ، وإطلاقها على أنها مفاهيم إسلامية مُسلَّم بها عند المسلمين ، والإسلام منها بريء براءة الحق من الباطل .

9- نسبة أقوال أو نصوص إلى غير قائليها أو إلى غير رواتها .

10- كتمان أقوال صحيحة ، وعدم التعرض إليها مطلقاً ، مع العلم بها وشهرتها .

11- الإيهام بأن العلوم المادية ملحدة على خلاف ما هي عليه في الواقع .

وعلى هذا النمط تسير مغالطاتهم ضمن تلاعبات كثيرة فيها خيانة للعلم وللحقيقة .

ولكني أرجو أن لا تنطلي مغالطاتهم وحيلهم وألاعيبهم على مثقفي هذه الأمة ، وأن يكتشف الجميع خيانتهم لأمتهم وتاريخها ، وخيانتهم لأنفسهم إذ باعوا نفوسهم لأعداء الحق شياطين الإنس ، وأن يكون رائد هؤلاء المثقفين محبي الخير لأمتهم وأنفسهم أن يتحققوا بمضمون الدعاء التالي :

“اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، ووفقنا لما تحب وترضى” .

والناقد (د. العظم) قد استخدم في كتابه “نقد الفكر الديني” معظم عناصر المغالطات التي أوضحتها آنفاً ، غير مكترث بالحقيقة ، ولا بالأصول المنطقية الصحيحة ، ولا بالبحث العلمي السليم ، وأما الأمانة العلمية التي تباكى من أجلها وتظاهر بالحرص الشديد عليها فلم يُقم لها أي وزن ، بل راح يطعنها في الصميم لدعم قضية الإلحاد التي حمل لواءها ، وانطق يبشر بها بين أبناء الأمة العربية .

أفبهذه المغالطات تُنشد الحقيقة العلمية؟

أفبهذه المغالطات تكون المحافظة على الأمانة العلمية؟

أهذه هي الأصول المنطقية المتقدمة التي يعتمد عليها؟

إن الحق الذي تنكره اليوم أيها الجاحد لن تستطيع أن تنكره غداً يوم الدين ، ولن تستطيع أن تجحده إذا أراد الله أن ينزل بك شيئاً من معجَّل عقابه ، وعندئذٍ لن تستطيع الشيوعية العالمية ، ولا اليهودية العالمية ، ولن يستطيع ملاحدة الدنيا أن ينقذوك من قبضة العدل الإلهي .

إن عذاب الله لشديد ، ولئن استهنت به وأنت مغرور متمتع بصحتك وقوتك ، فلن تستهين به يوم يمسُّك شيء منه ، إن ربك لبالمرصاد ، وإنه لا يخلف الميعاد .

لن يضر الحق شيئاً أن يجحده جاحدوه ، أو ينكره منكروه ، فالله حق وبيده مقاليد كل شيء ، وهو على كل شيء قدير .

ولكن إنكار الحق تبارك وتعالى يضر المنكر وحده ، وجحوده تبارك وتعالى يضر الجاحد وحده ، فهو بجحوده وإنكاره واستكباره يخسر نفسه وسعادته ، ويقذف بهما إلى العذاب الأليم .

أيها الملحدون : اسمعوا قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

* * *

الفصل الثاني

الحقيقة بين الدين والعلم

(1)

حاول الناقد (د. العظم) بمغالطاته وافتراءاته الكثيرة – أُسوة بسائر ملحدي هذا العصر – أن يثبت أن الدين مناقض للعلم ، ليتوصل من ذلك إلى نقض الدين كله جملة وتفصيلاً ، وقد جعل هذه النقطة هي المحور الأساسي الذي دار حوله في محاربته للدين ، ونقده المزعوم المزور للفكر الديني ، ونقضه المزيف الكاذب لقضية الإيمان بالله من أساسها .

من أجل ذلك عقدت هذا الفصل “الحقيقة بين الدين والعلم” قبل الدخول مع العظم في المعركة الجدالية ، حول النقاط التفصيلية التي أثارها في جدلياته غير الشريفة وغير الأمينة ، لأكشف فيه مواقع النظر السليم إلى كل من العلم والدين ، ولأحدِّد فيه أبعاد كل منهما ، ومواطن الشبهات التي قد يقع فيها هؤلاء أو هؤلاء ، وبذلك ينكشف للقارئ منهج الحق قبل أن يشهد في هذا الكتاب فصول الصراع الجدلي على النقاط التفصيلية التي أثارها العظم ، فمن عرف قواعد الصواب والخطأ في موضوع ما قبل أن يشهد حلبة الصراع فيه استطاع في نفسه أن يكون حكماً ، ويعرف المحق من المبطل ، ويعرف المستقيم المقسط من المراوغ المخادع .

(2)

تجوزاً في التعبير ، ومتابعة لما هو دارج على ألسنة الناس ، أضع هذا العنوان (الحقيقة بين الدين والعلم) لهذا الفصل ، مع أن الحقيقة أن الدين الحق ليس قسيماً مغايراً للعلم ، وإنما هو علم عن طريق الوحي ، وما جاءت به طريق الدِّين اليقينية هو من قبيل الحقائق العلمية ، وللحقائق العلمية طرق إثبات أخرى هي الوسائل الإنسانية البحتة .

فالمقابلة إذن ليست بين الدِّين والعلم ، ولكن بين طرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين ، وطرق اكتساب المعرفة الإنسانية البحتة ، كطريق الحس المباشر لإدراك المعارف ، وهو الإدراك القائم على المشاهدة والتجربة ، وكطريق العقل لاستنباط المعارف التي لا تُدرك بالحس المباشر ، وهذه الوسائل الإنسانية المختلفة وأدواتها التي تستخدمها ، هي منحة من الله لعباده ، حتى يستخدموها في اكتساب المعارف والعلوم ، ولذلك كان الإنسان مسؤولاً عنها عند الله في مجال اكتساب العلم ، فقال الله في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}

وهذه السوائل الإنسانية تقدم بدورها شهادة يقينية بالحقائق التي توصلت إليها ، أو شهادة ترجيحية بالمعارف التي ترجحت لديها بغلبة الظن ، وكذلك الوحي الجامع لطرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين ، هو أيضاً منحة من الله لعباده ، وقد جعله الله للناس طريقاً لاكتساب طائفة من العلوم ، وهي التي يطق عليها اسم علوم الدين ، ونلاحظ أن أهم ما يختص بها العلوم الغيبية التي لا تدركها الحواس الإنسانية ، ولا تستطيع العقول بوسائلها إثابتها مستقلة عن أنباء الدين.

أما الحقيقة بالنسبة إلى الأمور الوجودية (غير الاعتبارية وغير النسبية) فهي واحدة ، والإدراك الحسي يقدم شهادة بما توصل إليه من نتائج نحو الحقيقة ، ويرافق الإدراك الحسي الوسائل المادية التي يستخدمها الحس ، كالملاحظة والتجربة مع الأدوات والآلات التي تثبت صحة شهاداتها ، كالمقاييس والموازين والكواشف المختلفة ، وذوات الإحساس المادي غير الإرادي الكيميائي والفيزيائي ، حتى الذري الإلكتروني . والاستنتاج أو الاستدلال العقلي يقدم أيضاً شهادةً بما توصل إليه من نتائج نحو الحقيقة . ولا يمكن أن تتناقض نتائج الإدراك الحسي ونتائج الاستدلال العقلي إلا وأحدهما أو كلاهما مصاب بالخلل ، وذلك لأن كلاً منهما منحة ربانية وضعها الخالق بين يدي الإنسان ليعرف بها حقائق الأشياء ، كما وضع بين يدي كل منهما وسائل البحث التي تقدم شهاداتها عن مشاهداتها ، والطرق الصحيحة التي تقصد أمراً واحداً لا بد أن توصل إلى غاية واحدة ونتيجة واحدة ، أو غير متناقضة على أقل تقدير ، إذ تتكامل الحقيقة مما قدمت هذه الطرق من مدركات ، أو يعرف بها جزء من الحقيقة ، على قدر ما استطاعت أن تكشف منها .

ثم إن الوحي الذي هو منحة من الله لعباده عن طريق النبوَّة هو أيضاً طريق من طرق المعرفة الصحيحة ، فهو يقدم شهادة بالحقيقة ، ومتى كان الخبر عن الوحي يقينياً مقطوعاً به فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتناقض مع اليقين الذي تُوصل إليه الوسائل الإنسانية البحتة . ولو أمكن أن تتناقض لكان معنى ذلك أن الفاطر الحكيم لم يضع بين أيدينا الوسائل الصحيحة التي تكسبنا المعارف والعلوم الحقة ، أو لم يصدقنا فيما أخبرنا به عن طريق الوحي ، وكل من الأمرين مستحيل عقلاً وشرعاً .

فالله تبارك وتعالى جعل وسائل المعرفة فينا مسؤولية في ميدان المعرفة والبحث العلمي ، ومسؤوليتها هذه رهن بأنها من الطرق الموصلة إلى الحقيقة ، كما جعلنا مسؤولين عن التسليم بما يخبرنا به عن طريق الوحي ، لأن برهان العقل قد قام لدينا بأن ما يخبرنا به الرسول عن طريق الوحي صدق وحق ، والجامع بين الأمرين هو أن كلاً منهما يقدم شهادة بالحقيقة ، وبما أن الحقيقة واحدة فإنه لا يمكن أن تتناقض نتائج الطرق الصحيحة الموصلة إليها ، ومتى ظهر التناقض فلا بد أن يكون ذلك لخلل أصابها أو أصاب واحداً منها .

فمن الأمثلة ما يلي : لقد أخبرنا الله أنه لا إله إلا هو ، وهذا خبر جاءنا به الوحي فقدم لنا شهادة بحقيقة وحدانية الخالق تبارك وتعالى ، والبحث العلمي في هذا المجال لا بد أن يوصل إلى هذه الحقيقة نفسها ، ولذلك قال الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ..}.

فلدينا إذن حول هذه الحقيقة شهادة الله إذ أخبرنا بوحدانيته عن طريق الوحي والرسل ، ولدينا أيضاً شهادة أولي العلم الذين توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق البحث العلمي .

فمن الغفلة الكبيرة والجهل بأصول المعرفة ، إقامة الصراع والنزاع بين ما يأتي من المعارف الكونية عن طريق الدين ، وما يأتي منها عن طريق الوسائل الإنسانية ، مع أن هذه وتلك شواهد إلهية أقامها الله بين يدي الإنسان ليعرف بها الحقيقة ، وهل يشهد الله شهادتين متناقضتين أو يضللنا سبحانه فيضع لنا وسيلتين تعطي كل منهما نتيجة مناقضة للأخرى في موضع واحد؟

هذا أمر لا يكون في حال من الأحوال ، وحكمة الله العلي العليم الحكيم القدير تأباه .

وواجبنا لدى البحث عن الحقيقة أن نحرر تحريراً دقيقاً ما تأتينا به الوسائل الإنسانية من المعارف ، وما يصلنا من أخبار الوحي .

وكل مظهر للتناقض بين ما تشهد به الوسائل الإنسانية للمعرفة وما تشهد به النصوص الدينية لا يعدو أحد الاحتمالات التالية:

1- إما أن يكون الذي نسب إلى العلم لم يصل إلى مرحلة العلم المقطوع به ، كالنظريات التي لم تتأكد بعد ، والتي ما زالت رهن البحث والنظر ، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية ، وإن اعتقدها العلماء الماديون لعدم وجود ما هو أقوى منها في نظرهم المادي البحت ، ولأنه لا اختيار لهم بعد ذلك إلا التسليم بما جاء به الدين ، وهم يرفضون نفسياً هذا الأخير .

2- وإما لأن الذي نسب إلى الدين لم يصل إلى درجة القطع في نقل النص الذي تضمنه .

3- وإما لأن الفهم الذي فُهم به النص الديني فهم خاطئ ، وهذا الفهم لا يتحمل النص الديني وزر خطئه ، وغنما يعبر عن رأي من فهمه على هذا الوجه المخالف للحقيقة العلمية ، التي توصلت إليها الوسائل الإنسانية ، كمسألة كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس .

وهنا نلاحظ أن النصرانية لما سقطت في طائفة من المفاهيم الباطلة الدخيلة على أصل الدين ، والمخالفة له ، والمناقضة لأصول العقل والعلم الصحيح ، حاولت أن تتلخص من ورطتها هذه بمقالتها المشهورة : “الدين لا يخضع للعقل” وأطلق علماؤهم بين بين أتباعهم كلمتهم المأثورة : “أطفئ مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى” وحرموا التفكير والنظر في مسائل الدين ، وفرضوا عليهم التسليم الأعمى بالإله المثلث دون مناقشة ولا نظر ، مع أن أصول العقل السليم ترفض هذا رفضاً قطعياً ، ولا تسلم به النفوس إلا مع تعطيل منطق العقل ، ورافق ذلك أنهم أقفلوا باب العقل والبحث العلمي نهائياً عن كل مسألة تعرضت إليها نصوص دينهم ، حتى ما كان منها متعلقاً بواقع الكون الذي تستطيع الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفته .

ولما جاء الإسلام رفض هذا التثليث الدخيل على دين الله ، ونادى بالوحدانية ، وقدم على ذلك شهادة من عند الله ، نزل بها الوحي على رسول الله محمد  ، وشهادة من أولي العلم ، فجعل العقل العلمي شاهداً على هذه الحقيقة ، وناقض مخالفيها على أساس من العقل والعلم ، واعتبر العقل في هذا سنداً يُستفتى ويُستشهد به ، ولو كان البحث العلمي الإنساني السليم سيوصل إلى القطع بحقائق لا يوافق عليها الدين لما دعاه الإسلام إلى تقديم شهادته بالحقيقة ، ولما أرشد الله العلماء إليه ، ووضع في أيديهم وسائله ، ودفع بهم إليه دفعاً ، فقال الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ…}.

وقال في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):

{قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ…}.

وقال في سورة (الذاريات/51 مصحف/61 نزول):

{وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ..}.

ولما ناقش الناس بدلائله (أي : بدلائل العقل) ، ففي إثبات الوحدانية قال الله تعالى في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):

{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}

وقال في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

وفي إثبات وجود الله ناقش بالمنطق العقلي البحت فقال الله تعالى في سورة (الطور/52 مصحف/76 نزول):

{أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ}.

إلى غير ذلك من شواهد كثيرة[2]

(3)

الغيب ومنطق العقل

حينما يناقش علماء النصارى في مسألة التثليث أو غيرها من المسائل التي يرفضها منطق العقل ، يدافعون بأن الدين لا يخضع لمنطق العقل ، إذ هو فوق مستوى العقل البشري ، ويجب التسليم بكل ما جاء فيه ، ولو كان العقل يرفضه رفضاً باتاً لاستحالته .

وظل رؤساء الدين عندهم يهيمنون على أتباعهم بهذه الحجة ، حتى قامت الثورة العلمية المادية الحديثة ، ففجرت جوانب البحث العلمي في كل مجال من المجالات العلمية التي يستطيع الإنسان أن يتوصل إليها ، وأيقظت الفكر النصراني من سباته الذي لازمه قرابة خمسة عشر قرناً ، ثم امتد أثره إلى الأمم الأخرى ، ومع هذه اليقظة العلمية أخذ المثقفون منهم يفكرون في قضية التثليث ، وفي قضايا مشابهة ، يقال عنها: إنها من أمور الدين التي هي فوق مستوى العقل ، ويجب التسليم بها ، ولو كان العقل يرفضها قطعياً ويرى أنها مستحيلة ، فلم تهضمها عقولهم ، وبدأوا يتشككون في صحة ديانتهم من أساسها ، وقام الصراع المعروف بين قوتين :

قوة تقليدية لها مؤسسات ورياسات دينية وأنظمة حكم تدعمها .

وقوة أخرى أخذت سبيلها إلى النهوض المادي عن طريق البحث العلمي ، ومناقشة الأمور بالعقل والمنطق وسائر وسائل البحث الإنساني للوصول إلى المعرفة الصحيحة .

وانتهت معركة الصراع بمحاصرة الديانة النصرانية وحجزها داخل جدران الكنيسة ، ثم أخذت الأجيال النصرانية سبيلها إلى إنكار ديانتهم ، والشك في صحتها من أساسها ، وعاشت في فراغ فكري وروحي خطير ، وفي هذا الجو النفسي المستعد لملئه بشيء آخر نشط دعاة الإلحاد الماديون يبثون أفكارهم الإلحادية ، واستغلت اليهودية العالمية هذا الواقع أو ساهمت في التدبير له ، وشحنته بما يلزم من الآراء الإلحادية والنظريات الخادمة لقضية الإلحاد ، فأخذ الإلحاد ينتشر في أوروبا انتشار النار في الهشيم ، وتبعتها شعوب أخرى ، ودار دولاب الانهيار في الغرب والشرق متسارعاً بشكل خطير ، مؤذن بدمار قريب تتحقق فيه سنة الله في الأمم .

والمسؤول عن كل ذلك أو معظمه العلماء بالنصرانية ورؤساء الكنيسة ، لأنهم لم يصححوا العقائد المزيفة ، الدخيلة على أصول ديانتهم ، والتي كان اليهود من قبل قد عملوا على إدخالها فيها لإفساد أصول النصرانية ، ثم لم يعمل هؤلاء الرؤساء الدينيون لإقناع شبابهم المثقف بالحجة والبرهان .

وهنا يتساءل الشاب المسلم المثقف فيقول : ما هو موقف الإسلام من العقل ، ومما تثبته وسائل المعرفة الإنسانية تجاه ما جاء به الدين ؟

ومن واجبنا أمام هذا التساؤل أن نحرر الجواب تحريراً شاملاً شافياً:

أولاً: من نعمة الله علينا في الإسلام أن أصوله وأركانه قد سَلِمت من التغيير والتحريف ، فلم يصبها شيءٌ ، مما أصاب أصول الأديان الأخرى من ذلك ، فليس أمامنا مشكلة دين محرف مخالف للحقيقة ، أو مخالف لمنطق فليس أمامنا مشكلة دين محرف مخالف للحقيقة ، أو مخالف لمنطق العقل والواقع ، حتى نلفّق لدعمه الحجج الخرافية ، على أن الإسلام لا يرضى ولا يقبل بحالٍ من الأحوال من المؤمنين به أن يلفقوا الحجج الباطلة ، أو يختلقوا الشهادات الكاذبات ، ولو كان ذلك لدعم الحق الذي جاء به ، لأن قبول هذا الأسلوب سيقضي على الأدلة والحجج الحقة الصادقة ، وسيقضي بالتالي على الدين من أساسه ، إذ قبل بمبدأ التأييد بالباطل ، فالحق لا يقبل التأييد والمناصرة إلا بالحق .

ثانياً: الإسلام دين الحق ، والحق لا يمكن أن تقوم الأدلة الصحيحة على إبطاله بحال من الأحوال . ولكن قد تقوم الأدلة الباطلة لإبطاله في تصورات المغرورين المخدوعين صغار العقول ، على أن هذه الأدلة الباطلة لا تلبث حتى تنهار ، وحسبها ضعفاً وقلة شأن أنها أدلة باطلة في أصلها ، مهما طليت بالأصباغ وأنواع الزينة من زخرف القول .

ثالثاً: تنقسم المعارف الدينية إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :

تكاليف عملية نفسية وجسدية يطالب الناس بها . ومن نعمة الله علينا في الإسلام أنها مشتملة على ما يصلح أوضاع الناس وأحوالهم ، ويرتقي بهم إلى أرفع درجة حضارية إنسانية ، سواءٌ أكانت تكاليف عبادات ، أو تكاليف أخلاق ، أو تكاليف معاملات ، أو تكاليف أخرى تدفع الناس إلى الارتقاء المجيد في سلَّم الحضارة الإنسانية المثلى ، الخالية من عيوب الانهيار الأخلاقي والنفسي والسلوكي .

وبرهان هذا وتفصيله يتطلب شرحاً طويلاً ، عرضت طائفة مناسبة منه في كتابي : “أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها” .

على أن الأصل في التكاليف أنها ابتلاء للإرادة ، والامتحان لا يشترط فيه بشكل لازم أن يكون موافقاً لمصالح الواقعين تحت الامتحان . لكن فضل الله كان عظيماً ، إذ كان امتحانه لنا في تكاليف تضمن أحسن المصالح لنا ، وأوفى المنافع ، وأكثر الاحتمالات دفعاً للأضرار والمخاطر ، وأسلمها حلاً للمشكلات .

القسم الثاني :

أنبا عن واقع كوني باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفتها على ما هي عليه في الواقع ، ولو بعد حين .

وما جاء في الإسلام من هذا القسم لا يمكن أن يكون مخالفاً للواقع والحقيقة ، إلا ضمن احتمالين لا ثالث لهما :

الأول : أن يكون فهم النص الإسلامي من قبل بعض المجتهدين أو المؤولين فهماً خاطئاً .

الثاني : أن يكون النص المنسوب إلى الإسلام نصاً غير صحيح النسبة ، كأن يكون خبراً كاذباً ، أو ضعيفاً لا يصح الاعتماد عليه ، أو خبراً غير قطعي الثبوت ، فمن الممكن دخول خطأ فيه من نقل الراوي أو فهمه ، إذ يحتمل أنه روى المعنى الذي فهمه هو ، ولم يرو اللفظ ذاته الذي أخبر به الرسول  ، وهذا إنما يكون في أحاديث الآحاد فقط ، أي : التي لم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي أو المعنوي .

إما أن يكون الخبر الإسلامي قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، ثم يخالف الحقيقة والواقع ، فهذا غير موجود حتماً ، وليس من الممكن أن يوجد قطعاً .

ولكن هنا قد تقع مغالطة لا بد من التنبيه عليها ، وهذه المغالطة تأتي من قبل ما ينسب إلى الحقيقة العلمية ، الآتية عن طريق الوسائل الإنسانية البحتة ، فكثيراً ما يدعي الماديون أن فرضية من الفرضيات ، أو نظرية من النظريات ، قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل ، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة نهائية ، أو حقيقة مقطوعاً بها ضمن مستواها ، وذلك بشهادة العلماء ، الذين وضعوا هذه النظرية أو ساهموا في تدعيمها .

ومن أمثلة ذلك الداروينية بالنسبة إلى نشأة الكون وخلق الإنسان ، فهي لا تملك أدلة إثبات قاطعة أو شديدة الترجيح ، ولكن كثيراً من العلماء الماديين يقبلونها تسليماً اعتقادياً ، لا تسليماً علمياً ، إذ ليس لديهم اختيار بعدها إلا الإيمان بالخلق الرباني ، وهذا أمر لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين لقبوله ، ما دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئاتهم .

ويأتي كُسور من المثقفين (أنصاف – أرباع – أعشار) من المتأثرين بالنزعات الإلحادية فيدَّعون وجود التناقض بين الدين والحقائق العلمية ، استناداً إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية وبعض الفرضيات أو النظريات التي لم تصبح بعدُ حقائق علمية ، وهم يزعمون كذباً أو يتصورون خطأ أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة بشكل قطعي غير قابل للنقض ، وهنا يقعون في غلط علمي فاحش جداً ، ويتبع ذلك سقوطهم في ضلال اعتقادي كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه ، علماً بأن طائفة من النظريات التي نسبت إلى العلم قد وُضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله ، على أيدي يهود أو أجراء يهود ،وصيغت لها المقدمات والمبررات التي ليس لها قواعد منطقية علمية صحيحة .

فالواجب إذن يتحتم علينا – أخذاً بطرق البحث العلمي السليم المحرر الذي أمرنا به الإسلام-أن نمعن النظر فيما قدمته شهادة العقل ، ووسائل البحث العلمي الإنسانية ، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية ، وأن نخضع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة ، المتفق عليها في أصول العقل ، وفي أصول الدين .

وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف بين شهادة النصوص الدينية اليقينية قطعية الثبوت قطعية الدلالة ، وبين الشهادة القاطعة التي يقدمها العقل ، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي الإنساني البحت .

بل اليقيني من كل ذلك لا بد أن يتطابق في شهادته ، متى استطاع أن يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث .

فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل أعلن كل عن مبلغه من العلم قصَّر في المعرفة أو زاد ، وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف ، ولكن يوجد بيان جزئي وبيان أشمل وأكمل ، أو بيان جزئي من جهة وبيان جزئي من جهة أخرى ، وفق مثال العميان والفيل[3].

القسم الثالث : أنباء من أنباء الغيب الذي لا تستطيع الوسائل الإنسانية البحتة أن تصل إلى معرفته على ما هو عليه في الواقع .

وهذه الأنباء الدينية الغيبية تخبر عن بعض حقائق الوجود الأكبر ، فمنها ما يتعلق بخصائص الخالق جل وعلا ، ومنها ما يصف بعض الحقائق الغيبية من واقع هذا الكون المخلوق لله تعالى ، كالملائكة والجن والعرش والكرسي ، ومنها ما يحكي أحداثاً سبق أن حدثت فيما مضى من الأزمان ، وليس باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تستعيد صورتها الواقعية ، كقصة خلق آدم ، ومنها ما يُنبيء عن أحداث ستقع فيما يأتي من الأزمان ، ضمن واقع هذا النظام الكوني القائم ، كأشراط الساعة ، أو سوف تقع في نظام عالم آخر وحياة أخرى ، وهو ما جاء عن الآخرة زماناً وداراً وحياة وحساباً ونعيماً وعذاباً .

وموقف العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية بالنسبة إلى ما جاء في هذا القسم يتلخص بما يلي :

1- تحرير صدق الخبر وصحة دلالته .

2- رفض ما لم يثبت صدقه ضمن قواعد تحرير صدق الأخبار .

3- رفض ما خالف أحكام العقل القاطعة ، وهو ما يدخل في قسم المستحيلات العقلية ، كالجمع بين النقيضين ، وكوجود شريك لله الخالق سبحانه وتعالى ، فأي نبأ من أنباء الغيب يثبت شيئاً يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالة وجوده هو خبر مرفوض عقلاً وشرعاً ، وأي نبأ من أنباء الغيب ينفي شيئاً يحكم العقل حكماً قاطعاً بأنه واجب الوجود هو نبأ مرفوض عقلاً وشرعاًً .

ولما قال الإمام الغزالي في كتابه “المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى” كلمته الحصيفة الرصينة المشتملة على نظر ثاقب عميق:

” ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه ما لا يظهر في العقل “.

عقّب عليه باستدراك خلاصته : إن ما وراء العقل قد يكون بعيداً عن تصور العقل وتوهمه بُعداً بالغ النهاية ، لأن العقل محجوب عنه في حدوده التي لا يستطيع أن يتعداها ، لكنه لا يمكن أن يكون وراء العقل أشياء يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالتها ، فهنالك فرق كبير بين ما لا يدركه العقل فهو لا يتناوله بنفي ولا إثبات ، لأنه ليس من الأمور التي يتناولها بأحكامه ، وبين ما يحكم العقل حكماً قاطعاً بنفيه أو إثباته .

فمن الأشياء التي لا يمكن أن يكون وضعها فيما وراء العقل على خلاف وضعها في أحكام العقل القاطعة لأنها من المستحيلات العقلية : أن يكون لله تعالى شريك ، أو أن يكون في مقدور الخالق جل وعلا أن يخلق مثل ذاته سبحانه ، أو أن يجعل الحادث قديماً ، أو ما أشبه ذلك .

وقد أوفيت هذا الموضوع بمزيد من الشرح والتفصيل في كتابي : “العقيدة الإسلامية وأسسها”.

4- ما له دلائل وقرائن من العقل تؤيده فإن موقف العقل منه موقف الشاهد المؤيد المسلم .

5- التسليم التام في كل ما يقول فيه العقل : لا أدري ، إذ ليس لدي من الأدلة الظاهرة في مقاييسي ما أستطيع أن أثبت به ، كما أنه ليس لدي منها ما أستطيع أن أنفي به .

وهذا التسليم تصديق لشهادة النص الديني الثابت من جهة الرواية ، وفق أصول تحقيق المستندات الأخبارية ، وتصديق شهادة النص الديني له مستند عقلي قاطع ، لأن العقول يقول : ما جربته من أنباء الإسلام الصحيحة النسبة بشكل يقيني لم أجد فيها إلا الحق ، وكل ما وجدته فيها مما استطعت الوصول إلى حقيقته الواقعة بنفسي كان حقاً وصدقاً . ويقول العقل أيضاً: إن من يملك تغيير سنن الكون الثابتة بما يجريه من معجزات على أيدي أنبيائه ورسله ، ليعلمني بأن الكون كله خاضع لقدرته وإرادته ، وليعلمني بأن أخباره التي يبلغها أنبياؤه ورسله أخبار صادقة ، لا يمكن أن تكون أخباره عن الغيوب التي لا أستطيع الوصول إليها بنفسي أخباراً مخالفة لحقيقة الغيب وواقعه .

لكل ذلك فإنه يجب التسليم بها تسليماً قاطعاً لا يداخله ريب .

(4)

منهج الإسلام في المعرفة

الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي يقوم على أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة ، فما كان مطابقاً لذلك فهو حق ، وما لم يكن مطابقاً له فهو باطل ، وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه ، ومخالفة من بعض الوجوه ، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة ، ومن الباطل على مقدار المخالفة .

والقاعدة الكلية التي تأتي وراء هذا الأساس هي : أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة ، والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع ، وبالواقع تقاس النتائج . وعلى هذه القاعدة قام بناء الفكر الإسلامي .

أما وسائل المعرفة التي يجب اعتمادها في الفكر الإسلامي فتتلخص بثلاث وسائل:

الوسيلة الأولى : المعرفة المباشرة ، وتكون بالإدراك الحسي ، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات .

الوسيلة الثانية : الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية .

الوسيلة الثالثة : الخبر الصادق ، ومن الخبر الصادق الوحي ، وهنا يعترضنا سؤال وهو : إذا كان الهدف الأول والرئيسي هو أن تكون المعرفة مطابقة للواقع والحقيقة ، فماذا نصنع حينما تختلف وسائل المعرفة حول موضوع واحد ، أو حول نقطة في موضوع واحد؟

هل نعتمد وسيلة الإدراك الحسي؟

أو وسيلة الاستدلال العقلي؟

أو وسيلة الخبر الصادق؟

أو ماذا نصنع…؟

ونجيب على هذا السؤال بما يلي :

حينما يكون دليل وسيلة من هذه الوسائل هو الدليل الأقوى في الموضوع فإنه ينبغي اعتماده وترجيحه ، فإذا كان دليل الحس قائماً على مشاهدة صحيحة يقينية خالية من احتمال الخطأ ، مؤكدة بتوافق الحواس في إدراكها ، كان دليل الحس هو الذي ينبغي اعتماده ، ومن ثم يعاد النظر في الاستدلال العقلي إذا كان الخلاف معه أو يعاد النظر في دليل الخبر الصادق إذا كان الخلاف معه ، وإعادة النظر في دليل الخبر الصادق قد لا تحتاج أكثر من تصحيح فهم النص ، والنظر في تأويله بما يتفق مع النتائج اليقينية التي قدمها دليل الحس ، وذلك لأن الغاية من استخدام وسائل المعرفة إنما هو الوصول إلى معرفة مطابقة للواقع ، وليس من الممكن أن يتناقض الواقع مع نفسه ، وحينما يظهر خلاف أو تناقض في النتائج التي قدمتها الوسائل فلا بد أن خطأ قد دخل حتماً في بعضها أو في كلها ، وعندئذ لا مناص من مراجعة الأدلة والتمحيص فيها ، وإعادة النظر وزيادة التحري عن الحقيقة لاكتشاف مواقع الخطأ والخلل. وتظل المراجعة مفتوحة حتى يتم اكتشاف المخطئ منها ، ثم ما يثبت منها الواقع والحقيقة بصفة يقينية يكون هو الجدير بالاعتماد ، ثم يعاد النظر في غيره حتى نصححه وننتهي إلى التوافق التام في النتائج ، فمن المستحيل في منطق الوجود أن تتناقض الأدلة اليقينية في معطياتها العلمية ، وحينما نجد التناقض في هذه المعطيات فلا بد من وجود خلل أو خطأ في بعض الأدلة أو في كلها .

وتخضع النصوص الدينية لحكم هذا المنهج العلمي ، لأن الحقيقة الواقعة في الوجود هي من خلق الله تعالى ، والله محيط بكل شيء علماً ، وحينما يخبرنا عن شيء منها فلا بد أن يكون خبره مطابقاً لما هي عليه في الواقع ، لأنه يستحيل الجهل أو الكذب عليه سبحانه .

والمشكلة قد تأتي – كما سبق أن أوضحت – من الخطأ في فهم النص الديني الثابت ، وفهم النص الديني عمل اجتهادي إنساني ، وهذا الفهم الإنساني للنص قد يصيب وقد يخطئ ، فإذا أخطأ الاجتهاد في الفهم فليس معنى خطئه أن النص هو المخطئ ، ولكن المخطئ هو الإنسان غير المعصوم ، الذي اجتهد في فهم معنى النص ، وفي هذه الحالة علينا أن نراجع فهمنا للنص ، ونعيد تدبُّرنا له ، حتى نصل إلى المعنى اليقيني الذي تم الوصول إليه بيقين عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي .

ولا يكون التعصب للاجتهاد الذي أخطأ فيه صاحبه إلا خدمة للذين يحاولون بكل ما يستطيعون من جهد أن يثبتوا التناقض بين ما يأتي به الدين ، وبين الحقائق التي تأتي بها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي ، لطعن الدين من أساسه ، ونسف قواعده القائمة على الحق ، وإشاعة الإلحاد والمادية التي لا تؤمن بالله .

وقد تأتي المشكلة أيضاً من كون النص الديني نصاً غير ثابت ثبوتاً قطعياً ، لأنه لم تتوافر له الروايات الصحيحة التي تجعله قطعيّ الثبوت ، وبدهي في هذه الحالة أن يكون الدليل الحسي اليقيني أو الدليل العقلي اليقيني أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية ، فإن أمكن تأويل النص أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية ، فإن أمكن تأويل النص بما يتفق مع النتائج اليقينية للأدلة الأخرى أولناه ، وإلا أخذنا بالنتائج اليقينية حتماً ، وتركنا النص ودلالته ، ولا يضرنا هذا في الدين ، لأن قبولنا له من الأساس قد كان بصفة ترجيحية لا بصفة قطعية .

فإذا سأل سائل فقال : هل لنا أن نؤول النصوص الدينية أو نخصصها بدليل الحس أو بدليل العقل ، حتى تكون دلالتها مطابقة للواقع والحقيقة؟

كان جوابنا بالإيجاب حتماً ، وبأن هذا العمل من القواعد المقررة في علوم الشريعة الإسلامية ، يقول علماء أصول الفقه في أبواب تخصيص العام : “لا خلاف في جواز تخصيص العموم” ويقررون في أبواب تأويل الظاهر : “أنه يجوز التأويل متى كان دليله أرجح من دليل العمل بالظاهر ، ويجب التأويل متى كان دليله دليلاً قاطعاً لا يجوز العدول عنه” ويذكرون من أدلة تخصيص العموم : “دليل الحس ، ودليل العقل” ونظير ذلك يكون في تأويل الظاهر ، فيتم التأويل بناء على دليل الحس أو دليل العقل .

هذا هو منهجنا الإسلامي فيما يتعلق بالنصوص الدينية ودلالتها على حقائق الأشياء .

ولكن يجب الحذر الشديد لدى تطبيق هذا المنهج ، حتى لا يدخل علينا الدس الماكر باسم الحقائق العلمية التي توصلت إليها نتائج البحث العلمي بالوسائل الإنسانية البحتة ، فكثير من النتائج التي تُقرَّر على أنها حقائق علمية عند أصحاب البحث العلمي المادي لا تعدو أنها نظريات أو فرضيات قابلة للتعديل أو التغيير أو النقض الكلي ، وليست حقائق علمية يقينية عند أصحابها ، ولكن أصحاب الأهواء أو صغار المثقفين الذين لا يقدرون المعارف العلمية حق قدرها ، وينخدعون بدعايات الترويج التجاري أو السياسي للنظريات أو الفرضيات العلمية ، قد يزعمون أنها حقائق ويقينيات علمية ، وليست هي في الواقع كذلك ، ثم يحملونها حمل الببغاوات أو حمل الأجراء ، ثم يقولون : إن بين الحقائق العلمية وبين النصوص الدينية تناقضاً ، ويقصدون بالحقائق العلمية هذه النظريات أو الفرضيات التي لم تثبت بعد في نظر واضعيها ثبوتاً يقينياً أو نهائياً ، فضلاً عن أن تكون يقينيات في نظر غيرهم من الذين يعارضون فيها .

وأمام هذه النظريات أو الفرضيات لا نجد أنفسنا ملزمين علمياً بتحديد معاني النصوص الدينية التي تتناول الموضوع نفسه تحديداً قاطعاً .

والخطة المثلى أن نطرح الاحتمالات دلالاتها طرحاً غير مقترن بترجيح ولا تثبيت ، وحينما نرى أن نرجح فعلينا أن لا نجزم ، وأن نترك الجز لمستقبل البحث العلمي ، وننتظر إثبات الحقيقة العلمية بوسيلة يقينية ، فالمضمون لا يتعلق به حكم شرعي يجب العمل به ، لذلك فلا ضير من التريث والأناة ، هذا إذا لم يكن النص اليقيني قاطعاً في دلالته .

أما إذا كان قاطعاً في دلالته ، أو كان من الأمور المتعقلة بالتشريع والأحكام الدينية ، أو من الغيب الاعتقادي الذي لا تملك الوسائل الإنسانية الوصول إلى شيء منه ، فإنه يجب الأخذ بمضمونه وفق أصول الاجتهاد في فهم النصوص ، فاليقيني منها نسلم به تسليماً تاماً ، وغير اليقيني نضعه في المستوى الذي يقتضيه الترجيح .

(5)

النتيجة

فهل لمضلل ملحد بعد هذا التحليل لموقف العلم والدين من الحقيقة أن يزعم وجود التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده للوصول إلى معرفة الحقائق ، أو في النتائج اليقينية المقطوع بها التي يقررها الدين والأخرى التي تنتهي إليها وسائل البحث العلمي الإنساني ؟

إن أي مضلل لا يستطيع إثبات ادعائه وجود هذا التناقض ، إلا على أساس من المغالطات والأكاذيب وزخرف من القول وصناعة الجدال بالباطل .

فمن المستحيل وجود التناقض بين الحقائق التي تأتي عن طريق الدين والحقائق التي تأتي عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية البحتة .

* * *

الفصل الثالث

النقد الذاتي

حول مفاهيم المسلمين للإسلام

(1)

تحت عنوان “نقد الفكر الديني” تستر الناقد العظم ، إذ حاول تقويض أسس الإسلام الكبرى ، وقواعده العظمى ، التي هي حق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وربما استغل ما لدى بعض المسلمين من مفاهيم خاطئة عن الإسلام ، ليطعن الإسلام بذلك ، على طريقة إبطال الطب كله لأخطاء بعض الأطباء ، وإبطال الهندسة كلها لأخطاء بعض المهندسين ، وإبطال ضرورة القضاء لفساد بعض القضاة ، وتعميم الأحكام التي هي لبعض الأفراد ، وإطلاقها على كل الأفراد ، ثم إطلاقها على المبادئ الحقة التي يدعي هؤلاء الأفراد انتسابهم إلهيا ، ولو كانوا مخالفين لها في مفاهيمهم أو في سلوكهم ، وعلى هذا الجنوح الفكري الخطير ،الخارج عن حدود كل منطق عقلي أو علمي سليم ، سار العظم في جدلياته ومغالطاته .

ولكي لا يزعم القارئ أنني من الذين يبررون كل خطأ ، ما دام يعلن انتسابه إلى الدين زوراً وبهتاناً ، أو جهلاً وغفلة ، أو خطأ غير مقصود ، عقدت هذا الفصل ، لأنقد فيه نقداً ذاتياً ما دخل على مفاهيم كثير من المسلمين عن الإسلام ، وكوّن لديهم تصوُّراً مشوهاً غير صحيح للإسلام الحق ، أو تطبيقاً مشوهاً له ينم عن فساد في التصور ، أو انحراف في السلوك .

ووجدت من الواجب علي أن أعقد هذا الفصل قبل أن أدخل مع العظم في المعركة الجدالية ، حول النقاط التفصيلية التي أثارها ، لألقي فيه الضوء على أن الإسلام الحق الذي هو دين الله للناس ، يتميز كل التميز عن المنتسبين إليه ، الذين لا يمثلون في مفاهيمهم أو سلوكهم صورة صحيحة عنه ، وأرجو بهذا التمييز أن لا تدخل على الأجيال الإسلامية مغالطات وافتراءات أعداء الإسلام ، وأعداء المسلمين وتاريخهم المجيد .

(2)

من المعلوم أن الإسلام الذي قدم للإنسانية ما قدمه من مجد حضاري أمثل يوم كانت الأمة الإسلامية في طور شبابها وقوتها صالح باستمرار لأن يأخذ بيد الإنسانية في طريق المجد الحضاري الصاعد ، دون تقهقر ولا توقف ، لو ظل المسلمون يجددون شبابهم ، بالتماس منابع الإسلام الثرَّة ، منها يعبون ، ومنها ما به يتطهرون .

ففي الإسلام الصافي جميع العناصر اللازمة التي تستطيع الإنسانية بها أن تحافظ على شباب دائم ، متدفق بالحياة والعمل البناء والارتقاء ، لو أحسنت تدبُّره والاستمساك به والعمل بتعاليمه .

وفي الإسلام الصافي جميع العناصر اللازمة لإسعاد الناس كل الناس ، أفراداً وأسراً وجماعات ودولاً ، مهما اختلفت بينهم الأعراق والألوان والأجناس ، ذلك لأنه دين الإنسانية جميعاً ، المنزل وفق خصائصها وصفاتها المشتركة بين جميع شعوبها وقبائلها ، وليس ديناً قومياً ولا إقليمياً ولا طبقياً .

بخلاف الشيوعية التي هي مذهب طبقي عنوانه “يا عمال العالم اتحدوا” وبخلاف الرأسمالية التي هي مذهب طبقي أيضاً يخدم مصالح طبقة معينة ، وبخلاف اليهودية بحسب مفاهيم اليهودية المحرفة ، فهي دين قومي خاص بشعب بني إسرائيل ، الذي هو في عقيدتهم شعب الله المختار .

أما الإسلام فهو دين رب الناس اللطيف الخبير للناس أجمعين {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ، ومن أجل ذلك كانت تعاليم هذا الدين مصلحة ومسعدة للناس كل الناس .

ولست في مجال بيان تفصيلي يوضح هذه الحقيقة عن الإسلام ، لأدلل على أن تعاليم الإسلام الصافية من الشوائب الدخيلة كفيلة بتحقيق مجد الإنسان في هذه الحياة ، وكفيلة ببناء أفضل المؤسسات الاجتماعية ، وبتنظيم أرقى دولة مدنية آخذة بأوفى نصيب خيرٌ من التقدم الحضاري المتطور ، البعيد عن الشر ومعصية الله .

ولكن مرضاً خطيراً من الأمراض التي تراكبت على الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة هو الذي جعلني أعقد هذا الفصل ، ألا وهو الشوائب الدخيلة التي عقلت بالتعاليم الإسلامية في مفاهيم كثير من المسلمين .

(3)

تأملات –ربما تكون غير مستقصية- من تأملات البحث العلمي ، وضعت فيها إحدى يدي على الأسس الإسلامية العامة التي وعيتها خلال دراستي الطويلة للعلوم الإسلامية ، ووضعت فيها يدي الأخرى على ما خبرته من واقع المسلمين خلال تجربة نيف وثلاثين سنة ، جعلتني أتلمس الشوائب التي تسربت إلى مفاهيم المسلمين ، فألصقها لجاهلون والغافلون بالتعاليم الإسلامية وهي ليست منها ، وكان من وراء الجاهلين والغافلين في كثير من الأحيان ماكرون مختلفو الأصباغ والأقنعة والأغراض ، يعملون في الخفاء لهدم الإسلام أسساً وقواعداً وبناءً شامخاً .

ثم تحولت هذه المفاهيم التي هي من قبيل الشوائب لا الأصل النافع المفيد الخيّر ، إلى تطبيقات عملية ، ومواريث ثقيلة ، أحنت ظهور الأجيال التي تحملها ، وعرقلت سبيل تقدمها ، كما أنها هيأت المُناخ المناسب لفساد الأجيال التي حملت شعار التخلص منها على غير بصيرة وغير هدى ، فتخلصت منها ومن الجوهر النافع ، الذي هو الأصل السليم ، المرافق لها في حشد المفاهيم المختلطة ، وذلك إذ لم تستطع هذه الأجيال أن تميز بين الأصل النافع المفيد ، وبين الشوائب التي لا خير فيها .

يضاف إلى ذلك أن طائفة من هذه الأجيال وجدت لأنفسها بسبب هذه الشوائب مبررات كثيرة تلبي عن طريقها الرغبة بالانطلاق والتحرر ، والانسياق مع الأهواء والشهوات ، دونما ضابط أو رادع .

وكان من وراء هذه الطائفة الطائشة شياطين يمدون خراطيمهم في الظلمات من ديار الحرب إلى ديار الإسلام ، فيوسوسون لها ، ويمنونها ، ويكيدون في ذلك ضدها وضد الأمة الإسلامية ما يكيدون من شر عظيم .

أما الطعم في شباك الصيد فإنه يرجع إلى واحد من عدة أصول ، ومنها الأصول الخطيرة التالية:

الأول: الإغراء بالمال .

الثاني: الإطماع بالحكم والسلطان .

الثالث: الفتنة بالنساء .

الرابع: الفتنة بالخمر والميسر والمخدرات وأصناف اللهو ، وإضعاف القوى الفردية والاجتماعية عن طريقها .

الخامس: الخداع بمظاهر الحضارة المادية الخلابة ، وبما تتضمن من قوى حربية فتاكة ، وبمستنداتها من العلم المادي . وفي ضمن هذا الخداع تأتي واردات مهلكة لا هي من العلم الثابت ، ولا هي من المنجزات الحضارية النافعة ، وفي طيات هذه الواردات يكمن الخطر على الفكر ، وعلى الخلق ، وعلى السلوك ، وعلى وحدة المسلمين ، وعلى جميع قواهم الحقيقية المادية والمعنوية ، ثم على كيانهم كله .

(4)

مصوّر عام لمنهج التعاليم الإسلامية وما طرأ عليه

نظرة عميقة إلى الشوائب التي دخلت أو أدخلت على التعاليم الإسلامية تكشف لنا أن المكان الطبيعي لهذه الشوائب يقع في أحد منحدرين كائنين من دون اليمين أو من دون اليسار ، بالنسبة إلى المنهج الإسلامي الوسط ، الممتد في القمة الرشيدة السعيدة ، والذاهب ارتقاء إلى أعلى ذروات الحضارة المجيدة في دار الابتلاء ، دار العمل والبناء ، ثم إلى فردوس الخلود السعيد الأكمل في دار الجزاء .

وإنما يحظى بخيرات هذا المنهج القويم السامي السالكون فيه ، المتقيدون بحدوده ، أفراداً وجماعات ، وشعوباً ودولاً ، والكل مسؤولون عن سلوك هذا المنهج والتزامه ، وعن بناء الصرح الإسلامي الديني والدنيوي معاً .

وهذا المنهج متى انكسرت حدوده أمسى عرضة للاتساع مما وراءه من مزالق ومتاهات ، وعرضة لانزلاق سالكيه والخروج عن جادته ، وعرضة لدخول الشوائب فيه .

أما الشوائب الدخيلة على التعاليم الإسلامية ، فالحديث عنها يستدعي إلقاء نظرات عميقة إلى مصادرها ومنابع قدومها ، ونظرات عميقة أخرى إلى السبل والوسائل التي تسربت بسببها فاختلطت في مفاهيم المسلمين ، ضمن حشد التعاليم الأصلية ، أو زاحمت بعضها ثم احتلت مكانه .

ويستدعي منا أيضاً أن نلقي نظرات على واقع الصور العامة للتعاليم التي خالطتها الشوائب ، أو زاحمت ما زاحمت منها ، ثم احتلت مكانه في مختلف البيئات لشعوب المسلمين.

(5)

أما النظرات إلى واقع الصور العامة القاتمة القائمة في مفاهيم كثير من المسلمين ، فيمكن تمثيلها بإحدى الصور التالية المصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير ، وهي خمس صور:

* الصورة الأولى:

وهي الصورة المختلطة المهزوزة في مفاهيم بعض الناس لحقيقة التعاليم الإسلامية ، وتكون هذه الصورة باختلاط الحقائق ، وعدم إدراك كل منها في مكانه الصحيح .

والشوائب في هذه الصورة ناتجة عن تداخل عناصر الصورة ، وتمازج بعضها في بعض ، وعدم تمايز حدود كل منها .

ومن أمثلة هذه الصورة في الواقع ما نشاهده عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام من المفاهيم المختلطة الغامضة عن التعاليم الإسلامية ، كالذين يرون أن أي عطاء مالي يعتبر زكاة كافية للمال ، ويكتفون بذلك فلا تحاسبون أنفسهم على كل نصيب زكوي يجب عليهم شرعاً أن يؤدوه ، وكالذين يرون أن الديانات السماوية السابقة للإسلام لا تزال بعد بعثة محمد صلوات الله عليه مقبولة عند الله ، ومنجية من عواقب الشرك والكفر بالله ، رغم كل التحريفات الواقعة فيها عن الأصل الصحيح الذي أنزله الله على رسله عليهم الصلاة والسلام ، ولولا التحريف لرأى هؤلاء في ديانتهم ما يوجب عليهم اتباع محمد  والإيمان به ، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة .

وسبب وجود هذه الصورة المهزوزة المختلطة الجهل بالتعاليم الإسلامية الصحيحة ، وقلة أجهزة التثقيف الإسلامي العام في مختلف بلاد المسلمين .

وإصلاح هذه الصورة يكون بتنفيذ خطة محكمة للتبصير الحقيقي بالإسلام الصحيح الصافي ، ونشر الوعي العام لتعاليمه التي تشمل كل جوانب الحياة الإنسانية أفراداً وأسراً وجماعات وحكومات . ويمكن تلخيص هذه الخطة بما يلي:

1- وضع ميثاق إسلامي عام يمكن أن يلتقي عليه معظم المسلمين ، ومن طبيعة هذا الميثاق أن يكون بعيداً عن النقاط الخلافية .

2- وضع منهاج للتثقيف الإسلامي العام .

3- إعداد المصنفات الإسلامية الحديثة الملائمة للغة العصر ولأسلوبه الكلامي ، أو انتقاء المناسب منها ، وينبغي أن تكون هذه الصفات بعيدة عن إثارة الخلافات المذهبية العنيفة ، وأن تكو إيجابية ذات مستويات تتناسب مع مستويات جماهير المسلمين ، على أن يتم نشرها بينهم بنسبة كافية ، وبلغاتهم القومية .

4- العمل على إعداد جيش المثقفين ثقافة إسلامية حسنة ، مقرونة بوعي والتزام واتزان ، وينبغي أن تكون دوائر التثقيف الإسلامي في حالة اتساع مستمر .

5- توجيه هذا الجيش المتزايد إلى التوعية الإسلامية العامة ، بمستويات تتناسب مع حال الجماهير المختلفة .

* الصورة الثانية:

وهي الصورة التي دخل فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة ، وطبيعي أن تكون هذه الأخطاء غير مطابقة للحقيقة الإسلامية .

ومن الأمثلة لهذه الصورة ما نلاحظه من مفاهيم غير صحيحة منسوبة إلى الإسلام ، وقد يسهل الأمر حينما يقال : هذا هو رأي فلان الذي فهمه عن الأمر الفلاني من الإسلام ، ولكن الخطر حينما يقال : هذا هو الحكم الإسلامي قطعاً ، وكل رأي مخالف له من الآراء والاجتهادات التي لها وجه من النظر ضلال وكفر .

وأسباب الأخطاء في رسم هذه الصورة كثيرة جداً ، ويمكن الإشارة إلى أهم أصولها العامة:

الأصل الأول : الخطأ في الاجتهاد ، وللخطأ في الاجتهاد أسباب كثيرة يعرفها علماء أصول الفقه الإسلامي .

الأصل الثاني : الخطأ في تقويم ما توصل إليه الاجتهاد ، وذلك باعتباره هو الحق لا غير ، رغم أن اليقين القاطع لم يتوافر فيه .

الأصل الثالث : التعصب للرأي أو للمذهب ضد الآراء أو المذاهب الأخرى .

أما الخطأ في الاجتهاد فيعذر فيه المجتهد الكفء بشرط تقيده بالأصول الاجتهادية العامة ، التي قامت عليها دلائل الشرع والعقل .

ولكنه ليس للمجتهد الذي توصل إلى مفهوم إسلامي قائم على ما ترجح لديه من ظن غالب أن يعطي ما توصل إليه اجتهاده أكثر من القيمة التي يستحقها ، فيفرض على الإسلام رأيه ، ويحارب كل رأي مخالف ، وكذلك ليس لأنصار هذا المجتهد أن يفعلوا مثل هذا الفعل لاحتمال أن يكون الصواب في جانب رأي المخالف ، أو في جانب رأي آخر .

فإذا تعصب المجتهد لرأيه وفرضه على الإسلام فقد يؤدي به الحال إلى أن يلصق بالإسلام ما لا يقول به الإسلام نفسه ، فيضيف إلى الصورة الإسلامية خطأ من عنده .

ثم لا يصح للذين أخذوا برأي هذا المجتهد أن يتعصبوا له تعصباً أعمى ، لأنهم بعملهم هذا يجسمون ويعظمون بقع الخطأ التي رسمها الاجتهاد الخاطئ في الصورة الإسلامية .

ومن أسباب الخطأ في الاجتهاد عدم التبصر الصحيح الشامل بمختلف المصادر التي تثبت بها المعارف الإنسانية ، لمعرفة وجه الصواب ، أو لتخفيف نسبة احتمالات الخطأ.

وليس عسيراً على علماء المسلمين أن يصلحوا هذه الصورة التي دخلت فيها الأخطاء ، إذا اجتمعوا في مؤتمرات عامة ، وعالجوا المشكلات بتجرد صحيح ، ونشدان للحقيقة حيث كانت .

ويلحق بهذه الصورة التي دخلت فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة المقومة لكل ما في الحياة رغم تطور أساليبها وصورها الحضارية ، ما نلاحظه عند طائفة من متأخري طلاب المعرفة الإسلاميين من الإغراق في الاشتغال بالجدليات الكلامية والمماحكات اللفظية ، وصرف معظم جهد البحث العلمي في حدود الألفاظ والحروف ، والبعد عن تصيد جواهر التعاليم الإسلامية النافعة ، وإخراجها منتظمة في عقود فكرية متكاملة متناسقة ، تعالج مشكلات الحياة ، وتواكب أطوارها الحضارية المتقدمة بإصلاح وتقويم ، أو دفع وتدعيم .

ولكن النهضة العلمية الإسلامية الحديثة في طائفة من عواصم بلاد المسلمين قد عدّلت من هذا تعديلاً كثيراً .

* الصورة الثالثة :

الصورة المشوهة من قبل أعداء الإسلام ، وهي الصورة التي قبَّح جمالها وإشراقها الماكرون المفسدون بما لطخوا وجهها الصبيح من شبهات ، وبما ألصقوا فيها من تهم كاذبة .

وصانعو هذه التشويهات رسامون كثيرون من أعداء الإسلام ، أجهدوا أنفسهم في تصيد الشبهات والتشويهات والأكاذيب والتضليلات ، لإلصاقها بالتعاليم الإسلامية ، وإفساد عقول أبناء المسلمين ، ثم أجهدوا أنفسهم فأضافوا إليها أصنافاً مختلفة من الزينات والأصباغ والدهانات الخادعة للنظر .

وحاولوا بهذا التشويه الحقير أن يشككوا المسلمين بدينهم وبتعاليمهم الربانية ، واستطاعوا بعد جهد جهيد وزمن مديد أن يتلاعبوا بعقول البعيدين عن التعاليم الإسلامية وتدبُّر غاياتها والحِكَم التي تتضمنها ، والمفتونين ببريق الحضارة المادية الأوروبية الحديثة ، لا سيما الذين أنشأتهم المدارس الأجنبية إنشاءً مباشراً ، ثم الذين أنشأتهم مخططاتها ومناهجها بشكل غير مباشر .

ومن اليسير على الدعاة المسلمين ذوي البصر النافذ ، والعمل المخلص ، إزالة هذه الأدران المشوهة للتعاليم الإسلامية ، وذلك بالقيام بحملة توعية إسلامية تعتمد على إبراز فضائل هذه التعاليم ، وبيان الحكم العظيمة التي تتضمنها ، بالاستناد إلى البحوث الفكرية المنصفة الرصينة ، والتجارب الواقعية المشاهدة .

وقد تصدى بحمد الله طائفة من كتاب الفكر الإسلامي من ذوي الغَيرة لدفع هذه الشبهات وبيان زيفها ، بكتابات كثيرة ، ودفاعات محكمة ، فأسهموا إسهاماً مباركاً طيباً في غسل الصورة التي أراد لها أعداء الإسلام أن تكون صورة مشوهة في نفوس كثير من أبناء المسلمين .

وينبغي أيضاً أن تستهدف حملة التوعية هذه تبصير الأجيال الإسلامية بمرابض الخطر على مفاهيمها الإسلامية الصحيحة ، وأخلاقها الكريمة ، وذاتيتها الإسلامية ، ذات الكيان المتميز في العالم ، يضاف إليه فضح دسائس أعداء الإسلام الفكرية والعملية ، وإبراز الصورة الإسلامية المشرقة الحقة ، بكل وسيلة من وسائل الإعلام والتنوير العام .

* الصورة الرابعة :

وهي الصورة التي حصل فيها تغيير في النِّسب بين مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية ، إذ أخذها بعضها من المساحة الكلية في أفكار ونفوس طائفة من المسلمين أكثر من نصيبه المقدر له في أصل التشريع الإسلامي .

فإذا أردنا أن نمثل هذه الصورة التي تغيرت فيها النِّسب الأصلية وجدناها تشبه ما لو جاء رسَّام (كاريكاتير) فرسم سيارة لركوب الناس ، فجعل لها دواليب ، قُطْرُ كل منها متران ، وجعل لها أبواباً صغيرة لا يستطيع أن يدخل منها الإنسان ، ومرتفعة عن الأرض بمقدار قامته ، ثم جعل لها من الداخل مقاعد ضيقة جداً ، بمقدار راحة اليد ، وطويلة جداً بمقدار طول العمالقة الخياليين ، وهكذا تلاعب بالنسب الصحيحة في الأجزاء ، ووضع محركاً بمقدار محرك دراجة نارية ، ثم كتب على سيارته هذه : (عدد الركاب ثمانون راكباً).

ربما أكون قد بالغت في التمثيل لغرض التوضيح ، إلا أن الحقيقة التي عليها بعض المسلمين في فهمهم للتعاليم الإسلامية فيها تغيير كبير في نسبة كل جزء منها إلى المجموع الكلي .

ومن الأمثلة ما يلي :

( أ ) يرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو حسن المعاملة مع الآخرين ، فيملأ معظم المساحة الدينية به ، ويفضي به هذا الفهم إلى ترك مراقبة الله في الأعمال والأقوال والأفكار والنيات ، وإلى ترك فروض العبادات أو إهمالها ، وإلى عدم الاكتراث بركن الجهاد في سبيل الله لنشر الدين ، ونصرة الحق ، وإقامة العدل ونحو ذلك من الأمور الجوهرية التي يقوم عليها الإسلام .

( ب ) ويرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو القيام بالعبادات الشخصية ، كالصلاة والصيام وكثرة الأوراد والأذكار ، فيملأ معظم المساحة الدينية بذلك ، ويهمل ما في الدين من واجبات وفروض أخرى ، أو يُصغِّر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه .

( ج ) ويرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو المحافظة على السيما الظاهرة للمسلم ، فيولي ذلك كل اهتمامه وعنايته ، ويهمل الأسس الجوهرية التي قام عليها الدين عقيدةً وعملاً ، أو يصغر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه .

( د ) ويرى بعض الناس أن مسؤوليات الدعوة إلى الله ، ونشر دين الله ، وإقامة الإسلام في الأرض ، من خصائص فئة معينة من المسلمين تفرغت للوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما سائر الناس فمسؤولون فقط عن أنفسهم ، فلا هم لهم إلا أمور دنياهم ، وتثمير أموالهم ، والتمتع بشهوات الحياة الدنيا ولذاتها ، والاستغراق في زخرفها ، كما يرون أن مسؤوليات الجهاد في سبيل الله من خصائص الجند فقط ، المنتظمين في سلك الجيش .

مع أن الإسلام الصافي قد عقد تشابكاً عاماً بين الأفراد والجماعات والقيادات ، وحمَّل كلاً من المسؤولية الشخصية على مقدار ما وهبه الله من خصائص ، ومن المسؤولية العامة على قدر موقعه بالنسبة إلى الجماعة وذلك كمسؤولية كل عضو من أعضاء الجسد بالنسبة إلى سائر الأعضاء ، ومن البدهي أن مسؤولية الرأس تناسب موقعه من الجسد ، ومسؤولية إحدى أصابع اليدين أو الرجلين تناسب أيضاً موقعها من الجسد ، والكل يقدم واجبه نحو المسؤولية الجماعية على مقداره .

وسبب التشويه في هذه الصورة فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية بوجه عام ، ومقادير كل منها ، وكيفية ترابطها وتناسقها في الصورة الإسلامية العامة .

وفقدان هذا الإدراك الشامل يتولد عنه نتائج خطيرة ، منها النتائج التالية:

أولاً: فساد النِّسب لأجزاء الصورة الإسلامية العظيمة .

ثانياً: الخللُ في وحدة النظام الكلي للمفاهيم الإسلامية التي يكمِّل بعضها بعضاً .

ثالثاً: تشتت شمل وحدة المسلمين ، نظراً إلى أن لكل فريق منهم صورة إسلامية خاصة به ، تتميز أجزاؤها بنسب مخالفة للنسب التي تتميز بها أجزاء الصور الأخرى ، الأمر الذي يؤدي إلى تعصب كل فريق للصورة التي يحملها ، وادعائه أنها هي الإسلام كل الإسلام .

رابعاً: توجيه كل طاقات العمل دفعة واحدة لتحقيق ما احتل معظم الساحة في الصورة ذات النسب الفاسدة ، ويصعب الأمر جداً حينما يكون أهون جزيئات التعاليم الإسلامية الصحيحة وأيسرها هو الذي يحتل معظم مساحة الصورة .

ومما يزيد في الألم أن تكون هذه الجزيئات التي تمتص معظم طاقات العمل داخلة في حدود الأشكال والرسوم ، لا في حدود الجواهر والمعاني والأرواح والقيم الحقيقية الذاتية .

فبينما تنقض أسس الإسلام حجراً حجراً ، وتعمل على اجتثاثها اجتثاثاً كلياً جيوش كثيرة مستخفية ومستعلنة ، نجد كتائب كثيرة من المسلمين منشغلة في جدليات كلامية ، ومصارعات عملية ، حول أفضل الألوان التي ينبغي أن يُدهن بها الجدار الخارجي لبناء الصرح الإسلامي ، مع أن جيوش الهدم لا يُستطاع دفعها إلا باجتماع طاقات حماة هذا الصرح العظيم على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم .

* الصورة الخامسة :

وهي الصورة المزورة للتعاليم الإسلامية تزويراً كلياً أو تزويراً جزئياً ، وأمثال هذه الصورة المزورة نجدها عند الفرق المنحرفة الضالة ، التي عمل على إنشاء جيوبها أعداءٌ للإسلام ، تظاهروا بالانتساب إليه نفاقاً ، ليعملوا على هدمه من الداخل ، وذلك بتكوين فرق وطوائف تنتسب إلى الإسلام انتساباً اسمياً ، وهي تحمل له كل حقد وكيد ، وتضع له صوراً مصنوعة من عند أنفسها ، مزورة على الإسلام وعلى أحكامه وشرائعه . ولليهود في هذا المكر أكبر نصيب .

وبدهي أن كل صورة مزورة من هذا القبيل ليست من الإسلام في شيء ، وإن تسمّت باسمه .

ومن اليسير على جماعة المسلمين أن يكتشفوا هذه الصور المزورة المزيفة ، متى قارنوها مقارنة عامة بما هو معلوم من الدين بالبداهة عند جميع المسلمين .

ولكن الأمر الخطير جداً إنما هو إدخال التزويرات الجزئية على بعض المفاهيم والتعاليم الإسلامية الثابتة ، وهذا ما اتجهت إليه أجهزة المكر في هذا العصر ، وكانت لعبة قُصد بها تحويل المسلمين عن أسس التعاليم الإسلامية باسم الإسلام .

فمن أمثلة ذلك الأسماء الحديثة التي انتشرت في عالمَي الاقتصاد والسياسة (كالاشتراكية والرأسمالية والدكتاتورية والديمقراطية).

إن من المعلوم أن لهذه الأسماء مفاهيم ومدلولات خاصة عند الآخذين بها .

والذي يُلاحظ أن تشابهاً جزئياً موجود فعلاً بين التعاليم الإسلامية وبين بعض ما تتضمنه هذه الأسماء من دلالات نظرية ، أو تطبيقات عملية .

واستغلالاً لهذا التشابه الجزئي يأتي أعداء الإسلام فيستدرجون بعض المسلمين إلى منزلق الخطر الذي ينتهي في آخره إلى طمس نظام من نظم الإسلام ، وإحلال نظام آخر في مكانه ، تعلُلاً بوجود التشابه بينهما في ناحية من النواحي .

مع أن مثل الإسلام كمثل المخلوق في أحسن تقويم بصفاته التامة التي لا يصح بحال من الأحوال فصلُ بعضها عن بعض ، ومثل الأنظمة الأخرى كمثل غير الإنسان من الأنعام أو الوحش ، وليس صعباً على أي ناظر أن يجد تشابهاً جزئياً بين الإنسان وبين هذه الكائنات الحية الأخرى .

ولكن الجنوح الخطير فكرياً أو تطبيقياً أن يحتل ثعلب ماكر ، أو ثور مغامر ، أو ذئب غادر ، مكان الإنسان ، أو أن تحتل نظيراتها من الأنظمة الوضعية مكان نظام من أنظمة الإسلام ، أو مكان عدد منها .

وقد حاول أنصار كل مذهب من هذه الوضعية أن يجد في الإسلام تأييداً لجانب من جوانبها ، ليلبِّس بذلك على المسلمين ، ويجعل الإسلام كأنه صاحب هذه المذاهب أو يوافق عليها .

وفي دوَّامة المغالطات والتلبيسات نجد أن أنصار المذاهب الاشتراكية في البلاد الإسلامية يختبئون وراء الإسلام ، ليحميهم من هجمات أنصار المذاهب الرأسمالية ، ويدرأ عنهم الضربات القاصمة ، بحجة أن الإسلام يحتوي على مبادئ اشتراكية ، تحقق العدالة الاجتماعية بين الناس ، كما نجد أنصار المذاهب الرأسمالية في البلاد الإسلامية يقدمون الإسلام إلى الصف الأول في معركتهم مع أنصار المذاهب الاشتراكية ، بحجة أن الإسلام يعترف بالملكية الفردية ويحميها ، ويفسح مجال حرية العمل والكسب والتجارة ، ولا يسدُّ أبواب المنافسة الشريفة في تحصيل الثروات .

وبين صراع الاشتراكيات والرأسماليات التي يزج كل منهما الإسلام في أتون معركته مع الآخر يتلقى الإسلام في بلاد المسلمين معظم الضربات ، مع أن الإسلام بريء من الفريقين المتصارعين ، وأي منهما انتصر فالإسلام خاسر .

وإن صح وجود الإسلام في حلبة الصراع هذه فإما أن يكون فريقاً وحده ضد الفريقين معاً ، وإما أن يكون حكماً عدلاً ،يسجل على كل فريق منهما خطأه وصوابه ، ويعمل على أن يرد كل مخطئ منهما إلى وجه الصواب .

وهنا نقول : إن الإسلام الاشتراكي وفق مفهوم الاشتراكيين صورة مزورة للإسلام ، وإن الإسلام الرأسمالي وفق مفهوم الرأسماليين صورة مزورة أيضاً للإسلام ، وإن الإسلام الدكتاتوري وفق مفهوم الدكتاتوريين صورة مزورة للإسلام ، وإن الإسلام الديمقراطي وفق مفهوم الديمقراطيين صورة مزورة أيضاً للإسلام .

أما الإسلام فهو شيء آخر غيرهذا وغير ذلك ، وإن كان بين هذه النظم وبين التعاليم الإسلامية تشابه جزئي .

هذه هي الصور الخمس المنسوبة إلى الإسلام ، وهي مشوبة بالشوائب الدخيلة المفسدة لها ، وقد يحدث أن تجتمع في بعض مفاهيم الناس مجموعة منها ، فيتكاثر الخطأ ، ويعظم الانحراف ، وتزداد المصيبة ، وتشتد الحاجة إلى الإصلاح والتقويم .

(5)

الأسباب وعلاجها

بعض الأسباب التي أدت إلى دخول الشوائب على المفاهيم والتعاليم الإسلامية قد سبقت الإشارة إليها في غضون تتبُّع الشوائب وصورها ، وبطريقة تأملية عامة جامعة تنكشف لنا طائفة من هذه الأسباب .

وأعرض فيما يلي أسباباً عشرة مع طرق علاجها فيما ظهر لي :

* السبب الأول – الجهل وفتور الهمة عن تفهم التعاليم الإسلامية الصحيحة :

وعلاج هذا السبب يكون بقيام أهل الرأي وأصحاب الرشد في كل بلد من بلاد المسلمين برسالة التعريف بالإسلام الصافي ، وفق الخطة التي سلف الحديث عنها ، لا سيما في البلاد التي يوجد فيها منتسبون إلى الإسلام ، ولكن ليس لديهم من يعرّفهم بالإسلام الصحيح ، وهم في شوق إلى معرفته ، وأمثال هؤلاء يسهل على المضلين أن يفسدوا مفاهيمهم الإسلامية .

ولتحقيق هذا العلاج لا بد من تآزر القوى الفكرية والمالية والإدارية مع الدعاة المعرّفين بالإسلام الحق .

* السبب الثاني – اتباع الهوى :

وهذا السبب يدفع صاحبه أن يُدخل في التعاليم الإسلامية ما ليس منها ، إرضاء لهواه .

ولقد تكون جريمته أخف إذا هو أرضى هواه عن طريق المعصية ، ولكنه يريد أن تظل سمعته الدينية حسنة بين الناس ، فهو يحاول أن يجد لعمله مبرراً ، فيدخل في التعاليم الإسلامية الشوائب التي ترضي هواه ، ثم يتستر وراءها حذراً من سخط الناس ونقمتهم ، وينسى أو يتناسى أن نقمة الله أشد عليه وأقسى من نقمة الناس .

يضاف إلى ذلك أن نقمة الله في التلاعب بالدين أشد كثيراً من نقمته في المعصية التي يقترفُها العاصي ، وهو يعترف بها .

وعلاج هذا السبب يكون بإصلاح النفس عن طريق إثارة الخوف من الله ، وحسن مراقبته ، وملاحظة الأجر العظيم لأهل طاعته ، مع تربية دينية رصينة ، ورقابة اجتماعية حصينة ، ويكون أيضاً بتبصر المتصدين للفتاوى الدينية بالمزالق التي يضعها أهل الأهواء .

* السبب الثالث – الغلو في الدين غير الحق:

وهذا السبب مناقض للذي قبله ، فهو يمثل جانب الإفراط ، في حين أن الذي قبله يمثل جانب التفريط .

والغلو في الدين يفضي إلى تشددُّات منفِّرة ، وتعنُّتات ومبالغات لا يرضاها الدين ولا يقبلها ، بل يتنافى معها ، فالدين يسر سمح ، وهو دين الفطرة ، والغلوّ في الدين ينافي سماحته ويسره ، وينافي ملاءمته للفطرة الإنسانية ، وفي كلام الرسول صلوات الله عليه “هلك المتنطعون” وهم المغالون في الدين .

ومن الغلو في الدين ادعاء أن التفصيلات المبينة في النصوص الإسلامية مشتملة على كل تنظيم ضروري لكل زمن وبيئة ، وطبيعي أن يؤدي هذا الغلو إلى التخلف رغم السبق العظيم الذي كان يتمتع به المسلمون في عصورهم الذهبية .

أما أن الأسس الإسلامية تتسع في مفاهيمها العامة لكل التنظيمات الصالحة لكل زمان وبيئة فهذا هو الحق الذي لا غلو فيه .

* السبب الرابع – النظر الضيِّق المحدود ، الذي يلازمه النظر إلى جوانب خاصة معينة من الإسلام ، واعتبارها هي الإسلام كله :

ومن الطبيعي أن يسيء هذا النظر الضيق المحدود إلى المفاهيم الإسلامية الشاملة إساءة بالغة ، ويفضي إلى تعظيم الأمور الصغيرة وتهويل شأنها ، وإلى تصغير الأمور الكبيرة وتهوين شأنها .

وعلاج هذا السبب يكون بحركة تبصير كلي شامل عام للتعاليم الإسلامية ، وإعطاء كل حكم منها حقه صفة ومقداراً وأهمية بالنسبة إلى سائر التعاليم .

ويضاف إلى ذلك ضرورة بيان الخطر الذي ينجم عن انعدام النظرة الشاملة إلى التعاليم الإسلامية الصحيحة .

* السبب الخامس – الجمود :

والجمود يفضي إلى تقييد التعاليم الإسلامية في حدود تطبيقات زمن معين ، وبيئة معينة ، جموداً عن ظواهر بعض النصوص أو التطبيقات الزمنية ، مع أن أسس التعاليم الإسلامية واسعة على قدر اتساع قضايا الحياة ومشكلاتها ، وهي صالحة لكل زمن وبيئة ، وملائمة للفطرة الإنسانية .

وفهم هذه الحقيقة يحتاج إلى نسبة طيبة من التبصر والوعي والأناة وسعة الصدر .

* السبب السادس – التحلل :

وهذا السبب يقع في الطرف المباين للسبب السابق وهو مناقض له .

والتحلل يفضي إلى الخروج على التعاليم الإسلامية ، أو المروق منها وطرحها والأخذ بتنظيمات وضعية إنسانية ، بدعوى أن بعض التعاليم الإسلامية لم تعُد تصلح للحياة المتطورة .

ومن التحلُّل الجزئي المرونة المفرطة المسرفة التي تتسع في نظر أصحابها اتساعاً يجعل التعاليم الإسلامي ألعوبة في أيدي الماكرين .

وربما يكون كل من الجمود والتحلل رد فعل للآخر ، إلا أن المنهج الوسط بينهما هو الحق ، ولهذا المنهج الوسط حدود لا يصح تجاوزها ولا تضييقها .

* السبب السابع – الفتنة بكل جديد قبل أن يوضع موضع الاختبار والتجربة ، خلال أمد كاف لهما :

وهذا السبب يفضي إلى الانسياق الأرعن وراء كل ناعق مزين شعاراته بالأصباغ والألوان والصور الخادعة للنظر ، مع أنها جوفاء من الخير ، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قِبَله العذاب .

وعلاج هذا السبب يكون بيقظة حذرة ، ودراسة واعية ، أو يكون بعد ذلك بصدمة موقظة ، أو خيبة أمل مخزية .

* السبب الثامن – التعصب لكل قديم مهما كان شأنه ، ولو كان مخالفاً للحقيقة البينة ، ولأسس التعاليم الإسلامية الصحيحة الصافية :

وهذا السبب يقابل السبب السابق له ، وهو على النقيض منه .

وعلاج هذا السبب يكون بالرجوع إلى أسس التربية الإسلامية التي تأمر بالاعتصام بالحق ، والبعد عن كل تعصب ذميم .

* السبب التاسع – الأنانية التي تولّد الإعجاب الشديد بالرأي ، وتولِّد التعصب والفردية في الأعمال ، وتشتت الشمل ،وتفرّق الكلمة:

مع أن الإسلام يدعو إلى وحدة العمل الجماعي ، واطِّراح الأنانيات الشخصية والحزبية والإقليمية والعرقية والمذهبية والعنصرية ، ويدعو إلى تعاون العاملين الإسلاميين ، وإن اختلفت بينهم الآراء الفردية ، فمصلحة الإسلام وجماعة المسلمين فوق الجميع .

وتعاونهم يكون بأن يتعاونوا فكرياً على فهم الحقيقة ، وبأن يتعاونوا عملياً على مقدار نقاط التلاقي بينهم ، وذلك إذا لم يتيسر ما هو خير منه ، وهو التعاون الفعلي في كل الأمور على البر والتقوى .

* السبب العاشر – ما يكيده أعداء الإسلام من مكايد ، ويدخل تحت هذا السبب صور كثيرة ، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وتفصيل:

وحين نلاحظ أن أعداء الإسلام اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله خالقهم ورازقهم يتضح لنا أن كل عمل يمارسونه لتشويه الإسلام إنما هو من ذيول الكفر ، ولكن على المسلمين أن يكونوا بصيرين بدسائس أعدائهم . وبصيرين بالمرابض التي يترصد فيها هؤلاء الأعداء للانقضاض الظالم الآثم على الإسلام والمسلمين .

هذا إجمال ما ظهر لي من أصول عامة للتشويهات التي دخلت على مفاهيم المسلمين عن الإسلام ، وأسبابها الكبرى ، والله أسأل أن يلهم أهل الفكر والغيرة في جميع بلاد المسلمين أن يعملوا على تنقية مفاهيم المسلمين للتعاليم الإسلامية من كل الشوائب الدخيلة على الأصل النقي الصافي ، حتى تصبح هذه التعاليم الصحيحة قوة دافعة إلى المجد العظيم الذي لن يحتله غير المسلمين الآخذين بالإسلام عقيدة وشريعة ، فكراً وعملاً ، كما كانت هذه التعاليم في حقبة سالفة من تاريخ المسلمين .

* * *

الفصل الرابع

مقدمة صراع

قد يجد القارئ في فصول

الصراع تكريراً في بعض الأفكار ،

ألجأت إليه ضرورة تقصِّ الناقد ،

ومتابعة أقواله وتزييفاته المتكررة .

( 1 )

ظهر الناقد (د. العظم) في هذا العصر ، ضمن طائفة من الملاحدة الجدليين الذين ينكرون الله واليوم الآخر ، ويكذبون الرسل والأنبياء ، ويجحدون الكتب الإلهية والمعجزات ، ويرتدون أقنعة العلمانية والبحث العلمي المتقدم ، ويستغلون بالباطل كل ثقل التقدم العلمي المادي في الصناعة والتكنولوجيا ، زاعمين للناشئين من أجيالنا أن التقدم العلمي الحديث يدعم مذهب الإلحاد والكفر بالله . مع أن العلم الحق إنما يدعم الإيمان بالله لا الكفر به ، أياً كان نوع هذا العلم ، أما الباطل الذي يلبس ثياب العلمانية فقد يدعم قضية الإلحاد بالله وبآياته ، لأنه باطل يرتدي ثياب زور ، فهو يؤيد باطلاً مثله ، والباطل ينصر بعضه بعضاً.

لذلك كان لا بد من اللجوء إلى خطة جدال بالتي هي أحسن مع الكافرين والملحدين ، لكشف مغالطاتهم ، وفضح أهدافهم وأهداف سادتهم من نشر الإلحاد في الأرض ، والأكاذيب والمفتريات ، والتلبيس والتدليس ، ولئلا يعيثوا في الأفكار فساداً ، ويلمؤوها ضلالاً وإلحاداً.

أنتركهم يقذفون أجيالنا – أحفاد المؤمنين الصادقين المخلصين – إلى مواقع الهلاك والعذاب والدمار الماحق . وإلى أوحال المهانة والمذلة والخزي!؟

لقد رأيت بعد تردد طويل – كما ذكرت في المقدمات – أنه يجب علي وعلى جميع الباحثين من أنصار الحق والخير والفضيلة أن نكشف زيف هؤلاء المضللين ، وأن نُبرز للمفتونين والمخدوعين وجه الحق مؤيداً بدلائل العلم القويم والمنطق السليم ، وأن نناقش جدليات الملحدين مناقشة عقلانية علمية هادئة ، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن ، ثم لا يضرنا بعد ذلك أن يُصروا على كفرهم وإلحادهم ، فالله هو الذي يتولى حسابهم وعذابهم ، أما نحن فما علينا إلا البلاغ المبين .

ورأيت أن من واجبنا أيضاً أن نقيم بينهم وبين أجيالنا سداً منيعاً من المعرفة الرصينة الراسخة بحججها وبراهينها ، حتى لا تنخدع هذه الأجيال بزيف ما يكتبون ، وزخرف ما يقولون ، لا سيما حينما يلبس هؤلاء الملحدون أقنعة العلمانية المزورة ، ويتسترون وراء التقدم العلمي الحديث ، ويستغلون لأنفسهم مظاهر التقدم الصناعي والتكنولوجيا .

مع أن التقدم الصناعي والتكنولوجي لم يكن ولن يكون في الحقيقة ملحداً بالله ، بدليل أن معظم أئمة التقدم الصناعي والتكنولوجي وأئمة العلوم الحديثة مؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً يصرِّف أموره بعلمه وقدرته وعنايته وحكمته .

من هذا الذي يستطيع أن يثبت حقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء والطب ، وعلوم الرياضيات والفلك والأحياء والنباتات ، وعلوم الذرة والصواريخ والمركبات الفضائية ، علوم قائمة على أسس الإلحاد بالله والكفر بقدرته وعلمه وعنايته وحكمته؟

هل هذه العلوم تثبت ببراهينها أنه ليس لهذا الكون خالق قادر مدبر؟

إننا إذا وجدنا ملحداً واحداً من علماء هذه العلوم وجدنا في مقابله عشرات المؤمنين بالله من كبار هؤلاء العلماء أنفسهم ، ولو أن علومهم قائمة على قاعدة الإلحاد ، أو تشتمل على براهين تنفي وجود الله لكان الأمر معكوساً تماماً ، ولأظهر لنا هؤلاء العلماء أدلتهم وبراهينهم ، ولأثبتوا لنا ذلك في مكتوباتهم ، بيد أننا نجد في أقوالهم الكثيرة ما يدعم قضية الإيمان بالله .

إلا أن حركة يهودية أرادت نشر الإلحاد في الأرض فتسترت بالعلمانية ، ونشطت عناصر منها فبثَّت نظريات من عند أنفسها وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد ، وكان ذلك ضمن مخطط يهودي شامل ، لإفساد أمم الأرض بالإلحاد والمادية المفرطة ، والانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية كيما تهدِّم هذه الأمم أنفسها بأنفسها ، وعندئذ يخلو الجو – بحسب تصورهم – لليهود قلة في العالم ، ومتى خلا لهم الجو استطاعوا – كما يزعمون – أن يحكموا العالم كله حكماً مباشراً ظاهراً .

علماً بأن هؤلاء اليهود الذين تستروا بالعلمانية والبحث العلمي المحايد لم يقدِّموا نظريات تدعم قضية الإلحاد في العوم البحتة الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج ؛ وإنما قدموا نظريات أو فرضيات على الأصل في العلوم الإنسانية ذات الاحتمالات الكثيرة ، غير الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج ، وضمن نظرياتهم التي قدموها في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد وفلسفة النشوء والارتقاء دسوا قضية الإلحاد والكفر بالله ، تحقيقاً للمخطط اليهودي الشامل .

وهذا يوضح لنا أن قضية الإلحاد بالله قضية سياسية عالمية ، تخدم مصالح خاصة لفئات معينة من الناس ، وهذه الفئات تجند الذين يستجيبون لدعوتها ، ثم تقدمهم وقوداً لدعم سياستها وخدمة مخططاتها .

هذه في هذا العصر هي حقيقة المذهب الإلحادي المنظم الذي تدعمه قوى سياسية ذات ثقل في العالم ، أما الإلحاد الفردي الذي تدفع إليه دوافع إجرامية فجورية خاصة فهو موجود في كل عصر ، وكذلك نظرات الشك التي قد يتعرض إليها الإنسان في بعض مراحل من حياته ، هي أيضاً ذات طابع فردي غير منظم ولا مدعوم ، وليس لها قوى جماعية كبيرة تنصرها وتنشرها وتدعو الناس إليها ، لأن نظرات الشك في قضية الإيمان لا تحمل أصحابها قضية ذات رسالة تبشيرية ، ولا تستطيع هي في نفسها أن تجد أدلة تدعم قضية الإلحاد والكفر بالله ، وبذلك تبقى قضية الإلحاد قضية ساكنة صامتة في نفوس أصحابها ، لا دوافع تحركها ولا دلائل تدعمها .

بخلاف قضية الإيمان فإن وراءها دوافع تدفعها إلى الحركة والنماء والانتشار والبيان المستمر ، ومعها مئات الأدلة التي تدعمها ، وإن نظر إليها بعض الناس بشك في بعض مراحل حياتهم .

إن المؤمنين بالله لهم أدلة لا تحصى على ما آمنوا به ، وكل باحث منهم يتكشف له في موضوع اختصاصه طائفة من هذه الأدلة ، وهي تقدم له القناعة الكافية بأن الله حق .

أم الملحدون فليس لهم أدلة يمكن أن يعتمدوا عليها في نفس وجود الخالق جل وعلا ، إلا مجرد الارتباط بالمادة المدرَكَة بالحواس الإنسانية ، أو بالأجهزة التي توصل إليها الإنسان في القرن العشرين ، وهذا لا يستطيع أن يقدم أي دليل على النفي .

( 2 )

نحن نعلم أنه لا خوف على الحقائق الدينية الإسلامية من جدليات الملحدين ، لأنهم يجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق ، ولكن قد تؤثر جدلياتهم المشحونة بالتزييف على الناشئين المطبوعين بطابع الثقافات الحديثة ، الموجهة شطر مبادئ ومذاهب معينة ، وضعت خصيصاً لمحاربة الدين وهدم مبادئه الحقة .

وليس جدالهم بالباطل بدعاً في تاريخ المبطلين ، بل هي طريقة كل أهل الباطل ، ومن إبليس قائدهم إلى آخر جندي من جنوده ، وأصغر تابع من أتباعه ، كل منهم سائر على سُبُله ومتبع لخطواته .

وقد وصف الله الكافرين عموماً بأنهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ، فقال تبارك وتعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

{..وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً}.

وهي طريقة لا سبيل لهم سواها ، ليؤيدوا أفكارهم ومذاهبهم ، وينصروا باطلهم ، ويُدحضوا الحق ، ما داموا قد التزموا في أفكارهم ومذاهبهم جانب الباطل ، وأصروا بعناد على رفض جانب الحق .

ولما انغمسوا بكفرهم في رذيلة خلقية خطيرة هي رذيلة جحود الحق ، كان لا غرو أن تجرهم هذه الرذيلة إلى رذائل خلقية أخرى ، منها أن يجادلوا بالباطل ، ويستخدموا كل ذكائهم في تزييف الحق ، ويقوم تزييفهم على اصطناع هياكل وهمية لمذاهبهم ، وهياكل وهمية لمذاهب خصومهم ، ثم يحملون حملاته الهجومية على هذه الهياكل التي اصطنعوها لمخالفيهم ، وعندئذ يسهل عليهم تحطيمها بسرعة ، لأنهم هم الذين اصطنعوا بأنفسهم ،ووضعوا فيها نقاط الضعف التي يسهل عليهم تهديمها من قبلها .

وقد يحاربون الدين كله من خلال رأي ضعيف قاله بعض الناس المنتسبين إلى الدين .

أو يحاربون الأديان كلها صحيحها وباطلها ، من خلال ما في بعضها من تحريف عن الأصل الرباني ، أو من خلال الأديان الباطلة التي تحمل اسم دين ، وهي في الحقيقة أوضاع إنسانية مخترعة ، وليست ديناً إلهياً .

وهذه الطريقة قد استخدمها الناقد (د. العظم) أقبح استخدام فيما زعم أنه نقدٌ للفكر الديني ، قال في الصفحة (21) من كتابه “نقد الفكر الديني”:

“يجب ألا يغيب عن بالنا أنه مرت على أوروبا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن قبل أن يتمكن العلم من الانتصار انتصاراً حاسماً في حربه الطويلة ضد العقلية الدينية التي كانت سائدة في تلك القارة ، وقبل أن يثبت نفسه تثبيتاً نهائياً في تراثها الحضاري . ولا يزال العلم يحارب معركة مماثلة في معظم البلدان النامية ، بما فيها الوطن العربي ، علماً بأنها معركة تدور رحاها في الخفاء ولا تظهر معالمها للجميع إلا بين الفينة والأخرى “.

فهو في هذا يحشر الأديان كلها صحيحها وباطلها ويعتبرها جبهة واحدة ضد العلم ،ثم يوجه طعناته ضد ما في بعضها من باطل ، ثم يستنتج من ذلك أنها جميعاً أديان باطلة ، باعتبارها جبهة دينية واحدة ، وقد وجد بعضها باطلاً ، أو وجد في بعضها ما هو باطل .

فهل يقبل مثل هذه الحجة الساقطة من لديه أبسط قواعد الاحتجاج المنطقي ، التي تعرفها الأوليات الفكرية؟ إنها حجة مرفوضة بداهة شكلاً ومضموناً ، وحينما يعتبرها الملحد طريقة منطقية كافية للاحتجاج فإننا نستطيع أن نستخدمها سلاحاً ضد اتجاهه الذي يزعم أنه اتجاه علماني ، فنقول له : إن أصحاب الاتجاه العلماني جبهة واحدة ، ومن المعروف أن لهم مذاهب شتى متناقضة في معظم القضايا التي بحثوها وفق أصول البحث العملي الذي توصل إليه العلماء ، وفي كثير منها نظريات باطلة ، إذن فالاتجاه العلماني كله باطل .

مما لا شك فيه أننا لا نقبل هذا الكلام لأنفسنا ، ولكننا نكشف به فساد حجة الملحد الناقد للفكر الديني ، إذ نستخدم سلاحه ضد اتجاهه ، ونحن نرفض مثل هذا الاحتجاج أصلاً.

وصنيع الملحد في هذا تزييف مفضوح للحقيقة ، وتلاعب شائن في العمليات الفكرية ، واستهانة شنيعة بالمنطق الفكري لأجيالنا الناشئة من مثقفي هذا العصر ، فهل بلغ بهم الأمر أن تنطلي عليهم مثل هذه الحيلة من حيل التزييف الفكري ، حتى بدأ الملاحدة يستخدمونها في تضليلهم؟ أم فقد الملاحدة صوابهم حتى أخذوا يحتجون بما ليس فيه حجة ولا شبه حجة؟ إذ أفلست قواهم المادية في فرض مذاهبهم على الطلائع المثقفة في العالم الإسلامي ، لا سيما حينما وجدوا في هذه الطلائع المثقفة جماهير مؤمنة بالله ، تنصر الإسلام وتعمل له ،وتلتزم بأحكامه وتعاليمه .

ولعل الأمرين موجودين معاً ، فبعض أجيالنا الناشئة الموجهة ضمن البرنامج الإلحادي قد أمست مرجوجة الأصول الفكرية ، تخدعها الحيل المصبوغة بصبغ الثقافات المعادية للدين ، والمقنعة بقناع العلمانية الأكاديمية ، والمحاطة بهالة مزخرفة من العبارات التي احتلت مركزاً ارستقراطياً بين المجتمعات المثقفة ، على الرغم من أنها عبارات جوفاء ليس لها إلا طنين يخدع صغار العقول ، وبعض أجيالنا الناشئة المثقفة هي – بحمد الله – مؤمنة بالله مسلمة حقاً ، ذات منطق علمي سليم ، تعرف الحق ، وتناقش بالحق ، وتجادل بالحق ، وتناصر الحق حيث وجدته .

وأرجو أن لا يغيب عن بال سيادة (د.العظم) ومن هم على شاكلته أن كل اتجاه عام في الواقع الإنساني يوجد فيه فئات مختلفة ، ويوجد فيه أفكار متباينة ، فهل يعني وجود هذا الاختلاف بطلان الاتجاه العام من أساسه؟ أم واجب العاقل المنصف التمييز بين المحقين والمبطلين ، وبين الحق والباطل .

إن دين الله للناس دين واحد ، وهو دين الحق الذي اصطفاه لعباده ، وأنزله على رسله بحسب حاجات الأمم ، التي اقتضت أن ينزل إليها متدرجاً على طريقة التكامل ، وكان ختم هذا الدين بصورته الكاملة التامة في رسالة الإسلام الذي اصطفى الله لحمله للناس محمداً عليه الصلاة والسلام .

إلا أن الأديان الأولى لم يتوافر لها النقل الصحيح ، ودخل إليها عن طريق بعض أتباعها التحريف والتغيير في النصوص وفي العقائد ، فجعلها غير ممثلة للدين الحق ، غذ دخل إليها كثير من الباطل ، كما أن أدياناً حملت هذا الإسلام وهي صناعة بشرية غير ربانية ، أفتحشر هذه الأديان كلها بما فيها من حق وباطل ثم يصدر بحقها جميعاً أحكام تتناسب ما في بعضها من باطل ، أو أحكام تناسب ما في بعضها من حق؟؟

هكذا كان عمل (د. العظم) لدعم مذهب الإلحاد بالله وجحود اليوم الآخر .

( 3 )

ببالغ من التزييف الوقح بدأ الملحدون من أجراء صانعي الهزيمة العربية في عام 1967م يحمِّلون الدين وزور الهزيمة التي اصطنعوها ، وكانوا قبل المعركة وفي أثنائها قد عزلوا الدين عزلاً كلياً عن جميع ساحاتها ، حتى لم يبق له صوت ولا سوط يرتفعان ، ثم يقولون : إن سبب الهزيمة هو وجود رواسب من الذهنيات الدينية الغيبية الاتكالية عند الثوريين الذين قادوا المعركة .

وكل عارف بالحقيقة يعلم أن معركتهم لم تكن ضد العدو الباغي ، إن معركتهم معه لم تكن إلا معركة صورية أو شبه صورية ، أما معركتهم الحقيقة فقد كانت ضد الدين الذي يتابع كتابهم اليوم محاربته بالتزييف والتضليل ، بعد أن حاربوا دعاته بالتعذيب والتنكيل حرباً لا هوادة فيها .

لقد أفلست عمليات الاضطهاد في تحقيق كل ما يهدفون إليه ، فلجؤوا إلى أسلحة التضليل الفكري .

مما لا شك فيه أن معركة الإسلام مع الملاحدة العالميين الذين يتحركون بدفع آلي من القيادات اليهودية العالمية ذات مراحل ، كلما أنجزوا في تصورهم مرحلة منها انتقلوا إلى مرحلة أخرى .

لقد كانت معركتهم الأولى تهدف إلى إقامة الثورة الاقتصادية والاجتماعية كمرحلة أولى ، مع التزييف الفكري بعدم معارضتها للدين ، بغية تضليل الجماهير المسلمة بأن تغييراتها الاقتصادية والاجتماعية لا تمس جوهر العقائد الدينية التي تؤمن بها هذه الجماهير ، تخديراً لها وتبريداً لمشاعر النقمة التي قد تلتهب ضد ثورتهم ، وحين انتهت فيتصورهم هذه المرحلة وبلغت مداها المرسوم لها أخذوا يحضرون للمرحلة الجديدة ،وهي مرحلة نسف العقائد الدينية التي ظلت راسخة في قلوب كثرة كاثرة من الجماهير العربية ، بغية تغيير الإنسان العربي تغييراً كلياً ، حتى في مفاهيمه وعقائده وعواطفه القومية والتاريخية ، وسائر مشاعره ، وعندئذ يستطيع العدو المحرك من وراء الستار تطويعه وتسخيره واستعباده .

وهذا يفسر حملة مكتوبات الملحدين الجديدة ، التي تهدف إلى تحضير النفوس والأفكار للمرحلة الآتية من مراحل الحرب المستمرة .

قال الناقد (العظم) في كتابه في الصفحة (12):

“ولكن الواقع هو أن حركة التحرر العربي غيرت بعض ظروف الإنسان العربي الاقتصادية والاجتماعية ، ثم وضعت في نفس الوقت كافة العراقيل والموانع الممكنة في وجه حدوث أية تغييرات وتطورات موازية في ضمير الإنسان العربي وعقله ، وفي “نظرته للذات والحياة والعالم” …”.

ثم ذكر أن حركة التحرر العربي قد وقفت على رأسها بدلاً من قدميها فقال :

“عبَّرت هذه الوقفة (على الرأس بدلاً من القدمين) عن نفسها في السياسات الثقافية التي اتبعتها حركة التحرر العربي ، كما في أسلوب اهتمامها السطحي والمحافظ جداً بالتراث والتقاليد والقيم والفكر الديني ، مما أدى إلى عرقلة التغييرات المرجوة في الإنسان العربي نفسه ، وفي نظرته إلى الذات والحياة والعالم ، تحت ستار حماية تقاليد الشعب وقيمه وفنِّه ودينه وأخلاقه ، تحوَّل الجهد الثقافي لحركة التحرر إلى صيانة للأيديولوجية الغيبية ، بمؤسساتها المتخلفة ، وثقافتها النابعة من العصور الوسطى ، وفكرها القائم على تزييف الواقع وحقائقه”.

أقل متأمل في هذا الكلام وأشباهه يتبين له أنه إرهاص واضح بمرحلة جديدة من مراحل الحرب اليهودية الماركسية العالمية ، ضد الإسلام داخل الوطن العربي ، لتحطيم الرصيد الباقي من أمل هذه الأمة في إمكان ظفرها على عدوها ، إذا هي استطاعت أن تتحرر من القيود ، وتستخدم ما لديها من طاقات محركة ، تصلها بدينها وأخلاقها وقيمها .

إنهم يمهدون بهذا للثورة الثقافية الفكرية التي تريد اقتلاع كل تراث مجيد للمسلمين ، حتى لا يبقى لهم أي أمل بالظفر على عدوهم ، وحتى لا يبقى لديهم أي نزوع لاستعادة مركزهم القيادي في العالم .

ومما يؤسف له أن العدو القابع وراء الحجب قد استطاع أن يشتري من سلالات هذه الأمة جنوداً مغفلين ، يدفع بهم إلى صف المواجهة ، ويحملهم الأسلحة الفتاكة ضد أمتهم وأقوامهم وأمجادهم ، وأخيراً ضد أنفسهم ، لأن العدو سيتخلص منهم متى استنفد طاقاتهم ، وصاروا في نظره كالثور الذي يأكل كثيراً ، وهو لا يحرث أرضاً ، ولا يسقي زرعاً ، ولا يدفع كيداً ولا يدرّ بِلَبن .

وماذا ترجو الأمة ممن باع نفسه لعدوه وعدوها ، ورضي بأن يكون سلاحاً نجساً مصلتاً عليها في أيدي الخنازير؟!

وحين نتساءل : كيف استطاع العدو أن يشتري هؤلاء الجنود ، وأن يسرقهم من أحضان أمتهم ، ليسخرهم هذا التسخير الخبيث الذي لا يرضى به الهمجيون البدائيون ، فضلاً عن المثقفين الذين يدعون التقدمية ، ويلقبون أنفسهم بالطلائع المتحررة؟

فإن الجواب يأتينا من الواقع بأن العملة التي يشتري بها العدو شباباً من أجيالنا الناشئة . ثم يجندهم في صف المواجهة ضدنا ، هي عملة تبذل للأهواء والشهوات بغير حساب ، أما مادتها فالمرأة الفاجرة ، والشهوة العاهرة ، والخمرة المضلة ، والرشوة المذلة ، ومطامع المال والسلطان ، وأحياناً أوراق مجد علمي تُمنح على صفة شهادات عليا ، ويجري ضمن ذلك كله عمليات تغيير كلي لجهاز التفكير ، وتغيير كلي في المختزنات العاطفية ، وتبديل تام أو ناقص لعناصر الكيان الذاتي التي هي قوام الشخصية .

وبعد هذا التغيير والتبديل تتم عملية التجنيد الطوعي ، أو التجنيد المسوق بالسلاسل ، والمدفوع بالسياط اللاهبة ، خوف الحرمان والفضيحة ، وأخيراً خوف القتل بأي سبب ظاهر أو خفي .

وما التقدم والعقلانيات والبحث العلمي والنظرة الأكاديمية إلا ألفاظ وشعارات تستعمل في الأقوال فقط ، وليس لمدلولاتها الحقيقية واقع معتبر لديهم .

تزييف في الألفاظ ،تزييف في الحقائق ، تزييف في المعارف ، تزييف في الرجال ، تزييف في المؤسسات الصغرى والكبرى ، تزييف في الدول وتكوين الأمم والشعوب ، هذه هي خطتهم .

وغرضهم الحقيقي تدمير الأمة الإسلامية وفي مقدمتها الشعوب العربية تدميراً يشمل ما يسمونه في مصطلحاتهم : “البنية الفوقية – البنية التحتية – الأصعدة العليا – الشرائح الوسطى ، والجانبية والعلوية والسفلية” إلى آخر هذه المصطلحات الإيهامية ، التي يقذفونها للتغطية حيناً ، وللتهويل حيناً آخر ، وللتظاهر بارتقاء المستوى الفكري أمام الذين لم تتجاوز عقولهم طور مراهقتها ، بغية السيطرة الفكرية عليهم ، وتقييدهم بمصطلحات يتميزون بها ، ويدسون في المراد منها ما شاءوا .

وجملة هذه المصطلحات تدور حول عقائد المسلمين ومفاهيمهم الإسلامية والأخلاقية والاجتماعية ، وحول مستويات المجتمع الإسلامي على اختلافها ، فهم يشرحونه إلى شرائح وفق مخططهم ، ويوجهون لكل شريحة وسائل تدميرها ، ويركزون معظم طاقاتهم لتدمير العقائد والمفاهيم والأخلاق وسائر القيم والتطبيقات الإسلامية ، ومراكز حماية كل هذه الأثقال التي تقف في طريق تسلطهم الكامل على الأمة الإسلامية وشعوبها المختلفة .

وانطلت حيلة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تتعارض مع الدين ولا تمس عقائده ومفاهيمه الأساسية كما زعم أجراؤهم والمنخدعون بهم .

وتجند لمؤازرتها ومناصرتها فريق الطامعين ، وسارت من ورائهم جماهير العمال والفلاحين وصغار الكسبة ، وقادة المسير صنائع وأجراء من طبقة القيادات المثقفة ، الذين استطاعوا أن يشتروهم أو يغرروا بهم ، إذ وجدوا في نفوسهم مواطن ضعف نؤهلهم لهذه العمالة .

وقامت الثورة ، ورافق إقامتها حملة عنيفة من ضجيج الوعود الكبيرة بتحقيق النصر المنشود ، وسارت وفق المخطط الذي رسم لها ، وفي الوقت المناسب سيقت إلى خيبة كبرى حملت آلام نتائجها الأمة العربية والأمة الإسلامية من ورائها .

وأزيح الستار عن الفصل الأول من التمثيلية ، وطلع الملحد العميل يقول : إن الهزيمة قد كانت بسبب وجود رواسب من الذهنية الدينية لدى القيادات الثورية في حركة التحرر العربي ، وبسبب عدم التغيير الشامل في تركيب المجتمع كله ، لأن التغيير الاقتصادي والاجتماعي لا يكفي لتحقيق النصر ، بل لا بد من تغيير يشمل المبادئ والعقائد والتقاليد وسائر المواريث القائمة في المجتمع العربي .

هلمَّ إذن إلى هذا التغيير ، لتفقد الأمة العربية كل كيانها وكل مقوماتها ، وعندئذ تسقط سقوطاً كاملاً في يد عدوها ، الذي يستعبدها ويسخرها فيما يريد .

وهذا هو ما يهدف إليه العدو في خطته ضمن حربه الشاملة للإسلام والمسلمين .

وجاءت حرب رمضان (تشرين أول- أكتوبر) في عام 1973م فأظهرت للناس جميعاً أن الإسلام لما دخل في المعركة دخولاً اسمياً وبصورة جزئية ظهرت في الأمة العربية بطولات حقيقية لم يكن لها وجود مطلقاً في حرب (حزيران-يونية) عام 1967م ،وكان من نتيجتها تحول جزئي لصالح الأمة العربية ، وكان في هذا تكذيب واقعي لمفتريات الملحد الماركسي العميل .

وقد يبدو عجيباً أن يوجه هؤلاء الملاحدة الماركسيون انتقادهم لحركة التحرر العربي وقياداتها الثورية ، إذ لم تقم بتغيير شامل في مجال سلطانهم ، يتناول كل إرث الأمة العربية ، من عقائد ومبادئ وأخلاق وعادات ومفاهيم ومشاعر نحو أمجادهم وتاريخهم .

ولكن هذا العجب ينتهي تماماً حين نعلم أن المخططات المرحلية للحروب الحديثة التي يحركها أساطين المكر العالميون لا تهتم بالأشخاص ولا بالمنظمات .

إن الأشخاص والمنظمات وسائر الأدوات المرحلية هي بمثابة جسور توضع لتنسف متى تم العبور عليها ، حتى لا يعود عائد عن طريقها إلى المنطلق الأول ، وكل من يقدم نفسه جسراً لها من أشخاص أو منظمات فليعلم أنه سينسف بدداً متى استنفد الماكرون أغراضهم ومنه ، وعندئذ لا يجد عاطفة تحنو عليه ، ولا وفاء يستقبله .

وكل لاحق من هذه الجسور المرحلية لا بد أن يؤدي وظيفة تهديم من سبقه وانتقاد أعماله ، ليقدم تبريراً لمرحلته الجديدة ، وليمحو من الأذهان ما ترسب فيها من مفاهيم كان يقدمها السابق .

وكل ذلك في ترتيب الخطة العامة أزياء فكرية مرحلية ، يجب تغييرها لدى تنفيذ المرحلة التالية ، إلا أنها تمهيد ضروري لها .

وليس لها منا مجرد تحليلات ذهنية ، وتقديرات خيالية ، بل مكتوبات العدو السرية تنص عليه بصراحة لا تقبل التأويل .

مسكينة هذه الجسور البشرية كيف تقدم خدماتها الجلي للشياطين ، لتقدم أنفسها فيما بعد ضحايا لهم ، وليس لها منهم عبر الرحلة القاسية الشاقة إلا الإباحيات المختلفات ، والمواعيد الكاذبات ، وأنواع من المساعدات للتسلط على أمتهم في الأدوار المرحلية .

ولتحويل الأنظار عن العدو الحقيقي بدأ الملاحدة الماركسيون يهونون من أمر مكايد الاستعمار ، ومكايد الصهيونية العالمية ، ويوجهون كل اهتمامهم لميراث الأمة العربية من قيم وأخلاق ومبادئ وعقائد وعادات وتقاليد ومفاهيم ، ويحملون هذا الميراث وزر تخلف هذه الأمة ، ووزر الهزيمة العسكية التي صنعتها التقدمية العربية بأيديها ، سيراً مع المخطط المرسوم لها .

ومع أن الماركسيين كانوا مع الذين حملوا شعارات محاربة الاستعمار في الوطن العربي ، إلا أن ذلك قد كان منهم خطة مرحلية ، أما اليوم فالصهيونية العالمية ليست عدوة لهم ، إن عدوهم الأكبر عقائد الإسلام ومبادئه ، ومفاهيمه وتشريعاته ، وما له من رصيد كبير في الجماهير العربية ، لأن هذه هي العدو الأكبر لليهودية العالمية ، ومن يسير في ركابها أو يتأثر بدسائسها .

قال الناقد (د. العظم) في كتابه “نقد الفكر الديني” في الصفحة (13):

“قامت حركة التحرر بتجريد العلاقة الاستعمارية في حياة الوطن العربي عن جملة الظروف التاريخية ، والأوضاع الاجتماعية العربية المتشابكة معها ، والمحيطة بها إلى درجة جعلت “الاستعمار” يبدو وكأنه الحقيقة المباشرة الوحيدة الماثلة في مجرى الأحداث في المنطقة والمحركة لها . أي : كان هناك اختلال أساسي في التوازن بالنسبة لنظرة حركة التحرر إلى نفسها وواقع مجتمعها ، وإلى أعدائها والعالم الخارجي المحيط بها ، بصورة عامة . بالغت عملية التجريد هذه في تبسيطها للواقع التاريخي المعقد ، مما جعل (الاستعمار) – أحياناً الصهيونية العالمية – يبدو وكأنه القوة الوحيدة المتحكمة ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بحركة المجتمع العربي ، وبالبيئة التي تثير ردود فعله . أدى هذا القصور إلى ما يشبه الإهمال التام لأوضاع القوى والمؤسسات والتنظيمات والمجهودات الذهنية الموجودة دوماً في التركيب الاجتماعي (العربي) والفاعلة باستمرار في حياته ، والمهمة أيضاً في تحديد ردود فعله وأنماط سلوكه الجماعية والفردية . إن الوجه الآخر لعملة تجريد العلاقة الاستعمارية على هذا النحو هو التعصب للوهم المثالي الكبير القائل: بأن الأيديولوجيات الغيبية والفكر الديني الواعي الذي تفرزه مع ما يلتف حولها من قيم وعادات وتقاليد … إلخ هي حصيلة للروح العربية الخالصة الثابتة عبر العصور ، وليست أبداً تعبير عن أوضاع اقتصادية متحولة ، أو قوى اجتماعية صاعدة تارة ونازلة تارة أخرى ، أو بنيات طبقية خاضعة للتحول التاريخية المستمر ، ولا تتمتع إلا بثبات نسبي”.

ألا يمثل هذا الكلام وقاحة بالغة النهاية ، لا يفعلها إلا أجير ذليل باع نفسه للصهيونية العالمية عن طريق الإلحاد الماركسي؟!

ولا يشك خبير بحقائق الأمور أن سبب تخلف العالم العربي هو هجره لمفاهيم الإسلام الصحيحة المتقدمة جداً ، ثم تعلقه بوافدات تفد إليه من أعدائه ، الذين يخشون أن يصحو من نومه العميق ، ويستمسك من جديد بإسلامه ، ويثب وثباته المدهشة ، ويحتل قيادة العالم مرة ثانية .

أما الوافدات الوبائية التي تفد إلى بلاد المسلمين من خارج حدودهم فالذين يحملونها بأمانة تامة للعدو وخيانة تامة لأمتهم وتاريخهم معروفون تماماً ، وأقوالهم وأعمالهم تدل عليهم ،ولئن اختفوا حيناً فلا بد أن يظهروا بعد حين .

( 4 )

يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (9) من كتابه:

“تبيَّن أيضاً بعد هزيمة (1967م) أن الأيديولوجية الدينية على مستوييها الواعي والعفوي . هي السلاح (النظري) الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية في حربها المفتوحة ، ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن”.

ويقول أيضاً:

“يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقها : تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي – مثلاً – والعلم الحديث . تزييف حقيقة العلامة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه “.

إنه في هذا يخص الإسلام بالذكر إعلاناً عن غرضه الذي يهدف فيه إلى تهديم الإسلام وإطفاء نوره ، عن طريق التهجم الصريح المقرون بالشتائم التي يطلقها زوراً وبهتاناً على الدين .

ونحن لا ننتظر منه ومن كل الملحدين وسائر أعداء الإسلام غير هذا ، فهم يتميزون غيظاً منه كل يوم ألف مرة ، لأنه حق قوي كاشف لزيف المبطلين ، وكما يقول هذا الكاتب نفسه في أول كلامه في المقدمة عن الفكر الديني :

“من نافل القول أن هذا النوع من الفكر يسيطر إلى حد بعيد على الحياة العقلية والشعورية للإنسان العربي ، إن كان ذلك بصورة صريحة وجلية ، أو بصورة ضمنية لا واعية”.

وقبل أن نفند أقواله عن الدين وعن الفكر الديني الصحيح غير المزيف ، وأمام حملات الكذب والشتائم الوقحة ، نقول ما قال الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}.

أي : يريدون مرادات كثيرة ، ويتخذون أسباباً متعددة ، ليطفئوا نور الله العظيم بأفواههم ، بأكاذبيهم وشتائمهم وأباطيلهم وافتراءاتهم ومغالطاتهم ونظرياتهم العلمية الباطلة ، والله مُتم نورِه رغم كل محاولاتهم الفاشلة ، ولو كرهوا ذلك وتميزوا منه غيظاً .

أما ادعاؤه “بأن الفكر الديني يلعب دور السلاح (النظري) عن طريق تزييف الواقع ، وتزوير الوعي لحقائقه” ، فمجرد شتائم يطلقها تعبيراً منه ومن رفاقه وسادتهم المديرين لحركاتهم عن مدى غيظهم من الإسلام ، وعن مبلغ حقدهم عليه ، وعلى المسلمين الملتزمين بإسلامهم .

وأنت خبير أن الشتائم ليس لها في ميادين الجدل المنطقي مقام . فمن قلت له : أنا موجود هنا أخاطبك ، هلُمَّ فناظرني ، فقال لك : هذا تزييف للواقع ، أنت مزور للحقيقة كاذب ، تريد أن تضللني وتزور وعيي ، أنت وهم ، أنت خيال ، أنت ليست شيئاً حقيقياً ، فمباذا ترد عليه؟ وبماذا تجيبه؟

لا جواب له عند العقلاء إلا الإعراض عنه ، أما الدخول معه في حرب الشتائم فصناعة الغوغائيين ، لا صناعة الجدليين المفكرين الذين ينشدون الحق .

وهذا هو سبيلنا مع أي عدو من أعداء الإسلام ، أعداء الحق ، حينما يوجه له شتيمة : “تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه” دون أن يقدم براهين صحيحة تثبت دعواه .

ولكنه حينما يقدم ما يراه دليلاً وحجة فإننا لا نسكت عن مناقشتها ونقضها وبيان المغالطات فيها .

وأما ادعاؤه : “أن الدين هو السلاح النظري الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية ، في حربها المفتوحة ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن”.

فلا شأن للإسلام حقيقة في هذا ، والحق قد يتستر به المبطلون من كل جانب ، ولا يضير الطود المنيع أن يتستر في ظله من الواديَين فريقان متصارعان متضادان في مذاهبهما .

أما التقدمية والرجعية والثورية وغير الثورية فألفاظ يطلقونها بأفواههم وفق أهوائهم .

لقد استخدموا الإباحية الفكرية واللفظية أسوأ استخدام ، فقد يطلقون عبارة التقدمية على أقبح الرجعيات الفكرية والسلوكية ، فالقتل والسحق والتمثيل بالقتلى والتشويه والتعذيب الذي لا يخطر على بال كبار المجرمين ، والسلب والنهب وهتك الأعراض ، وكل الموبقات تقدمية ، مع أنها غاية في الهمجية الممعنة في الرجعية التاريخية ، التي ترجع إلى الوحشية البهمية ، وتجرُّع قوارير (الفودكا) حتى الارتماء على قمامات الشوارع هي في نظرهم تقدمية ، مع أنها في الحقيقة رجعية إلى ما دون مستوى البهائم وأضل سبيلاً ، والكفر بالله والإلحاد به تقدمية في نظرهم ، مع أن الكفر بالله من رجعيات القرون الأولى . أما الصدق والأمانة والمحبة الإنسانية والإخاء وحسن المعاملة وسائر مكارم الأخلاق وفضائل السلوك فهي في نظرهم وتسمياتهم رجعيات ، وهي أمور سخيفة يجب تركها والاستهانة بها .

أليس هذا التلاعب بالحقائق تنفيذاً للمخطط اليهودي الشامل ، الذي يعمل على تجريد الأمة الإسلامية من كل قواها المقوّمة لكيانها ، حتى تفقد كل مقاومة ضد عدوها ، وتستلم لها استسلاماً كاملاً على ذل وضعة وعبودية؟

وهؤلاء الملاحدة هم من أخطر جنود تنفيذ هذه الخطة اليهودية العامة ، ولا ضيرإذن أن يكون الإسلام سلاحاً ضدهم لأنهم أعداؤه ، وهم ومبادئهم وأفكارهم ومخططاتهم أسلحة فتاكة مسلطة ضد الإسلام ومبادئه وعقائده وتشريعاته والمؤمنين به .

وفي كلام الماركسيين عن الرجعة العربية مغالطة قائمة على التعميم ، فحينما يطلقون عبارتي الرجعية والرجعيين فإنهم يقصدون الإسلام والمسلمين ودعاته وحماته ، ويقصدون أيضاً سائر الأنظمة العالمية المخالفة للنظام الماركسي ، وحماة هذه الأنظمة والمستفيدين منها ، وفي ضمن هذا التعميم المقصود يقذفون مغالطاتهم ، إذ يوهمون بأن الإسلام في نظرياته ومفاهيمه وتشريعاته يدعم النظام الرأسمالي مثلاً ، أو يدعم أنظمة الحكم الدكتاتورية ، مع أن موقف الإسلام من الأنظمة الرأسمالية المخالفة له مثل موقفه من الأنظمة الماركسية ، يخالف هذه وتلك ، ويقاوم هذه وتلك ،ولا يدعم هذه ولا تلك ، إن الإسلام نظام غيرهما جميعاً .

هذه هي حقيقة الإسلام التي تشتمل عليها نصوصه ، ويعترف بها المسلمون الصادقون ، ولكن ما نصنع بالذين يستغلون اسم الإسلام لنصرة مذاهبهم التي تخالف الإسلام وهو لا يعترف بها؟

هذا عيب في الناس وليس عيباً في الدين نفسه ، ونفاق الناس للمذاهب والأنظمة ، وتسترهم بها ، واحتماؤهم بقواها ، موجود في كل موقع فكري أو جماعي ، ولا يمكن أن يدفعه إلا نظام صحيح ثابت ، له في الأرض قوة تحمي مبادئه بحق ، وتكشف باستمرار المزيفين الذين يستخدمون اسمه وقوة الجماهير التي تنتسب إليه لدعم انحرافاتهم .

فبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم النظام الماركسي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته ، إذا وجد جماهير تنخذع بنفاقه وتزويره ، ووجد أجراء وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه ، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه ، فالإسلام من نفاق المنافقين وتزوير المزورين بريء .

وبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم نظام رأسمالي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته ، إذا وجد جماهير تنخدع بنفاقه وتزويره ، ووجد أجراء وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره ، وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه ، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه ، فالإسلام الحق بريء من نفاق المنافقين وتزوير المزورين وتلاعب المتلاعبين .

فاتهام الإسلام بأنه سلاح في يد الرجعية ، أو في يد بعض الأنظمة التقدمية ، مغالطة قائمة على التعميم أولاً ، إذ يُعمِّم المغالطون اسم الإسلام فيجعلونه شاملاً لدين الله وللمنتسبين إليه بصدق ، وللمنتسبين إليه زوراً ونفاقاً ، وللمستغلين اسمه وهو منهم بريء ، وقائمة ثانياً على تحميل الدين جرائر المنافقين له ، والعابثين أمام بعض الجماهير بمفاهيم ينسبونها إليها ، وهي ليست منه .

ولكن:

يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون .

( 5 )

قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (9) من كتابه :

“يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه : تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي – مثلاً – والعلم الحديث ، تزييف حقيقة العلاقة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية – العربية – العلمية الإسلامية – المؤمنة – الثورية) تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحالية الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامي) تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة ، وقوى رجعية معطّلة ، بين قوى طبقية مسيطرة ، وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الإصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية) ولا شك أن عملية التزييف هذه تعمل في صالح مجموعة مصالح طبقية ضيقة ومسيطرة ، تنزع نحو الاستماتة في المحافظة على نفسها وعلى مواقعها ،وبذلك نحو فرض أيديولوجيتها الدينية ومنظورها الميثولوجي المزيف للواقع على المجتمع بأسره ، وعلى حياته الفكرية والثقافية بكاملها تقريباً “.

( أ ) إذا تركنا شتائم (العظم) للفكر الديني في هذا النص ، لأننا عالجناها فيما سبق ، فإننا نلاحظ أن الذي يلعب دور التزييف بكل معانيه وصوره هو الفكر اللاديني الإلحادي ، لا الفكر الديني المؤمن .

فاللادينيون هم الذين يصنعون هذه التزييفات ويستغلونها لستر واقعهم المعادي لجماهير الأمة ، والكثرة الكاثرة من شعوبها ، ولمبادئ هذه الجماهير وقيمها وأخلاقها وتاريخها ومؤسساتها .

( ب ) أما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والعلم ، فقد كشفنا بطلانه بالشرح العلمي المركز في الفصل الثاني من هذا الكتاب ، وأثبتنا بالبراهين المنطقية أنه لا نزاع مطلقاً بين الدين الصحيح والعلم اليقيني الثابت ، وسنزيد هذا بياناً في جدليات تفصيلية ، نعالج فيها كشف أكاذيبه وتزييفاته في الفصل الثامن من هذا الكتاب ، والواقع أن الملاحدة وكل اللادينيين هم الذين يزيفون حقيقة العلاقة بين اللادين والعلم ، إذ يصورون كذباً وزوراً أن العلم صديق الإلحاد ، أو صديق اللاتديُّن ، ويحاول جهدهم ويكدون كداً لاهثاً ليثبتوا وجود التناقض بين الدين والعلم ، ويصنعون كل ألوان التزييف والتزوير لإثبات هذه الفرية ، ليتوصلوا من ذلك إلى نقض الدين وإبطاله .

فمن المزيف للحقيقة والواقع ؟؟

( ج ) وأما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية – العربية – العلمية الإسلامية – المؤمنة – الثورية).

فالمزيفون في الحقيقة هم أصحاب المذاهب والنظم المخالفة للإسلام ، ويستأجرون أجراء للقيام في وسط الجماهير المسلمة بالدعاية لصور التزييف التي يصنعونها ، ستراً لمواقفهم المعادية للإسلام ، وكيداً لجماهير المسلمين ، ويسير وراءهم مخدوعون ، يظنون أنهم يخدمون الدين بما يصنعون . أما الدين ألإسلامي فلا يعترف بأي نظام مهما كان نوعه ، إذا كان يخالف المبادئ الإسلامية الصحيحة ، فللإسلام مناهجه ونظمه الواضحة البينة .

والمسلمون الصادقون لا يقبلون أية صورة من صور التزييف التي يحاول غير المسلمين مخادعة الجماهير المسلمة بها .

( د ) وأما ما ذكره ” من تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء ، على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامية)”.

وما ذكره من “تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة ، وقوى رجعية معطَّلة ، بين قوى طبقية مسيطرة وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية)”.

فإن الإسلام أشد حرصاً على مقاومة هذا التزييف ، إن المؤمنين الصادقين أحرص من الملاحدة على إيجاد التصنيف الصارم ، وعلى إقامة الحدود الفاصلة بين الأعداء والأصدقاء ، أي : بينهم وبين الكافرين ، ولو كانوا من أبناء جلدتهم ، ويتكلمون بألسنتهم ، ولو كانوا منحدرين من السلالات الإسلامية ، ولو كانوا من أقرب أقربائهم ، فالإسلام لا يعرف مداهنة ولا مصانعة على حساب الدين والعقيدة ، أو على حساب جماعة المسلمين ، ولا يقر مبدأ المساومة في أي أمر من أمور الدين ، فالعدو عدو ولو كان أباً أو ابناً أو أخاً أو أقرب الأقربين في النسب ، والصديق صديق مهما كان بعيداً عن وشائج القرابات ، فالله يقول في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ منَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }

فالأمر في المفهوم الإسلامي ليس بالسهل ولا باليسير ، إنه لعب بمصير الأمة ، ولعب بمصير دينها ، وفيه تمكين عدوها منها ، فليست موالاة أعداء الله من المعاصي الفردية العادية ، إنها خيانة للأمة جميعها ، وخيانة للكيان الإسلامي كله ، ودونها بنسبة كبيرة بعض كبائر المعاصي الفردية ، لأن هذه الموالاة لأعداء الله فرع من فروع النفاق .

والله تبارك وتعالى يقول في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }

( 6 )

حشر الناقد (د. العظم) اتجاهاته السياسية المعينة في صلب قضايا يزعم أنها قضايا نقدية علمية بحتة ، فهو بالإضافة إلى أنواع التضليل الذي سلكه في المسائل العلمية ضد الدين ،أخذ يحشر اتجاهاته السياسية ليتابع عملية التضليل ، ويسلك فيها مسلك الغوغائية الدعائية المعروفة في الكتابات الصحفية ، التي يكتبها الملاحدة الماركسيون ، فقال في الصفحة (23) من كتابه:

“كان الدين في أوروبا حليف التنظيم الإقطاعي للعلاقات الاجتماعية ، ولا يزال على هذه الحال في معظم البلاد المتخلفة وخاصة في الوطن العربي . في الواقع أصبح الإسلام الأيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه (السعودية ، أندونيسيا ، الباكستان) والمرتبطة صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا . كما كان الدين المصدر الأساسي لتبرير الأنظمة الملكية في الحكم لأنه أفتى بأن حق الملوك نابع من السماء وليس من الأرض . ثم أصبح اليوم الحليف للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية ، والمدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها ، حتى أصبح الدين وأصبحت المؤسسات التابعة له من أحصن قلاع الفكر اليميني والرجعي . فالدين بطبيعته مؤهل لأن يلعب هذا الدور المحافظ ، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح باهر ، عن طريق رؤياه الخيالية لعالم آخر تتحقق فيه أحلام السعادة ، وواضح أن هذا الكلام ينطبق على الإسلام كغيره من الأديان “.

واضح من هذا الكلام (العظمى) أنه من قبيل الغوغائية الدعائية السياسية ، التي تعمل لنصرة مذهب سياسي واقتصادي معين ، أثبت الواقع فشله في المجالين السياسي والاقتصادي ، وأثبت أنه كان سلاحاً في أيدي الانتهازيين الطامعين باحتلال المواقع الرأسمالية والبرجوازية ، عن طريق النهب والسلب والاستغلال الظالم الآثم ، وأن شعارات هذا المذهب الاقتصادي لم تكن إلا أقنعة للتضليل .

وقد عمد إلى ذكر بلاد إسلامية معينة لأنها ما زالت نوعاً ما ترعى الإسلام ، وتحمي شعاراته ، وتطبق بعض أحكامه .

أما قصة الارتباط صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا فقصة أتقن تشييعها أجراء هذا الاستعمار ، وأجراء الصهيونية العالمية ، وغايتهم هدم الإسلام من وراء ذلك ، وهو يعلم أكثر من غيره دور الماركسية الملحدة التي تعمل لصالح الاستعمار الجديد ، وتعمل لصالح الصهيونية العالمية .

وحرب رمضان عام (1973-1393هـ) ودور الدول الإسلامية فيها ، ودور المملكة العربية السعودية إذ دخلت فيها بكل ثقلها ، ربما يكون قد أغاظه كثيراً ، لأنه جاء على غير هوى سادته ، ولأنه كشف زيفاً كثيراً كان يصدّره هو وكل الذين يلبسون أقنعة التقدمية .

وأكتفي عند هذه النقطة بهذا القدر لأنه ليس من خطتنا في الدفاع عن الدين وحقائقه أن ندخل معارك سياسية ذات طابع زمني ، وذلك لأن الدين دين الله ، وهو تعاليم ومفاهيم وحقائق فكرية ، ومتى هبطنا بها إلى مستوى الصراع السياسي فإننا تورَّط الدين توريطاً سيئاً ، إذ نجسده في واقع بشري ، مع أن الواقع البشري غير المعصوم قد يخالف الدين في كثير من التصرفات الإنسانية ، والدين لا يحمل جريرتها ، وإنما يحمل جريرتها المخالفون للدين أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الإيمان به والمطبقين لبعض تعاليمه ، ومن الذين يرفعون لواءه ، ويحرصون على نصرته .

إن أي تجسيد للدين في واقع بشري غير معصوم عن الخطأ أو المخالفة يعتبر تشويهاً للدين ، وتحويراً في مفاهيمه وتعاليمه ، وهذه ليست خطة رشد في الدفاع عن الدين .

إن الصراع من أجل الواقع البشري عمل سياسي قد يتصل بالمبدأ إلا أن له مجالاً آخر .

وبالتضليل المقصود لمحاربة الإسلام بوصفه ديناً ربانياً ؛ يحاول أعداء الإسلام من ملحدين وغيرهم التقاط صور معينة عن الواقع البشري للمنتسبين إلى الدين ، ولو كانوا من أئمة المسلمين ومرشديهم ، ثم يأخذون هذه الصور البشرية المعينة ، ويجعلونها من الدين عقيدة ومفاهيم وأنظمة وغير ذلك ، مع أنها في الواقع ليست إلا انحرافات بشرية عن عقائد الدين أو مفاهيمه أو أنظمته ، وليس الدين هو المسؤول عنها ، ولكن أصحابها هم المسؤولون.

وهذا التضليل من أعداء الإسلام مغالطة خبيثة ماكرة ، يقصدون منها تشويه الصورة الإسلامية من جهة ، واستدراج مغفلين من أنصار الدين ليتورطوا في الدفاع عن الواقع البشري ، فيستغله أعداء الإسلام استغلالاً سيئاً .

يضاف إلى كل هذا أن المعارك السياسية الزمنية لها وجهات أنظار مختلفة ، ومن العسير جداً تمييز جانب الحق فيها ، وما أكثر ما ترى الغوغائية الجماهيرية رأياً أملته عليها الغوغائية الدعائية التي تنصر مذهباً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً معيناً ، وتدعم مصالح معينة ، ثم يتبين بعد التجربة أن الرأي المناقض له كان هو الأحق بالاعتبار ، وأن محاربته كان رعونة وطيشاً ، وتورطاً في مزالق سياسية تكبد المنزلقين خسائر فادحة ، وتحمِّلهم مصائب كثيرة ، وقد تدفع بهم على أيدي أعدائهم ضحايا رعوناتهم ، وعندئذ تجد جنود الأعداء الذين دفعوا بهم إلى هذه المزالق يطبلون ويزمرون ويرقصون على أجساد الضحايا .

أما زعمه : أن الدين أصبح اليوم الحليف الأول للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية ، والمدفع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها … إلى آخر كلامه .

فالواقع أن هذا الكلام ليس فيه من النقد الفكري شيء ، بل هو لون دعائي سياسي صحفي قائم على التضليل .

إن أي دارس للنظام الاقتصادي الإسلامي يعلم بداهة أنه نظام فذّ قائم بنفسه ، فلا هو نظام رأسمالي يساير الأنظمة الرأسمالية في العالم ، ولا هو نظام اشتراكي يساير الأنظمة الاشتراكية في العالم ، ولكن قد تتلاقى الأنظمة الرأسمالية معه في بعض الجوانب ، وقد تتلاقي الأنظمة الاشتراكية معه في بعض الجوانب ، وينفرد الإسلام بمفاهيم خاصة وتنظيم كلي خاص ، والشبه الجزئي لا يعني التبعية بحال من الأحوال .

وأما تحصن الرأسماليين بالإسلام فيشبه تحصن بعض الاشتراكيين به ، وهو ليس حصناً في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء ، ولكن يتحارب الفريقان فيختبئ هؤلاء وراء جانب منه ، ويختبئ أولئك وراء جانب آخر منه ، وتتساقط بعض الضربات من هؤلاء وأولئك على الحصن الإسلامي زوراً وبهتاناً ، ولو كان في الحصن الإسلامي جنود حقيقيون لخرجوا وقاتلوا الفريقين معاً ، ولطردوهما عن جوانب الحصن .

وأما قوله : “إن الدين قد أصبح المدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها”.

فإننا نقول : ما دامت الملكية الخاصة مكتسبة بطرق مشروعة يوافق عليها نظام الإسلام فاحترامها حق ، واحترام الحق من أسس مبادئ الإسلام العامة ، ولا يضيره في هذا أن توافقه أو تخالفه أنظمة وضعية ومذاهب اقتصادية أخرى ، فالحق أحق أن يتبع .

وتعلن بإصرار أن النظام الإسلامي هو الأكمل والأصلح للإنسانية ، وستضطر الأنظمة الأخرى أن تتراجع إلى نظامه .

وهل عيب في النظام الإسلامي أن يحترم الملكية الخاصة المشروعة ، لأنه لا يوافق في هذه الناحية النظام الماركسي؟

إن العيب والنقص فيما خالف الإسلام ، نقول هذا بكل فخر واعتزاز .

ثم نتساءل فنقول: هل تتنازل الأنظمة الماركسية عن ملكياتها لصالح دول أخرى ماركسية أيضاً؟

إنهم يتقاتلون لحمايتها ، فأين بقيت مقومات المذهب؟

مفتريات وأباطيل ، وخداع وتضليل!!

* * *

الفصل الخامس

صراع من أجل قضيّة الإيمان بالله

والفكر الدّيني الصّحيح حَوْلها

( 1 )

تحت عنوان “الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني” أثار الناقد (د. صادق جلال العظم) حول الدين عدة موضوعات سماها “مشكلات” ومن هذه الموضوعات عقيدة الإيمان بالله تعالى.

مع أن الملحدين جميعاً في سالف الدهر وحاضره ، لم يستطيعوا مجتمعين ولا متفرقين ، أن يقدموا أية حجة منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تثبت عدم وجود خالق لهذا الكون .

وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد ، فلم نجد لديهم دليلاً واحداً صحيحاً ينفي وجود الخالق جل وعلا ، رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها للإقناع بمذهبهم ، بل لم نجد في كل ما كتبوه دليلاً واحداً يقدم ظناً بعدم وجود الخالق ، فضلاً عن تقديم حقيقة علمية في هذا الموضوع ، جل ما لديهم محاولات للتشكيك بعالم الغيب ، والتزام بأن لا يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية المادية ، وهذا الارتباط بحدود المادة التي لم يشهد العلم حتى العصر حاضراً إلا القليل منها إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان لأنه لا يراها ، أو موقف الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا يسمعها ، أو موقف الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كله هو هذا القصر الذي تعيش فيه ، لأنها لم تشاهد في حياتها غيره .

فما حظ هؤلاء من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع؟

كذلك الملحدون لاحظ لهم من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع ، إذ ينكرون الخالق جل وعلا ، ويُصرون على إنكاره ، وهم لا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجوده .

قد يستخدمون عبارات ضخمة ، يستغلون فيها أسماء التقدم العلمي والصناعي وتطور مفاهيم العصر ، والبحوث العلمية في المعامل والمختبرات ، للتمويه بها ، وتضليل الأذهان المراهقة ، مع أن التقدم العلمي والصناعي لم يتوصل بعد إلى قياس شيء من عالم الغيب ، بل ما زال عاجزاً حتى الآن عن قياس أمور كثيرة داخلة في العالم المادي ، الذي هو مجال كل أنواع التقدم العلمي الذي انتهت إليه النهضة العلمية الحديثة .

فالمعامل والمختبرات والأجهزة العلمية المتقدمة جداً ما زالت عاجزة عن أن تقيس أشياء كثيرة في هذا العالم المادي الذي نشاهد ظواهره ، بشهادة كبار العلماء الماديين أنفسهم ، وبدليل تجدد المعارف والمكتشفات يوماً بعد يوم ، ومتى زعم العلم الإنساني أنه اكتشف كل شيء فقد سقط في الجهل ، وأجهز على نفسه بنفسه منتحراً .

يضاف إلى ذلك أن العلماء الماديين من بعد كل دراساتهم ومشاهداتهم وملاحظاتهم المادية يحاولون تفسير ما شاهدوه من ظواهر بنظريات استنتاجية ، يقررون فيها حقائق غير مرئية وغير مشاهدة ، وهي بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى أدواتهم ما زالت أموراً غيبية ، ومع ذلك فإنهم يضطرون إلى إقرارها والتسليم بها ، ويجعلونها قوانين ثابتة يقولون عنها : إنها قوانين طبيعية .

ومن أمثلة ذلك قانون الجاذبية ، إنه قانون غدا من الحقائق العلمية الطبيعية لدى العلماء الماديين.فما هي حقيقة هذه الطاقة ؟ هل باستطاعة العلماء أن يشاهدوها بأدواتهم وأن يعرفوا كنهها؟ وكيف أثبتوها؟

ألم يثبتوها بالاستنتاج العقلي استناداً إلى ما شاهدوه من ظواهرها وآثارها؟ هذه هي الحقيقة .

فما بال هؤلاء الملاحدة يسلمون بهذه القوانين الخارجة عن نطاق المشاهدات المادية ،وهي بالنسبة إلى حواسهم وإلى الأدوات العلمية المتقدمة أمور غيبية ، ثم ينكرون وجود الخالق جل وعلا لمجرد كونه خارجاً عن نطاق الإدراك الحسي ، ولا يمكن التواصل إلى إدراكه بالأجهزة العلمية المتقدمة؟

مع أن مئات الأدلة العقلية والاستنتاجية تثبت ضرورة وجود خالق عظيم لهذا الكون ، بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير .

أليس هذا من المفارقات التي لا تستقيم مع البحث العملي والأمانة العلمية ؟

إذا لم تصل أدلة الإثبات لديهم إلى مستوى اليقين ،ألم ترجح لهم هذه الأدلة احتمال وجود الخالق على عدم وجوده ؟ إنها مهما تكن من وجهة نظرهم فهي أقوى حتماً من الاحتمال الآخر الذي هو احتمال النفي ، فكيف يأخذون باحتمال النفي دون دليل ، ويرفضون احتمال الإثبات ومعه الأدلة الكثيرة ، ثم يسعون جاهدين لمحاربة الإيمان بكل ما لديهم من قوة؟

لماذا يعادون من خلقهم كل هذا العداء؟

أهذا جزاء الإنعام والإكرام؟

ألم يتحرك فيهم حس أخلاقي للاعتراف بوجوده؟

ألم ترجف قلوبهم خوفاً من عقابه الذي أعلنه على ألسنة رسله؟

ألم يفترضوا أن يكون الأمر حقاً؟

فبماذا يعتذرون يوم الحساب والجزاء؟

هل يكون عذرهم كافياً ومقبولاً إذا قالوا لربهم يوم الحساب : إنك يا إلهنا وربنا وخالقنا لم ترينا نفسك حتى نؤمن بك؟

ألا تسقط حجتهم هذه حينما يقول الله لهم : ألم أمنحكم عقولاً تستنبطون بها وجودي من آياتي التي بثثتها في كوني وفي أنفسكم؟ ألم أرسل لكم رسلاً مؤيدين بالآيات من عندي فأبلغوكم عني ؟ فلماذا كذبتموهم؟ إنني لم أضع في كوني أية حجة تقنع أحداً بعدم وجودي ، فلماذا جحدتم وجودي ، ولا حجة لكم في ذلك إلا اتباع الهوى ، والاستكبار عن الإيمان بي ، والرغبة بالتحرر من أوامري ونواهيّ وشريعتي لعبادي؟

عندئذ لا بد أن تسقط حجتهم وينقطعوا ، وعندئذ يعلمون علم اليقين أنهم كانوا في الغرور يتقلبون ، وفي جهالتهم وضلالتهم يعمهون ، وأنهم كانوا يجحدون ربهم من غير أن يكون لهم دليل به يعتذرون .

ويومئذ لا تنفعهم أحزابهم ، ولا أئمة الشر الذين كانوا يزينون لهم الكفر بالله وجحود آياته .

لست أدري ما هي الثمرة التي يستفيدونها في حياتهم من إنكارهم لخالقهم ، حتى يدفعوا بأنفسهم إلى موقع خطر كبير جسيم ، يعرِّضون فيه أنفسهم لشقاء أبدي وعذاب لا ينقطع؟

إن إلحادهم لا يفيدهم شيئاً في حياتهم الدنيا ، وما هو إلا مذهب عنادي ، فليتحملوا إذن جريرة عنادهم .

( 2 )

الحجة الشيطانية ودفعها

أخذ (د. العظم) يردد الحجة الشيطانية القديمة التي تقول في آخر سلسلة التساؤل : ومن خلق الله؟ ثم اختار لنفسه سبيل التسليم بقدم المادة وأزليتها .

وقد حدثنا الرسول  عن هذه الوسوسة الشيطانية ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  :

“يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ باللهِ ولينته”.

وهذه الوسوسة الشيطانية تنطلق على ألسنة الناس بغية التضليل بها ، وقد ذكر الرسول  هذه الحقيقة أيضاً:

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله  :

“لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال : هذا خلق الله الخلق ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل : آمنت بالله ورسله”.

أما كلام (د. العظم) حول هذه الحجة الشيطانية القديمة فلا يزيد في مضمونه عن مثل هذا التساؤل ، مع الاعتراف بالعجز عن تقديم جواب مقنع حول ادعائه أزلية هذا الكون بالنسبة إلى مادته الأولى ، ولا يفوته أن يقذف بلهيب حقده على خالقه جل وعلا منذ مطلع كلامه ، ويغريه بالأمر حلم الله عليه ، وعدم وجود سلطة عادل في الأرض تحاسبه .

يقول – عليه من الله ما يستحق – في الصفحة (28) من كتابه:

“إن قولنا باحتضار الله في المجتمعات المتخلفة يشكل تمثيلاً رمزياً لحالة الثورة والفوران ، وفقدان الجذور التي تعاينها هذه المجتمعات في محاولاتها الوصول إلى نوع من التعايش المرحلي بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية والصناعية ، وبين تراثها الديني السحيق ، دون أن يتنازل كلياً ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية . لذلك نسمع دائماً أصداء صرخة تقول : حتى لو سلمنا كلياً بالنظرة العلمية للأشياء ستبقى أمامنا مشكلة المصدر الأول لهذا الكون . لنفترض مع (رسل) أن الكون بدأ بسديم ، ولكن العلم لا يقول لنا : من أين جاء هذا السديم ، إنه لا يبين لنا من أين جاءت هذه المادة الأولى التي تطور منها كل شيء ؟ فلا بد للعلم إذن من أن يتصل بالدين في نهاية المطاف . ولكن طرح السؤال بهذه الصورة يبين لنا مدى تحكم تربيتنا الدينية وتراثنا الغيبي في كل تكفيرنا . لنفترض أننا سلمنا بأن الله هو مصدر وجود المادة الأولى ، هل يحل ذلك المشكلة ؟ هل يجيب هذا الافتراض على سؤالنا عن مصدر السديم الأول؟ والجواب هو طبعاً بالنفي . أنت تسأل عن علة وجود السديم الأول وتجيب بأنها الله ، وأنا أسألك بدوري وما علة وجود الله؟ وستجيبني بأن الله غير معلول الوجود ، وهنا أجيبك ، ولماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود ، وبذلك يُحسم النقاش دون اللجوء إلى عالم الغيبيات ، وإلى كائنات روحية بحتة لا دليل لنا على وجودها ، علماً بأن ميل الفلاسفة القدماء بما فيهم المسلمين كان دائماً نحو هذا الرأي إذ قالوا بقدم العالم ، ولكنهم اضطروا للمداورة والمداراة بسبب التعصب الديني ضد هذه النظرة الفلسفية للموضوع[4] . في الواقع علينا أن نعترف بكل تواضع بجهلنا حول كل ما يتعلق بمشكلة المصدر الأول للكون . وعندما تقول لي : إن الله هو علة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون ، وأسألك بدوري : وما علة وجود الله ؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به : ” لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول”[5] ، ومن جهة أخرى عندما تسألني : وما علة وجود المادة الأولى فإن أقصى ما أستطيع الإجابة به : ” لا أعرف إلا أنها غير معلولة الوجود ” في نهاية الأمر اعترف كل منها بجهله حيال المصدر الأول للأشياء . ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة ، وأدخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة . والخلاصة ، إذا قلنا : عن المادة الأولى قديمة وغير محدثة أو إن الله قديم وغير محدث ، نكون قد اعترفنا بأننا لا نعرف ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الأول للأشياء ، فالأفضل إذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية وبكلمات وعبارات رنانة . ليس من العيب أن نعترف بجهلنا ، لأن الاعتراف الصريح بأننا لا نعرف ما لا نعرفه من أهم مقومات التفكير العلمي ، وتعرفون أن العالم ملزم على تعليق الحكم عندما لا تتوافر لديه الأدلة والشواهد والبراهين الكافية لإثبات أو لنفي قضية ما . هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة “.

هذا كلام (د. العظم) حرفياً ، وعلينا أن نُحَلِّلَه ونكشف للقارئ ما فيه من مغالطات فكرية .

سأترك كبيرته الأولى التي أطلق فيها على الله الخالق العظيم سبحانه عبارة الاحتضار ، وسبقها في كلامه إطلاق عبارة الموت اقتداء بالفيلسوف الملحد (نيتشه) لأن مثل هذه العبارات التي ليس فيها إلا تطاول وحماقة وسخرية لا تدخل في أي مجال أو في أي مستوى من مستويات النقاش العلمي أو البحث المنطقي ، ولا جواب لها في الحقيقة إلا صاعقة ربانية ، أو أيَّةُ قاتلة من قواتل السماء تعطيه الرد العلمي على تطاوله ، ولكن الله تبارك وتعالى حليم ، يمهل كثيراً ، حتى إذا أخذ بالعذاب أخذ أخذاً كبيراً .

وأبدأ بالتركيز على الحجة الشيطانية التي تساءل فيها عن علة وجود المصدر الأول للأشياء ، وزعم فيها أن إحالة المؤمنين ذلك على الله تبارك وتعالى يساوي نظرياً وقوف الملحدين عن السديم ، الذي اعتبروه المادة الأولى لهذا الكون ، وزعم أن كلا الفريقين لا يجد جواباً إلا أن يقول : لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول ، وزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة ، ثم خادع بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية حين لا توجد أدلة وشواهد وبراهين كافية .

ولدى البحث المنطقي الهادئ ، يتبين لكل ذي فكر صحيح ، أن هذه الحجة التي ساقها ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية ، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تبايناً كلياً ، ولا يصح التسوية بينهما في الحكم . وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي جللها بها .

فإذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كانت كالتالي : ما دام الموجود الأزلي غير معلول الوجود فلم لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضاً؟

وكل ذي فكر صحيح سليم من الخلل يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يُقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له ، فلا يصح أن يشتركا بناء على ذلك في حكم واحد .

وعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنع مغالطته الجدلية . والملحدون حين يصنعون مثل هذا الاستدلال الفاسد يسارعون إلى ستر فساد أدلتهم بعبارات التقدم العلمي ، والمناهج العلمية ، والتقدم الصناعي ، والمناهج العقلية في تقصي المعرفة ، والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد ، ويخلطون هذه العبارات خلطاً ، ويحشرونها في كل مكان ومع كل مناقشة ، تمويهاً وتضليلاً ، كأن التقدم العلمي والصناعي للإلحاد وحده ، وليس للإيمان ، مع أن الدنيا جميعها وما فيها من ماديات قد كانت وما زالت ولن تزال حتى تقوم الساعة للمؤمنين والكافرين وغيرهم على سواء ، ضمن سنن الله الثابتة التي لا تتغير ، وهي مجال مفتوح لكل الناس ، إذ يمتحن الله بها إرادتهم وسلوكهم في الحياة ، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً .

فإذا قال الملحد :ولِمَ لا تكون المادة الأولى لهذا الكون (كالسديم مثلاً) قديمة أزلية غير حادثة ،تنطلق منها التحولات ثم ترجع إليها التحولات؟

فإن جوابه يأخذه من هذا الكون نفسه ،وما فيه من صفات وخصائص .

إن هذا الكون يحمل دائماً وباستمرار صفاته حدوثه ، تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية ، وتشهد بها أيضاً البحوث العلمية المختلفة في كل مجالات من مجالات المعرفة ، والقوانين العلمية التي توصَّل إليها العلماء الماديون .

وإذا ثبت أن هذا الكون حادث له بداية وله نهاية كان لا بد له من علة تسبب له هذا الحدوث ، لاستحالة تحول العدم نفسه إلى وجود ، أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه فوجوده هو الأصل ، ولذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده ، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل منطقياً ، لأنه أزلي واجب الوجود ، وليس حادثاً حتى يُسأل عن سبب وجوده .

ولو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه كذلك ، لكن صفات الكون المشاهدة والمدروسة تثبت حدوثه .

وهنا تكمن مغالطة الملحد ، إذ أراد أن يجعل الكون أزلياً ، مع أن البراهين تثبت أنه حادث ، وذلك ليتخلص من الضرورة العقلية التي تلزم بالإيمان بوجود خالق لهذا الكون الحادث ، لأن الحدوث من العدم المطلق دون سبب موجود سابق عليه مستحيل عقلاً .

أما البرهان على أن هذا الكون حادث وليس بأزلي فتقدمه لنا الأدلة العقلية الفلسفية القديمة ، والقوانين العلمية الحديثة .

فالأدلة العقلية الفلسفية تثبت لنا حدوث العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه ، وذلك لأن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات ، وهذا الحدوث لا بد له من عل ، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى ، سنصل حتماً إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية ، في صفاته وأعراضه ، وفي ذاته ومادته الأولى ، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقاً أزلياً لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضي حدوثه ، وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها .

وحين لا يُسلِّم بمثل هذه الأدلة الفلسفية العقلية طائفة المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها ومنجزاتها ، فإننا نأتيهم بأدلة من هذه العلوم وقوانينها تثبت حدوث هذا الكون .

اكتشف العلم الحديث القانون الثاني للحرارة الديناميكية ، وهو القانون يسمون (قانون الطاقة المتاحة) أو يسمونه (ضابط التغير).

وهذا القانون يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزلياً ، إذ هو يفيد تناقص عمل الكون يوماً بعد يوم ، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات ، وحينئذ لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل ، وتنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية ، وبذلك تنتهي الحياة .

يذكر هذا التحقيق العلمي عالم أمريكي في علم الحيوان ، هو (إدوارد لوثر كيسل) ثم يقول :

“وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية ، فأثبتت تلقائياً وجود الإله ، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته ، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأولى الخالق الإله”.

ونجد مثل هذا في كلام (السير جيمس) إذ يقول في كلام له:

“تؤمن العلوم الحديثة بأن (عملية تغير الحرارة) سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية ، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها ، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها ، إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن ، ومن ثم لا بد لها من بداية ، ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون يمكن أن نسميها (خلقاً في وقت ما) حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزلياً”.

فحدوث هذا الكون أمر معترف به عند العلماء الماديين ، ولكن الملحدين بالله يغالطون في الحقائق ، ويتظاهرون بالانتماء إلى قافلة العلم والبحث العلمي زوراً وبهتاناً ، ليحتموا بحماها .

ورغم هذه الحقيقة التي ثبت بها حدوث الكون لدى العلماء الماديين نرى الناقد (العظم) يحاول أن يسوّي بين الله والكون المادي في موضوع الأزلية ، ليتوصل من ذلك إلى التمويه بأن الكون أزلي أو لا ندري علة وجوده ، كما أن المؤمنين بالله يرون أن الله أزلي ، أو لايدرون علة وجود الله .

ومن هذا نلاحظ أنه أقام كلامه على المغالطة ، إذ سوّى في الحكم بين الحادث والأزلي ، فزعم أن الحادث أزلي وأن الأزلي حادث ، مع أن العلم والعقل يكذبانه ويعريان مغالطته .

على أن ادِّعاءه أن المؤمن بالله لا يدري علة وجود الله مغالطة في الحقيقة أيضاً.

فمن أصله الوجود ، ووجود أزلي ، فإنه لا يحتاج إلى علة لوجوده ، إذ السؤال عن هذه العلة أمر مخالف للمنطق السليم ، أو عبث من العبث ، أو مغالطة قائمة على الإيهام بأنه حادث غير أزلي .

وهنا يطرح الملحدون على عوام المسلمين مغالطة في سوق الدليل على وجود الله ، فيقولون لهم : ألستم تقولون : إن كل موجود لا بد له من موجد ، وإن هذا الكون موجود فلا بد له من موجد ، وذلك هو الله تعالى؟

فيقول له العامي الذي لا يعرف أصول المغالطات : بلى . عندئذ يستدرجه الملحد فيقول له : الله موجود وهو على حسب الدليل لا بد له من موجد ، فيجد العامي نفسه قد انقطع إذ لم يستطع جواباً .

لكن الخبير لا يقبل أصلاً صيغة الدليل على هذا الوجه القائم على المغالطة .

وذلك لأن المقدمة (كل موجود لا بد له من موجد) مقدمة كاذبة غير صحيحة ، فالخبير لا يسلم بها لفسادها ، وإنما يقول بدلها : (كل موجد حادث لم يكن ثم كان لا بد لهم من محدث) ، ثم يقول : (وهذا الكون موجود حادث لم يكن ثم كان بشهادة العقل وبشهادة البحوث العلمية) عندئذٍ تتحصل النتيجة على الوجه التالي : (إذن فلا بد لهذا الكون من محدث) ، وهذا المحدث للكون لا بد أن يكون موجوداً أزلياً غير حادث ، ولا بد أن يكون منزهاً عن كل الصفات التي يلزم منها حدوثه ، حتى لا يحتاج إلى موجد يوجده ، بمقتضى الدليل الذي أثبتنا فيه وجود الله .

فمغالطة الملحد في المقدمة التي أوهم بها قائمة على التعميم ، إذ وضع (كل موجود) بدل (كل موجود حادث) ، ومعلوم أن عبارة (موجود) تشمل الموجود الأزلي والموجود الحادث .

وهكذا تجري مغالطات الملحدين ، ليتصيدوا بها الجهلة والغافلين من المسلمين ، بغية استدراجهم وإحراجهم ، ونقلهم من مرحلة الإيمان إلى مرحلة التشكك .

فالمؤمن إذن يعلم أن الخالق موجود أزلي ليس له من الصفات ما يلزم منها حدوثه ، ووجوده هو الأصل ، فلا يسأل عن علة وجوده عند العقلاء أصلاً ، والسؤال عن علة وجوده أمر مخالف للحقيقة العلمية المنطقية التي انتهينا إليها .

وكما لا يُسأل عمّا أصله العدم : ما هي علة عدمه؟ لأن مثل هذا السؤال لا يرد إلا على افتراض أن أصله الوجود ، وهذا يناقش أن أصله العدم ، كذلك ما أصله الوجود لا يُسأل عن علة وجوده ولا يبحث عنها ، لأن أي سؤال أو بحث عنها لا يكون إلا على افتراض أن أصله العدم ، وبهذه العلة تحول من العدم إلى الوجود ، لكن هذا الافتراض مرفوض ابتداءً ، باعتبار أن أصله الوجود .

وبهذا يتضح لنا تماماً أنه لا يُسال ولا يبحث عن علة وجود ما الأصل فيه الوجود .

وبهذا أيضاً تسقط المغالطة التي طرحها الملحد في مناقشته ، ويظهر فساد تسويته بين الكون الحادث وبين الخالق الأزلي . وحينما نطالبه بعلة وجود الحادث وهو الكون فليس من حقه المنطقي أن يطالبنا بعلة وجود الله الأزلي .

وليس من حق الملحد أن ينكر الوجود الأزلي كله ما دام الواقع يكذبه ، والبراهين العلمية تهزأ به ، لأنه لو لم يكن في الوجود موجود أزلي لاستحال أن يوجد شيء في هذا الكون ، لأن الافتراض على هذا يقوم على أساس العدم المطلق .

وهل يتحول العدم المطلق بنفسه إلى وجود؟

هذا من المستحيلات البدهية ، ولا يقبله عقل فيه مثقال ذرة من تفكير منطقي سليم .

إن هذا الكون الذي نحن جزء منه موجود حادث ذو بداية ، وكل ذي بداية لا بد له من علة كانت السبب في وجوده ، وإيجاده قد كان عملية من عمليات الخلق ، وعملية الخلق إنما تتم بخالق قادر ، وهذا الخالق القادر لا بد أن يكون أزلياً ، ولا بد أن يكون متحلياً بالكمال المطلق ، هذه هي عقيدة المؤمنين بالله .

وهكذا وضحت لنا مغالطات العظم في هذا المجال .

فأين الأمانة الفكرية التي يغار عليها ؟

هل هذا هو المنهج العلمي المتقدم؟ أفي المناهج العلمية المتقدمة بناء الأحكام على المغالطات والأكاذيب؟

ولكن ماذا يفعل المبطلون غير هذا لدعم باطلهم؟

( 3 )

جنّد الناقد (د. العظم) كل ما لديه ولدى سادته من أفكار ومغالطات ، ليثبت وجود التناقض بين الدين والعلم ، وليعتبر هذا التناقض حقيقة مقررة ، بغية التوصل من ذلك إلى إنكار الدين كله ، باعتباره مناقضاً للعمل حسب فريته القائمة على المغالطات والتمويهات .

قال في الصفحة (25) من كتابه:

“ولنلمس طبيعة هذا الفارق بين النظرة الدينية القديمة وبين النظرة العلمية التي حلت محلها ، سنوجه انتباهنا إلى مثال محدد يبين بجلاء كيف يقودنا البحث العلمي إلى قناعات وتعليلات تتنافى مع المعتقدات والتعليلات الدينية السائدة ، مما يضطرنا إلى الاختيار بينهما اختياراً حاسماً ونهائياً”.

ثم أتى بالمثال الذي زعم أنه يدعم كلامه فقال:

” لا شك أن القارئ يعرف التعليل الإسلامي التقليدي لطبيعة الكون ونشأته ومصيره:

خلق الله هذا الكون في فترة معينة من الزمن ، بقوله : كن فكان ، ولا شك أنه يذكر حادثة طرد آدم وحواء من الجنة ، تلك الحادثة التي بدأ بها تاريخ الإنسان على هذا الأرض .ومن صلب المعتقدات الدينية أن الله يرعى مخلوقاته بعنايته وهو يسمع صلواتنا وأحياناً يستجيب لدعائنا ، ويتدخل من وقت لآخر في نظام الطبيعة فتكون المعجزات ، أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها الأساسية منذ أن خلقها الله ، أي : إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقها “.

ثم يقول في معارضة ما جاء في الدين:

” أما النظرة العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء ، ولا تقر بأن الطبيعة كانت منذ البداية كما هي عليه الآن “.

في هذا الكلام الذي أورده كذب على الدين ، ومغالطة في الحقيقة ، وتمويهات بذكر بعض أمور هي من الدين ، أوردها ليغشي بها على نظر القارئ ، فلا يبصر مواطن الافتراءات ، ومزالق المغالطات .

لقد أدخل فكرة لا يعترف بها الدين أصلاً ، ضمن عرضه لطائفة من المفاهيم والعقائد الدينية الصحيحة ، ليضلل القارئ بالإيهام الذي اصطنعه له ، وليجعله يعتقد أن هذه الفكرة الدخيلة هي فعلاً من المفاهيم الدينية ، ما دامت قد وردت ضمن مجموعة مفاهيم صحيحة يعرفها هو عن الدين .

لقد زعم أن الإسلام يرى أن الطبيعة قد حافظت على سماتها منذ أن خلقها الله ، أي : إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقها .

مع أن هذا افتراء صريح على الدين ، تكذبه بالنصوص القرآنية ، ولست أدري من أين جاء بهذه المفاهيم فألصقها الدين؟

لما تحدث القرآن عن فئة الحيوانات التي خلقها الله لركوب الإنسان ، وليتخذها زينة له ، ألحقها بقوله تعالى : {ويخلق ما لا تعلمون} بصيغة الفعل المضارع التي تدل على الحال والاستقبال ، للدلالة على أن عمليات التجديد في الخلق الرباني للأشياء مستمرة غير منقطعة ، قال الله تبارك وتعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

{خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

أليس في هذا إعلاناً صريحاً مخالفاً لما زعم (د. العظم) من أن الدين يقرر أن الطبيعة قد حافظت على سماتها من أن خلقها الله .

وبالنسبة إلى الأجرام السماوية لا نجد في النصوص الإسلامية ما يدل على هذا الذي افتراه (العظم) على المفاهيم الإسلامية ، بل في النصوص ما يدل على خلاف ذلك ، قال الله تعالى في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول):

{وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.

فكلمة (موسعون) في الآية تشير إلى أعمال التوسعة المتجددة في السماء ، وذلك لأن هذه الكلمة من صيغ اسم الفاعل ، صيغة اسم الفاعل بقوة المضارع من جهة الدلالة ، هي للتعبير عن الحال أولاً ثم عن الاستقبال .

أفلا نجد أن الأمانة الفكرية التي تظاهر (د. العظم) بالغيرة عليها ذبيحة بسكين غَدرِه ، وختلة ومخادعته ، ومغالطاته ، وافتراءاته؟ ومثله سائر الملحدين .

لقد غدا معروفاً تماماً أنهم يطلقون بعض العبارات الشريفة للتضليل فقط ، وهم لا يلتزمون أي مضمون من مضامينها الصحيحة .

أما قوله : إن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء .

فهو يُشيرُ بهذا إلى نظرية (لافوازيه) التي تقول: لا يخلق شيء من العدم المطلق ولا يعدم شيء وإنما هي تحولات من مادة لطاقة ، أو من طاقة لمادة ، أو من مادة لمادة .

وحين ندقق النظر في أصول ما قرره (لافوازيه) نجد أنها تتحدث عن مجال معين ذي أبعاد ، وليس في مستطاعها أن تتحدث عن كل الوجود في كل أبعاده من الأزل إلى الأبد ، فهذا أمر لا تستطيع تقريره أية نظرية استقرائية مهما بلغ شأنها ، إلا أن يكون كلامها رجماً بالغيب ، وتكهناً لا سند له ، وطرحاً تخيلياً محضاً.

وأبعاد نظرية (لافوازيه) هذه ثلاثة:

الأول : البعد الزمني .

الثاني : البعد المكاني .

الثالث : البعد الإدراكي .

وهنا نتساءل : هل رصد واضعو هذه النظرية العلمية ومقرروها أجزاء الكون في كل الأزمان ، بما فيها الأزمان السحيقة في القدم ، وعرفوا منها أنه لم يخلق في الأزمان القديمة جداً شيء من العدم؟

والجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك لأنه لا يتسنى لهم بحال من الأحوال ، وهم أبناء النهضة العلمية الحديثة ، على أن الأدلة العلمية التي سبق بيانها قد أثبتت أن لهذا الكون بداية ، وهذا يعني أنه لم يكن ثم كان ، فهو إذن مخلوق من العدم ، بقدرة خالق موجود أزلي .

فهذه النظرية لا تتحدث عن الانطلاقة الأولى للكون ، لأن أياً من الأجهزة العلمية لا تستطيع أن تسترجع الأزمان السحيقة وترصد الكون فيها ، وكذلك لا تستطيع النظرات التحليلية الاستنتاجية أن تحكم على ماضي الكون وانطلاقته الأولى ، بالقياس على واقعه النظامي الذي نشاهده في الحاضر ، لاحتمال الاختلاف البيِّن بين نقطة البدء وبين ما يأتي بعدها من حالات نظامية مستمرة .

فنظرية (لافوازيه) لا تتناول بحال من الأحوال الزمن الأول لبداية الكون ، ومجالها يأتي في الأزمان التي يترجح فيها قيام النظام الكوني الذي درسته هذه النظرية ، وبهذا يتبين لنا أن التعميم الزمني فيها الشامل لكل أزمان الماضي غير صحيح .

ثم نتساءل ثانياً : هل رصد واضعو هذه النظرية العلمية ومقرروها أجزاء الكون في مستقبل ما يأتي من الأزمان ، وثبت لهم من رصدهم أنه لا يمكن أن يخلق شيء من العدم ، ولا يمكن أن يعدم شيء موجود؟

ولكن كيف يتسنى لهم رصد المستقبل وهم لا يملكون استقدامه؟ جلُّ ما يملكونه قياس المستقبل على الحاضر والماضي ، بشرط استمرار نظام الكون القائم ، ولا يستطيعون أن يحكموا على الكون بأنه لا يمكن أن يتغير نظامه الكلي ، فتأتيه حالة من الحالات يمسي فيها عدماً ، أو تنعدم بعض أجزاء منه ، أو تضاف إليه أجزاء لم تكن هيئتها ولا مادتها فيه ، فهذا حكم لا سبيل إليه ، إنه حكم مجهول ، والحكم على المجهول باطل .

فنظرية (لافوازيه) تنطبق على هذا الكون بشرط استمرار نظامه القائم ، وهي لا تحكم على المستقبل حكماً قاطعاً باستحالة تغير هذا النظام ، ولكن ما دام هذا النظام الكوني قائماً ، فإن ضابطه أن جميع ما يجري من مدركات فيه إنما هو من قبيل التحولات ، وبهذا يتبين لنا أن التعميم الزمني فيها الشامل لكل أزمان المستقبل غير صحيح .

هذا ما يتعلق بتحديد البعد الزمني للنظرية ، أما تحديد البعد المكاني لها فنقول فيه:

هل رصد واضعو هذه النظرية ومقرروها هذا الكون في كل أبعاده المكانية؟

ألا يحتمل وجود مكان سحيق فيه لم يرصدوه ولم يعرفوا ما فيه؟

أفيحكمون عليه إذن حكماً غيابياً قياساً على ما رصدوه منه في الأمكنة التي استطاعت أن تبلغ إلى مداها أجهزتهم وملاحظاتهم؟

إن هذا الحكم الغيابي مع جهالة الخصائص والصفات حكم باطل ، وهذا طبعاً لا يعني ضرورة مخالفة الغائب للحاضر ، ولكن لا يعني أيضاً لزوم موافقته .

فلا بد إذن من تحديد مكان النظرية بالأبعاد المكانية التي كانت مجال الملاحظة والقياس والأجهزة ، مع التجاوز بصحة قياس ما شابهها عليها ، مما لم يخضع للملاحظة المباشرة .

وهكذا يظهر لنا تحديد البعد المكاني لهذه النظرية ، وهو أمر تقتضيه الدراسة المنطقية الحيادية ، وتوجيه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة ، وهذا هو الأمر الذي يتظاهر (د. العظم) بالتحمس له ، وبالغيرة عليه .

أما تحديد البعد الإدراكي للنظرية فيتلخص بأن النظرية قد اعتمدت على ملاحظة عالم الشهادة من الكون المنظور المدرك ، أما عالم الغيب الذي لا تصل إليه الإدراكات الإنسانية المباشرة أو عن طريق الأجهزة ، فهو عالم خارج بطبيعته عن مجال النظرية ، لذلك فإنها لا تستطيع أن تحكم عليه ، لأن حكمهما عليه هو من قبيل الحكم على الغائب المجهول في ذاته وفي صفاته . جُلُّ ما تستطيعه النظريات في هذا المجال هي أن تعلق أحكامها تعليقاً كلياً ، أو تصدر أحكاماً مشروطة احتمالية غير جازمة ، وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنطقية الحيادية ، وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة .

وهكذا ظهر لنا أن نظرية (لافوازيه) لم تتناول من الكون إلا مقطعاً محدود الأبعاد الثلاثة : البعد الزماني ، والبعد المكاني ، والبعد الإدراكي ، وهذا المقطع هو مجال ملاحظتها.

يضاف إلى كل ذلك أن وجود الحياة في المادة لم يقترن بأي دليل تجريبي يثبت تحول المادة غير الحية إلى مادة حية ، عن طريق التولد الذاتي ، رغم كل التجارب العلمية التي قامت في عالم البحث العلمي حتى الآن .

لذلك نلاحظ أن الآراء العلمية في هذا المجال ترجع إلى أصول ثلاثة كبرى[6]:

* الرأي الأول منها :

ما قرره (أغاسيز) في كتابه (تصنيف العضويات) سنة (1858م) إذ قرر أن كل نوع من الأنواع خلق بفعل خاص من أفعال القوة الخالقة ، و(باستور) مكتشف جراثيم الأمراض على هذا الرأي .

والقائلون بهذا الرأي قد استقر مذهبهم على “أن كل حي لا بد أن يتولد من حي مثله” .

* الرأي الثاني :

الرأي الذي قال به (هيرمان أبير هارد ريختر) إذ رأى أن الفراغ الذي نراه مملوءاً بجراثيم الصورة الحية ، كالجواهر الفردة التي تتكون منها المادة الصماء ، كلامهما في تجدد مستمر ، ولا يتطرق لهما العدم ، وبنى قاعدته في أصل الحياة على “أن كل حي أبدي ، ولا يتولد إلا من خلية”.

وهذا الرأي يتضمن أن تطورات المادة من المادة ، وتطورات الحياة من الحياة .

* الرأي الثالث :

هو ما ذهب إليه الماديون من أن الحياة نشأت من المادة بالتولد الذاتي . وليس لهذا الرأي أي شاهد تجريبي ، أو مستند عقلي ، وقال بهذا الرأي الدكتور (باستيان) في إنكلترا ، والأستاذ (هيكِل) في ألمانيا .

بعد هذه النظرات العلمية المنطقية لنظرية (لافوازيه) وما يتعلق بها ، يعترضنا سؤال حول النصوص الدينية ، إذ نجد فيها استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها بالنسبة إلى الأحداث والتغيرات التي توجد داخل مجال النظرية المذكورة ، وداخل المقطع المحدود الأبعاد الثلاثة الذي هو محل تطبيقها ، أفلا يعتبر استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها في مجال تطبيق نظرية (لافوازيه) مناقضاً أو معارضاً لمضمون هذه النظرية؟

وأمام هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها في اللغة العربية وفي نصوص الشريعة الإسلامية.

ولقد رجعنا فوجدنا أن هذه المادة اللغوية لا تعني دائماً الإيجاد من العدم المطلق ،بل كثيراً ما تستعمل مراداً منها التحويل في الصفات والعناصر التركيبية من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، ومن هيئة إلى هيئة ، ومن خصائص إلى خصائص ، دون زيادة شيء على المادة الأولى من العدم المطلق ، وفي حدود هذا الاستعمال نجد قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ من طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}.

ففي كل صور الخلق هذه نشاهد عمليات التحويل من وضع إلى وضع ، ومن حال إلى حال ، ومن صورة إلى صورة ، ومن خصائص إلى خصائص ، وقد أطلق على هذه التحويلات أنها خلق ، باعتبار أن القدرة الربانية هي المتصرفة في كل هذه التحويلات .

وجاء في القرآن إطلاق الخلق على تغيير هيئة الطين وجعله على صورة طير ، نظراً إلى أن الخلق لا يستدعي دائماً أن يكون إيجاداً من العدم ، وذلك في قول الله لعيسى عليه السلام كما جاء في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي…}.

وبما أن كل التغييرات الكونية إنما تجري بإرادة الله وقدرته ، فهي ظواهر لأعمال الخلق التي يقوم بها جل وعلا .

فعلى التسليم الكامل بنظرية (لافوازيه) ضمن حدودها ، لا نجد تعارضاً بينها وبين المفاهيم الدينية التي دلت عليها النصوص الصحيحة الصريحة .

لكن مثل هذه الحقائق لا تسر الملحدين ، لأنهم حريصون جداً على أن يظفروا بتناقض ما بين العلم والدين ، حتى يتخذوا ذلك ذريعة لنقض الدين من أساسه .

ولن يظفروا مهما أجهدوا نفوسهم ، وستبوء كل مساعيهم بالفشل والخيبة ، لأن القرآن حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من عزيز حميد ، عليم بكل شيء ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر .

( 4 )

مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين

طمس الناقد (د. العظم) كل شهادة مؤمنة قالها عالم من علماء النهضة العلمية الحديثة ، ولم يعرض من أقوال هؤلاء على كثرتهم إلا شيئاً مما جاء في مقال الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان “إرادة الاعتقاد” .

وذلك لأن هذا الرجل يرى في مقاله أن البينات العلمية والأدلة العقلية غير كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده ، لذلك يحق للإنسان أن يتخذ موقفاً من هذه المعضلة يتناسب مع عواطفه ومشاعره .

لقد رآه (د. العظم) أضعف المتجهين إلى جانب الإيمان بالله والمستدلين له ، فاستشهد بكلامه ، ليجعله الممثل الوحيد لفئة المؤمنين ، في الحوار المغلق الذي رتب بنفسه فصوله كما راق له ، لينصر قضية الإلحاد بالله ، وليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون.

وإمعاناً في التضليل يصور للقارئ أن كل ثقل العلم الحديث يخدم قضية الإلحاد ، مع أن العلم الحديث كله لا يملك دليلاً صحيحاً واحداً يستطيع أن يثبت عدم وجود خالق مبدع لهذا الكون .

ويستشهد بقطعة أدبية للفيلسوف الإنكليزي (برتراند رسل) تحت عنوان: “عبادة الإنسان الحر” ، إذ يصور فيها تفسيرات الملحدين لنشأة الكون وتطوره ، ونشأة الحياة وتطورها ، وأصل الإنسان ونشأته وتطوره ، ونشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها ، وينكر الآخرة وما فيها من إقامة العدل الإلهي إذ يصور أن الكون بدأ من السديم وهو إلى السديم يعود .

وفي غضون كلامه يعتبر من الحقائق العلمية المسلَّم بها نظرية (ماركس) في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ ، ونظرية (فرويد) في السلوك الإنساني والتفسير الجنسي ، ونظرية (داروين) في أصل الأنواع ، ويمجد هؤلاء الثلاثة ، وهو يعلم أن ماركس وفرويد يهوديان وأن معظم ما قدماه من أفكار إنما كان لخدمة اليهودية العالمية ، ومحاربة الدين ، وأن القيادات اليهودية قد دعَّمت الدارونية وعملت على نشرها والدعاية لها لارتباط أهدافها السياسية بنشر الإلحاد ، ولقد أسقطت التجارب والعلوم بحمد الله أفكار ماركس ، وفرويد ، وداروين.

ويعيب على بعض المدافعين عن الدين بأنهم يقدمون أقوالاً تقريرية غير مقترنة بأدلة ، ويأتي هو لدعم مذهبه الإلحادي بقصة أدبية كتبها الملحد الإنكليزي (برتراند رسل) ويعتبر هذه القصة هي السند الأمثل للتحقيق العلمي في قصة الخليقة .

وهل أصبحت هذه القطعة الأدبية هي التحقيق العلمي العظيم لقصة الوجود كله ، التي بدأت بالسدين وستنتهي إلى السديم ، وفق النظرات التي يرجحها أصحابها دون مستندات علمية صحيحة ، ودون براهين معتبر وفق المنهج العلمي السليم؟

أنَّى لواضعي هذه النظرية أن يشهدوا بداية الكون؟ وكيف يتسنى لهم مشاهدة نهايته؟

يرى كاتب القصة أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى ، ثم نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة بطريق المصادفة ، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون يعود به كل شيء إلى سديم كما كان أولاً .

ويعلق (د. العظم) على هذه القصة الخيالية التي سماها قطعة أدبية جميلة ، فيقول في الصفحة (26).

” هذا المقطع الذي كتبه (رسل) يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية : نشوء الكون وتطوره ، نشوء الحياة وتطورها ، أصل الإنسان ونشأته وتطوره ، نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها ، وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ، ولا أمل لكائن بعدها بشيء ، إنه من السديم وإلى السديم يعود”.

وهكذا وبكل بساطة يعتبر (العظم) هذه الأمور حقائق مقررة مسلماً بها علمياً ، دون أن تقترن بأي إثبات لها ، أهذا هو مستوى الأمانة الفكرية عنده؟ أهذا هو المنهج العلمي السليم؟

ما أبعد المناهج العلمية عن القصص التقريرية ، التي تنسجها أخيلة الكتاب والأدباء والشعراء ، أو أخيلة واضعي النظريات لأغراض معينة!!

ثم استشهد (د. العظم) بكلام آخر قاله (رسل) فقال في الصفحة (27):

“وفي مناسبة أخرى عندما سئل (رسل) : هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ أجاب بالنفي ، وشرح جوابه بقوله : عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت ، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكز أو أساس علمي”.

أهكذا ترفض الحقيقة التي جاء بيانها بالأخبار الصادقة عن الله ، بمجرد الاستبعاد؟

حينما يسمع المؤمن بالإسلام جواب هذا الفيلسوف الإنكليزي عن الحياة بعد الموت ، فلا بد أن تسترجع ذاكرته الجواب الجاهلي الذي كان يجيب به كفار العرب البدائيون ، إذ قالوا كما حدثنا القرآن عنهم في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}

وجوابهم الآخر الذي جاء في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

وهنا يبدو لنا بوضوح إن الإنكار هو الذي لا يرتكز على أساس علمي ، إنما يعتمد على مجرد التقرير للنفي ، أو استبعاد فكرة البعث بإطلاق عبارات التعجب .

على أن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء لا بد أن يعتمد على أساس الإيمان بالله ، فإثارة هذه العقيدة دون أساس الإيمان بالله هي من قبيل الاشتغال بالفروع قبل الاتفاق على الأصول ، وهذا لا يؤدي إلى نتيجة صحيحة ، فإذا تم التسليم بعقيدة الإيمان بالخالق جلَّ وعلا جاء من بعدها عرض أدلة البعث .

وعندئذ يمكن أن تأتي الأدلة العقلية التي نبَّه القرآن عليها ، منها قول الله تعالى في سورة (يس/36 مصحف/41 نزول):

{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }.

وحين قلت : إن (العظم) في الحوار المغلق الذي صنعه قد جعل الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) هو الممثل الوحيد للمؤمنين من علماء النهضة العلمية الحديثة ، إذ رأى حجته أضعف حجج المتجهين إلى جانب الإيمان بالله ، ليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون ، فإنني قلت هذا وفي جعبتي أقوال كثيرة مؤمنة قالها عدد كبير من علماء النهضة العلمية الحديثة ، وهي تشتمل على أدلة وقرائن علمية ، جعلتهم يؤمنون بالله خالق هذا الكون .

وفيما يلي عرض لطائفة من أقوال هؤلاء العلماء وشهاداتهم العلمية ، أكشف بها للمخدوعين من أبناء هذه الأمة وقائع التزوير والمغالطات التي يصطنعها الملحدون الأجراء .

وهذه الشهادات من أقوال علماء النهضة العملية الحديثة تكشف عن الأسباب العلمية التي جعلتهم يؤمنون بالله:

( أ ) يقول البروفيسور (إيدوين كونكلين):

“إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في مطبعة على سبيل المصادفة”.

أي : لا يمكن للمصادفة أن توجد هذا الكون ذا النظام المتقن الرائع ، إذن فلا بد له من خالق خلقه وأتقنه .

(ب) ويقول عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس):

“لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق ، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله ، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله) ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيباً ، إلهاً غيبياً ومادياً في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي ، وهو ليس بجزء من هذا الكون ، بل هو حاكمه ومديره ومدبره ، بدلاً من أن تبنى مثل هذه الخزعبلات”.

فهذا العالم الأمريكي من علماء الطبيعة يرى أن نظرات الملحدين هي من قبيل الخزعبلات ، أو الخرافات التي ليس لها سند علمي ولا سند عقلي ، وهذا هو شأن كل عالم منصف محايد .

( ج ) ولنسمع إلى رد (كريسي موريسن) الذي كان رئيس أكاديمية العلوم الأمريكية بنيويورك على الملحد (هيكل) إذ قال هذا الملحد متبجحاً : “إيتوني بالهواء وبالماء ، وبالأجزاء الكيماوية ، وبالوقت ، وسأخلق الإنسان”.

أي : إن الإنسان كان نتيجة اجتماع عناصر خاصة على كيفية خاصة على سبيل المصادفة فرد عليه (موريسن) بقوله:

“إن هيكل يتجاهل في دعواه الجينات الوراثية ، ومسألة الحياة نفسها ، فإن أول شيء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها ، ثم سيخلق (الجينات) أو حملة الاستعدادات الوراثية ، بعد ترتيب هذه الذرات ، حتى يعطيها ثوب الحياة ، ولكن إمكان الخلق في هذه المحاولة بعد كل هذا لا يعدو واحداً على عدة بلايين ، ولو افترضنا أن (هيكل) نجح في محاولته فإنه لن يسميها مصادفة ، بل سوف يقررها وبعدها نتيجة لعبقريته”.

وهكذا أظهر هذا العالم سخافة أقوال (هيكل) عن طريق الاستدلال العلمي .

فالاستناد إلى فرضية المصادفة في تعليل وجود الكائنات المتقنة المنظمة لون من التخريف الفكري ، القائم على إرادة التضليل فحسب ، وليس مذهباً فكرياً تحيط به شبهات تزينه في عقول القائلين به ، وهذا ما تدل عليه الشهادات العلمية المنصفة المحايدة ، منها هذه الأقوال ، ومنها أقوال أخرى ستطلع على طائفة منها فيما يأتي :

( د ) وقال عالم الأعضاء الأمريكي (مارلين ب. كريدر):

“إن الإمكان الرياضي في توافر العلل اللازمة للخلق عن طريق المصادفة في نِسَبِها الصحيحة هو ما يقرب من لا شيء”.

أي : إن احتمال المصادفة احتمال مرفوض رياضياً في تعليل عمليات الخلق المتقن المنظم.

(هـ) ويقول أحد علماء الطبيعة:

“إن العلم لا يملك أي تفسير للحقائق ، والقول بأنها حدثت (اتفاقاً) إنما يعتبر تحدياً وتصادماً مع الرياضيات”.

( و ) إن تعليلات نشأة الكون وتكامله بنظرية النشوء والارتقاء ، إنما يلجأ إليها بعض العلماء الماديين هرباً من الاعتراف بالحقيقة الإلهية الكبرى ، ولا يؤمنون بهذه النظرية اعتقاداً منهم بأنها حقيقة ثابتة مؤيدة بالبراهين القاطعة ، وإنما يلجؤون إليها لأنه لا يوجد أي بديل لها سوى الإيمان بالله مباشرة .

ويشهد لهذا ما كتبه (سير آرثر كيث)، إذ يقول:

“إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخلق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه”.

( ز ) ويقول عالم بريطانيا الكبير (سير جيمس جينز) الذي يعتبر أكبر علماء العصر الحديث ، في كتابه الشهير “عالم الأسرار”:

“إن في عقولنا الجديدة تعصباً يرجح التفسير المادي للحقائق”.

( ح ) وذكر (ويتكر شامبرز) في كتابه “الشهادة” حادثاً كان من الممكن أن يصبح نقطة تحول في حياته .

ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت أذناها نظره ، فأخذ يفكر في أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأُذُن بمحض اتفاق ، بل لا بد أنه وجد نتيجة إرادة مدبرة . لن (ويتكر شامبرز) طرد هذه الوسوسة عن قلبه حتى لا يضطر أن يؤمن –منطقياً- بالذات التي أرادت فدبرت ، لأن ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الأخيرة.

وهو مظهر من مظاهر التعصب المادي .

ويقول الأستاذ الدكتور (تامس ديور باركس) بعد أن ذكر هذا الحادث:

“إنني أعرف عدداً كبيراً من أساتذتي في الجامعة ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مراراً لمثل هذه المشاعر ، وهم يقومون بعمليات كيميائية وطبيعية في المعامل”[7].

ومن هذا يظهر لنا أن التعصب داء دوي صارف عن الحق ، وأخطره وأقبحه ما يحمل صغبة العلم ، ويتحلى بأثواب المعرفة .

( ط ) وجاء في كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” ثلاثون مقالاً لثلاثين من كبار العلماء الأمريكيين ، في الاختصاصات العلمية المختلفة من علوم الكون السائدة في هذا العصر الحديث ، وقد أثبت هؤلاء العلماء في مقالاتهم هذه وجود الله جلَّ وعلا ، عن طريق ما وَعَوْه من الأدلة الكثيرة المنبثة في مجالات اختصاصاتهم العلمية .

وفي هذا الكتاب يطلع القارئ على نوع من الأدلة العلمية ، التي تفرض سلطانهم على العلماء الماديين ، من خلال ملاحظاتهم وتجاربهم واختباراتهم العلمية ، فتجعلهم يؤمنون بالله ، ويجد فيه أيضاً الرد الكافي على مروجي الإلحاد ، الذين يزعمون أن العلوم تبعد عن الإيمان بالله ، وأن جميع أو معظم العلماء الكونيين ملحدون .

ونلخص فيما يلي أبرز ما في هذه المقالات وأجوده:

1- المقالة الأولى :

كتبها (فرانك ألن) ، عالم الطبيعة البيولوجية ، تحت عنوان : “نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد؟”.

وقد جاء فيها قوله :

“إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟

هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال:

1- فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال ، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود .

2- وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم ، وهذا مرفوض بداهة .

3- وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية ، وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله بالنسبة إلى أزلية الخالق ، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة ، فهو إذن حدث من الأحداث ، ولا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديع إلى المصادفة عقلاً ، ولذلك فهذا الاحتمال باطل أيضاً.

4- وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه ، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض ، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلاً ، فوجب الاعتماد عليه”.

ولا بد أن يلاحظ القارئ أن استدلال هذا العالم القائم على الحصر العقلي هو في غاية القوة ، فكيف يورط الملحدون أنفسهم ، فينكرون وجود الله بعد أن أقام لهم سبحانه كل هذه الأدلة والشواهد على وجوده سبحانه؟ ألا يضعون في حسابهم احتمال صدق أخبار الرسل ، وبها يعرضون أنفسهم للعذاب الخالد ، دون أن يجنوا في مقابل ذلك أي ربح؟.

ولكنها مواقف المعاندين ، يرون الحقائق ، ويرون مواقع العذاب ، وتشتد عليهم النذر ، ويصرون على مواقف العناد ، ويحاولون تبرير موقفهم بالأكاذيب والمخادعات والتضليلات وألوان الزخرف من القول .

2- المقالة الثانية :

كتبها (روبرت موريس بيدج) ، عالم الطبيعة ، وأول من اكتشف الرادار في العالم سنة (1934م) ، وقد كتب هذه المقالة تحت عنوان: “اختبار شامل” .

وقد جاء فيه قوله :

“وجدنا أناساً موهوبين يحدثوننا عن الغيب ، يقولون إنهم رسل الله ، وما حدثونا به قسمان :

1- قسم يقولون فيه : إن لهذا الكون خالقاً واحداً يجب الإيمان به .

2- وقسم يخبروننا فيه عن بعض أمور الغيب التي ستحدث ، أما القسم الثاني فقد وقع كما أخبرونا به بعد مئات السنين ، وأبدت الأيام وأثبت التاريخ صدق هذه النبوءات جميعاً ، وهي من الأشياء التي عجزت العلوم حتى اليوم أن تجد لها تفسيراً ، فدل ذلك على صحة رسالتهم ، وصدق أخبارهم ، ووجب أن نصدقهم فيما أخبرونا به عن الله تعالى وصفاته ، وهو القسم الأول ، لأن عقولنا لا تمنع منه ، بل عندنا من الشعور الداخلي ما يثبته”.

ثم قال : “إن الإيمان بوجود الله من الأمور الخاصة التي تنبت في شعور الإنسان وضميره ، وتنمو في دائرة خبرته الشخصية”.

فهذا العالم الذي اكتشف الرادار لأول مرة يدفعه إنصافه وحياده وأمانته الفكرية إلى إعلان إيمانه بالله ، مع التواضع الكريم المعروف عند العلماء حقاً ، وهكذا العلماء المتحلون بالأمانة الفكرية ، كلما ازداد علمهم زاد تواضعهم وزادت كمالاتهم الخلقية ، فلا يجحدون التوهم ، ولا يستكبرون عن الاعتراف بالحقيقة ، والإذعان لما يترجح لديهم من احتمالات وفق المنهج العلمي السليم .

أما الجهلة المتبجحون بالعلم فإن الغرور بالنفس يدفع بهم إلى مواقف العجب والكبر ، حتى يتطاولوا تطاول الحمقى ، فيعلنوا جحودهم بخالقهم ورازقهم ، استكباراً عن طاعته ، وتطلعاً إلى التحرر من أوامره ونواهيه ، تلبية لأهوائهم الجامحة ، وشهواتهم الجانحة ، أو خدمة لأسيادهم قادة المنظمات الإلحادية في العالم .

3- المقالة الثالثة :

كتبها (ماريت ستانلي كونجدن) ، وهو عالم طبيعي وفيلسوف ، وعضو الجمعية الأمريكية الطبيعية ، كتبها تحت عنوان : “درس من شجرة الورد”.

وقد جاء فيها ما خلاصته :

1- إن كثيراً من الأمور التي نسلم بها إنما نعتمد فيها على الاستدلال المنطقي .

2- من أمثلة ذلك كثير من استنتاجاتنا اليومية في حياتنا العادية ، والعلوم الفلكية التي ليس بيننا وبينها اتصال مادي مباشر ، وبحوث الذرة ، واستخدام قوانين الكتلة والطاقة ، في استنباط صفات الذرة وتركيبها وخواصها ، مع العلم بأن العلماء لم يروا الذرة حتى الآن بطريقة مباشرة ، وقد أيدت القنبلة الذرية الأولى ما وصل إليه العلماء من قوانين ونظريات حول تركيب الذرة غير المنظور ووظائفها .

ومن هذه الأمثلة وجود الله ، فإننا نستطيع أن نصل إلى معرفته عن طريق الاستدلال المنطقي ، الذي يقوم على تفسير النتائج بنظائرها أو مثيلاتها .

3- برغم أن العلوم لا تؤيد وجود عالم غير مادي تأييداً كاملاً ، لأن الدائرة التي تعمل فيها تقع في حدود المادة ، فإنها لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أخرى غير مادية وراء العالم المادي .

4- نستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه في عالم يفيض بالأمور العقلية أن نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطر مدبرة تسير هذا الكون وتدبر أمره .

ثم ختم مقاله بقوله: “إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ، ويدل على قدرته وعظمته ، وعندما نقوم – نحن العلماء – بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية ، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته”.

4- المقالة الرابعة :

كتبها (جون كليفلاند كوثران) وهو من علماء الكيمياء والرياضيات ، ورئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة (دولث) ، كتبها تحت عنوان : “النتيجة الحتمية”.

بدأ الكاتب مقالته بكلمة (لورد كيلفن) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم : “إذا فكرت تفكيراً عميقاً فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد بوجود الله”.

ثم جاء فيها ما خلاصته:

1- تنقسم العوالم إلى ثلاث أقسام:

( أ ) العالم المادي .

(ب) العالم الفكري .

(ج) العالم الروحي .

2- إن التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال السنين المئة الأخيرة ، بما في ذلك الكيمياء ، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في دراسة المادة والطاقة ، وعند استخدام هذه الطريقة تبذل كل الجهود للتخلص من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي تصل إلهيا راجعة إلى محض المصادفة .

3- أسهب الكاتب في الأمثلة العلمية عن طريق الكيمياء ، ليكشف أن سلوك أي جزء من أجزاء المادة مهما صغر ، لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً ناجماً عن المصادفة ، بل كل شيء يسير وفق قانون يهيمن على سلوكه .

4- ثم قال الكاتب : “فهل يتصور عاقل أو يفكر أو يعتقد أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضتها على نفسها؟

لا شك أن الجواب سيكون سلبياً.

وتدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال والفناء ، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة ، والآخر بسرعة ضئيلة ، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية ، ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية ، إذ إن لها بداية .

وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية ، بل وجدت بصورة فجائية .

وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد ، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً ، وهو منذ أن خُلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان .

فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه ، أو يحدد القوانين التي يخضع لها فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي ، متصف بالعلم والحكمة”.

وهكذا العلماء المنصفون ، فما أروع العالم حينما يدفعه علمه وحياده وإنصافه إلى الاعتراف بالحقيقة ، ولو كانت تخالف هواه وتشهياته ، أو تحد من حريته ، أو تلزمه بأن يتواضع ولا يستكبر!

وما أبعد الملحدين عن مثل هذا الموقف الكريم!

5- المقالة الخامسة :

كتبها (إدوارد لوثر كيسيل)، أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو ، وهي بعنوان : “فلننظر إلى الحقائق دون ميل أو تحيز”.

وقد جاء في هذه المقالة ما خلاصته:

1- أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله ، زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية .

2- لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين ، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا .

لا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون ، قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه إليه .

3- يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي ، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي ، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً ، ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية ، فقد أثبتت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ خمسة بلايين سنة ، والواقع أن الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته .

4- لو أن المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن الحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم ، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم ، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله ، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق ، فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله”.

وهكذا أثبت هذا العالم من علماء الأحياء ما توصل إليه بالبحث العلمي المحايد من ضرورة التسليم بوجود الخالق جلَّ وعلا ، نظراً في الظواهر الكونية التي ترشد إلى حقائق علمية وراءها ، وأثبت أن موجة من العودة إلى الإيمان بالله تعم معاهد العلم في بلاده .

6- المقالة السادسة :

كتب هذه المقالة (وولتر أوسكار لندبرج) ، عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية وعميد معهد هورمل منذ سنة (1919م) ، والمقالة بعنوان : “استخدام الأسلوب العلمي”.

وقد جاء فيها ما خلاصته :

1- أرجع هذا العالم في مقاله إخفاق بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية ، التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والإيمان به إلى أسباب لا صلة لها بالبحث العلمي وخص بالذكر منها سببين اثنين:

السبب الأول : ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد ومحاربة الإيمان بالله ، بسبب تعارض عقيدة الإيمان بالله مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها[8] .

السبب الثاني : المعقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة إنسان[9] وعندما تنمو العقول بعد ذلك ، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فإن تلك الصورة التي تعلموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير ، أو مع منطق مقبول ، وأخيراً عندما تخيب جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة ، وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي ، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية ، ومن ثم فلا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات التي تدور حول وجود الله[10].

2- ثم وجه كاتب المقال إلى الاعتماد في الإيمان بالله على أساس روحاني ، وأوضح أن الإيمان بالله مصدر لسعادة لا تنضب في حياة كثير من البشر .

3- ثم قال : أما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبيرة يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين ، إذ أن كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في الكون”.

7- المقالة السابعة :

كتبها (بول كليرانس إبرسولد)، وهو أستاذ الطبيعة الحيوية ، ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل (أوج ريدج) وعضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية ، وهذه المقالة تحت عنوان : “الأدلة الطبيعية على وجود الله”.

وقد جاء فيها ما خلاصته:

1- بدأ هذا العالم الطبيعي مقالة بكلمة للفيلسوف الإنكليزي (فرانس بيكون) التي قالها منذ أكثر من ثلاثة قرون:

“إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد ، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين”، ثم أيد كلمة هذا الفيلسوف بالشرح .

2- استدل على وجود الله تعالى بدليل اتفاق الناس في الشعور المشترك بوجوده فقال:

وقد لمس الناس عامة –سواء بطريق فلسفية عقلية أو روحانية- أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة ، أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية ، التي تتحرك أو تسير على غير هدى ، ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكم من تدبيره وأوسع ، لكي يستعين به على تفسير هذا الكون ، يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم ، هي قوة الله وتدبيره ، وبرغم أننا نعجز عن إدراكه إدراكاً كلياً أو وصفه وصفاً مادياً ، فهنا ما لا يحصى من الأدلة المادية على وجوده تعالى ، وتدل أياديه في خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه ، الحكيم الذي لا حدود لحكمته ، القوي إلى أقصى حدود القوة”.

8- المقالة السادسة عشرة :

كتبها (جورج هربرت بلونت)، أستاذ الفيزياء التطبيقية ، وكبير المهندسين بقسم البحوث الهندسية بجامعة (كاليفورنيا)، وهي مقالة بعنوان : “منطق الإيمان”.

وقد جاء فيها ما خلاصته:

1- قال كاتب المقالة : “إنني أؤمن بالله ، بل وأكثر من ذلك ، إنني أكل إليه أمري ، ففكرة الألوهية بالنسبة لي ليست مجرد قضية فلسفية ، بل إن لها في نفسي قيمتها العملية العظمى ، وإيماني بالله جزء من صميم حياتي اليومية”.

2- ثم بعد أن قرر مبدأ الأمور البدهية التي نقبل بها قبول تسليم وإيمان ، قال :

“وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله ، فوجوده تعالى أمر بدهي من الوجهة الفلسفية ، والاستدلال بالأشياء على وجود الله – كما في الإثبات الهندسي- لا يرمي إلى إثبات البدهيات ولكنه يبدأ بها ، فإذا كان هناك اتفاق بين هذه البدهية وبين ما نشاهده من حقائق الكون ونظامه فإن ذلك يعد في ذاته دليلاً على صحة البدهية التي اخترناها”.

3- ثم قسم الأدلة إلى أنواع فقال : “والأدلة أنواع : منها الأدلة الكونية ، ومنها الأدلة التي تقوم على أساس إدراك الحكمة ، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية .

فالأدلة الكونية : تقوم على أساس أن الكون متغير ، وعلى ذلك فإنه لا يمكن أن يكون أبدياً ، ولا بد من البحث عن حقيقة أبدية عليا .

أما الأدلة التي تبنى على إدراك الحكمة: فتقوم على أساس أن هناك غرضاً معيناً أو غاية وراء هذا الكون ، ولا بد لذلك من حكيم أو مدبر .

وتكمن الأدلة الإنسانية ، وراء طبيعة الإنسان الخلقية ، فالشعور الإنساني في نفوس البشر إنما هو اتجاه إلى مشرِّع أعظم”.

4- ثم ناقش الكاتب وضع الملحدين فقال : “ويلاحظ أن للملحدين منطقهم ، ولكنه منطق سلبي ، فهم يقولون : إن وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة وليس ببراهين قاطعة ، وهذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجود الله تعالى ، إنهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم : إن المادة والطاقة يتحول كل منهما إلى الآخر ، بحيث يمكن أن يكون الكون أزلياً ، كما أنهم ينكرون النظام في الكون ويرونه مجرد وهم ، وهكذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والاتجاه نحو موجه أعظم ، ومع ذلك لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً واحداً على عدم وجود الله ، ومن منطقهم أن الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم ، وهناك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون ، لأنهم لا يرونه ، ولكنهم لا ينفون وجود إله في كون أو عالم آخر غير هذا الكون ، ولا شك أن هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم .

فإذا قارنا بين الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله وتلك التي يستند إليها الملحدون في إنكار ذاته العلية ، لاتضح لنا أن وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم أكثر مما تحتاج إليه وجهة نظر المؤمن ، وبعبارة أخرى : نجد المؤمن يقيم إيمانه على البصيرة ، أما الملحد فيقيم إلحاده على العمى .

وأنا مقتنع أن الإيمان يقوم على العقل ، وأن العقل يدعو إلى الإيمان ، وإذا كان الإنسان يعجز أحياناً عن مشاهدة الأدلة فقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم قدرته على أن يفتح عينيه”.

وهكذا مررنا على تلخيص لمقالات ثمان[11] من أصل ثلاثين مقالة لثلاثين عالماً من كبار علماء النهضة العلمية المعاصرة ، موجودة في كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” ورأينا منها أن العلوم المادية تؤيد قضية الإيمان بالله جلَّ وعلا ، ولا تؤيد قضية الإلحاد مطلقاً .

(ي) ويقول الفيلسوف (هرشل):

“إنه كلما اتسع نطاق العلوم تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة ، وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضيات يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلوم إعلاء لكلمة الخالق”.

(ك) أذاعت وكالة (رويتر) على العالم كله برقية جاء فيها ما يلي:

“نيويورك _ ر _ استفتت مجلة “كوليرز” المعروفة عدداً كبيراً من علماء الذرة والفلك وعلم الأحياء (بيولوجيا) والرياضيات ، فأكدوا أن لديهم أدلة وقرائن كثيرة تثبت وجود كائن أعظم ، ينظم هذا الوجود ويرعاه بعنايته ورحمته وعلمه الذي لا حدَّ له . ويقول الدكتور (راين) إنه ثبت من أبحاثه في المعامل أن في الجسم البشري روحاً أو جسماً غير منظور. وقال عالم آخر : إنه لا يشك في أن الكائن العظم – وهو ما تسميه الأديان السماوية (الله) – هو الذي يسيطر على الطاقة الذرية وغيرها من الظواهر والقوانين الخارقة في هذا الوجود”.

(ل) وجاء في كتاب “الله في الطبيعة” للفيلسوف (كميل فلامريون) ، وهو فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية ولا يعرف الإسلام ، ما يلي :

“إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات ، فإن الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في كل شيء”.

ويقول بحسب نظراته الخاصة التي لم يأخذها من التعاليم الدينية:

“ليس هو (أي الله) سلطاناً يحكم من فوق السماوات ، بل هو نظام مستتر مهيمن على كاف الموجودات .

ليس مقيماً في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة ، بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به ، فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء ، وكل لحظة من الزمان ، أو بتعبير أصح : هو قيوم لا نهائي منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب .

ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك في صحتها ، بل من النتائج القطعية التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم ، كنسبية الحركة وقدم القوانين .

إن النظام العام الحاكم في الطبيعة ، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء والمنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة ، لا سيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون ، هي النظام الحقيقي ، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها”.

* التعليق على هذه الأقوال المؤمنة:

وباستعراض هذه الأقوال المؤمنة لطائفة من كبار علماء الكون الماديين – ويوجد أمثالها كثير – يتبين للمنصف بوضوح مدى المغالطات والافتراءات التي بنى عليها الملحد الماركسي العربي (د. العظم) كتابه المتهافت “نقد الفكر الديني” لا سيما حينما زعم أن مزاج حضارة القرن العشرين وثقافته ممتلئة بالتردد والميوعة حيال الدين والمعتقدات الدينية ، وذلك في الصفحة (19) من كتابه.

وتجاهل كل الأقوال المؤمنة التي قالها كبار العلماء الماديين من علماء القرن العشرين ،وكل الشهادات العلمية الإيمانية .

وتجاهل أيضاً الأعمال التخريبية لأصول الإيمان ، وهي الأعمال التي تقوم بها منظمات عالمية ، ترى أن نشر الإلحاد ودعم قضيته مما يخدم مصالحها الخاصة أحسن خدمة ، إذ يجعل الشعوب الإنسانية على حافة الانهيار ، ومتى انهارت تسلمتها أفواه الذئاب والثعابين الواقفة لها بالمرصاد .

وكل من يخدم قضية الإلحاد باندفاع وحماسة فهو جندي من جنود هذه المنظمة العالمية ، وكثيراً ما يكون غراً لا يزيد أجره عند قادة المنظمة على أجر قاتل أمه وأبيه ، متى قتلهما ألحق بهما ، وقد كان من قبل يمنى بالأماني العريضة ، وتتحلب أشداقه على المواعيد الحلوة ، وذلك لأن من استخدمه حربة لم يستخدمة إلا ليكسره متى استنفد أغراضه منه .

ألم يطلع الملحد (العظم) على كل هذه الأقوال المؤمنة ونظائرها؟ ألم ينظر من أقوال العلماء إلا أقوال (برتراند رسل) لأنه اتجه إلى الإلحاد؟ ألم يقرأ من أقوال العلماء المؤمنين إلا مقالة الفيلسوف (وليم جيمس) إذ رأى استدلاله على وجود الله استدلالاً ضعيفاً؟ وقد جاء بعده علماء كثيرون كانت لهم أقوال ومقالات مشتملة على بيانات وأدلة أقوى مما ساقه (وليم جيمس).

أليس هذا من طمس الحقائق والتلاعب بها؟ فأين الأمانة العلمية التي يتظاهر بالغيرة عليها؟

ولكن هذا هو شأن المبطلين حينما ينصرون الباطل الذي يتعصبون له بدافع المصالح والمنافع الخاصة لا بدافع نشدان الحقيقة .

لقد رأينا في حشد هذه الأقوال المؤمنة للعلماء الماديين وكثير منهم من علماء القرن العشرين أن موجة من العودة إلى الدين الصحيح الصافي تسود الأوساط العلمية الكبرى .

فما ادعاه (العظم) في الصفحة (28) من “أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية عن ذكر الله” ، ادعاء كاذب وباطل لا أساس له من الصحة مطلقاً .

ولكن هل للمبطل إذا أراد أن ينصر باطله إلا السفسطة ، والمغالطة ، والمراوغة عن الحق ، وصناعة الأكاذيب ، والتمويه بالأقوال المزخرفة .

ولنفرض جدلاً أن العلماء الماديين جميعهم أنكروا وجود الله ، أفيؤثر ذلك على حقيقة وجود الله جلَّ وعلا ؟ هل ينتظر من العلوم المادية المتقدمة وأجهزتها المتطور أن ترينا الله تبارك وتعالى رؤية حسية . إن أقصى ما تفعله أن ترينا آيات الله في الكون ، أما ذات الله تبارك وتعالى فلن تستطيع أن ترينا إياها ، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (فصِّلت/41 مصحف/61 نزول):

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ }.

على أننا نقول: هل تستطيع العلوم المادية المتقدمة ، وأجهزتها المتطورة ، أن ترينا كثيراً من الطاقات الكونية التي غدت حقائق علمية ثابتة لدى العلماء الماديين عن طريق الاستنتاج من ظواهرها وآثارها ، وهذه الحقائق التي أثبتوها ليست إلا تفسيرات نظرية للظواهر؟

إن أقوال العلماء الماديين المؤمنين الذين نشأوا في عصر النهضة العلمية المادية الحديثة لتقدم للمتشككين أدلة كافية على أن العلوم المادية ليست علوماً ملحدة في حقيقتها ، لكن الإلحاد ملصق بها بطريقة صناعية مقصودة موجهة ، من قبل فئات خاصة لها في نشر الإلحاد مصالح سياسية واقتصادية ضد خيرية البشرية وسعادتها .

ومن هذه الأقوال يتبين لنا بوضوح أنهن لا يوجد تناقض ولا تعارض مطلقاً في نظر جمهور العلماء الماديين بين الدين والعلم حول الأساس الأول من أسس العقيدة الدينية ، وهي عقيدة الإيمان بالله جلَّ وعلا ، وبهذا تنهار المستندات الإلحادية التي تزعم وجود هذا التناقض بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات ، باعتبارها مجال بحثنا الآن ، وباعتبارها أعظم نقطة في الأيديولوجية الإلحادية ، والتي يحاول الملحدون جهدهم أن يوجدوا لها المبررات النظرية ، أو المبررات العملية ، فلا يجدون إلا افتراء الأكاذيب ، وصناعة المغالطات ، والاحتماء المزور بالتقدم العملي والصناعي ، وسرقة أسلحة العلم التي لا تملك في الحقيقة الدفاع عن الإلحاد ، وإنما هي في الأصل أسلحة لقضية الإيمان ، يحسن استعمالها العالمون بها ، وتكون عند الجاهلين بها أسلحة معطلة ، ويسرقها الملحدون فيحملونها أمام الجاهلين ، فيتخيل الجاهلون بها أنها فعلاً أسلحة للملحدين ، وهي تدعم قضية الإلحاد ، مع أن الحقيقة بخلاف ذلك ، إنها أسلحة للمؤمنين العالمين بها ، الذين يحسنون استعمالها .

ومثل الملحدين في نظري إذ يسرقون أسلحة المؤمنين كمثل وارث كنز عظيم ، ولكن هذا الوارث قد نشأ وهو يجهل أين خبأ له مورثه كنزه ، وأقبل خبراء البحث عن الكنوز ينقبون ويبحثون ، وتسلل من وراء هؤلاء الخبراء لصوص ، تظاهروا بأنهم باحثون خبراء ، ولكنهم وقفوا يرصدون ما يعثر عليه الباحثون الحقيقيون ، ليسرقوه كله أو ما يستطيعون سرقته منه ، وكان مورث الكنز قد كتب اسمه ورسم صورته على أحد وجهي مصكوكاته الذهبية علامة على أنها له ، وقد خبأها لوارثه ، أما الخبراء المنقبون الأمناء : فإنهم لما ظفروا بما وجوده من الكنز، أعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته ، وثبتوا استحقاق الوارث لها ، وأخذوا أجرهم على أعمالهم . وآخرون لم تكن لديهم الأمانة الكافية أو كانوا جاهلين بقراءة المكتوبات الأثرية أخذوا ما عثروا عليه ، وانتفعوا بالكنز ، ولم يعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته ، ولم يهتموا بأن يعترفوا باستحقاق الوارث لها . وجاء من وراء الفريقين فئة اللصوص ، فسطوا على بعض ما استخرجه الخبراء من الكنز ، وطمسوا الوجه المكتوب ، وأقبلوا يفاخرون بأن الكنز كله هو ملكهم ، وهو ميراثهم ، والدليل على ذلك أن بعض قطع مصكوكاته الذهبية في أيديهم ، قد عثروا عليها وفيها كتابة تشهد لهم بأن مورِّثهم قد خبأها لهم .

وحينما يُقال لهم : أرونا هذه الكتابة التي تشهد لكم يقولون: فلان قال هذا ، وفلان قال هذا ،وفلان قال هذا ، وكل هؤلاء الذين ذكروهم هم من فئة اللصوص أنفسهم ، أو من غيرهم ولكن يكذبون عليهم ، ويظلُّون حريصين على أن يبقى الوجه الثاني للمصكوكات الذهبية مطموساً ، حتى لا تنكشف لعبتهم القائمة على اللصوصية والتزوير .

( 5 )

بأسلوب مَهين من الغوغائية الجدلية لمحاربة الدين ومناصرة قضية الإلحاد ، قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (38) من كتابه :

“جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية ، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية ، والأهداف السامية ، وعلى مفاهيم أخلاقية مثل “الحق والعدل”.

هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل (الأهداف السامية) أو (الحق والعدل) أو (الروح والجمال والخالق)؟ هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية ، أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟ سؤال جدير بالتمحيص والإيضاح والمناقشة على أقل تعديل”.

هذا كلامه بالحرف الواحد ، فياللعجب العجاب!! أعلى هذا المستوى الفكري السخيف تعرض قضية الإلحاد ، وتناقش قضية الإيمان بالله؟!

أهكذا يجازف بمنطقه وفلسفته ليصنع حجة مكشوفة السخف والتفاهة؟

ولكن إذا لم يكن لديه حقائق يناقش بها أفلا يطرح أكوام ألفاظ يغالط بها المراهقين ، ويوهمهم فيها أنه يصنع جدليات عالية؟

قد يتصور أن مراهقي الأفكار المفتونين بالألفاظ الحديثة إذا لم يفهموا أكوام ألفاظه هذه فإنهم سيظنون أن كاتبها ضليع بدلالاتها ، ما دام قد استخدم في غضونها عبارات النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته ، والنظرية النسبية ، وميكانيكا الكموم ، وله أن يحشر معها إذا شاء عبارات (الجداول الرياضية) و(الطاقة الذرية) و(الطاقة الهيدروجينية) و(طائرات الميغ) و(الأقمار الصناعية) و(حضارة القرن العشرين) و(موسكو) و(نهر الراين) و(جبال هيمالايا) ، إلى غير ذلك من ألفاظ وعبارات لا صلة لها بموضوع البحث .

فما صلة النظرية النسبية وميكانيكا الكموم بالحديث الصريح عن الله تعالى ، أو التعرض إلى المفاهيم الأخلاقية ، حتى يعتبر عدم ذكر اسم الله والمفاهيم الأخلاقية فيها دليلاً على نفي وجود الله ، أو على إلغاء المفاهيم الأخلاقية؟!

إن عمله يشبه عمل من ينكر وجود القطب الشمالي لأنه لم يوجد له ذكر في جدول الضرب ، ولا في كتاب “تعلمي سيدتي كيف تطبخين” ، ولا في بطن “حصان طروادة” ، ولا في “السمفونية التاسعة لبيتهوفن”.

هذا مع أن العلامة (ألبرت أينشتاين) صاحب النظرية النسبية قد كان مؤمناً قوي الإيمان بوجود الله ، ومن أقواله : “إن أصحاب العبقريات الدينية في جميع العصور قد عرفوا بهذا النوع من الشعور الديني الذي لا ينتمي إلى نحلة ، ولا يتمثل الله في أمثلة بشرية ، إنني لأرى أن أهم وظيفة من وظائف الفن والعلم هي أن يوقظا هذا الشعور ، وأن يستبقياه حياً في الذين تهيأوا له”.

أليس عجيباً أن يقول (أينشتاين) مثل هذا الكلام وهو صاحب النظرية النسبية ، ثم يأتي (د. العظم) فيورد (النظرية النسبية) مورد الاستشهاد لإنكار وجود الله ، ونقض المفاهيم الأخلاقية الدينية ، باعتبار أن هذه الأمور لم تذكر فيها؟

كان عليه قبل أن يستشهد بـ(أينشتاين) وبـ(النظرية النسبية) أن يراجع على أقل تقدير ما يعرف الناس عن هذا العالم ، وعن أقواله في الدين ، حتى لا يورط نفسه بهذا التهافت الذي سقط فيه .

إن (أينشتاين) لو كان يرى أن نظريته النسبية تتنافى مع الدين لدعم بنظريته الإلحاد ، ولأعلن بها نقض الدين ، لكنه _كما رأينا_ على العكس من ذلك حريص على إيقاظ الشعور الديني ، وإبقائه حياً في الذين تهيأوا له .

لكن (د. العظم) حينما أورد اسم (أينشتاين) و(النظرية النسبية) في غضون كلامه ، إنما عمد إلى السفسطة والمغالطة ، والإيهام ، ليصور للقارئ الجاهل أنه يصنع شيئاً لدعم قضية الإلحاد ، فهو يذكر الأسماء الكبيرة في مجال العلوم المادية ، ليستر بها تضليله وغوغائيته الجدلية .

وكما أوهم أن (أينشتاين) ملحد ، أوهم أيضاً أن العالم (لابلاس) من فئة الملحدين ، على خلاف ما عليه واقع حال هذا العالم .

قال (العظم) في الصفحة (28) من كتابه:

” عندما نقول مع (نيتشه) : إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت (والعياذ بالله من حكاية هذا الكلام الكبير الشنيع) فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت من ضمير الشعوب ، وإنما تعني أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية من ذكر الله تماماً كما قال (لابلاس)”.

إنه يحشر اسم العالم (لابلاس) هنا ليموه بأنه من أنصار قضية الإلحاد بالنظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان ، ولا يؤيد قضية الإيمان بالله ، مع أن (لابلاس) مؤمن أخذاً منن أقواله ، وله في الاستدلال على وجود الله وَرَدِّ أقوال الجاحدين كلام طيب ، يلغي فكرة الاعتماد على المصادفات ، ويرى أن النظام الكوني الرائع لا بد له من خالق .

لقد شرح (لابلاس) دليل الحركة الكونية ، وأبان قوة هذا الدليل في جسم الشبهات التي يثيرها الجاحدون فقال “أما القدرة الفاطرة التي عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها ، وثبتت أقطار مداراتها ، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة ، ولكنها حكيمة ، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس والتوابع حول السيارات بأدق حساب ، بحيث إن النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل..

هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه ، والذي يضمن استمرار واستقرار المجموعة إزاء ما لا يعد ولا يحصى من المخاطر المحتملة ، لا يمكن أن يحمل على المصادفة إلا باحتمال واحد من أربعة تريوليونات ، وما أدراك ما أربعة تريوليونات؟ إنه عدد من كلمتين ، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصى إلا إذا لبث خمسين ألف عام يعد الأرقام ليلاً ونهاراً ،على أن يعد في كل دقيقة (150) عدداً”

صحيح أن (لابلاس) أعلن قوله:

“إن العالم العظيم الذي سيتمكن من معرفة انتشار الذرات في السحب السديمية الأولية سيكون باستطاعته أن يتنبأ بكل مستقبل الكون وأحداثه”[12].

ولكن قوله هذا لا يعني إنكاره للخالق ، وإنما يدل على شعوره بأن الكون سائر وفق نظام مرسوم خاضع لسلاسل سببية متتابعة ، يمكن التنبؤ باللاحق منها لدى معرفة السابق .

وأما ما نسبه (د. العظم) إليه من قوله لنابليون : “الله فرضية لا حاجة لي بها في نظامي” فلست أدري مبلغه من الصحة أمام قوله الذي قرأناه مما كتب بنفسه . وبكل أسف لم نجد لدى الناقد أثراً للأمانة الفكرية التي يتظاهر بالغيرة عليها .

يا عجباً لهذا الفريق الملحد من الناس ، ترى أحدهم مريضاً بمرض السرطان الفكري الطاغي ، ثم يتهم الأعضاء الرئيسية الأساسية في البناء الفكري الصحيح بأنها نمو سرطاني ، وقديماً قال العرب في أمثالهم : “رمتني بدائها وانسلت”.

( 6 )

وبعد أن حمل (د. العظم) النظرية النسبية ما لا تحمل ، واستغل اسم (أينشتاين) لدعم قضية الإلحاد ، متجاهلاً أنه كان مؤمناً بالله ، ومؤيداً التفسيرات الغائية للكون ، بمثل قوله : “إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ، ليس تعيساً فحسب ، ولكنه غير مؤهل للحياة”.

بعد هذا التضليل والتمويه والتجاهل الذي صنعه (د. العظم) خطا خطوة رفع فيها لواء تمجيد واضعي النظريات الموجهة خصيصاً لمحاربة المفاهيم الإسلامية ، والقائمة أساساً على إنكار وجود الله تبارك وتعالى ، من اليهود الذين تحملوا مهمة وضع هذه النظريات المناقضة للمفاهيم الإسلامية باسم العلم ، وذلك بدفع من القيادة اليهودية العالمية ، فأخذ يمجد بأسماء هؤلاء اليهود (دركهايم) و(فرويد) و(ماركس) فقال في الصفحة (39) من كتابه:

“حين نطرح المسألة بهذه البساطة وبهذا التحديد ، يبدو أنه ثمة تناقض واضح بين النظرة الإسلامية الغائية للكون – كما سردها سماحة موسى الصدر – وبين النظرة العلمية ، كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه . من يراجع تاريخ العلم الحديث يكتشف بسرعة أن واضعي دعائمه وفلاسفته شنوا حرباً لا هوادة فيها على إقحام العلل الغائية والمفاهيم الأخلاقية في التفسيرات العلمي لظواهر الطبيعة ، ورفضوا النظرة الغائية للكون رفضاً باتاً ، لأنهم اعتبروها من إنتاج خيال الإنسان الأسطوري ، ولأنها تعيق تقدم العلم ، وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها ، إننا نجد هذا التيار المعادي للنظرة الغائية منذ البداية ، عند المفكرين والفلاسفة الذين رسخوا دعائم العلم الحديث ، من فرانسيس بيكون ، إلى برتراند رسل ، مروراً بديكارت ، وسبينوزاً ، وغاليليو ، وداروين ، وبافلوف ، ودركهايم ، وفرويد ، وماركس ، إلى آخر القائمة الطويلة من الأسماء “.

هكذا ، وعلى المستوى من التضليل الغوغائي ، أو الحرب (الديماغوجية) وفق تعبيرات الملاحدة الماركسيين ، يسير (العظم) في نقده للفكر الديني .

لقد سبق أن برهنا على أن جمهوراً كبيراً من علماء عصر النهضة العلمية الحديثة مؤمنون بالله ، ومعترفون بالمفاهيم الأخلاقية التي نبَّه عليها الإسلام أو نادى بها ، وذلك منهم انسجام مع النظرة الإسلامية الغائية للكون ، ولا يرون في ذلك مخالفة للنظرة العلمية ، وإذا استثنينا الملاحدة المعدودين من علماء النهضة العلمية الحديثة ، واليهود المدفوعين خصيصاً لوضع النظريات التي تدعم قضية الإلحاد ، أمثال دركهايم ، وفرويد وماركس فإننا نجد معظم علماء النهضة العلمية الحديثة لا يجحدون الله ، ولا ينكرون النظرة الغائية للكون ، ولا ينكرون المفاهيم الأخلاقية ، بل كثير منهم يؤيد هذه الحقائق ويؤمن بها ، ولكن الملحد العميل الذي لا يؤمن بالعلل الغائية ولا بالمفاهيم الأخلاقية ، لا يخجل من صناعة التمويه بالأكاذيب والتزويرات والتضليلات الجدلية ، التي ليس لها أساس فكري سليم ، ولا هي قائمة على احتجاج منطقي مقبول.

إنه يعرض أقواله على طريقة الحقائق المسلم بها ، دون أن تقترن بحجج نظرية ، أو بشواهد واقعية ، ثم يزعم أنها حقائق مسلم بها عند العلماء ، ويكتفي بعرض قائمة من أسماء الرجال المشهورين بالعلم والفلسفة ، ويحشر في كل مرة أسماء اليهود ، الذين وضعوا ما أسموه بنظريات علمية ، ولا تزيد في حقيقة حالها على أنها فرضيات صيغت بعناية مقصودة لدعم قضية الإلحاد ،ولا يستطيع أن يكتم تمجيدها ، وتمجيد كتبهم ، وما يسمى نظرياتهم ، ولا يخجل وهو عربي العرق أو يبالغ بتأييد المخطط اليهودي العالمي ، في هذا العصر الذي تعاني أمته أقسى المحن وأشهدها من اليهودية العالمية ، ومن مخططاتها الرامية إلى الاستيلاء على العالم العربي كله .

إنه لعجب كبير أن تبلغ الخيانة بإنسان ما إلى هذا الدرك الذي ليس من دونه درك أسفل منه .

لو كانت النظرة العلمية الحديثة تناقض أو تعارض النظرة الإسلامية الغائية للكون ، لما وجدنا هذا الجمهور الكبير من علماء النهضة العلمية الحديثة مؤمنين بالله ،وبتفسيرات النظرة الإسلامية الغائية للكون ،وبالمفاهيم الأخلاقية الدينية .

وهذا واحد منهم وهو (أندرو كونواي إيفي) من العلماء الطبيعيين ذوي الشهرة العالمية من سنة (1925م) إلى سنة (1946م) يقول في مقال له تحت عنوان : “وجود الله حقيقة مطلقة”:

“ويظهر أن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من شك لديهم بقعة عمياء ، أو بقعة مخدرة داخل عقولهم ، تمنعهم من تصور أن كل هذه العوالم ، سواء ما كان ميتاً أو حياً ، تصير لا معنى لها بدون الاعتقاد بوجود الله”.

ثم استشهد بكلام العلامة (أينشتاين) ، إذ قال:

“إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ليس تعيساً فحسب ، ولكنه غير مؤهل للحياة”.

أليس هذا التفكير الذي يعلن عنه هذا العالم ومن قبله (أينشتاين) تفكيراً قائماً على النظرة الغائية للكون ، وعلى اعتبار القيم الأخلاقية؟

إن هذه النظرة الموافقة للنظرة الإسلامية لم تكن عند أصحابها مناقضة للأسس العلمية الحديثة ، ولا للنظرة العلمية كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه ، فمن أين (للعظم) وهذا الادعاء الكاذب؟!

إذا كانت هذه النظرة مناقضة لما يسمى بنظريات اليهود (دُركهايم – فرويد – ماركس) أو النظريات التي روجها اليهود كالنظرية الداروينية فلا بأس ، إن هؤلاء أجراء المخطط اليهودي العالمي المعروف ، وقد وضعوا مذاهبهم لهدم الأسس الدينية ، لا على أساس قناعات علمية صحيحة ، وقد أصبح مخططهم مكشوفاً للعالم ، وكتب في كشف مكايدهم محققون من العلماء المتتبعين .

أما ادعاء (العظم) بأن النظرة الغائية للكون والمفاهيم الأخلاقية تعيق تقدم العلم وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها ، فهو ادعاء هراء ، غير مستند إلى أي أساس نظري أو واقعي . إن الإيمان بالله لا يتعارض بحال من الأحوال مع أي تقدم علمي يُدرسُ فيه واقع حال هذا الكون ، وما فيه من طاقات وقوى مشاهدة وغير مشاهدة ، وما فيه من نظم وأسباب ظاهرة أو خفية ، كما أن المفاهيم الأخلاقية تساعد على ما تقدم المعرفة من جهة ، وعلى سعادة الإنسان من جهة أخرى ، وضبط سلوكه فيما يحقق للأفراد وللجماعات أوفر نصيب من الخير العيش الرغيد .

ولكن الملحد يكتفي بإطلاق الادعاءات الكاذبة ، دون دليل منطقي أو واقعي .

( 7 )

يحاول الناقد (العظم) كما رأينا الإقناع بنسف الأسس الأخلاقية من جذورها بينما يتظاهر في موطن آخر من كتابه بغيرته على المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد ، فتعليقاً على بعض آراء (وليم جيمس) الذي رجح جانب الإيمان بالله استناداً إلى المشاعر الإنسانية الداخلية ، التي ترجح جانب الإيمان على جانب الكفر ، يقول في الصفحة (75):

“هنا يثبت (جيمس) حق هذا الإنسان بأن يعتقد بوجود الله ،استناداً إلى ما توحيه له طبيعته العاطفية حول هذا الموضوع ، أي : بالنسبة لجيمس يحق له أن يحسم الأمر باللجوء إلى عواطفه ومشاعره ، ضارباً بعرض الحائط المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد”.

ويتظاهر بحرصه على مبدأ الأمانة الفكرية ، وهو مبدأ أخلاقي ، فيقول في الصفحة (21):

“هل باستطاعتي أن أقبل بكل نزاهة وإخلاص المعتقدات الدينية التي تقبلها آبائي وأجدادي ، دون أن أخون مبدأ الأمانة الفكرية؟”

ويكرر تظاهره بالغيرة على الأمانة الفكرية فيقول في الصفحة (29):

“هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية ، في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة”.

أليس هذا التهافت في كلامه من أعجب الأمور؟ كيف يسوغ لنفسه أن يقف مثل هذا الموقف الأخلاقي لمناصرة قضية الإلحاد والكفر بالله ، وقد ذبح القيم كلها والمبادئ الأخلاقية جميعاً ، وأعلن أنها أمور لا يعترف بها العلم – بحسب زعمه – ولا يقيم لها وزناً؟

سبق أن نقلنا كلامه في الصفحة (38) من كتابه ، وفيه يقول:

“جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية ، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية ، والأهداف السامية ، وعلى مفاهيم أخلاقية ، مثل (الحق والعدل). هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل الأهداف السامية ، أو الحق والعدل ، أو الروح والجمال والخلق ، هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟”.

فهو بهذا لا يعترف أصلاً بالمفاهيم الأخلاقية ، ولا بالحق والعدل ، ولا بالأهداف السامية ، ولا بالروح والجمال والخالق ، فما له وللدفاع عن الأمانة الفكرية؟ وما له وللغيرة على أخلاق الاعتقاد؟ إن كان يريد مناصرتها حقاً فليكن منسجماً مع نفسه على أقل تقدير ، وليبق لنفسه من الأخلاق بقية يخاطب بها الناس .

إذا لم يكن للحق قيمة لديه فأين مكان الأمانة الفكرية إذن؟ أليست الأمانة الفكرية أمانة على الحق في جانب المعرفة؟ أليس إلغاؤه لمبدأ الحق خيانة لمبدأ الأمانة الفكرية؟ وحينما يلغي مبدأ الحق فماذا يأتي بعده غير الباطل والضلال؟ فهل يطالب الأفكار الحرة بأن تكون أمينة على الباطل؟ وأي باطل هذا الذي يريد أن يحرص عليه؟ ألا يرى هذا تناقضاً شائناً مفضوحاً غير مستور بأي شيء؟ أين أخلاق الاعتقاد في موقفه هذا المتَّسم بالتناقض الصريح؟

ينسف الأخلاق كلها من جذورها ، ولا يعتر بحق ولا عدل ولا أهداف سامية ، ثم يتباكى على الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد ، ليزين تباكيه هذا قضية الإلحاد والإباحية المطلقة التي يناصرها ، ويبشر بها في المجتمع العربي المسلم ، خدمة لأسياده الماركسيين ، ومن ورائهم القيادة اليهودية العالمية ، ما أعجب هذا من إنسان يحترم كرامة نفسه؟!

مادام قد نسف الأخلاق كلها من جذورها فأية أمانة لديه يعتمد عليها في نقل خبر ، أو حكاية قول لإنسان ، أو تقرير حقيقة من الحقائق العلمية؟

مادام هذا مذهبه فمن الطبيعي أن لا يوثق بشيء يقوله ، لأنه إن صدق في واحدة أو أكثر فذلك ليغطي بها فرية يفتريها على الحقيقة ، خبراً كانت أو معرفة علمية ، وهذا ما يكتشفه الناظر في أقواله بأدنى تأمل ، إنه حينما يبحث في العلم الحديث لا يعرض إلا أقوال الملحدين أمثاله ، ويجعلهم الممثلين الوحيدين للركب الحضاري كله ، وقد يعرض – كما رأينا – على سبيل التضليل بعض الأعلام الكبرى في ضمن ما يعرض من قائمة أسماء ، تمويهاً بأن هؤلاء الأعلام الكبرى من مؤيدي قضية الإلحاد ، مع أنهم في الواقع بخلاف ذلك .

وأي ناظر في كتابه يرى أنه جندي مطيع ، يجعل من نفسه رأسه حربة في يد الماركسية واليهودية العالمية ، لهدم كيان أمته ، وتهيئة أرضها وأجيالها لاحتلال العدو احتلالاً شاملاً ، يتناول الأفكار والنفوس والقوى المختلفة ، والأرض والأموال وسائر الثروات والخيرات .

هذه هي الخطة اليهودية التي درسناها في كتبهم ، والتي رأينا جملة كبيرة من تطبيقاتها في العالم .

والملاحدة الماركسيون كتبية من كتائب جنود التنفيذ لهذه الخطة اليهودية العالمية الكبرى ، التي غدت من الحقائق المكشوفة جداً ، بعد أن كانت مستورة عن كثير من أعين الجماهير .

إنهم مجندون في صف العدو ، ولكنهم مخالطون مداخلون ، يحتلون مواقع ضمن الصفوف ، وهم يتحينون الفرص للانقضاض على أمتهم خدمة لأسيادهم الشياطين .

إنني لأعجب كل العجب من هذه الحرب المستعرة على فكرة الإيمان بالله تعالى ، وعلى المبادئ والقيم الأخلاقية ، وعلى الفضائل الإنسانية ، وعلى الحق والعدل والأهداف السامية ، وعلى الروح والجمال والخالق ، وعلى التفسيرات الغائية للكون والحياة ، فماذا تضر البشرية هذه الأمور من وجهة نظرهم؟

إن هذه المبادئ التي ينادي بها الدين من شأنها أن تكف يد الجريمة في الناس ، وتخفف من شرورهم ، وتجلب للإنسانية نفعاً عظيماً ، ولكن القيادة المجرمة الخفية في العالم تخسر بنشر هذه المبادئ وتطبيقها جنوداً كثيرين تستطيع أن تجندهم عن طريق الإلحاد والإباحية المطلقة ، ولا تستطيع أن تجندهم عن طريق الإيمان والتزام المفاهيم الأخلاقية .

لذلك فإن وسيلتهم الوحيدة لتجنيد جيوشهم المجرمة ، هي أن ينشروا الإلحاد والإباحية أولاً ، ثم ينتقوا جنودهم من هذا الوسط الإلحادي الإباحي ، ليدفعوا بهم إلى ارتكاب الجرائم الإنسانية الكبرى ، وبذلك يحقق المجرمون المستورون أهدافهم في السيطرة على العالم .

( 8 )

نظرت في مناقشته لبحث الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان : “إرادة الاعتقاد” ، فرأيت أن (وليم جيمس) تعرض في بحثه إلى حق الإنسان المفكر بالاعتقاد بوجود الله ، ولو لم تكن البينات العلمية والأدلة العقلية كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده ، نظراً إلى أن عواطف الإنسان ومشاعره ترجح جانب الإثبات ، كما أن الإنسان يجد نفسه بين موقفين :

1- فإذا هو أنكر الله وجحده وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه يعرِّض نفسه لخسائر كبرى .

2- وإذا هو آمن به وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه لا يخسر شيئاً .

واستنتج من ذلك أن موقف الإيمان على هذا موقف لا خسارة فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال اغتنام أرباح كثيرة منه ، وأما موقف الإلحاد على هذا أيضاً فهو موقف لا ربح فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال تكبد خسائر كبرى .

وبمقارنة هذين الموقفين يترجح موقف الإيمان على موقف الإلحاد قطعاً ، ويكون من حق الإنسان أن يؤمن في مقياس العقل .

ثم بلغ مني العجب مداه حين رأيت الناقد (د. العظم) يناقش بحث (جيمس) مناقشة مشحونة بالمغالطات التي تأتي ببعض العبارات الفلسفية ، وليس فيها من الفلسفة الصحيحة شيء ، وتستخدم العبارات العلمية ، وليس فيها من العلم الصحيح شيء ، جلَّ ما فيها سفسطة ، ومغالطات ، وخطابيات ، وتقريرات ، وكلها لا تملك من الأدلة شيئاً حتى أضعفها .

هذا على الرغم من أن (وليم جيمس) لم يقدم لقضية الإيمان إلا أضعف الأدلة ، وهو الدليل الذي صاغه الشاعر العربي الفيلسوف بقوله:

قال المنجم والطبيب كلاهما *** لا تُبعث الأجساد ، قلت : إليكما

إن صحَّ قولكما فلست بخاسر *** أو صحَّ قولي فالخسار عليكما

وهذا هو الدليل الثاني الذي طرحه مؤمن آل فرعون ، في مناقشة لهم حول دعوة موسى عليه السلام ، وقد حكى القرآن ذلك عنه بقول الله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):

{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}.

فهذا الرجل المؤمن من آل فرعون عرض عليهم أولاً دليل البينات التي جاء بها موسى ، ثم تنازل معهم إلى مستوى آخر لا يستطيعون أن يرفضوه إذا هم رفضوا البينات ، فقال لهم {وإن يك كاذباً فعليه كذبه}، أي : فإنكم لا تخسرون شيئاً إذا تركتم موسى وشأنه فيما لو كان كاذباً {وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم}، أي : فإنكم تخسرون كثيراً بتكذيبه ومقاومة دعوته فيما لو كان صادقاً ، فالمنطق الحق يرجح الأخذ باحتمال صدقه على احتمال كذبه ، لأن الأخذ باحتمال الصدق يدفع عنكم احتمالات الخطر دون أن تخسروا شيئاً ، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تخسروا شيئاً ، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تجنوا شيئاً من الربح ، وهذا منطق عقلي يصح الاستناد إليه والاعتماد عليه ، في كل الأمور التي يجد الإنسان نفسه فيها بين موقفين متكافئين نظرياً ، إلا أن الأخذ بأحدهما فيه السلامة بصفة قطعية مع احتمال الربح ، أما الآخر ففيه احتمال عدم السلامة مع الخسارة ، وهذا هو أضعف الأدلة المرجحة .

ويُطرح هذا الدليل عند آخر مرحلة من مراحل النقاش الذي يرفض فيه الملحد أدلة الإيمان الكثيرة ، ويعلن تشككه بها ، أو يطرح في أول مرحلة من مراحل النقاش ، لتوجيه النفس إلى منطقة الإيمان منذ الانطلاقة الفكرية الأولى ، ثم تطرح من بعده الأدلة والبينات الأخرى ، فهو إما دافع إلى النقلة الأولى التي تتجاوز منطقة الشك المطلق ، وإما ممسك بالنفس في منطقة الإيمان قبل أن تنزلق إلى منطقة الشك المطلق .

ولست أدري كيف بلغ (العظم) هذا المستوى الذي نراه في كلامه من ضعف الإدراك لأصل الموضوع ، حينما ناقش (جيمس) حول هذا الدليل .

فهو ينقل بعض أقوال (وليم جيمس) ثم يعلق عليها تعليقاً عجيباً ، يدلُّ على ضعف إدراكه للمشكلة ، أو استهانته بقارئي كتابه استهانة بالغة ، إذ يحاول تضليلهم حتى في البدهيات ، انظر هذا المقطع من الصفحتين (76) و(77) من كتابه:

“وهنا يدافع (جيمس) عن نفسه قوله:

1- لا يمكننا أن نعلق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله لأننا بذلك قد نتجنب الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداً ، ولكننا سنخسر فائدة كبرى فيما لو كان موجوداً”.

ويعلِّق على كلام (جيمس) هذا بقوله :

” في الواقع أن (جيمس) يسيء فهم المشكلة : فالمسألة لا تتعلق بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله ، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً . المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الأرباح والخسائر ، ولا علاقة لها بعقلية الرهان والمجازفة . المشكلة بكل بساطة هي : هل القضية “الله موجود” قضية صادقة أم كاذبة ، أم أن صدقها جائز جواز كذبها ، وليس لدينا أدلة أو بينات ترجح أياً من هذين الاحتمالين على الآخر؟ يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال ، لا مع حساب الخسائر والأرباح”.

يا عجباً له ولهذا المنطق الأعور ، من منهما يسيء فهم المشكلة (جيمس) أو (العظم)؟

كيف لا تتعلق المشكلة بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله ، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً ؟

إنها مشكلة وجودي وحياتي وسعادتي ومستقبلي ، أفلا أبحث عنها ؟ أفلا أضعها في الحساب؟ أفأعرض وجودي كله وسعادتي كلها للخطر ، دون أن يكون لي في الموقف الذي أتخذه أي ربح ، أو أية فائدة؟

هل أتعامل مع أرقام في مسألة رياضية لا علاقة لي بها؟

إنها قضية حياة ، قضية سعادة ، قضية مصير ، إن اللعب فيها لعب بالنار .

هل يفعل (العظم) مثل هذا في مشكلاته الحياتية المصيرية ، من أمور معاشه أو صحته ومرضه أو سلامته وتهلكاته أو تجارته واستمثاراته؟ أو نحو ذلك .

إنه هو الذي يسيء فهم المشكلة ، أو هو الذي يفسد تصويرها ، لتضليل المراهقين فكرياً ونفسياً.

حينما حاول تحديد المشكلة أخذ يهرف في تصويرها ، كأنها قضية لا علاقة للباحث بها من قريب ولا من بعيد ، فقال :

“المشكلة بكل بساطة: هل القضية (الله موجود) قضية صادقة أم كاذبة؟ أم أن صدقها جائز جواز كذبها؟”.

ثم قال:

“يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال ، لا مع حساب الأرباح والخسائر”.

فمن أين له أن يلقي هذه التقريرات المخالفة للحقيقة وللبديهة العقلية دون أي دليل؟ أهو يبحث عن قضية في مجاهيل الجزر البحرية التي لا علاقة له بها؟ حتى يقرر أن المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الخسائر والأرباح .

يبدو أنه قد بلغ من السخف الفكري مداه ، حين انتقد (وليم جيمس) في ترجيحه جانب الإيمان على جانب الإلحاد ، بمرجِّح احتمال الربح الذي لا يقابله احتمال خسارة ، بينما رجح (العظم) جانب الإلحاد بدون مرجح مطلقاً ، مع قيام مرجح احتمال الخسارة في جانب الإلحاد ، ومرجح احتمال الربح في جانب الإيمان ، وكلاهما لصالح قضية الإيمان ، إلا أنه ألغاهما من الحساب اعتباطاً وحماقة ، وزعم أنه لا علاقة لهما أصلاً بالقضية .

أليس هذا تضليلاً يمكن أن يدركه أي ناظر بالبداهة؟

لقد حاول (العظم) طمس جوانب المنطقية في دليل (جيمس) بالمراوغة والمغالطة ، وتصدى لنقد أصوله المقبولة فكرياً بسفسطات مرفوضة بداهة .

لقد كان (جيمس) منسجماً مع المنطقية السليمة ، ومع البحث عن سلامته وسعادته ومصيره ، على فرض أنه لا توجد إثباتات كافية أو بينات علمية تبرهن على وجود الله أو عدم وجوده ، فقد رأى أن الأخذ بجانب الإيمان أرجح ، استجابة لنداء الفطرة من جهة ، وطلباً للسلامة من جهة أخرى ، وذلك لأن تعليق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله جُلُّ ما فيه أنه قد يُجَنِّبُ الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداًَ ، لكنه يوقع في خسارة عظيمة (هي الشقاء الأبدي) فيما لو كان موجوداً ، فهل يجازف العاقل بحياته وسعادته الأزلية دون مقابل ، ولمجرد وقوف جامد حائر .

أما اختيار سبيل الإنكار والكفر بالله فإن (جيمس) يراه اختياراً متعنتاً لجانب لا دليل عليه مطلقاً ، وليس فيه استجابة لنداء الفطرة ، وفيه مخاطرة حمقاء توقع الإنسان في احتمالات خسارة كبرى وشقاء أبدي .

أما (العظم) فمنهجه السوفسطائي الديماغوجي اللامنطقي أن يبيح لنفسه أن يقول ما يشاء ، دون ضابط عقلي أو علمي أو أخلاقي .

فالحقيقة الظاهرة يقول عنها دون مبالاة أو اكتراث : إنها غير موجودة .

والأوهام المفتراة يقول عنها بجزم وتأكيد : إنها حقائق ثابتة .

ومنهجه الجدلي أن يبيح لنفسه أن يغالط كما يشاء ، وأن يزيف أي شيء يريد تزييفه ، وأن يلبس أثواب الزور ، فيرتدي أردية البحث العلمي ، وكلامه مناقض للبحث العلمي ، ويحمل شعار الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد ، وهو في حرب ضروس ضد الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد وسائر الأخلاق والقيم .

انظر هذا المقطع الثاني من نقده لبحث (وليم جيمس) لترى ما حشر فيه من مغالطات ، يقول في الصفحة (77) من كتابه:

“2- يقول جيمس في دفاعه عن نفسه: إن الإنسان الذي يعلق الحكم في موضوع وجود الله يرضخ بذلك إلى تخوفه من الوقوع في الخطأ والوهم ، بينما كان الأحرى به أن يعتقد بوجوده تمشياً مع أمله في أن يكون اعتقاده صادقاً”.

ويعلق العظم على قول (جيمس) هذا بقوله:

“ولكن جيمس مخطئ ، لأن خوفنا من الوقوع في الخطأ أهم بدرجات من أملنا في العثور على الحقيقة ، أو من رجائنا في أن يكون اعتقادنا صادقاً”.

هكذا يقرر(العظم) ثم يأتي بما زعم أنه دليل ، ولكنه لو لم يأت به لكان أستر له ، إنه يقول في دليله الذي ساقه:

“ذلك لأن عدد الأخطاء التي يمكن أن نقع بها غير متناه ، أما الحقيقة فواحدة ، وبما أن احتمالات الوقوع في الخطأ أكبر بكثير من احتمالات العثور على الحقيقة ، أو احتمال الوقوع على الاعتقاد الصادق ، لذلك يضطر الإنسان لأن يضع ضوابط صارمة وحازمة في بحثه عن المعرفة ، أملاً منه في أن يخفض احتمالات الخطأ إلى أقل حد ممكن . وبالرغم من ذلك يظل عدد هذه الاحتمالات مخيفاً”.

ولا بد أمام هذا الكلام (العظمي) من إلقاء ضحكة سخرية ، وذلك لأنه وضع الأشياء التي في غير مواضعها ، وذكرني بقصة طالب غبي يحفظ بعض المسائل النحوية والصرفية واللغوية ، سأله الممتحن أول ما سأله ما اسمك؟ فقال له : الاسم على أقسام: منه علَمَ ، والعلم مرتجل ومنقول ، وهو علم شخصي وعلم جنسي ، ومنه معارف أخرى غير علم ، ومنه نكرة ، والنكرة قد تكون اسم جنس ، وقد تكون اسم جنس جمعي ، وفي باب النداء قد تكون النكرة نكرة مقصودة ، وقد تكون نكرة غير مقصودة ، ومعاجم اللغة قد جمعت المفردات اللغوية وبينت معانيها ، سواء ما كان منها اسماً أو فعلاً ، وفيها مئات الألوف من الكلمات ، وسار على هذا المنوال في السرد الغبي .

و(العظم) ظن نفسه في مثل صحراء واسعة يبحث فيها عن دينار ، واحتمالات الخطأ فيها لا نهاية لها ، ونسي أنه في موضوع يتردد بين احتمالين فقط ، لا ثالث منهما ، أحد هذين الاحتمالين هو أن الله موجود وحق ، والاحتمال الثاني هو الاحتمال المناقض له ، ولا شيء وراء هذين الاحتمالين ، فالقضية كمن جاءنا فقال : في وسطي حزام ناسف ، وهنا لا بد أن نكون أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما أن نرجح احتمال الصدق فنأخذ حذرنا ، وإما أن نرجح الاحتمال الآخر فنورط أنفسنا في احتمال الخطر .

و(جيمس) رجح احتمال الإيمان على نقيضه فقط ، وليس على احتمالات لا حصر لها .

فمن أين (للعظم) أن يغالط هذه المغالطة المفضوحة؟

من أين جاء بقصة عدد الأخطاء التي لا نهاية لها في موضوع ليس فيه إلا احتمالان متناقضان فقط؟

إنها قصة في البحث العلمي ، ولكن ليس هذا مكانها ، إنه يضع الأشياء في غير مواضعها ، إما على سبيل الجهل واختلال الموازين المنطقية لديه ، وإما على سبيل المغالطة واستغفال القارئ والتغرير به ، ولكن أي قارئ حصيف قادر على كشف هذا الزيف الذي صنعه .

وبعد هذا التزييف المقصود الذي أراد به السفسطة والمخادعة ، ظن أنه ملك ناصية حجة متينة وبلغ ما يريد من تهديم للأبنية الفكرية الإيمانية فقال في الصفحة (77).

” لا شك إذن أنه – خلافاً لرأي جيمس – من الحكمة أن نخاف من الوقوع في الخطأ أكثر بكثير من أن نتسرع في الانصياع مع أملنا في العثور على الاعتقاد الصحيح والصادق ، خصوصاً قبل تصفية احتمالات الخطأ إلى أدنى حد ممكن ، عن طريق التفكير العلمي ومنهجه المعروف “.

وهنا نلاحظ أنه قد يكون دارساً لمنهج التفكير العلمي ، ولكن لا يعرف مواضع تطبيقه ، والأعجب من ذلك أنه يأخذ لنفسه بالاحتمال المقابل ، دون أن يناقش نفسه بما ناقش به (جيمس) ، وهذا يدل على أنه يغالط ويراوغ ،ويجادل بالباطل .

لقد أثبت هذا الملحد على نفسه وعلى طرائق الملحدين صوراً فيها الكثير مما يضحك العقلاء ، إن كان يستهين بمنطق القراء ومدى ثقافاتهم فليعلم أن صغار المثقفين الإسلاميين قادرون على كشف مغالطاته وتزييفاته .

لقد تجاوز في صنيعه قواعد التفكير العلمي ومنهجه المعروف ، ومشى في صحرائه التائهة يتغنى بقول الشاعر:

سارت مشرِّقة وسرتُ مغرباً *** شتان بين مشرِّق ومغرِّب

ثم بعد أن ظن أنه قد قرر النتيجة المفحمة قال :

” حتى لو كان الاعتقاد الذي تقبلناه عن طريق العاطفة والميول صادقاً وصحيحاً بمحض المصادفة ، فلن يكون له قيمة ، لأن شأن هذا الاعتقاد هو كشأن الوصول إلى المال عن طريق السرقة ، عوضاً عن طريق العمل الشريف . أي : إننا وصلنا إلى هذا الاعتقاد الصادق بطريق غير مشروعة ، ولا يمكننا أن نقيم مبادئ عامة للوصول إلى آراء مدروسة على أساس المصادفة “.

ونحن لا نريد أن نعلق على هذه المناقشة الضعيفة الواهنة كثيراً ، لأن موضوعنا لا يهمنا ، باعتبار أن قضية الإيمان بالله وتعالى وبما جاءنا عنه ، هي بالنسبة إلينا قضية علمية ، توصلنا إليها بالمنطق السليم ، والحجة الدامغة ، والبرهان القاطع ، ولا شأن لنا بمن أنكرها أو أغمض بصيرته عنها .

ولكن ننتقد هذه المناقشة من وجهين:

الأول: ما أسماه بالمصادفة التي قد توصل الإنسان إلى الاعتقاد الصحيح الصادق ، قد شبهه بكسب المال عن طريق السرقة ، عوضاً عن طريق العمل الشريف ، وكان منطق التشبيه يقضي عليه بأن يشبهه بالعثور على منجم في جبل ، أو لُقَطَةٍ في صحراء ، أو كنز لا مالك له .

على أن القضية بالأساس ليست من قبيل المصادفة ، إنما هي من وجهة نظر (جيمس) ترجيح قائم على نظر صحيح ، يحق للإنسان معه أن يتخذ مذهباً .

يضاف إلى هذا أن الإلحاد الذي تمسَّك به (العظم) وأضرابه ، هو الذي يصح أن يوصف بأنه عمل غير مشروع ، إلا سند لمذهب الإلحاد مطلقاً ، فلا يوجد دليل ولا شبه دليل يدعمه ، بل فيه رفض لأدلة الإيمان المثبتة ، أو لأدلته المرجَّحة على أدنى المستويات ، كالدليل الذي اعتمد عليه (جيمس).

الثاني: كان الأحرى بالعظم أن يطبق على مذهبه الإلحادي قوله:

“ولا يمكننا أن نقيم مبادئ عامة للوصول إلى آراء مدروسة على أساس المصادفة”.

إنه يمنع الأخذ بالمصادفة في مجال البحث النظري للوصول إلى أفكار صحيحة ، ويقبل مبدأ وجود الأحداث الكونية وتغيراتها وقوانين الطبيعة كلها والإنسان وعقله الذي يفكر فيه على أساس المصادفة .

هذا مع أننا من وجهة نظرنا الإسلامية لا نقبل أن تكون المصادفة أساساً لإقامة عقائد وآراء ومفاهيم ، ولا لقيام أحداث كونية كبرى ذات نظم محكمة ، وقوانين ثابتة ، ومن عثر مصادفة على رأي صحيح أو اكتشاف علمي ، فإننا لا نقبله منه ما لم يدعمه بعد المصادفة بالأدلة الكافية ، أو بالتجربة الصحيحة القابلة للإعادة والتكرار .

ثم يختم (العظم) نقده لبحث (وليم جيمس) بقوله:

“في معرض نقدنا لرأي (جيمس) يجب أن نذكر أن المفكر الذي لا يعتقد بوجود الله ، أو يعلق الحكم حول الموضوع بأسره ، قد لا يفعل ذلك من جراء تكوينه العاطفي ، باعتبار أنه ربما كان بطبيعته العاطفة أميل إلى الاعتقاد منه إلى الرفض . إنه يفعل ذلك لأن القناعات الفكرية التي تشكلت لديه على أسس علمية واضحة لا تسمح له بأن يعتقد بوجود الله دون أن يقع في تناقض ذاتي ، ودون أن يضحي بوحدة تفكيره ومنطقه”.

في كلامه هذا اعتراف ضمني بدليل الفطرة التي تهديه وتنزع به إلى الإيمان (فطرة الله التي فطر الله عليها) ولكنه يكبت فطرته بأوهام الجحود والإنكار ، وبما أسماه من قناعات ، وهي لا تزيد على أنها مواقف عنادية ، مشحونة بالأكاذيب والمغالطات والسفسطات الجدلية . ففي كل أقواله وجدلياته ، وفي كل ما ساقه من أقوال لأساتذته ، لم نجد ما يولِّد أية قناعة لباحث عن الحقيقة صادق في بحثه .

والسفسطة والمغالطة والكذب لا تشكل له عذراً مقبولاً بين يدي ربه ، حينما يأتي ذليلاً حقيراً لا يملك شيئاً .

أما زعمه بأن المؤمن بالله لا تسمح له القناعات الفكرية بأن يعتقد بوجود الله دون أن يقع في تناقض ذاتي ، ودون أن يضحي بوحدة تفكيره ومنطقه ، فزعم لم يقم عليه دليلاً في كل ما كتب ، وإنما ألقاه كلاماً تقريرياً خالياً من أية حجة صحيحة ، وما ساق من جدليات مختلفة لم يحتوِ على شيء مما يدعم بصدق هذا الزعم ، أو يقدم لصاحبه عذراً فكرياً مقبولاً عند الله أو عند العقلاء من الناس .

ثم لا يقتصر على الاعتراف الضمني بوجود الفطرة النزاعة إلى الإيمان ، بل يرتقي إلى الاعتراف الصريح بوجود الشعور الديني في الفطرة الإنسانية ، ولكنه لا يحاول أن يجد طريقاً لتنفيس هذا الشعور وتلبيته بألوان من التعويض الذي لا يسد مسداً صحيحاً ، أو بلون من ألوان الوثنية .

يقول في الصفحة (78) من كتابه:

” هذا لا يعني أنني أريد نسخ الشعور الديني في تجارب الإنسان من الوجود “.

أي : ما سبق في كلامه من توجيهه حربه الشعواء على الدين ، لا يعني أن الشعور الديني غير موجود بصفة أصيلة في الفطرة الإنسانية بل هذا الشعور موجود ، وهو ينزع في داخل النفس الإنسانية نزوع الدوافع الفطرية الأصيلة ، التي تتطلب تلبية نفسية وروحية ومادية ، وتلبية هذا الشعور يكون بالإيمان والعبادة .

لكن (العظم) يعترف بوجود هذا الشعور الديني ، ويحاول عزله عن التلبية الصحيحة ، إذ يُغرية بأوهام لا تُلبي دوافعه تلبية صحيحة ، فيصرفه عن عبادة الله الحق إلى أوهام عبادات وثنية مختلفة يخترعها له ، كعبادة الجمال ، أو عبادة البحث عن الحقيقة ، أو عبادة الأهواء والشهوات ، أو عبادة مطالب الحياة والأعمال المؤدية إليها ، ويلحق بذلك عبادة القادة والأسياد ، وعبادة الأحزاب ، وعبادة الشياطين .

وفي هذا يقول متابعاً كلامه:

“يجب تحرير هذا الشعوب الديني من سجنه ، ليزدهر ويعبر عن نفسه بطرق ووسائل مناسبة للأوضاع والأحوال التي نعيشها في حضارة القرن العشرين . لذلك علينا أن نتنازل عن الفكرة التقليدية القائلة بوجود شيء كحقيقة دينية خاصة ، وأن نوجه اهتمامنا نحو الشعور الديني المتحرر من هذه الأعباء والأثقال”.

إنه بهذا يريد أن يُرجع الناس إلى الجاهلية الأولى ، وإلى عبادة الأوثان ، وبعد أن حاول صرف الشعور الديني عن الله جلَّ وعلا ، وتوجيهه للوثنيات المادية والخيالية قال:

“وقد يتمثل الشعور الديني بهذا المعنى في موقف الفنان من الجمال ، أو في موقف العالم من البحث عن الحقيقة ، أو في موقف المناضل من الغابات التي يعمل لتحقيقها ، أو في موقف الإنسان العادي من أداء واجباته الحياتية واليومية”.

لقد كان بإمكانه أن يعبد الله وحده وهو في هذه المواقف كلها ، لأن عبادة الله بمعناها الواسع تتمثل في كل عمل أو تصور أو عاطفة ،مما أذن الله به إذا ابتغى به الإنسان مرضاة الله تعالى ، لكنه – وكذلك سائر الملحدين – يكرهون الخضوع لمن خلقهم ، ويلذ لهم أن يخضعوا لخلقه .

إن الدين ومشاعره والدوافع إليه حقائق مغروزة في الفطرة الإنسانية ، لا يملك أي إنسان نسخها من الواقع الإنساني ، مهما حاول التضليل في الأمر ، وفي حال كبتها يعيش الإنسان ضائعاً قلقاً مضطرب المشاعر ، ذا حاجة أصيلة في نفسه ، وهذه الحاجة محرومة من التلبية الصحيحة .

في كل إنسان إحساسات فطرية صادقة ، تنزع به إلى الإيمان بوجود خالق لهذا الكون كله ، ومشاعر فطرية صادقة تتوجه نحو هذا الخالق العظيم بالدعاء ، وبطلب المعونة والإمداد الدائم ، وتتوجه إليه بالخشوع والإجلال والحب ، وحاجات فطرية أصيلة لعبادته والتماس الصلة به ، وهذه الإحساسات والمشاعر الفطرية تشترك بالإحساس والشعور بها جميع الخلائق المدركة ، على اختلاف نزعاتها ، ومستويات ثقافاتها ، في البيئات البدائية ، وفي المدن المتحضرة ، وفي منتديات المثقفين ، وفي قاعات العلوم والفنون والمختبرات .

إنها صبغة الله ، وفطرته التي فطر الناس عليها ، هذه حقيقة بيَّنها الله بقوله في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ}

وبقوله في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

ولكن قد نجد هذه الفطرة مغشى عليها في نفوس بعض الملحدين ، ولهذا الغشاء سبب ، فالفطرة هذه لا تنطمس إلا في نفس من بالغ في الانحراف من الناس ، بدافع غير أخلاقي ، كالكبر والعناد ، أو الرغبة بالفجور ، والانطلاق في الأهواء والشهوات ، مع التهرب من مشاعر العدالة الإلهية ، وملاحقة الضمير الديني للسلوك . أو في نفس مُضلَّلٍ لعبت بأفكاره وعبثت بشهواته شياطين الإنس ، من ذوي المصلحة الأساسية في نشر الإلحاد والكفر بالله في الأرض . ولكن المشاعر الفطرية لدى هؤلاء وأولئك تظل مكبوتة محرومة من التلبية وتنفيس الكرب الذي يتولد عن الكبت ، ثم تحاول التنفيس بطرق غير طبيعية ، وهذا التنفيس يظهر في صورة هيستيريا عصبية انفعالية ، مع الفن تارة ، ومع الخمر والمخدرات تارة أخرى ، ومع الانتحار أحياناً ، ومع (الهيِّيَّة) أحياناً أخرى ، وفي جنون الحرب ، وفي جنون الانعزالية والانطوائية ، وفي جنون العظمة وادعاء الربوبية ، إلى غير ذلك مما لا يحصى.

ومع ذلك فإن هذه الفطرة فقد تتيقظ في نفوس أعتى الكفرة والملاحدة المجرمين ، وذلك حينما تشتد عليهم مصائب الحياة ، ويقعون في مخاطر محدقة بهم ، ولا يجدون وسيلة مادية لدفعها ، وهذا ما حصل لفرعون حينما أدركه الغرق فقال : “آمنت برب موسى وهارون آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل”.

وهذه صورة تتكرر في حياة الإنسان ، كلما أحاطت به شدة لا يجد وسيلة مادية لتفريجها ، وقد كشف الله عنها بقوله في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

{وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً}

وكشف عنها سبحانه بقوله في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }.

هذا هو واقع الفطرة الدينية في النفوس الإنسانية ، إلا أن الملحد (العظم) حاول تحويل هذه الفطرة عن الإيمان بالله وعبادته ، إلى الإيمان بالمادة وعبادتها ، بتوجيه المشاعر الدينية الفطرية نحوها ، فبعد أن قال:

“لا أريد نسخ الشعور الديني في تجارب الإنسان من الوجود”.

قال:

“ولكن أرى من الضروري التمييز بين الدين وبين الشعور الديني ، ذلك الشعور المسحوق تحت عبء المعتقدات الدينية التقليدية المتحجرة ، وتحت ثقل الطقوس والشعائر الجامدة”.

يبدو أنه يلقي ما في فكره ونفسه من تحجر وجمود على المعتقدات الإسلامية والشعائر الدينية ، حسبه جموداً وتحجراً أنه يرفض الحق المدعم بالأدلة الواضحة ، ويكابد ويكدح وراء أوهام وخيالات لا دليل عليها .

يريد أن يجعل بدل الصلاة مثلاً (رقص الباليه) ، وبدل الحج إلى بيت الله الحرام الحج إلى محنط (لينين)، وبدل ارتياد المساجد ارتياد المواخير والحانات ، وبدل عبادة الله عبادة الأوثان والأشخاص ، ليتخلص من الشعائر الدينية الجامدة بزعمه .

وإنني غيرة عليه – وعلى كل كافر بالله ملحد – أنصحه بأن يرتدع عن غيه ، قبل أن ينزل الله به نقمته ، ببلاء لا ينقذه منه أحد إلا الله .

إن ربك لبالمرصاد ، وإنه لشديد العقاب ، وإنه سبحانه يمهل ليفتح طريق الرجعة إليه والتوبة والاستغفار ، ولا يهمل ، إنه يملي للكافرين ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وليسمع قول الله تعالى في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}.

وقوله سبحانه في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):

{فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}.

* * *

الفصل السادس

صراع من أجل قضية الإيمان باليوم الآخر

والفكر الدّيني الصّحيح حَوْلها

( 1 )

اعتمد الناقد (د. العظم) في إنكار الآخرة ، والبعث بعد الموت للحساب والجزاء على أقوال (برتراند رسل)[13] ، وزعم أن أقواله تلخيص للنظرة العلمية حول هذا الموضوع ، مع أن (رسل) لم يقدم في كلامه إلا مجرد النفي الذي لا تدعمه أدلة علمية ، ومعلوم أن النفي المجرد عن الأدلة المصححة للنفي يستطيع أن يفعله أي إنسان ، إذ يستطيع أن ينفي به أية حقيقة من الحقائق ، فهو لا يكلف صاحبه إلا أن يقول : (لا)، أو يرفع رأسه إلى أعلى إشارة للنفي ، لكنه بذلك يخسر أصل إنسانيته التي زانها العقل السليم ، والمنطق المحاكم للأمور بميزان مستقيم .

قال (العظم) في الصفحة (27) من كتابه:

“وفي مناسبة أخرى عندما سئل (رسل) : هل يحيى الإنسان بعد الموت؟ أجاب بالنفي ، وشرح جوابه بقوله: عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت . فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت – يبدو لي – بدون أي مرتكز أو أساس علمي . ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت . لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكنُّ لهم الحب يعطينا أكبر العزاء عند موتهم ، ولكنني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا ، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفنا وآمالنا ، ولا أحسب أنه من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية”.

لا بد أن نضع هذا الكلام للفيلسوف الإنكليزي الملحد تحت مناظير البحث المنطقي والعلمي ، لنرى قيمته من الوجهة العقلية والعلمية .

ليس غريباً على (رسل) بعد أن اختار سبيل الإلحاد بالله ، واعتبار الكون ظاهرة مادية بحتة ، على خلاف ما قدمته الأدلة العلمية والعقلية في هذا المضمار ، أن يصعب عليه – في الإطار المادي البحت – اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت .

وليس غريباً عليه بعد ذلك أيضاً أن لا يجد لعقيدة الحياة بعد الموت ، وعقيدة الدار الآخرة للحساب والجزاء ، مرتكزاً علمياً يستند إليه .

نعم ، إن من ينكر حياة كائن ما بغير دليل يجد من الصعب عليه أن يكتشف المبرر العقلي لوجود إرادة لهذا الكون ، لأن إرادته فرع لتصور حياته ، وبعد إنكار الأصل يكون إنكار الفرع شيئاً طبيعياً ، ومذهباً سهلاً ، لكن هذا الإنكار لا يعبر عن الواقع بحال من الأحوال .

إن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء في دار غير هذه الدار قضية خبرية ، أي : ذات مستند خبري ، وليست قضية عقلية بحتة حتى نَبْحث في نطاق العقل عن دليل يدلُّ عليها دون الاستناد إلى الإيمان بالله . فلو أن عالماً من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان بري غريب رآه بعينيه ، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له ، ثم جاء سمَّاك فقال : لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم ، لما كان كلامه أكثر سقوطاً من ناحية الاستدلال العلمي والعقلي من كلام (رسل) إذ أنكر وجود الحياة بعد الموت ، في ظروف غير ظروف هذه الحياة الدنيا ، على الرغم من أن هذا الرجل فيلسوف وعالم واسع الاطلاع ، إلا أن الهوى قد يحوّل عقل الفيلسوف الكبير إلى عقل السمّاك .

لقد أراد (رسل) أن يخضع الدار الآخرة والحياة الأخرى للمقاييس التجريبية التي تخضع لها ظواهر هذا الكون المادية ، في ظروف الحياة الدنيا التي نعيش الآن فيها ، مع أن الدار الآخرة والحياة الأخرى لا تخضع بطبيعتها لهذه المقاييس .

إن (رسل) بقياسه هذا يشبه من يزن الضغط الجوي بميزان البقال ، أو يزن الكثافة بميزان الحرارة ، أو قيس مقدار الذكاء بمساحة الجمجمة ، أو يزن بحور الشعر بالسانتمتر .

ما هو مبلغُ إنكار أي فيلسوف من الصحة إذا هو أنكر قراراً أصدرته دولة كبيرة قادرة ، بأنها ستنشئ في برنامج خطتها لربع قرن مدينة نموذجية بديعة جداً ، لا تُسكن فيها إلا الطبقة الصالحة الراقية من شبعها ، وستنشئ سجوناً إصلاحية أو تأديبية تخصصها للجانحين والخارجين على قوانين الدولة ؟!

فإذا قال فيلسوف كبير : لا أجد مبرراً عقلياً أو علمياً يؤكد أن منشأتين من هذا القبيل ستحدثان ، أفيكون كلامه مقبولاً عند العقلاء الذين علموا بقرار الدولة؟

من البدهي أن استدلال (رسل) استدلال غير منطقي وغير علمي ، وكشف هذا الزيف لا يحتاج إلى فلسفة راقية ، وإنما تكفي فيه البديهة العقلية المسلّمة عند جميع العقلاء ، وكان الأولى له أن يبني إنكاره لقضية الحياة بعد الموت والدار الآخرة على إنكاره لخالق الكون ، فبما أنه جحد الأساس الأول فكل ما يأتي عنه من أنباء وأخبار وقرارات وأحكام مرفوض من وجهة نظره ، وعندئذ تكون معالجته من مواقع هذا الأساس ، لا مما يتفرع عنه ويبنى عليه .

واعتباره عقيدة اليوم الآخر والدار الآخرة ناشئة عن الصدى الانفعالي الذي يحدثه الخوف من الموت ، إنما هو ثمرة من ثمرات جحوده للخالق ، وتخيُّله أن هذا الكون كله ، وما فيه من نظم رفيعة معقدة جداً ، وما ظهر فيه من حياة وفكر ، إنما هو نتيجة مصادفات عثرت عليها حركات ذرات الكون العشوائية ، فهذه الحركات العشوائية تولَّد عنها هذا النظام البديع ، وهذا الوجود كله خال من أي أثر لعقل محرِّك ، وحياة ذات إرادة وخلق وتدبير .

فلما كان هذا الكون كله كذلك من وجهة نظره الملحدة الكافرة بالله الخالق المدبر الحكيم ، كان طبيعياً أن لا يجد هذا الكون المادي الجاهل الأعمى الخالي من كل تدبير حكيم عليم مهتماً بالآمال والرغبات التي تقوم في نفوس الناس ، ولذلك قال:

“ولكنني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا ، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفنا وآمالنا”.

وحين نمنع النظر في الواقع والحقيقة نجد أن الملحدين هم الذين يريدون أن يكيفوا الكون وفق رغباتهم وأهوائهم ، وذلك لأن الإيمان بالدار الآخرة والحياة الآخرة إيمان بمحكمة العدل الرباني ، وما تستتبع من جزاء ، وفي هذه المحكمة العظمى يحاكم الناس ويحاسبون على أعمالهم ، والرغبات الإنسانية لو تركت وشأنها لحلا لها أن تتلخص من قانون الجزاء ، حتى تنطلق في تلبية مطالب أهوائها وشهواتها دون أن تقف في طريقها حدود ولا ضوابط ، فقضية الإنكار هي القضية التي تحاول إخضاع الواقع الكوني للأهواء والعواطف والرغبات ، لا قضية الإيمان باليوم الآخر والحياة الآخرة ، وقد كشف القرآن هذه الحقيقة من حقائق نفوس المنكرين ، فقال الله تعالى في سورة (القيامة/75 مصحف/31 نزول):

{بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ}.

وبهذا التحليل يتبين لنا أن الأمر على عكس ما ادعاه (رسل) ، إذ إن عقيدة الدار الآخرة عقيدة قائمة على مفهوم الجزاء والعدل ، والإنسان ميال بأهوائه وعواطفه إلى أن يصرف عن تصوره قانون العدل الإلهي وما يتصل به ، لينطلق في الحياة الدنيا انطلاقاً فاجراً ، دون أن تقف في طريقه تصورات قانون العدل ، لكن الله غير مستعد لأن يغير من سننه وأحكامه ومقاديره القائمة على أسس من علمه وحكمته وعدله ورحمته وفضله ، تلبية لأهواء وشهوات الجانحين الفاجرين .

فما حاول أن يستند إليه (رسل) هو في الحقيقة دليل ضده ، وليس دليلاً له ، هذا إذا قبلنا بالمنهج الذي سلكه في الاستدلال .

على أن مناقشتنا لمنكري الآخرة تغدو عقيمةً ما داموا مصرين على جحود الخالق ، واعتبار أن هذا الكون كله مظهراً لأصل مادي صرف ، ونتيجة لحركات عشوائية قامت بها ذرات هذا الأصل المادي ، جلُّ ما نستطيع أن نناظرهم به هو إمكان العودة إلى الحياة لا لإثباتها جزماً ، وإفساد مذهبهم المادي من أساسه ، بإثبات عالم آخر غير هذا العالم المادي الخاضع للتجربة الحسية ، والقياس بالأجهزة . والأفضل من ذلك العودة إلى مناظرتهم حول الأساس الأول ، وهو قضية الإيمان بالله تبارك وتعالى .

لكنهم متى قبلوا التسليم الكلي أو الجزئي بعقيدة الإيمان بالله تعالى فإننا حينئذ نستطيع أن نجد سبلاً متعددة لمناقشتهم ، ونستطيع أن نقدم لهم المبررات العلمية والعقلية ، التي تدعم قضية الإيمان بالحياة الآخرة والدار الآخرة للحساب والجزاء .

إن الحقائق الكبرى في الوجود تبدأ من منطلق واحد ، وحين يتعذر الاتفاق على هذا المنطلق فإن الاتفاق على ما يبنى عليه أكثر تعذراً ، بل قد يغدو أمراً مستحيلاً .

إن من لا يؤمن أساساً بقانون العدد من الواحد فما فوق من المستحيل منطقياً مناقشته في قواعد الأعمال الحسابية . ومن هو مصاب بعمى الألوان فهو لا يرى أياً منها ويجحدها يستحيل مناقشته في أجمل الألوان وأكثرها إرضاء للذوق . ومن يجحد مبدأ الحق من أساسه يغدو من العبث مناقشته ومناظرته حول حق المال ، أو حق الحياة ، أو حق العرض والكرامة ، أو أي فرع من فروع الحق . ومن يجحد مبدأ الخير والفضيلة من أساسه يستحيل مناظرته حول فروع الخير والفضيلة ،ما لم يكن متناقضاً مع نفسه ، يسلِّم ببعض الفروع دون أن يسلِّم بالأصول وبالفروع الأخرى ، وحينئذ يمكن جذبه عن طريق الإلزام ، ونقله من الفروع التي يسلم بها إلى الأصول ، وهذا من أساليب المناظرة البارعة .

( 2 )

أما الذين يسلِّمون تسليماً كلياً أو جزئياً بعقيدة الإيمان بالله تعالى ، إلا أنهم ينكرون البعث والحياة الأخرى ، أو يشكُّون بذلك ، فإننا نستطيع أن نقيم لهم عدداً من الأدلة ، ونناقشهم بجملة من المناقشات .

ومفتاح الأدلة النظرية لهذا الموضوع موجود في قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ }

إن الوجود الإنساني كله عبر تاريخه الطويل يسمى مسرحية من مسرحيات العبث ، لو أن حياة الإنسان تنتهي كلها في ظروف هذه الحياة الدنيا ، ثم لا شيء وراءها .

أين تحقيق قانون العدل الإلهي في ظروف هذه الحياة الدنيا؟

إنه إذا لم يوجد فيها بصورة مستوفية فلا بد أن يوجد في يوم آخر وحياة أخرى أعدها الله للحساب والجزاء ، وإلا كانت عملية خلق الإنسان على هذا الوجه المقرون بحرية الإرادة للإنسان ، والتي كان من نتائجها تاريخ مشحون بالجرائم والظلم والعدوان والمصائب الكثيرة ، عبثاً من العبث ، وقد تعالى الله الملك الحق ذو الحكمة والعدل والكرم عن ذلك علواً كبيراً ، لا إله إلا هو رب العرش الكريم .

إن المنطق الحق والضمير النقي ليشعر بداهة – ولو لم تتنزل آيات الوعد والوعيد ، وأنباء اليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء – بأن مرحلة حياتية غير هذه المراحل لا بد أن يتم فيها تحقيق العدل الإلهي ، ولا بد أن يلاقي الناس فيها جزاء أعمالهم ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، ولئن كنا نشاهد أن بعض تطبيقات العدل الإلهي جارية في ظروف هذه الحياة الدنيا ، ضمن سنن الله الثابتة ، فإن الصورة الكاملة للعدل غير مستكملة في هذه الحياة ، ولذلك كانت الضرورة الأخلاقية والإيمانية تقضي بأن نفهم أن الله قد أعدَّ ظروف حياة أخرى غير هذه الحياة ، لإقامة عدله سبحانه .

وقد تأمل كثير من أهل الفكر والنظر في ظروف هذه الحياة الدنيا دون ملاحظة الآخرة وما فيها من جزاء ، فرأوا أن تاريخ الإنسان فيها صور للجرائم والمصائب وتهريج لا جدوى منه ، وسجل للجرائم والحماقة وخيبة الأمل ، وقصة لا تعني شيئاً ، ونحو ذلك.

قال فولتير: “إن التاريخ الإنساني ليس إلا صورة للجرائم والمصائب”.

وقال هربرت سبنسر: “إن التاريخ تهريج وكلام فارغ لا جدوى منه”.

وقال إدوارد جين: “إن تاريخ الإنسان لا يعدو أن يكون سجلاً للجرائم والحماقة وخيبة الأمل”.

وقال نابليون: “إن التاريخ بأكمله عنوان لقصة لا تعني شيئاً”.

وقال هيكِل: “إن الدرس الوحيد الذي تعلمته الحكومة والشعب من مطالعة التاريخ هو أنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئاً”[14].

ويعلِّق المفكر الإسلامي (وحيد الدين خان) في كتابه “الإسلام يتحدى” على هذه الأقوال بعد أن أوردها ، فيقول:

“وهل قامت مسرحية العالم كلها لتنتهي إلى كارثة أليمة؟ إن فطرتنا تقول: لا .. فدواعي العدالة والإنصاف في الضمير الإنساني تقتضي عدم حدوث هذا الإمكان ، لا بد من يوم يميز بين الحق والباطل ، ولا بد للظالم والمظلوم أن يجنيا ثمارهما ، وهذا مطلب لا يمكن إقصاؤه من مقومات التاريخ ، كما لا يمكن إبعاده عن فطرة الإنسان .

إن هذا الفراغ الشاسع الذي يفصل ما بين الواقع والفطرة يقتضي ما يشغله . إن المسافة الهائلة بين ما يحدث وبين ما ينبغي أن يحدث تدل على أن مسرحاً آخر قد أعدَّ للحياة ، وأنه لا بدَّ من ظهوره ، فهذا الفراغ العظيم يدعو إلى تكميل الحياة …

إذا لم تكن هناك قيامة فمن ذا الذي سوف يكسر رؤوس هؤلاء الطواغيت الطغاة؟”.

والواقع أن هذه المشاعر مشاعر فطرية ونظرية لا تنكر ، وهي الهادية إلى تصور الحياة الأخرى لإقامة العدل الإلهي الأكمل .

من هذه النظرات تبين لنا أن مفتاح الدليل النظري لقضية الإيمان بالآخرة وما فيها من جزاء قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}.

وقد اهتدينا من هذا المنطلق الفكري الذي نبه عليه مفتاح هذا الدليل النظري إلى أن الإيمان بالآخرة ضرورة أخلاقية ، تقتضيها مفاهيم العدل الإلهي والفضل الإلهي .

ومعلوم أن العدل الإلهي والفضل الإلهي من الأسس المرتبطة جذرياً بعقيدة الإيمان بالله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العظمى .

وهذا الدليل النظري القاضي بأن الإيمان باليوم الآخر ضرورة أخلاقية ، تقتضيها مفاهيم العدل والفضل الربانيين ، قد أعطانا القرآن الكريم عدة مفاتيح إليه ، فمن أحسن فهم هذه المفاتيح ، وأدرك العلاقة بينها وبين أبوابها النظرية وما ترشد إليه ، استطاع أن يجد الدليل العقلي الذي يدلّه على أن من القضايا الحتمية في الوجود قضية اليوم الآخر ، لإقامة الجزاء الحق ، وتحقيق صفتي العدل والفضل من صفات الله التي قامت عليها براهين العقل .

هذا إنما يظهر في مفاهيم من استطاع أن يتوصل إلى الإيمان بالله وصفاته بالأدلة العقلية والعلمية ، وتابع نظره مشوقاً لبلوغ الحقيقة ، ولم تقف في نفسه عوائق التعصب أو عوائق الرغبة بالفجور .

ولدى تتبُّع المفاتيح القرآنية لهذا الدليل النظري نستطيع أن نظفر بمجموعة من النصوص منها:

( أ ) قول الله تعالى في سورة (القلم/68 مصحف/2 نزول):

{أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}

(ب) وقول الله تعالى في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):

{أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}

(ج) وقول الله تعالى في سورة (القيامة/75 مصحف/31 نزول):

أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ }.

( د ) وقول الله تعالى في سورة (ص/38 مصحف/38 نزول):

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }.

( و ) قول الله تعالى في سورة (الدخان/44 مصحف/64 نزول):

{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }

فهذه النصوص القرآنية مفاتيح تفتح أمام الفكر الإنساني الذي آمن بالله الخالق أبواب الدليل النظري ، الذي يجعل قضية الإيمان باليوم الآخر قضية حتمية في مدركات العقل الصرف بعد الإيمان بالله جلَّ وعلا .

وذلك لأن من آمن بالله الخالق عن طريق النظر الفكري في آثار صنعته في الكون وفي الأنفس ، فإنه لا بد أن يهتدي إلى كمال صفاته جلَّ وعلا ، ومنها علمه وقدرته وحكمته وعدله ، وهذه الصفات لا بد أن تهدي الباحث المؤمن بالله إلى أن الله لم يخلق هذا الكون وما فيه ليكون مسرحية من مسرحيات اللعب أو اللهو والعبث الباطل ، وإنما خلقه لغاية ، يعرف الإنسان في حدوده من هذه الغاية ، أن الله قد خلقه مزوداً بخصائصه ليمتحنه في ظروف هذه الحياة الدنيا ، وليبلو إرادته ، ولكل امتحان نتيجة وغاية ، وإذ لم تظهر هذه النتيجة والغاية في ظروف هذه الحياة الدنيا ، فلا بد أن يكون العليم القادر الحكيم العدل قد ادَّخر إظهار هذه النتيجة والغاية وتحقيق مقتضياتهما إلى حياة أخرى ، هذا ما توجبه نظرياً مقتضيات العقل السليم والفهم المستقيم .

فلولا ترتيب يوم الدين هذا في هذا الوجود ، لكان خلق هذا الكون وفق ظروفه الحالية مظهراً من مظاهر اللعب أو اللهو والعبث الباطل .

لكن الله العليم الحكيم القادر لا بد أن يكون منزهاً عن اللهو واللعب والعبث ، إن أعماله كلها هادفة لحكم عظيمة وغايات جليلة ، قد ندرك طرفاً منها ويخفى عنا منها الكثير .

ولذلك رأينا في النصوص القرآنية أن الله تبارك وتعالى قد نفى عن أفعاله اللهو واللعب ، فذلك لا يليق بكمال صفاته سبحانه .

فحينما يجعل الفيلسوف الملحد (برتراند رسل) هذا الكون كله مسرحية من مسرحيات اللهو والعبث ، فإنما يخالف في ذلك مقتضيات المنطق السليم والجدية المهيمنة على هذا الكون ، وقد جره إلى ذلك إنكاره وجود الخالق ، واعتباره الكون كله ظاهرة للحركة العشوائية التي قامت بها مادة الكون الأولى في سحيق الأزمان ، وأنتج ذلك عنده أنه ليس لهذا الكون غاية مرسومة ، ولا حكمة مقدَّرة ، وأنه عبث من عبث المادة التي لا حياة فيها . ونسي أنه لا شيء في هذا الكون المدروس متسم باللعب واللهو والعبث ، وأن كل شيء فيه خاضع لقوانين جادة صارمة ، ولسنن ثابتة قاسية .

ألم يخطر في ذهنه أن هذه الجدية الظاهرة في كل شيء من هذا الكون المدروس لا بد أن تلازمه وتصاحبه إلى ما وراء المجال المدروس منه؟

إن هذه الجدية الملاحظة في الكون لا تدع مجالاً لتصوُّر اللعب واللهو والعبث . وفي اللحظة التي تسقط فيها تصوُّرات اللعب واللهو والعبث عن هذا الكون تبدأ التصورات الصحيحة الباحثة عن الغايات التي تهدف إلهيا المقادير العظمى . وهذا هو مفتاح النور لإدراك الحقيقة الدينية التي لم يرد الملحدون أن يدركوها تعنتاً وعناداً واستكباراً ورغبة بالفجور ، ولذلك أنكروا الامتحان والجزاء واليوم الآخر ، بعد أن جحدوا الخالق جلَّ وعلا ، وربما جحدوه لأنهم أرادوا أن يبعدوا عن تصورهم قانون الامتحان والجزاء ، لينطلقوا في أعمالهم الفاجرة المجرمة دون خوف من النتائج الوخيمة ، والعواقب الوبيلة .

ومن هذا نستطيع أن نتبين السلسلة الفكرية الإيمانية ، فهي تسير على الوجه التالي:

1- دراسة الكون والحياة والإنسان تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم ، القادر العليم ، العدل الحكيم .

2- دراسة الغاية من الخلق التي تهدي إليها ملاحظة الكون ، وأحداثه الكبرى ، وقوانينه الصارمة ، وسننه الثابتة ، لا تدع مجالاً لتصور اللعب واللهو والعبث في أي حدث من أحداثه ، بل كل ما فيه جدّ لا هزل يصاحبه ، ولا عبث يخالطه .

3- دراسة العلاقة الأخلاقية والتكوينية بين الخالق الحكيم والإنسان المدرك المريد ، تهدي إلى أن الإنسان خلق في هذه الحياة للامتحان ، والامتحان يستلزم الجزاء في جدية قوانين الوجود وسننه الثابتة .

4- دراسة الظواهر الجزائية في نطاق هذا الكون المدروس المشاهد تدل على أن كمال مقتضيات العدل وكمال مقتضيات الحكمة لم يتحققا فيه ، وهذا يهدي – مع ملاحظة صفات الخالق العظيمة التي منها العدل والحكمة ومع ملاحظة قوانينه الصارمة وسننه الثابتة في الكون – إلى أن حياة أخرى قد رتبت في برنامج الوجود الكبير ، لإقامة العدل وكمال الحكمة فيها ، وفيها يتم تحقيق الصورة المثالية للجزاء الرباني .

بهذه الدراسة النظرية المتسلسلة على هذا الوجه ، والمدعَّمة بالأدلة العقلية ، المستندة إلى دراسة ظواهر هذا الكون المشاهد ، استطعنا أن نهتدي إلى ضرورة اليوم الآخر ، وإلى الإيمان به .

ولكن كيف يكون هذا اليوم الآخر وعلى أية صورة ؟

إن الدراسة النظرية لا تسمح لنا بالتحديد ، وذلك لأن الاحتمالات النظرية كثيرة جداً ، ولا سبيل إلى ترجيح بعضها على بعض ، ومن أجل ذلك كان لا بد لنا من أن نلتمس مفاهيم النصوص الدينية الثابتة لتخبرنا بذلك ، وليس لنا أن نتخيل صورة من عند أنفسنا أو نضيف صوراً من عند أنفسنا إلى ما جاءت به النصوص الدينية الثابتة في القرآن الكريم وفي أقوال الرسول صلوات الله عليه .

( 3 )

شرح المفاتيح القرآنية

للدليل النظري الدال على الحياة الأخرى

اكتفيت في الفقرة السابقة بعرض المفاتيح القرآنية للدليل النظري القاضي بضرورة الحياة الأخرى للناس في خطة الوجود ، لاستيفاء كمال العدل الإلهي ، والجزاء الأمثل ، وهو ما تقضي به قواعد الإيمان بالله وكمال صفاته ، التي دلت عليها ظواهر هذا الكون المتقن المحكم الهادف إلى تحقيق غاية تناسب حكمة الخالق العظيم .

واعتمدت هناك على عرض المفاهيم العامة المستفادة من هذه المفاتيح ، لأفردها في فقرة خاصة أُولِي فيها كل نص منها نظرات تدبُّر وبحث استنباط .

وفيما يلي شرح لهذه النظرات:

( أ ) النص الأول :

قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ }

فهذا النص يكشف لنا أنه لو لم يكن وراء هذه الحياة التي تنتهي بالموت حياة أخرى ، تكون فيها الرجعة إلى الله للحساب والجزاء وإقامة محكمة العدل والفضل الإلهية ، لكانت عملية هذا الخلق ضرباً من العبث ، والله تبارك وتعالى منزَّه عنه ، فلا يكون في شيء من أفعاله وأحكامه وأوامره ونواهيه وشرائعه هذا العبث ، بل لا بد في كل ذلك من غايات حكيمة تحددها إرادة الخالق المستندة إلى علمه المحيط بكل شيء ، والجديةُ الصارمة هي المظهر البارز في كل أحداث الكون وقوانينه وسننه ، وإشارة إلى كون الله منزَّهاً عن العبث في عمليات الخلق التي يجريها قال الله تعالى في هذا النص : {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم}

ولما كان احتمال العبث احتمالاً مرفوضاً عقلياً كان لا بد من وجود حياة أخرى تظهر فيها تطبيقات الغاية من الحياة الأولى ، وهذه الحياة لا بد أن تكون مقررة في برنامج المقادير الربانية ، إن الله هو الملك الحق الذي لا إله إلا هو ، وبهذا نلاحظ أن هذا النص قد أعطى الفكر الإنساني مفتاح البحث النظري لهذه الحقيقة.

(ب) النص الثاني :

قول الله تعالى في سورة (القلم/68 مصحف/2 نزول):

{ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}

من الواضح أن ظروف هذه الحياة التي نعيشها قد تسمح للمجرمين بأن يعيشوا فيها عيشاً رغداً ناعماً ، يصيبون فيه المال والجاه والسلطان واللذات ، كما قد تسمح للمسلمين أهل الاستقامة بمثل ذلك ، وقد تسمح بأن يتمكن الفاجر من قتل التقي وظلمه وتعذيبه ، واستلاب ماله والعدوان عليه في أرضه أو عرضه ، وقد لا يلقى الفاجر جزاءً معجلاً على فجوره ، بل قد يمهل وتأتيه منيَّته دون أن ينال شيئاً من جزائه ، فلولا أن حياة أخرى غير هذه الحياة قد أعدت في برنامج المقادير الربانية لإقامة الجزاء الذي توجبه حكمة الخالق ، لكانت النتيجة الحكم على الخالق بأنه قد رضي بأن يجعل المسلمين كالمجرمين سواء محياهم ومماتهم ، وهذا يتنافى مع أصول العدل والحكمة الإلهية ، لذلك فهو مرفوض عقلاً ، ولما كان هذا الاحتمال مرفوضاً فإن الاحتمال المقابل له – وهو وجود الحياة الأخرى التي يتحقق فيها التمييز بين المسلمين والمجرمين – هو من الأمر الحتمي الذي لا مناص من اللجوء إلى إدراكه عقلاً ، والتسليم به عقيدة ، وهو طبعاً الاحتمال الذي قررته النصوص الدينية وأخبرت به .

وتفسير العملية كلها يتضح بأن هذه الحياة كلها لا تزيد على أنها مجال مفتوح لامتحان الناس على سواء ، كقاعة الامتحان حينما يدخلها الدارسون المجدّون والهازلون الكسالى ، والمتلاعبون الظالمون .

من المتحتم أن القصة لا تنتهي بانتهاء المدة الزمنية للامتحان ، بل لا بد من زمن آخر تعلن فيه النتائج ، وينال فيه كلٌّ على مقدار عمله .

فمن أجل ذلك جاءت الآية بصيغة الاستفهام الإنكاري {أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ مالكم كيف تحكمون؟} دلالة على أن إنكار الحياة الأخرى وما فيها من جزاء يفضي إلى اتهام حكمةِ الخالق بالتسوية بين المسلمين والمجرمين ، وهو أمر مرفوض رفضاً قطعياً ، وقد تنزه الخالق عنه وتعالى علواً كبيراً.

إن أحدنا لا يقبل أن يُسوّي في أحكامه بين الظالم والمظلوم ، أو بين المحسن والمسيء ، أو بين المجدّ والكسول ، أو بين العالم والجاهل ، ولو فعل ذلك واحد منا لكان سِمةَ نقص كبير في أخلاقه . أفنكرِّم أنفسنا عنه ونرضاه للخالق جلَّ وعلا؟

إنه أمر مرفوض بداهة ، ورفضه يعني حتمية اليوم الآخر والحياة الأخرى .

(ج) النص الثالث :

قول الله تعالى في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):

{أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}.

إن هذا النص القرآني يكشف لنا عن حقيقة فكرية مهمة جداً ، وهي أن مقتضيات العدل الإلهي توجب التسليم بأن التسوية في الجزاء بين الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات قضية مرفوضة حتماً ، لأنها تتنافى مع صفتي عدل الله وحكمته الثابتتين بالدليل العقلي ، والثابتتين أيضاً في ظواهر شتى من واقع حياتنا المدروسة ، وإذا كانت هذه التسوية مرفوضة عقلاً فما بالنا نلاحظ في هذه الحياة أن كثيراً من الذين اجترحوا السيئات ينالون منها مثل ما ينال منها الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أو أكثر في بعض الأحيان ، وأن كثيراً من الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد تتوالى عليهم المصائب والآلام ؟ فأين تطبيق قواعد العدل والحكمة الإلهية؟

وهنا يأتي الجواب العقلي الذي لا يحتاج إلى بحث وتأمل كثيرين:

إن هذه الحياة ليست نهاية قصة حياة الإنسان ، ولكنها فصل منها ، ومرحلة قصيرة أعدت في برنامج الوجود الكبير لغاية الابتلاء ، ولا بد حتماً من ظروف حياة أخرى تأتي بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا التي أعدت للامتحان ، وعندئذٍ تظهر تطبيقات قواعد العدل الألهي ، وتظهر مراحل الجزاء ، وهنا نبهنا هذا النص القرآني على أن تطبيق قواعد الجزاء يبدأ مع بداية مرحلة الموت ، الذي هو عملية انفصال بين الروح المدركة المحسة ، وبين الجسد الذي هو ثوب هذه الروح في حياتها الأولى .

ومع بداية هذه المرحلة الجديدة من وجود الإنسان تظهر الفوارق القائمة على العدل والحكمة بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين اجترحوا السيئات .

إن ما لم يظهر اليوم في مرحلة الامتحان لا بد أن يظهر غداً في مراحل الجزاء .

فهذه الآية تشير إلى التطبيقات الجزائية التي تكون في مدّة الحياة البرزخية بعد الموت وقبل البعث ، وهو ما يطلق عليه نعيم القبر وعذابه .

( د ) النص الرابع :

قول الله تعالى في سورة (القيامة/75 مصحف/31 نزول):

أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ }.

من الواضح أن هذا النص يشتمل على المفتاح الفكري لاكتشاف الغاية من خلق الإنسان في هذه الحياة : {أيحسب الإنسان أن يترك سُدى؟!}

أي : إنه لم يُخلق في هذه الحياة ليأكل ويشرب ، ويتمتع ويظلم ، ويطغى ويفسد في الأرض ، وينزل الآلام بالآخرين ويكفر بربه ، ثم يترك سدى دون جزاء عادل ، أو ليستقيم ويعمل الصالحات ، ويعدل بين الناس ويحسن إليهم ، ويمسح عنهم الآلام ويعبد ربه ، ثم يترك سدى دون جزاء كريم .

إن هذا الظن من الإنسان لأمر عجيب ، أفيظن ما لا يليق بعدل الخالق وحكمته؟ أفيظنُّ ظناً تقوم براهين العقل ودلائل الواقع على نقيضه؟

إن الإنسان في هذا الوجود لن يترك سدى بعد ظروف هذه الحياة التي يعيشها ، والتي لو كانت نهاية قصة حياة الإنسان لكانت حياة لا معنى لها ولا مغزى .

وهل يليق بحكمة الخالق العظيم القادر العليم أن يخلق خلقاً باطلاً لا مغزى له؟ إن هذا ضرب من اللعب واللهو والعبث ، والله تبارك وتعالى منزه عن ذلك ، إن كل أمره جد لا هزل فيه .

وإذا ثبت بالدليل النظري أن الإنسان لن يترك سدى فلا بد من ظروف حياة غير هذه الحياة يتم فيها تحقيق الغاية من خلق الإنسان ، ويتم فيها تطبيق قواعد الجزاء الرباني وفق مقتضيات الحكمة والعدل والكرم .

وحينما يبدأ الجاهل قصير النظر يشكُّ في قدرة الله على إعادة الإنسان إلى الحياة بعد الموت في النشأة الأخرى ، فلينظر إلى واقع النشأة الأولى ، إنها تعطيه برهاناً تجريبياً يثبت له أن من أنشأ النشأة الأولى قادر على أن ينشئ النشأة الأخرى ، نشأة الإعادة ، وهي في التحليل النظري أهون من نشأة الابتداء ، وقد لفت النص نظر الإنسان إلى هذا البرهان التجريبي فقال تعالى : {ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان عقلة فخلق فسوَّى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟} بلى وهو الخلاق العليم .

(هـ) النص الخامس:

قول الله تعالى في سورة (ص/38 مصحف/38 نزول):

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}.

فحينما يرفع الجاحدون تصورات الحياة الأخرى من أذهانهم تغدو هذه الحياة في تصورهم عملاً باطلاً لا معنى له ، وتغدو مسرحية من مسرحيات اللعب واللهو والعبث .

هذا ما صرح به كبار مفكريهم ، وذلك تصور الذين كفروا وظنهم القائم على أساس باطل هو جحود الحق والكفر به ، فويل لهم من أحداث هذه الحياة الأخرى حينما يجدونها حقيقة واقعة ، ويجدون أنفسهم في النار يعذّبون .

أما المؤمنون فإنهم يدركون الغاية من خلقهم ، ويعلمون أنهم في هذه الحياة الدنيا في ظروف امتحان لإرادتهم بين يدي خالقهم ، وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى خالدة يكون فيها الجزاء الأمثل ، وتظهر فيها حكمة الله من الخلق ، لذلك فهم لا يرون خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً . ويهديهم إلى هذه الحقيقة أنه من غير الممكن في الاحتمال العقلي أن يجعل الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ، وأن يجعل المتقين كالفجار ، فتكون نهاية الجميع بالموت ، ولا شيء بعد ذلك من حساب ولا جزاء ، إن هذا العبث لا يفعله من يقيم دورة مسابقة رياضية ، فضلاً عن أن يفعله الخالق القادر العلمي الحكيم العدل ذو الفضل العظيم .

( و ) النص السادس :

وقول الله تعالى في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }.

جحد المشركون الحساب واليوم الآخر ، وجرّهم ذلك إلى إنكار رسالة محمد  وما جاء فيها من وعد ووعيد ، وكان معنى جحودهم هذا أن الحياة الإنسانية ليس لها إلا ظروف هذه الحياة المشاهدة المدروسة للإنسان ، وبالموت تنتهي القصة نهاية تامة ، ثم لا شيء وراء ذلك ، مع أن هذا الفصل المشهود من حياة الإنسان مليء بأحداث الظلم والبغي الإنساني ، ومشحون بالجحود والكفر والاستكبار والعناد ، والعدوان والفساد ، وكثيراً ما تنتهي حياة أصحاب هذه الأحداث دون أن يلقوا في الحياة الدنيا جزاءهم العادل ، وحينما يصيب بعضهم بعض جزائه فإن كامل جزائه لا يناله ، وفي مقابل ذلك نجد في هذا الفصل المشهود من حياة الإنسان دعاةَ خير مضطهدين ، وطبيبين صالحين معذَّبين ، ومؤمنين مصلحين غير مكرَّمين ، وكثيراً ما تنتهي حياة هؤلاء دون أن يُنصفوا من خصومهم ، ودون أن يلقوا ثوابهم أو كامل ثوابهم .

أفيصحّ في ميزان العقل أن يقتصر حكيم قادر عليم على مشاهد هذا الفصل من عملية الخلق التي أنشأناها ، دون أن يكون وراءه فصل آخر أو عدة فصول تتحقق فيها النتائج المنطقية للفصل الأول ، وتظهر فيها الحكمة المناسبة لمستوى الحكيم الذي رتَّب ظروف الفصل الأول بإتقان تام؟

لو شهدنا مثل هذا الفصل في تمثيلية من وضع الإنسان لقلنا لا بدَّ أن فصلاً أو فصولاً أخرى ستأتي بعده ، حتى تنتهي القصة إلى نهاية معقولة تظهر فيها الغاية ، ويتحقق فهيا معنى الجزاء ، ويبرز فيها المضمون الأخلاقي ، في توجيه غير مباشر .

فلو أن كاتب القصة أو مخرج التمثيلية قد اقتصر على الفصل الأول منها ، فماذا يقول العقلاء عنه؟

إذا كان هذا الفصل فصلاً فكاهياً فإنهم يقولون عنه : كاتب هزلي ، يريد أن يضحك المشاهدين بألعابه ومشاهد اللهو التي رتبها ، وإذا لم يكن فصلاً فكاهياً فإن كان فيه شيء من الجرائم والفساد فإنهم يتهمونه بأنه يريد التشجيع على الجرائم والفساد ، واستخدام القوى وأنواع الحيلة لنشر الظلم والعدوان في الأرض ، إذ لم ينه تمثيليته بمضمون أخلاقي كريم ، يتحقق فيه الجزاء الرادع القاسي للمجرمين والمفسدين ، والنهاية الطيبة السعيدة للصالحين المستقيمين .

فما بال الذين ينكرون اليوم الآخر يقبلون في تصورهم أن تكون قصة حياة الإنسان تنتهي بنهاية الفصل الأول منها ، مع أن هذا الفصل لم تتحقق فيه الغاية ، ولم يتحقق فيه الجزاء , وهو فصل مأسَوِي (درامي) جاد لا أثر للهزل فيه؟

أفيريدون أن يجعلوا الله العليم الحكيم القادر لاعباً بآلام الناس ومشاقِّهم ومتاعبهم في هذه الحياة؟ أو هازلاً بعواطف المؤمنين به المطيعين له الساعين في مرضاته ، والباذلين كثيراً مما يشتهونه ويحرصون عليه في سبيله؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

هذه هي النقطة الفكري التي نبه هذا النص القرآني عليه ، وناقش منكري اليوم الآخر ومنكري رسالة الرسول على أساسها .

فقد عرضت سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):

{ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}

وقضية الرسول والكتاب ، فقال تعالى :

{مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ }.

ثم بعد هذا وبعد مناقشات له جاء قول الله تعالى :

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}

أي : لو كانت قصة هذه الحياة تنتهي بحادثة الموت التي يختم بها هذا الفصل لكانت عملية خلق السماء والأرض وما بينهما لعباً من اللعب .

أفيكون العليم الحكيم القادر لاعباً لاهياً هازلاً في كل الأحداث الجادة المشحونة بالمتاعب والآلام في هذا الفصل ؟

أم لا بد أن يكون قد رتب فصلاً أو فصول أخرى ، ستظهر فيها غاية عمله ومقتضيات حكمته؟

العقل يقضي بأنه لا بد أن يكون في برنامج الوجود فصل أو فصول متعددة وراء هذا الفصل الأول .

وهذا ما جاءت النصوص الدينية تدعو إلى الإيمان به وتكشف بعض ما هو داخل في برنامجه من تفصيلات .

ومن بدائع المناقشة القرآنية لهذا الموضوع قول الله تعالى في هذا النص:

{لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}

فالله في هذا يتنزل إلى مستوى عقول هؤلاء المنكرين لليوم الآخر والمنكرين للرسالة ، إذ لزم من مذهبهم أن تكون عملية خلق السماوات والأرض وما بينهما ضرباً من اللعب واللهو والعبث فيقول لهم : {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا}، أي : لكنا اتخذنا لهواً بعيداً عن مخلوقات ذات إحساسات وعواطف وانفعالات ، وآلام وآمال ، وأكدار ومسرات ، ولما كان من العدل والرحمة والحكمة أن نعبث هذا العبث بهذه الأحياء المدركة المحسة ، فنلهو بآلامها ، ونعبث بأكدارها ، ونلعب بعواطفها وانفعالاتها ، وحبها وذلها عبادتها ، لو أردنا لكنا نفعل هذا اللهو بعيداً عنها ، ولا نجعلها ساحة عبثنا ، هذا إن كنا فاعلين شيئاً من ذلك ، لكن اللعب واللهو والعبث ليس من شأننا .

تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، إن كل أفعاله سبحانه تشتمل على حِكَم يريدها ، وهذه الحِكَم والغاياتُ جليلة تناسب مستوى علمه وحكمته وقدرته سبحانه .

ولما كان مذهب المنكرين يسلتزم اتهام الخالق سبحانه بالعبث في خلقه كان لا بد من تهديد لهم بالويل على ما يصفون الله به ، فقال تعالى لهم:

{بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

( ز ) النص السابع :

قول الله تعالى في سورة (الدخان/44 مصحف/64 نزول):

{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَق وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }

هذا النص يحكي لنا مقالة منكري الآخرة إذ قالوا : {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين}.

وفي نص آخر حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}.

ففي سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

وفي سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول)، قال الله تعالى يحكي لنا مقالة عاد قوم هود لرسولهم ، أو مقالة قوم صالح:

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

وفي سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول)، قال الله تعالى يحكي لنا مقالة الدهريِّين ، وهم ملاحدة القرون الأولى :

{وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَينَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}

ومهما تنوعت أقوال منكري الآخرة فهي تتلخص بأنهم يزعمون أن قصة الحياة واحدة تنتهي بالموت ثم لا شيء وراءه ، وليس لهم حجة في الإنكار إلا المطالبة بالمشاهدة الحسية للحياة بعد الموت ، فقالوا لرسلهم : أعيدوا لنا آباءنا إلى الحياة حتى نؤمن بما تقولون ، وتوقفوا عند المطالبة بالدليل الحسي التجريبي ، وحجبوا عقولهم عن إدراك الدليل النظري الذي يجعل قضية الحياة الأخرى قضية ممكنة بحد ذاتها ، فإذا نظرنا إليها من زاوية حكمة الخالق الحكيم ، ومن زاوية واقع هذه الحياة الدنيا كانت قضية حتمية الوقوع ، فهي المرحلة التي يتم فيها بقية برنامجٍ خلق الإنسان وفق الصورة التي أرادها الخالق الحكيم ، وإلا كان برنامجاً ناقصاً أشبه ما يكون باللهو والعبث ، والله الحكيم العليم القادر منزَّه عن أن يعد برنامجاً ناقصاً لا يليق بكماله سبحانه ، أو أن يقتصر على فصل منه يُعَدُّ الاقتصار عليه ضرباً من اللعب .

يدرك هذه الحقيقة كل عاقل درَّاك منصف.

ولما كان إنكار الكافرين لليوم الآخر يتضمن عنصرين:

العنصر الأول : إنكار الجزاء .

العنصر الثاني : إنكار الحياة بعد الموت .

وجدنا أن النص القرآن الذي نتدبره يشتمل على معالجة هذين العنصرين جميعاً .

أما العنصر الأول فقد جاءت معالجته بعرض أمثلة تاريخية تم فيها تحقيق بعض الجزاء المعجل لأمم سافلة ، عاقبهم الله في الدنيا على كفرهم وتمرُّدهم على رسلهم ، ومعلوم أن تحقيق نماذج من الجزاء المعجل لا بد أن يلفت الانتباه إلى قانون الجزاء بوجه عام ، ولا بد أن ينبه أيضاً على أن ما لم يتحقق منه في ظروف هذه الحياة الدنيا سيتحقق حتماً في ظروف حياة أخرى .

وقد دل على هذا قول الله تعالى في هذا النص من سورة (الدخان):

{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}

أي : كان إهلاك الله لهم على صورة فيها تعذيب عام بسبب أنهم كانوا مجرمين .

وأما العنصر الثاني فقد جاءت معالجته بلفت النظر إلى أن مقتضيات حكمة الخالق تقضي بأنه من غير الممكن أن تكون هذه الحياة الدنيا هي نهاية قصة وجود الإنسان ، وذلك لأنه لو كانت حياته هذه هي كامل قصة وجوده ونهايتها لكان خلقه ضرباً من اللعب تنزَّه الخالق عنه ، ولما كان هذا أمراً مستحيلاً عقلاً كان لا بد من وجود حياة أخرى تستكمل فيها وقائع قصته ، وفق مقتضيات الحكمة العظيمة التي تتناسب مع صفات الخالق العظيم ، وهذا ما نبه عليه قول الله تعالى في هذا النص أيضاً:

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

حينما نتساءل عن هذا الحق يأتينا الجواب القرآني ، فيوضح لنا أن الغاية هي ابتلاء الإنسان في الحياة الدنيا ، وبعد الامتحان يأتي الجزاء في الحياة الأخرى .

فمن النصوص التي أعلنت هذه الحقيقة قول الله تعالى في سورة (الملك/67 مصحف/77 نزول):

{تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}

وبعد الابتلاء لا بد من الجزاء ، والجزاء الأمثل قد ادخره الله لحياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا .

فالإيمان باليوم الآخر ركن أساسي من أركان الإيمان يأتي في التسلسل الفكري بعد الإيمان بالله تعالى وبكمال صفاته وعظيم حكمته .

( 4 )

الإيمان بالآخرة مبدأ ضروري

لسعادة الجماعة الإنسانية

إذا نظرنا إلى مشكلة السلوك الإنساني وجدنا أن سعادة الجماعة الإنسانية مرهونة بضوابط سلوك الإنسان ، وحينما نبحث عن الضوابط التي يمكن أن تضبط سلوكه نجدها ضوابط ضعيفة وناقصة ، إلا ضابطاً واحداً هو مراقبة الله والخوف من عقابه يوم الدين .

وبهذا التحليل تغدو قضية الإيمان باليوم الآخر ضرورة إنسانية لحل مشكلة الجنوح الإنساني ، ولمنح المجتمعات الإنسانية أفضل صورة ممكنة من السعادة الجماعية في ظروف هذه الحياة ، ولدفع الإنسان إلى فعل الخير والارتقاء في سلم الفضائل الفردية والجماعية .

قد يقول المعارضون: نستعيض عنها بالقانون وسلطة الحكم .

ولكن نقول لهم : فمن يضبط السلطة الحاكمة عن الجنوح وبيدها القوى المادية المسيطرة ، التي تمنحها كل الوسائل الصالحة للاستبداد وظلم العباد؟

إذا لم تكن هذه السلطة ملجمة بلجام الخوف من الله وجزائه العادل فإنها تفعل ما تهوى دون ضابط .

على أن الإسلام قد حاصر الجنوح بالإيمان والخوف من عقاب الله ، وبالشرائع وسلطة الحكم الإسلامي ، إضافة إلى الوسائل التربوية الأخرى .

وقد يقول المعارضون : نستعيض عن قضية الإيمان باليوم الآخر بالضمير الأخلاقي.

ولكن نقول لهم : وما هي وسيلتنا لإيجاد هذا الضمير الأخلاقي وقد دلتنا الملاحظة أن معظم الجماهير التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا تستطيع أن تكتسب ضميراً أخلاقياً مقوماً لسلوكها من منبع آخر ، لأنها تسيطر عليها حينئذ أنانياتها وشهواتها ، ولا يردعها عن الجنوح خوف ، ولا يجذبها إلى الاستقامة طمع ، وحينما تخشى من العقاب المادي الإنساني فإنها تستقيم استقامة الحذر من العدو ، وترصد الانحراف كراصد الصيد ، متى وجد الفرصة متاحة له انقضَّ على فريسته .

قد يقولون : إن النظرات الفلسفية ، والعاطفة الإنسانية ، والتربية الأخلاقية ، وحب الخير وفعل الخير ، كفيلة بتربية الضمير الأخلاقي .

ولكننا نقول لهم : لئن صلحت هذه الوسائل لتربية ضمير أخلاقي لدى فيلسوف عالي الفطرة ، له نظرات تأملية بعيدة عن غمرة الماديات والمطامع والأهواء والشهوات ، فإنها لن تصلح لتربية ضمير أخلاقي لدى ألوف مؤلَّفة من البشر ، لا يتحلَّون بخصائص ذلك الفيلسوف النادر .

ومعلوم أن الضوابط السلوكية لمنح البشرية أفضل مقدار من سعادة الحياة يجب أن تكون قادرة على ضبط الكثرة الكاثرة من الناس إلا من شذ ، لا أن تكون للنماذج النادرة فقط ،وتترك الأعداد العظمى من غير ضابط .

هذا بخلاف الضمير الأخلاقي الذي يغرسه في القلوب الإيمان بالله واليوم الآخر ، فإنه ضمير أخلاقي تكتسبه بسهولة جميع الجماهير المؤمنة إلا من شذ منها ، وهذا الشاذ لا يعدم بذوراً تردعه عن كبريات الجرائم .

أما غير المؤمنين بالله واليوم الآخر فالجرائم الصغرى والكبرى سواء عندهم ، متى تعلَّق هوى أحدهم بشيء واستطاع أن يفلت من العقاب المادي على أيدي الناس فإنه يفعله دون أن يجد أي وخز لجرائمه في ضميره ، وحينما يفعله يفعله بضراوة وشراسة لا توجدان عند أخبث الحيوانات الضارية الشرسة .

على أن الإسلام لم يهمل جانب تربية الضمير الأخلاقي بكل الوسائل الممكنة إضافة إلى الخوف من الله وعقابه ، ووعده ووعيده وما في اليوم الآخر من جزاء .

قد يقول المعارضون: وما علاقة هذه الضرورة الإنسانية لحل مشكلة الجنوح في السلوك بكون الآخرة حقيقة واقعة حتى يجب الإيمان بها عقلاً؟

وجوابنا على هذا السؤال سيكون مع الذين سلموا معنا بالقضية الأولى ، وهي قضية الإيمان بالله تعالى ، أما الملاحدة الذين لا يؤمنون بالله فإنهم لا يشعرون بموجب لضبط السلوك الإنساني أصلاً ، ولا يرون في أي سلوك جنوحاً ، ونظرتهم إلى الحياة تقتضي بأن القوة هي التي تحدد مفهوم السلوك ، فالقوة تستطيع أن تجعل الفضائل رذائل ، والرذائل فضائل ، والحق باطلاً ، والباطل حقاً ، وهكذا لا قيمة عندهم إلا للقوة .

أما كلامنا مع الذين سلموا بالقضية الأولى قضية الإيمان بالله تعالى فيكون على الوجه التالي:

هل يعقل في منطق التنظيم الحكيم أن يخلق الله جلَّ وعلا كائنات مدركة ذات غرائز وشهوات ، وذات مطامع ورغبات ، وذات أهواء لا حدود لها ، وذات لذات وآلام ، ويعطيها مع ذلك حرية الإرادة ، ويمنحها قدرة ما على تنفيذ ما تريد ، ثم يتركها تتخبط وتتقاتل ، وتتنافس وتتصارع ، وتتحاسد وتتباغض ، دون أن يجعل لها ضوابط تضبط سلوكها ، ودون أن يشعرها بأن جزاء عادلاً قد أعد لها ، ودون أن ينفذ فيها فعلاً جزاءه العادل ، ودون أن يشجع محسنيها بالثواب الكريم الذي يكون حقيقة واقعة ، لا وعداً كلامياً فقط؟

هذا غير معقول ، إن الخالق الحكيم لن يترك كائنات من هذا القبيل تفسد في الأرض دون أن يجعل لها نظاماً يشتمل على عناصر الجزاء الحكيم ، وهذا يهدي فعلاً إلى اعتبار اليوم الآخر ضرورة لضبط سلوك الإنسان في الحياة ، وهذا النظام لا بد من بيانه للناس حتى يعلموا مسؤوليتهم ويعرفوا مصيرهم ، ولذلك أرسل الله لهم الرسل ، فبلَّغوا الناس ما يجب عليهم من سلوك ، وما ينتظرهم من ثواب وعقاب ، بحسب أعمالهم في حياتهم ، وأن وراء هذه الحياة الأولى حياة أخرى يرجعون فيها إلى الله ، فيحاسبهم ويجازيهم ، وقد أعد للثواب جنة خالدة ، وأعد للعقاب ناراً حامية وعذاباً أليماً.

( 5 )

نقض علمي لمذهب الملحدين

الذين ينكرون استمرار وجود الروح

يتساءل بعض الناس : هل نجد نقضاً علمياً للمذهب الإلحادي الذي يرى أن الحياة ظاهرة مادية فقط ، وليس وراء هذه الحياة المادية إذا انتهت بالموت استمرار لوجود روحي ، أو إمكان لحياة أخرى؟

وجوابنا إيجابي حتماً ، فلدينا أدلة علمية توصل إلهيا الباحثون من علماء الطبيعة تثبت الحياة بعد الموت ، على المستوى التجريبي والمعملي .

وأقتبس هنا فقرات مما جاء في كتاب (الإسلام يتحدى)[15]:

“أثبتت البحوث الروحية الحياة بعد الموت على المستوى التجريبي والمعملي . إن الأمر الذي يدفعنا إلى إبداء مزيد من الإعجاب بهذه البحوث هو أنها لا تثبت (بقاءً محضاً) لروح ما ، بل إنها تثبت أيضاً بقاء الشخصيات التي كنا نعرفها بذاتها قبل أن نموت!!

إن هناك خصائص كثيرة يتمتع بها الإنسان من قديم الأزمان ، ولكنا لم نلق الضوء عليها إلا حديثاً ، ومن هذه الخصائص (الرؤيا) التي تعد من أقدم مميزات الجنس البشري ، والحقائق المثيرة التي كشفها علماءُ النفس عن هذه الميزة لم يكن قدماؤنا على علم بها .

وهناك مظاهر أخرى درسناها أخيراً ، وأجرينا بحوثاً وإحصاءات في مختلف أنحاء العالم حولها ، وجاءت البحوث بنتائج غاية في الأهمية .

ومن هذه البحوث ما نسميه (بالبحوث الروحية) وهي فرع من علم النفس الحديث ، وهدفها محاولة الكشف عن المميزات الإنسانية غير العادية ، وقد أقيم أول معهد لإجراء هذا النمط من البحوث عام (1882م) في إنكلترا ، وبدأ علماء هذا المعهد عملهم سنة (1889م) بعد أن قاموا بمسح واسع النطاق على (17) ألفاً من المواطنين ، ولا يزال هذا المعهد موجوداً باسم (جمعية البحوث الروحية) وقد انتشرت الآن معاهد كثيرة في مختلف بلدان العالم ، وأثبتت هذه المعاهد بعد بحوثها وتجاربها الواسعة النطاق أن الشخصية الإنسانية تواصل بقاءها بعد فناء الجسد المادي في صورة غريبة…

وقد ألقى (البروفسور دوكاس) هو أستاذ الفلسفة بجامعة براون ، ضوءاً على الجوانب النفسية والفلسفية من مسألة الحياة بعد الموت ، في الباب السابع عشر من كتابه . والدكتور دوكاس لا يؤمن بالحياة بعد الموت كعقيدة دينية ، وإنما وجد – أثناء بحوثه – شواهد كثيرة اضطر – على أثرها – أن يؤمن بالحياة الآخرة ، مجردة عن قضايا الدين ، وهو يكتب في آخر الباب السابع من كتبه قائلاً:

“لقد قام رهط من أذكى علمائنا وأكثرهم خبرة بمطالعة الشهادات المتعلقة بالمسألة ، وفحصوها بنظرة نقد ثاقبة ، وقد توصلوا آخر الأمر إلى أن هناك شواهد كثيرة تجعل فكرة “بقاء الروح” نظرية معقولة ، وممكنة الحدوث .. وهم يرون أنه لا يمكن تفسير تلك الشواهد إلا على هذا النحو . ومن هؤلاء الكبار الذين قاموا بهذه البحوث نستطيع أن نذكر: الأساتذة (ألفريد راسل واليس)، و(السير وليام كروكس)،و(ف. و. هـ.مايرز) ، و(سيزار لومبرازو) ، و(كميل فلاماريون) ، و(السير أوليفر لوج) ، و(الدكتور ريتشارد هوجسن) ، و(المستر هنري سيدويك) ، و(البروفيسور هيسلوب) “.

ويستطرد الدكتور دوكاس قائلاً :

“ويتضح من هذا أن عقيدة بقاء الحياة بعد الموت – التي يؤمن بها الكثيرون منا كعقيدة دينية – ليس من الممكن أن تكون واقعاً فحسب ، وإنما لعلها هي الوحيدة من عقائد الدين الكثيرة ، التي يمكن إثباتها بالدليل التجريبي . ولو وضح هذا فمن الممكن أيضاً أن نجد معلومات قطعي في هذا الموضوع”.

وقد سبق أن استشهدنا حول موضوع الروح بما قاله الدكتور (راين):

“إنه ثبت من أبحاثه في المعامل: أن في الجسم البشري روحاً أو جسماً غير منظور”.

هذه البحوث الروحية تنقض قضية الملحدين الماديين من أساسها ، فما أثبته العلم من وجود الروح ومن أن الحياة بعد الموت قضية مؤكدة أو مرجحة ، ينقض نظرتهم القائمة على أن الحياة إنما هي مظهر لتركيب المادة بصورة خاصة ، ومتى انحل هذا التركيب لم يبق أثر للحياة مطلقاً ، بينما يقرر الدين أن الحياة سر روحي ينفخه الله تعالى في الأجساد المادية ، فتكون حية بهبة الله تعالى لها سرّ الحياة ، وهذا ما بدأت الدراسات العلمية تعترف به .

ولدينا أيضاً أدلة أخرى في هذا المجال مما توصلت إليه البحوث النفسية .

أثبتت الدراسات العلمية حول الإنسان أن خلايا جسده المادي تتجدد باستمرار ، وأن هذا الجسد المادي بمثابة نهر جار خاضع لقانون التغير المستمر ، خلايا تتلف ، وغذاء يتحول إلى خلايا جديدة تحل محل الخلايا التالفة ، ويأتي على جسم الإنسان في مدى كل عشر سنوات تجدد كامل لكل خلايا جسمه ، أي: إن الجسد الأول يفنى ويأتي بدله جسد جديد ، ولكن الإنسان لا يشعر بهذا التغير ، ولا يتأثر كيانه الإنساني به ، بل يبقى علمه وذاكرته وعاداته وأمانيه وأفكاره وحبه وبغضه وعواطفه كلها كما كانت ، فلو أن الإنسان كان مظهر تفاعلات مادية صرفة لكان بفناء الخلايا الأولى من جسده ، أو بعبارة أخرى لكان بفناء جسمه السابق الذي حل محله جسم جديد يجب أن تفنى أفكاره السابقة وعواطفه وآماله وأمانيه وكل خصائصه الثابتة التي لا تتغير ، لكن هذا لا يحدث رغم تجدد الجسد تجدداً كلياً في كل عشر سنوات .

فلولا أن شيئاً روحياً غير هذا الجسد المادي يظل مستمراً يحمل الخصائص الإنسانية العليا ، لما استطاع الإنسان المحافظة على مكتسباته السابقة ، بعد فناء جسده السابق ، أو بعد تعرضه لمراحل متعددة من الفناء في حياته .

جاء في كتاب “الإسلام يتحدى”[16]:

“لقد أثبت البحث النفسي الذي ذكرنا آنفاً أن جميع أفكار الإنسان – أو بعبارة أخرى: جميع خلايا مُخه – تبقى بصفة دائمة ، وهذا الواقع يثبت بصراحة أن عقل الإنسان ليس بجزء من جسمه ، فإن جميع خلايا وأنسجة الجسم تتغير تغيراً كاملاً في بضعة أعوام ، ولكن سجل اللاشعور لا يقبل أي تغير أو مغالطة أو شبهة على رغم مرور مئات السنين . ولو كان هذا السجل الحافظ كائناً في الجسم فلا أدري أين مكانه منه؟ وفي أي جزء يكمن على وجه الخصوص؟ ولو كان في أحد أجزاء هذا الجسم فلماذا لا يزول عندما تزول هذه الأجزاء بعد سنوات عديدة؟ ما أعجب هذا السجل الذي تتحطم جميع لوحاته تلقائياً ، ولكنه لا يفنى ولا يزول؟!

إن هذه البحوث الجديدة في علم النفس تؤكد بصفة قاطعة أن الوجود الإنساني لا تنحصر حقيقته في ذلك الجسم المادي الذي يخضع دوماً لعمليات التحكم والاحتكاك والفناء ، بل هو شيء آخر غير هذا كله ، وهو لا يفنى ، بل يبقى مستقلاً ولا يزول”.

فقضية الحياة لا تفسر إلا بالحقيقة التي تقررها المفاهيم الدينية ، بالروح التي هي من نفخ الله ، وهذه الروح تبقى بعد فناء الجسد ، وتبقى بعد الموت ، لأن الموت إنما هو انفصال كامل للروح عن الجسد .

( 6 )

نقض توهمات منكري الحياة الأخرى

لدى البحث عن المستندات الفكرية التي يستند إليها منكرو الحياة الآخرة يتبين لنا أنهم لا يملكون أية مستندات فكرية صحيحة ، إنما هم بين العناد والتوهم .

أما العناد فهو مذهب المكابرين الذين لا ينفع معهم الجدل المنطقي ، والمناظرة العلمية .

وأما التوهم فهو طريقة كثير من المنكرين الذين يندفعون وراء توهمات يتصورونها أدلة ، وليست هي بأدلة .

إن الحياة الأخرى ليست من المستحيلات العقلية حتى يجحدوها الجاحدون بحجة الاستحالة ، ولكنها من الممكنات العقلية ، وظهور الحياة الأولى أعظم شاهد تجريبي على إمكان الحياة الأخرى ، وبعد إثبات الإمكان الفعلي تبقى لدينا مرجحات إثبات الوقوع ، وقد رأينا بالأدلة النظرية أن مرجحات إثبات الوقوع مرجحات قوية ، فإذا انضمت هذه الأدلة النظرية إلى التبليغات الربانية التي أخبرنا بها رسل الله الصادقون وجدنا أن الحياة الأخرى قضية حتمية لا مناص للعقلاء من الإيمان بها ، والتسليم بما جاء عنها من أخبار صادقات .

وقد رأينا أن طريقة القرآن في محاجَّة منكري الحياة الأخرى من الماديين الملحدين ، الذين لا يؤمنون بالله ، طريقة تتضمن العودة بهم إلى نقطة الخلاف الأولى الأساسية ، وهي الإيمان بالله تعالى ، فهو يقيم لهم دليلاً مزدوج الهدف ، يلفت النظر إلى حقيقة الإيمان بالله تعالى وبكمال صفاته ، ويوجِّه إلى أن الخالق الحكيم لا يمكن أن يخلق هذا الكون عبثاً ، تنتهي حياة الإنسان فيه بنهاية حياته الأولى . ومتى أدرك المتفكر هاتين الحقيقتين تفتحت مغاليق فكره وفؤاده للتسليم بالحياة الأخرى ، كما جاءت بها الأخبار الصحيحة الصريحة الصادقة التي أخبر بها الرسول .

أما طريقة القرآن في محاجَّة الآخرين ، فهي تشتمل على النظر في توهماتهم التي استندوا إليها فيما ذهبوا إليه من الرفض ، والرد عليها بإثبات الحق المناقض لهذه التوهمات ، وقد استقصى القرآن الكريم في مواضع مختلفات توهماتهم وردها واحدة فواحدة بالحجج الدامغة .

وفيما يلي تتبع لهذه التوهمات وللرد القرآني عليها:

* التوهم الأول :

توهم ظهر على ألسنة المشركين أيام الرسول  ، وخلاصته أن القدرة التي قدرت على ابتداء خلق الإنسان لا تقدر على إعادته .

وقد سلك القرآن في إقامة الحجة على المنخدعين بهذا التوهم طريقين :

* الطريق الأول :

طريق إظهار واقع التساوي بين الإعادة والبدء ، وبيان أن شبهة التفاوت شبهة باطلة ، إذ أن قدرة الله التي قدرت على ابتدائهم إبداعاً ، قادرة على خلقهم بعد فنائهم إرجاعاً ، فالأمران مستويان ، بل الإعادة أهون في نظر الناس وحدود قدراتهم من الابتكار والإبداع .

فمن يسلِّم بأن الله قد بدأ الخلق حتم عليه بأن يسلِّم بأنه تعالى قادر على إعادته ، بل هو أهون عليه .

وقد رد القرآن على أبيّ بن خلف شبهته هذه ، بقول الله تعالى في سورة (يس/36 مصحف/41 نزول):

{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.

وأكد حقيقة التساوي بين الإعادة والابتداء بقوله تعالى في سورة (مريم/19 مصحف/44 نزول):

{وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}.

وبين الله في نص آخر أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه ، فإذا ثبت الابتداء بالمشاهدة تثبت الإعادة الموعود بها من باب أولى ، فقال تعال في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

{وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

* الطريق الثاني:

طريق التنبيه على مظاهر قدرة الله في السماوات والأرض ، وذلك أنه إذا كابر المنكر بعد إقامة الدليل بإظهار واقع التساوي بين الإعادة والبدء ، فقال : الإعادة أشد من البدء مصراً على توهمه هذا ، أتاه الجواب القرآني بنقله إلى ما هو أكبر في تصوره من ابتداء خلق الإنسان وإعادته ، ألا وهو خلق السماوات والأرض .

إذ من المعلوم بالبداهة الحسية أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، في ابتدائهم أو في إعادتهم ، وهذا ما أشارت إليه آية (الروم) السابقة:

{وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}

ونلاحظ أن الاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرة الله تعالى على أن يحيي الموتى كثير في آيات القرآن المجيد :

فمنها قول الله تعالى في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ومنها قول الله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):

{لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ }

فبعد إثبات أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس نبه النص على أنه لا يصح التسوية بين الأعمى والبصير ، ولا بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئين ، إن حكمة خالق هذا الكون الكبير المتقن البديع تأبى هذه التسوية ، وإذا كانت هذه التسوية مرفوضة فإن أمر الجزاء واقع لا محالة ، وذلك يكون يوم القيامة ، وإذ وصل النص إلى إبراز هذه الحقيقة قرر أن الساعة آتية لا ريب فيها .

أي: فخلق السماوات والأرض شاهد على إمكان إعادة خلق الإنسان بعد فناء جسده ، والداعي لهذه الإعادة قانون الجزاء الحكيم .

* التوهم الثاني:

توهم أن خلق السماوات والأرض وخلق الأحياء قد أصاب الخالق بالإعياء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

ولقد رد القرآن هذا التوهم ببساطة ووضوح ، وذلك بإثبات أن خلق الله للأشياء كلها إنما يكون بتوجيه الإرادة والأمر ، فإذا أراد أن يخلق شيئاً قال له : كن فيكون ، ومن كان أمر خلقه كذلك فلا يمكن أن يصيبه الإعياء في القدرة أبداً .

وقد نفى الله أن تصاب قدرته بالإعياء بسبب خلقه للسماوات والأرض وما فيهن ، فقال تعالى في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

وعدم الإعياء بالخلق هو مقتضى قدرة الرب الخالق ، ولذلك قال الله تعالى مستنكراً لو أن تفكيرهم ، متسائلاً تساؤل المتهكم بإنكارهم في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}

أي : بل هم في شك من إمكان خلق جديد لمن سبق له أن خُلق ثم مات وفني جسمه .

وبين الله مدى قدرته العظيمة على ما خلق ما يريد من شيء بمجرد توجيه أمر التكوين له ، فقال تعالى في سورة (يس/36 مصحف/41 نزول):

{إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}

على أن نفي الإعياء ومناقشة المنكرين في هذا الأمر ، وكذلك مناقشتهم حول بعض التوهمات الأخرى ، إنما هو تنزل من الخالق العظيم إلى مستوى تفكير المنكرين وعقولهم الساذجة ، لإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه ، ومحاصرتهم محاصرة فكرية ملزمة بالحق ، على أن في هذه البيانات لفت نظر إلى حقيقة الربوبية ، وأن من مقتضى خصائص صفات الربِّ الخالق قدرته الكاملة على الخلق ، وهذه القدرة لها صفة البقاء الأزلي الأبدي ، فهي لا تتناقص ، ولا تختل ، ولا تعرض لها عوارض التغير ، فلله الخالق الأزلي الأبدي كلُّ صفات الكمال المطلق .

* التوهم الثالث:

توهم المنكرين أن من يموت من الناس يضل رفاته في الأرض ، فتذهب صورته وصفاته ، فكيف يرجع الله هذه الذوات والصفات ، وكيف يجمع هذه الذات المتفتتة من عظامهم؟

وأثر هذا التوهم يظهر في توهمهم أن علم الله غير محيط بكل صغيرة وكبيرة من أعداد الذين يموتون من الناس ، وغير محيط بصفاتهم وأوضاعهم وأعمالهم .

وقد ذكر الله مقالتهم التي تدل على هذا التوهم من توهماتهم ، بقوله تعالى في سورة (السجدة/32 مصحف/75 نزول):

{وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}

أي: بل علة نفوسهم أنهم لا يريدون أن يقبلوا مبدأ لقاء ربهم ، حتى لا يحجزهم اعتقاد هذا المبدأ عن الانطلاق في الفجور ، وما يوردونه على قضية الآخرة وما فيها من حساب وجزاء ليس إلا تعلاَّت.

وذكر الله مقالتهم هذه أيضاً في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول) فقال تعالى :

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبئُكُمْ إِذَا مُزقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ}.

أي : فهم في عذاب في حياتهم يأتيهم من داخل نفوسهم المجرمة المتمردة على الحق ، وهم في الضلال البعيد في عقيدتهم وفي سلوكهم .

ولدفع هذا التوهم من توهماتهم تنزل الله إلى مستوى مداركهم فأثبت لهم إحاطة علمه بكل شيء ، ومن ذلك علمه سبحانه الذين يموتون أعداداً وصفات كاملة ، وأن من مقتضى كونه تعالى هو الرب الخالق ، والموجود الأزلي الأبدي ، أن يتناول علمه كل ما يجري في مخلوقاته ، حتى ما توسوس به نفوس الناس من غير أن ينطقوا به ، ودون أن يسمعه منهم أحد . وأثبت لهم أيضاً أن الملائكة الكرام الكاتبين والملائكة الذين يقبضون الأرواح ويتوفون الأنفس يسجلون كل واحد من الناس أحياءً وأمواتاً ، بذواتهم وصفاتهم وأفعالهم وأقوالهم في كتاب حفيظ .

وفي الرد على هذا التوهم الذي يحتمل أن يكون مصدر تعجبهم إذ قالوا:

“أئذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد” قال تعالى في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}

وأثبت الله إحاطة علمه بكل صغيرة وكبيرة في مقام عرض إنكارهم للساعة وذلك على سبيل الرد عليهم فقال تعالى في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}

وشاهد هذا الشمول العلمي لله تعالى سير كل شيء في هذا الكون ضمن نظام محكم دقيق لا يعتريه أي خلل ، وهذا يسقط توهمهم .

وفي بيان إحاطة علمه تعالى بما توسوس به نفوس الناس دون أن يطلعوا عليه أحداً ، قال سبحانه في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}

وفي بيان مراقبة أقوال الناس وحفظها قال الله تعالى في سورة (ق/50 مصحف/34 نزول):

{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}

وحين يلاحظ المنكرون هذه الحقيقة من حقائق الرب الخالق يسقط هذا التوهم من توهماتهم ، ويعرفون أن الله على كل شيء قدير ، ويعلمون أن وعد الله حق .

على أنهم لو نظروا فيما انتهت إليه البحوث العلمية لرأوا أنها قد أثبتت هذا السجل الكوني الكبير ، الذي تسجل فيه الأعمال كلها ، والأقوال ، وخواطر الأنفس ، ووساوسها ، ونياتها .

لقد أثبت العلماء أن كل حرف نقوله وكل عمل يصدر عنا يسجل في الأثير ، ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله ، متى تهيأت الأجهزة القادرة على كشف ما في هذا السجل الكبير ، والتحكم بموجاته ، فصور كل كائن من القرون الأولى وأصوات كل كائن مسجلة تسجيلاً كاملاً ، منذ وجوده حتى آخر وجوده لحظة بلحظة ، لا يضيع منه شيء صغيراً كان أو كبيراً ، في النور أو في الظلمات ، في السرِّ أو في العلن ، وأثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا وخواطرنا تحفظ في شكلها الكامل وفق تسلسلها ، ولسنا بقادرين على محوها أبداً ، وإن نسيناها في عقلنا الظاهر أو في مستوى شعورنا ، إنها تظل محفوظة أبداً لدينا فيما يسمى عند علماء النفس (ما تحت الشعور) وما هو محفوظ فيما تحت الشعور هو الجانب الأكبر من مجموع المحفوظات في كياننا الإنساني ، فالقضية لا تحتاج يوم القيامة أكثر من كشف الغطاء عن مستوى ما تحت الشعور ، وعرض شريط صور (فيلم) حياتنا كلها المسجل في الأثير[17] .

فهذا التوهم القديم الذي لم يكن يتصور مدى هذا التسجيل قد أصبح ساقطاً اليوم بالمكتشفات العلمية ، وتحقق قول الله عز وجل في سورة (فصلت/41 مصحف/61 نزول):

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

* التوهم الرابع :

توهم أن الأشياء التي لا يشاهدونها بالحس ينبغي أن لا يسلِّموا بها ، وأن لا يصدقوها ، فما لم يحدث فعلاً أمام أعينهم بشكل متكرر فهو ممتنع الوقوع .

وأصحاب هذا التوهم قد سيطرت حدود حواسهم الظاهرة على قوة التجريد العقلي فيهم ، فزعموا عدم إمكان العبث ، لأنهم لم يرَوا حياة بعد موت .

وهل باستطاعة أصحاب هذا التوهم أن يلتزموا مذهبهم في كل الحقائق التي يبحثونها أو يمؤنون بها؟

إن معظم النظريات العلمية التي يثبتها العلماء الماديون تشتمل على مضامين لم تشاهد بالحس ، وإنما استنتجها العلماء استنتاجاً عن طريق تعليل الظواهر وتفسيرها .

وكثير مما كان يثبته الإنسان القديم وما يزال يثبته الإنسان الحديث لا يعتبر داخلاً في نطاق الأمور التي يمكن إدراكها بالحس ، كالعقل والروح ، والقوى التي لا تشاهد إلا آثارها وظواهرها .

ولكن رغم أن هذا التوهم مرفوض بداهة قد يكابر به بعض المعاندين ، فيزعم بوقاحة أن الأشياء التي لا يشاهد لها أمثلة واقعة هي ممتنعة الوقوع .

ولنا مع أصحاب هذا التوهم محاكمات كثيرة ، نلزمهم فيها بإثبات أشياء كثيرة في أنفسهم ، وفي الكون من حولهم ، يستنتجون هم وجودها استنتاجاً ، مع أنها غير مدركة بأية حاسة من حواسهم .

ومع كل هذا فقد تنزَّل القرآن إلى مستوى مداركهم فضرب أمثلة مدركة بالحس دائمة الوقوع في الكون ، تُقرِّب إلى تصوراتهم صورة الحياة بعد الموت .

إن جفاف الزرع وانقطاع تغذيته من الأرض ، وحصاده وتحطمه ، يشبه حالة الموت في الأحياء ، ثم إن السنة الكونية الدائمة الظاهرة المشاهدة في عملية انشقاق الحبوب في بطن الأرض ،ونباتها بعد ما سبق من حالتها التي تشبه حالة الموت ، وعودتها إلى الحياة والنضر كرَّة أخرى ، وذلك عند وجودها في البيئة الملائمة من ماء ممتزج بالتراب الصالح ، لتعطي تقريراً حسياً مشاهداً باستمرار في الظواهر الكونية لقصة بعث الحياة بعد موت الأجساد الحية ، وتفرُّق أجزائها في تراب الأرض ز

وقد نبَّه القرآن على هذا الشاهد الكوني الذي يقرب إلى تصور أصحاب هذا التوهم إمكان الحياة الأخرى ، وأنها تشبه عودة الحياة إلى الزروع والنباتات بعد جفافها وما يشبه حالة الموت فيها .

فقال الله تعالى في سورة (الحج/22 مصحف/103 نزول):

{وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُل زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ}

وقال أيضاً في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

{فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

وقال أيضاً في سورة (فصِّلت/41 مصحف/61 نزول):

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

يضاف إلى هذا الشاهد المتكرر ما ضربه الله من أمثلة تجريبية واقعية ، أجراها في أزمنة ماضية لحياة الإنسان بعد الموت .

فمن ذلك حادثة أهل الكهف وكيف ضرب الله على آذانهم ثلاثة قرون وتزيد ، ثم أعثر عليهم ليعلم الناس بشهادة الحس كيف يحيي الله الموتى ، وقص الله علينا قصتهم في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول) ثم قال تعالى :

{وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا..}.

ومن ذلك أيضاً قصة (العزيز) الرجل الصالح من بني إسرائيل ، إذ مر على قرية أموت فقال : “أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟” فأماته الله مئة عام ثم بعثه وشاهد مشاهدة حسية كيف أحياه الله بعد أن أماته ورأى بنو إسرائيل من أهل قريته هذا الحدث التاريخي العجيب ، وقد أخبرنا الله تعالى بهذه القصة في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) فقال:

{أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

ومن ذلك أيضاً قصة إماتة الألوف من بني إسرائيل حين أمروا بقتال عدوهم ، فخرجوا من ديارهم فارين من مقابلة العدو حذو الموت ، ثم بعد هذه الإماتة الجماعية أحياهم الله ليعملوا أن الفرار من القتال لا يحمي من الموت ، وليعلموا أن البعث حق ، وقد ذكر الله قصة هؤلاء في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) فقال تعالى :

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}

ومن ذلك أيضاً قصة إحياء قتيل بني إسرائيل ،لسؤاله عن القاتل ، وهذه القصة قد أخبرنا الله بها في أوائل سورة (البقرة) وقد أوجز المفسرون هذه القصة بأنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر له ابن واحد ، قتله ابن عمه طمعاً في ميراثه ، ثم جاء يطالب بدمه قوماً آخرين ، فأنكر المتهمون قتله ، وترافع القوم إلى موسى عليه السلام ، كل منهم يدرأ التهمة عن نفسه ، فقال لهم موسى : إن الله يأمركن أن تذبحوا بقرة ، وذلك ليتبين لهم القاتل الحقيقي فقالوا له : أتهزأ بنا؟ فقال موسى : معاذ الله أن أكون من الجاهلين ، فسأل بنو إسرائيل موسى عليه السلام عن أوصافها ، وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، ثم عثروا عليها وذبحوها وما كادوا يفعلون ، ثم ضربوا جسد القتيل ببعض البقرة التي ذبحوها وفق الأمر الإلهي ، فأحيا الله القتيل وأخبر عن قاتله .

ومن ذلك أيضاً قصة إحياء الطيور الأربعة لسيدنا إبراهيم عليه السلام ، لما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى .

ومن ذلك أيضاً معجزة عيسى عليه السلام ، إذ كان يحيي الموتى بإذن الله ، كما هو معلوم من معجزاته وآيات رسالته .

* التوهم الخامس :

توهم المنكرين أن مراد الخالق في إبداع الحياة وخلقها لا يتعدى حدود هذه الحياة الأولى ، وأن كل حكمته من الخلق تتم فيها .

وهذا التوهم فيه اتهام لحكمة الخالق بالعبث ، وهو ما سبق أن ناقشنا به منكري اليوم الآخر قبل أن نطرح توهماتهم للمناقشة ، وذلك لأن منحة العقل ، والإرادة الحرة ، وبعض القدرة على التنفيذ تستلزم المسؤولية ، وإلا نجم عنها الفساد الذي لا حدود له دون غاية ، وهو أمر ينافي الحكمة ، والمسؤولية تستلزم المحاسبة والجزاء ، وإلا كانت مسؤولية شكلية لا قيمة لها ، وهو أمر ينافي الحكمة أيضاً ، والجزاء يقتضي العقاب والثواب ، وإلا كانت مسؤولية ناقصة تنهى عن الشر ولا تأمر بالخير ، أو لا تشجع على الارتقاء في درجات الفضائل ، وهو أمر ينافي كمال الحكمة أيضاً ، والله تبارك وتعالى قادر حكيم منزَّه عن النقص في ذاته وصفاته وأفعاله ، فلا يصدر عنه سبحانه إلا الكمال ، ولا تكون أفعاله إلا مطابقة لكمال الحكمة .

وقد سبق أن عرضنا دفع القرآن لهذا التوهم ، واستشهدنا بعدة نصوص قرآنية .

منها قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}

ونصوص أخرى نفى الله فيها عن نفسه أن يكون قد خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ، أو خلقها على سبيل اللهو واللعب ، بل خلقها لحكمة ، وهذه الحكمة تقتضي مسؤولية الإنسان ومن على شاكلته ، والمسؤولية تستلزم الجزاء بالثواب وبالعقاب ، وظروف الجزاء الكامل غير موجودة في هذه الحياة الدنيا ، فلا بد من حياة أخرى يكون فيها هذا الجزاء .

ولا ننسى أن هذا التوهم قد ورد في مقالات منكري الحياة الآخرة ، وقد حكى الله مقالتهم التي تنم عن هذا التوهم من توهماتهم ، فقال تعالى في سورة (الدخان/44 مصحف/64 نزول):

{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}

وحكاها أيضاً في نصوص أخرى سبق الاستشهاد بها .

*التوهم السادس :

توهم المنكرين عدم إمكان تلقي الرسل الأخبار عن الله تعالى ، وعدم معرفتهم شيئاً من الغيب .

وقد عرض الله مقالة منكري الحياة الأخرى المشتملة على هذا التوهم من توهماتهم ، فقال تعالى في سورة (سبأ/34 مصحف/58 نزول):

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ}

وكان مطلبهم أن ينزل الله ملائكة يبلغونهم الأخبار عنه ، أو يرون الله ويخاطبهم خطاباً مباشراً ، وقد ذكر الله مطلبهم هذا بقوله تعالى في سورة (الفرقان/25 مصحف/42 نزول):

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً}

والرد على أصحاب هذا التوهم يأتي ببساطة ، ويتلخص بأن وعد الله بالدار الآخرة والحياة بعد الموت جاء على ألسنة الرسل المؤيدين بالمعجزات الباهرات ، والله سبحانه لا يؤيد بمعجزاته من يكذب عليه ، وبأن الله يستحيل عليه – سبحانه – الكذب في الأخبار ، وقد أخبرنا في كتابه المنزل بذلك .

ولا تعدو مناقشة هؤلاء المناقشة حول الرسل والكتب واستحالة الكذب على الله تعالى ، وأن لله أن يصطفي من يشاء من عباده ، لتبليغ رسالاته للناس ، وأن يتخذ ما يشاء من وسائل لإعلام رسله برسالاتهم ، وإعطائهم ما يكون حجة لهم أمام الناس ، حتى يصدقوهم ويثقوا بأخبارهم .

هذا إحصاء توهمات منكري الحياة الآخرة ، وما فيها من جزاء بالثواب وبالعقاب .

وبعد إسقاط هذه التوهمات ودفعها ، وبيان أنها لا تصلح بحال من الأحوال لأن تكون مستنداً لرفض الإيمان بالآخرة وما فيها من جزاء ، من قبل المعترفين بوجود الخالق العظيم لهذا الكون ، وبعد هذا الحصار الفكري للمنكرين حصاراً تاماً ، لا يبقى لهم مخرج إلا طريق الإيمان والتسليم ، إذا كانوا حريصين على احترام عقولهم ، وحذرين من عاقبة إنكارهم . أما إذا لم يكن لديهم هذا الحرص وهذا الحذر فباستطاعتهم أن يظلوا جاحدين بوقاحة ، ومنكرين بعناد لا مبرر له ، ومورطين أنفسهم بكبرهم في إصرار من ورائه عذاب شديد ، وشقاء لا نهاية له ، ثم إنهم لا يظفرون بأي كسب مادي أو نفسي لحياتهم الدنيا من جراء هذا الإنكار ، إلا أوهام الاستكبار والعناد ، والرغبة بالانطلاق في الجرائم والآثام ، دون أن ت تحرك قلوبهم بالخوف من مغبة ما يفعلون .

ولقد كشف الله عن هذه الدوافع التي تدفع المنكرين إلى التكذيب بالحياة الأخرى .

أما الكبر الذي جعل قلوبهم تنكر ، فنجده في قول الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

{إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}

وأما الرغبة بالانطلاق في الجرائم والآثام ، فنجده في قول الله تعالى في سورة (القيامة/75 مصحف/31 نزول):

{بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ}

والفجور: هو التدفق الوقح إلى فعل الشرور والآثام والجرائم ، دون رادع ، أو ضابط من دين أو ضمير .

( 7 )

مع العظم واستناده إلى أقوال (برتراند رسل)

بعد أن عرض الناقد (د. العظم) أقوال (برتراند رسل) التي أنكر فيها الحياة الأخرى ووجود الله تبارك وتعالى ، وعرض فيها نظرة الماديين الملحدين إلى الكون والحياة والإنسان ، والتي سبق أن نقضناها وكشفنا زيفها فكرياً وعلمياً ، قال (د. العظم) بأسلوبه التزييفي في الصفحة (27) :

“لنقارن بين هذه النظرية العلمية المجردة القاسية الباردة ، وبين القصة الدينية الإسلامية الجميلة المريحة الدافئة التي تعودنا عليها . نجد أن الغيبيات والملائكة والصلوات والمعجزات والجن تؤلف جزءاً لا يتجزأ من التعليل الديني لنشأة الكون وطبيعته ، كذلك الأمر بالنسبة لتاريخ الإنسان ومصيره”.

هذا كلامه حرفياً ، ولست أدري كيف يسمح لنفسه هذا الإنسان ومن هو على شاكلته من الملحدين أن يبلغوا هذا المستوى التافه السخيف من التدجيل والتزييف ، الذي لا يقبله صغار المثقفين ، فضلاً عن الذين أخذوا من جوانب المعرفة قدراً مناسباً ، وعرفوا مداخل الزيف .

إن ما أسماه بالنظرية العلمية المجردة القاسية الباردة ،قد عرفنا بالمناقشات العلمية التي أوردناها فيما سبق أنها فرضيات احتمالية صاغها الملحدون باسم العلم ، وليس لها براهين علمية مقبولة ، ثم تلقفها المجرمون في الأرض وأخذوا يروِّجون لها ، ويلبسونها أثواب الحقائق العلمية ، ويعطونها من قوة التثبيت ما لا تملك شيئاً منها .

فكونها نظرية دعوى باطلة ، لأنها فرضيات احتمالية لم تدعها أدلة تجعلها في مستوى النظريات .

وكونها علمية هي أيضاً دعوى باطلة ، لأن الفرضيات ظنون ضعيفة لا يصح تسميتها علماً ، لا سيما إذا كان يوجد ما يخالفها مما تدعمه الأدلة دعماً أقوى من دعمها .

وكونها مجردة قاسية باردة لا أجد له تفسيراً واقعياً إلا أنها مجردة عن المنطق السليم ، ومجردة عن أية غاية كريمة ، وقاسية على النفوس قسوة الباطل حينما يبهت الحق بتزييفه ، وباردة برود الموت الذي لا يستطيع أن يحيا .

وأدهى من ذلك وأمر ما نجده من خلط عجيب لا يفعله إلا وقح شديد الوقاحة ، أو جاهل بالدين شديد الجهل ، وذلك إذ يزعم : “أن الغيبيات والملائكة والصلوات والمعجزات والجن تؤلف جزءاً لا يتجزأ من التعليل الديني لنشأة الكون وطبيعته ، كذلك الأمر بالنسبة لتاريخ الإنسان ومصيره”.

فهل يجد أحد في الدين أن الصلوات كان لها أثر في نشأة الكون وطبيعته؟

هل يجد أحد في الدين أن الجن جزء لا يتجزأ من التعليل الديني لنشأة الكون وخلقه في عقيدة المسلمين؟ هل ساهم الجن في نشأة الكون وخلقه؟

هل يقول مثل هذا أحد من جهلة المسلمين فضلاً عن علمائهم؟

إن الدين يقرر أن الكون قد نشأ بخلق الله له ، ضمن نظام الأسباب والمسببات ، التي إذا اكتشف الباحثون شيئاً منها سمَّوها قوانين طبيعية .

فما هذا الخلط العجيب المفترى على الدين؟! ما هذا الخلط العجيب الذي لا نجد له مثيلاً إلا في أوكار الحشاشين ، أو في مستشفى المجانين؟ أو في أقوال المهرجين؟!

قد يكون عذره أنه لم يقرأ إلا كتب الماركسيين ، ودسائس اليهود وأجرائهم ، ولم يسمع إلا أقوال هؤلاء وأولئك في التهكم على الدين ، فظنها فعلاً مفاهيم إسلامية ، فحملها حملاً ببغاوياً وكتبها في مقالاته مقابل أجر معلوم ، دون أن يرجع إلى المصادر الإسلامية ويحقق فيها .

ولكن هل هذه طريقة باحث علمي أكاديمي يكتب نقداً وينشره بين جماهير المثقفين ، وهو بهذا المستوى الذي لا يليق بصغار أبناء المدارس ، فضلاً عن الذين تضعهم الأوراق المختومة بين كبار الدارسين؟!

أو لعله نظر من بعيد فرأى أن المسلمين يصلون لله خالق الكون وفاطره ، ويعتقدون بأنه يوجد مخلوقات أخرى غيرهم خلقهم الله كما خلق البشر ، إلا أنهم مزودون بخصائص وصفات ليس لدى البشر نظيرها ، فمن هذه المخلوقات الملائكة ، ومنها الجن . والمسلمون يعتقدون بها تصديقاً لخبر الله ، دون أن يعتقدوا بأن لها مشاركة في تعليل نشأة الكون وطبيعته ، وإنما لها تاريخ فيه كما للإنسان فيه تاريخ ، ولها وظائف فيه ، كما للإنسان فيه وظائف ، ثم بنى (العظم) على نظرته هذه التي نظرها من بعيد إلى المسلمين وعقائدهم ، فزعم أن كل هذه الأمور جزء لا يتجزأ من التعليل الديني لنشأة الكون وطبيعته وتاريخ الإنسان ومصيره .

إن مثل (د. العظم) في صنيعه هذا كمثل من يراقب مطبخ الجيش المحارب من بعيد ، فيرى فيه الكوسا والباذنجان وأكياس البصل وأواني الأطعمة المحفوظة وأدوات الطبخ وأسياخ شي اللحم ، فينسى وظائف هذه الأشياء فيقول : إن هذا الجيش المحارب يستخدم في حربه (الكوسا والباذنجان والبصل وعلب الطماطم) ويعدد ما شاهد في مطبخ الجيش ، ثم يقول : إن هذه الأشياء تمثل عند عدوناً جزءاً لا يتجزأ من القيادة العامة للجيش .

كان باستطاعته ما دام قد وصل إلى هذا الحد من السخافة الفكرية النقدية أن يضيف أشياء كثيرة لا حصر لها من الدين ، ويجعلها جزءاً لا يتجزأ من التعليل الديني لنشأة الكون وطبيعته وتاريخ الإنسان ومصيره ، فله أن يضيف مع الصلوات التي ذكرها الزكاة والصوم والحج وتحريم الربا وتحريم الخمر والميسر ، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل ، وتحريم الغش ، وتحريم العدوان والظلم وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأن يضيف مع الملائكة والجن جميع الحيوانات والنباتات التي خلقها الله ، والجبال والأوديان والأنهار والسحاب والليل والنهار والسماء والأرض ، فكلها مذكورة فعلاً في القرآن ، ولكن لكل منها مناسبة ، ولكل منها موقعاً ، ولا علاقة لها بتعليل نشأة الكون وطبيعته ، وإنما هي أجزاء موجودة في الكون تحتاج هي إلى تعليل ، وليست جزءاً من التعليل .

فيا لهذا من مغالطة متهافتة جداً ، تكشف لأصغر طلاب المدارس زيف كاتبها ، إذا كان لديه ولو قدر يسير من المعرفة الدينية .

* * *

الفصل السابع

مع “برتراند رسل” و”فرويد”
إمـامي العظـم

( 1 )

من غريب ما شهدت في أقوال الناقد (د. العظم) في كتابه “نقد الفكر الديني” ظاهرة داء التعصب المذهبي لأقوال قادة المذهب المادي الإلحادي ، لا سيما واضعو النظريات الإلحادية المادية من اليهود ، كأنه لا يكاد يرى علماً إلا ما قالوه ، ولا يكاد يمجد نظرية أو رأياً إلا ما ينسب إليهم ، ولا يكاد ينظر إلى مدرسة علمية في العالم غير المدارس التي تنسب إليهم ، حتى كأن أقواله فيهم أقوال عاشق مشغوف بحب لا أقوال باحث علمي دارس للعلوم وعارف بمختلف النظريات .

أتُراها هي العمالةُ وأعمالها المأجورة تفعل كل هذا؟ أم الغفلة والفتنة والتعصب الأعمى؟

إنه ليس من قبيل المصادفة أن يتعمَّد التنويه بأسماء اليهود الذين وضعوا الآراء والمذاهب الإلحادية ، وصنعوا لها ما أسموه بنظريات علمية ، فصاغوا مذاهبهم (نظرياتهم) في الاجتماع ، وفي الاقتصاد. وفي المادية الجدلية ، وفي الدراسات النفسية .

وليس من قبيل المصادفة أن نراه لا يلفت الأنظار بقوة إلا إلى نظرياتهم ، أن العلم الحديث كله ، ومنجزات الحضارة منحصرة فيما قدم هؤلاء من دراسات لم تحظَ في عالم العلم بالقبول التام ، أو لم تؤيد حتى الآن بالبراهين العلمية القاطعة .

ففي الصفحة (20) من كتابه يشيد بكتاب : “أصل الأنواع” لداروين ، ومعلوم أن نظرية داروين قد تبناها اليهود وأذاعوها وأشادوا بها لخدمتها لأغراضهم ، وهو يشيد بكتاب : “رأس المال” لكارل ماركس ، وهو يهودي .

ويكرر في صفحات كتابه الإشادة بالداروينية ، ويسميها النظرة العلمية ، ويكرر الإشادة بالماركسية أو ما يسمى بالاشتراكية العلمية .

وفي الصفحة (39) من كتابه يشيد باليهود الثلاثة : دوركهايم وفرويد وماركس .

وفي الصفحة (41) يشيد ينظرية المادية الجدلية ، ونظرية دوركهايم في الطقوس والعبادات الدينية ، كأنها حقائق علمية لا خلاف عند العلماء فيها .

وفي الصفحة (42) يشيد بالثورة الفرنسية ، وقد أصبح معروفاً تماماً أن اليهود هم الذين صنعوها ، لتحقيق أغراض اليهودية العالمية[18].

وفي الصفحة (43) ينتقد الفكر الإسلامي المرحوم الشهيد (سيد قطب) لأنه رفض نظرية التطور العضوي ، أي : نظرية داروين ، ولأنه رفض نظرية فرويد في مجال الدراسات النفسية ، ولأنه رفض الماركسية أو الاشتراكية العلمية . ثم أخذ (العظم) يمجد ويشيد بهذه النظريات ، كأنه لا يوجد في عالم العلم نظريات علمية غيرها ، وكأن المفروض في كل الناس أن يكونوا مثله مقلدين لأئمته اليهود الذين يقلدهم هو تقليداً أعمى . مقروناً بتعصب شبيه بتعصب الجاهلية الأولى ، بل هو أشد خطراً وأكثر ضلالة ، وكأن المفروض في كل الناس أن يكونوا مثله عشاقاً للقيادات اليهودية العالمية ، أعداء الإنسانية عامة ، وأعداء الأمة الإسلامية والأمة العربية الخاصة .

ففي انتقاده للمرحوم الشهيد (سيد قطب) يقول في الصفحة (42-43) ما يلي:

“في الواقع يذهب سيد قطب إلى أبعد من ذلك في أفكاره التوفيقية ، فيرد المنهج العلمي التجريبي إلى روح الإسلام ، ويعتبر المنهج الإسلامي الأساس الذي قامت عليه النظرة التجريبية العلمية الحديثة ، وليتبين لنا مدى نجاح هذا التوفيق الشامل بين الدين والعلم ما علينا إلا أن نتابع تفكير السيد قطب ، لنجد أنه بعد مفاخرته بأن المنهج الإسلامي هو الأساس الذي قام عليه المنهج العلمي التجريبي نراه يرفض رفضاً باتاً أهم النتائج التي توصل إليها هذا المنهج ، لأنها تتناقض مع العقائد الدينية ، إنه يرفض نظرية التطور العضوي ، مع أنها توَّجت البحوث العلمية في علم الحياة ، ونظرية فرويد مع أنها من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية ، ويرفض الماركسية أو الاشتراكية العلمية ، مع أنها أهم نظرية شاملة صدرت في العلوم الاجتماعية والاقتصادية في العصور الحديثة . أي : إن السيد قطب يرد المنهج العلمي إلى المنهج الإسلامي ، ولكنه يريد أن يبرئهما من جميع التبعات التاريخية الناتجة من قيام العلم ، وأن ينكر كل ما يلزم عن مقدمته الكبرى من نتائج . ولذلك نراه يرد على كل ما تمخض عنه المنهج العلمي من نظم ونظريات علمية وسياسية واقتصادية واجتماعية ، ذلك على الرغم من يقينه أن الجذور التاريخية لكل ذلك تمتد إلى المنهج الإسلامي”.

هذا ما كتبه (د. العظم) في نقده للمرحوم (سيد قطب).

فما أعجب ما اشتمل عليه كلامه من مغالطات!! هل يلزم من الاتفاق على سلوك المنهج العلمي الواحد التسليم بكل النتائج التي يتوصل إليها جميع الباحثين ؟

ألا يحتمل وجود خطأ أو نقص في البحث؟

إننا نشاهد عدداً من الباحثين يتفقون على منهج البحث ، ثم يختلفون في النتائج اختلافاً بيناً ، وقد يكون الاختلاف متناقضاً تماماً .

إذا كان الأمر كما يزعم (د. العظم) فعلينا إذن التسليم بكل النظريات المتعارضة المتناقضة التي تقول بها المدارس العلمية في العالم ، لأنها كلها تعتمد المنهج العلمي التجريبي أو النظري ، ففي الاقتصاد علينا أن نسلم بالنظريتين المتناقضتين : الرأسمالية والاشتراكية العلمية ، وفي السياسة علينا أن نسلم بالنظريتين المتناقضتين : الديمقراطية والديكتاتورية .

إن هذا هراء سخيف لا يقول به عاقل . إن عدداً من الذين يحلون مسألة رياضية قد يختلفون في النتائج ، على الرغم من أنهم يلتزمون قوانين رياضية واحدة ، وهذا يرجع إلى كبوات الخطأ التي قد يقع بعضهم فيها ، فكيف يكون الأمر في الموضوعات الاستنتاجية التي لا يملك الباحث العلمي بالنسبة إليها وسائل تجريبية ، كفرضية (داروين) بالنسبة إلى خلق الإنسان ، وكفرضية (فرويد) في مجال الدراسات النفسية ، على أنه توجد مدارس نفسية أخرى تعارض ما ذهب إليه (فرويد) فهل هذه المدارس العلمية كلها ملزمة برأي (فرويد) إكراماً لعواطف الناقد (د. العظم) نحو إمامه هذا؟ وهل المدارس الاقتصادية في العالم ملزمة بالأخذ بالاشتراكية العلمية ، إكراماً لعواطف (د. العظم) نحو إمامه في مجال الاقتصاد ، اليهودي (كارل ماركس)؟

إن هذا المنطق الإلحادي المتعصب تعصباً أعمى أصم لا يستحق عند العقلاء أكثر من السخرية . ومع ذلك فإننا نحن المسلمين لا نسلك هذا الطريق ، بل نناقش بالمنطق والعقل ولا نسخر ، ونرتقي في الجدال مع الخصوم ومع الأعداء الصرحاء إلى المستوى الجدلي العاقل الرصين ، احتراماً للحقيقة التي نبحث للوصول إليها ، ولتأييدها والتبشير بها ، واحتراماً لمفاهيمنا ومبادئنا التي لا هزل فيها ، ولا تدفع إليها أغراض شخصية ، بل هي مبادئ الحق التي تنزلت بها شريعة الله للناس .

وفيما يلي دراسة موجزة لإمامين من أئمة (العظم) الملحدين ، هما (برتراند رسل) و(فرويد).

( 2 )

مع برتراند رسل

اعتمد (العظم) في دعوته إلى الإلحاد على أقوال الفيلسوف الإنجليزي الملحد (برتراند رسل) الذي مات عام 1970 م ، بعد أن عاش قرابة قرن كامل .

إن هذا الفيلسوف على الرغم من سعة علمه ودراسته ، وعلى الرغم من أنه أمضى كل حياته باحثاً دارساً ، فإنه لم يهتد إلى تكوين فلسفة متكاملة كان يصبو إلى بلوغها .

وكان من الطبيعي أن لا يهتدي إلى فلسفة متكاملة بعد أن اتجه في طريق معاكس للحقيقة ، إذ اختار لنفسه طريق الإلحاد والكفر بالله . إنه لو عاش مئة قرن أو أكثر يبحث عن فلسفة متكاملة وهو ملتزم طريق الإلحاد فإنه لن يصل .

إن الباطل متاهة يضل فيها أزكى الناس وأعلمهم ، ما دام مصراً – لهوى في نفسه – أن يحيد عن الطريق التي سلكها من قبله جماهير العقلاء ، إنه لن يجد هذه الفلسفة المنشودة في المتاهة الفكرية التي سلكها بعيداً عن الطريق ، لأنه متى اهتدى فلا بد أن يعود إلى الطريق ، بيد أنه مصر على أن يظل بعيداً عنه فكيف يهتدي؟.

إنه سيستمر في المتاهة ، وسيظل باحثاً عن فلسفة متكاملة في مكان لا توجد فيه هذه الفلسفة ، شأنه في هذا كشأن من يحفر في جوانب الصخرة الصماء ليجد فيها عين ماء تُروي ظمأه ، وهذه الصخرة منقطعة عن الأرض من كل جوانبها ، فهي لا تتصل بأي عرق من عروق الماء .

ونظراً إلى واقع حال (رسل) التائه عن الحقيقة استطاع البروفسور (ألان وُود) أن يقرظه بقوله :

“برتراند رسل فيلسوف بدون فلسفة”.

واقتباساً مما كتبه المفكر الإسلامي (وحيد الدين خان)[19] ، أجمع هذه الدراسة عن هذا الفيلسوف الملحد .

ذكر وحيد الدين خان أنه قرأ كل أعمال “برتراند رسل” واستطاع بعد قراءتها أن يلتقط من أقواله ما يكشف عن النهايات الفكرية التي انتهى إليها .

إنه بعد أن درس الفيزياء ، وعلم الحياة ، وعلم النفس ، والمنطق الرياضي ، انتهى إلى أن مذهب “التشكيك (في الوجود) مستحيل نفسياً” ومع ذلك فإن الإنسان عاجز عن أن يحيط إلا بأقل قدر من المعرفة ، ويقول بالنسبة إلى الفلسفة : “تدَّعي الفلسفة منذ القدم ادعاءات كبيرة ، ولكن حصيلتها أقل بكثير بالنسبة إلى العلوم الأخرى”.

وما اعترف به (رسل) بعد دراسة طويلة ذكره القرآن بتعبير بسيط ، إذ قال الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

{….وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.

ويتضمن هذا البيان القرآني أن الإنسان لم يؤتَ من الوسائل العلمية التي يمكن أن تعرِّفه بالحقيقة إلا قدراً محدوداً جداً ، بيد أن الحقائق في الوجود كثيرة جداً ، ومن المتعذر على الوسائل المحدودة أن تدرك من الوجود الواسع إلا على مقدارها ، وكل زيادة على مقدارها دون مستند خارجي عنها يعتبر تكهناً ، وضرباً من الظن الاحتمالي الضعيف ، وهذا الظن لا يغني من الحق شيئاً .

فعجز الإنسان عن الوصول إلى معارف واسعة من حقائق الكون الباطنة يرجع إلى أن وسائله العلمية لا تستطيع أن تشاهد إلا ظواهر تأخذ منها علماً وصفياً للسطوح الظاهرة ، أما الحقائق الباطنة فلا سبيل إليها إلا عن طريق التفسير الاستدلالي أو الاستنتاجي ، وهذا التفسير الاستنتاجي لا يستطيع أن يحدد ماهية الحقيقة ، إنما قد يستطيع أن يشير إليها إلى بعض صفاتها وخصائصها .

ويقول (رسل): “إن تصورنا العملي للكون للكون لا تدعمه حواسنا التجريبية ، بل هو عالم مستنبط كلياً”.

ويبلغ الأمر به إلى أن يقول : “إن أفكار الناس لا توجد إلا في مخيلاتهم فحسب” أي : إن التجربة لا تستطيع أن تثبت مطابقة هذه الأفكار للواقع .

وانتهى (رسل) أيضاً إلى أن التجربة أعطيت لها أكبر أهمية ، ولذلك يجب أن تخضع “التجريبية” كفلسفة لتحديات هامة .

يقول هذا حتى في النظريات والقوانين العلمية ، ومع ذلك فإنه يختار لنفسه مذهب الإلحاد ، ويعتمد على افتراضات لا يمكن إخضاعها للتجربة بحال من الأحوال ، وذلك بالنسبة إلى نشأة الكون والحياة ،ويرجح الداروينية مع أنها وجهة نظره فكرة استنباطية لا تدعمها التجربة ، ولا تزيد على أنها فكرة في مخيلات أصحابها .

وحين اعتمد (د. العظم) على أقوال (رسل) في نشوء الكون وتطوره ونشوء الحياة وتطورها ، إنما اعتمد على قول إنسان يرى أن ما يقوله في هذا المجال لا وجود له إلا في عالم التخيلات الإنسانية فحسب .

فكيف يصح له أن يستهين بعقول شبابنا وثقافة القارئ العربي ، فيزعم بعد أن عرض القطعة الأدبية التي كتبها “رسل” عن قصة الكون ونشأة الحياة ، أن (رسل) يلخص بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره – نشوء الحياة وتطورها – أصل الإنسان ونشأته وتطوره – النهاية الحتمية لجميع الأشياء وهي العدم وأنه لا أمل لكائن بعدها بشيء؟

أهذه هي النظرة العلمية التي يعتقد المنقولة عنه أنه لا وجود لها إلا في مخيلة القائلين بها ، وليس لها مستند من الواقع يدعمها؟

ولكن هكذا راق لـ(د. العظم) أن يضلل . لقد قرر أنه لا وجود للحق والعدل والروح والجمال والخالق ، كما صرَّح بذلك في الصفحة (38) من كتابه ، لذلك فلا مانع عنده من أن ما يراه (رسل) تخيلاً يصح أن يطلق عليه عبارة النظرة العلمية المحققة ، فالقضية عنده لا تزيد على أنها وسائل دعائية جدلية لدعم مذهبه الإلحادي ، أما أن يكون الكلام حقاً أو باطلاً ، صدقاً أو كذباً ، قضية علمية أو تصوراً تخيلياً . فهذا غير مهم ألا يمكن أن يكون طرح مثل هذا التزييف وسيلة لتضليل بعض الناس؟ ألا يمكن أن يكون مثل هذا التزييف شبكة لصيد بعض المغفلين ، حتى يكونوا جنوداً مسخرين في أيدي المنظمة الإلحادية العالمية ، التي تعمل لخدمة مصالح معينة لفئة خاصة من الناس؟

لكن معظم شبابنا سيكتشفون بسرعة هذا الزيف ، وسيسخرون منه ، وسيقابلونه بالتحدي العلمي الذي تقوم عليه مبادئ الإسلام .

( 3 )

ويقول (رسل) أيضاً: “لقد وجدت أن معظم الفلاسفة قد أخطأوا في فهم الشيء الذي يمكن استنباطه بالتجربة فحسب ، والشيء الذي لا يمكن استنباطه بالتجربة”.

ويقول أيضاً: “لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر . لقد كانت لأعمال (نيوتن) أربعة تخيلات أساسية: المكان والزمان والمادة والقوة . وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسياً في علم الطبيعة الحديث . فقد كان الزمان والمكان من الأشياء الجامدة والمستقلة عند (نيوتن) والآن قد تم استبدالهما بما يسمى “المكان – الزمان” والذي لا يعتبر جوهرياً أساسياً ، وإنما هو نظام للروابط ، وأصبحت (المادة) شكلاً لسلسلة الوقائع ، وأصبحت (القوة) الآن (الطاقة) والطاقة نفسها شيء لا يمكن فصله عن المادة الباقية . والسبب كان هو الشكل الفلسفي لما كان يسميه علماء الطبيعة بالقوة ، وقد أصبح هذا التصور قديماً ، إن لم أقل : إنه قد مات فعلاً ، إلا أن هذه الفكرة لم تعد قوية كما كانت من قبل”.

فهذا هو (برتراند رسل) يرى أن التفسيرات التي يفسر بها العلماء الماديون ظواهر الطبيعة تفسيرات لا تمثل الحقيقة الواقعة تمثيلاً يوثق به ، وهذه التفسيرات تخضع للتغير وفق اختلاف النظرات التي يراها الباحثون .

ويقول أيضاً: “إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً ، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل”.

ويقول أيضاً: “إن العلوم تشمل كلا العالمين : الحقيقي والعالم المتخيل وجوده . وكلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد ، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة ، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية يتم استنباطها بناءً على المشاهدة . والحقيقة أنه لا يمكن رفض مذهب الشك الكلي إطلاقاً ، إلا أنه مع ذلك يصعب قبول التشكيك الكلي في نفس الوقت”.

ويقول أيضاً: “إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية (في النظريات أو الآراء) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون بكثرة وبدون جدوى”.

فمن هذه الأقوال المقتبسة مما كتب (رسل) نلاحظ أن فلسفته تعتمد على الاعتراف بأن العلوم متى تجاوزت منطقة المدركات الحسية فإنها لا تملك معارف يقينية ، ولكن مع ذلك لا بد من قبول هذه المعارف التي يتوصل إليها بالاستنباط وإن لم تكن يقينية ، لئلا تتعطل الحياة العلمية وتقف عن الإنجاز ، إذ لا سبيل إلى اليقين فيها .

هذا هو مذهبه الفلسفي ، فليس هو من الذين لا يقبلون إلا ما يدرك بالحس المباشر أو غير المباشر ، وإنما يجعل ما يقبله من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية ، لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين .

فما الذي صده عن الإيمان بالله ، والأدلةُ الاستنباطية الترجيحية عليه أقوى بكثير من التخيلات الأخرى التي يفسر بها الملحدون نشأة الكون وتطوره ، ونشأة الحياة وتطورها؟

هنا تظهر عقدة الهوى والتعصب ضد الدين عند (رسل) وعند سائر الملحدين ، وهذا التعصب لا تدعمه أدلة مرجحة لقضية الإلحاد ، بل ليس للإلحاد في الحقيقة أي دليل غير مجرد سفسطات وتخيلات تقوم في رؤوس أصحابها فقط ، إن التفسير البديل لقضية الإيمان بالخلق الرباني إنما هو فرضية الارتقاء وأزلية المادة ، أما أزلية المادة فقضية مرفوضة علمياً ، وأما الارتقاء فيعبر عنه السير “آرثر كيث” من علماء هذا العصر بقوله : “الارتقاء غير ثابت ، ولا يمكن إثباته ،ونحن نؤمن بهذه النظرية لأن البديل الوحيد هو (الإيمان) بالخلق المباشر ، وهو أمر لا يمكن حتى التفكير فيه”.

وإذا تساءلنا لماذا لا يمكن التفكير فيه؟ كان الجواب الوحيد : لأنه لا يسمح له هواه بأن يعترف بالله الخالق ، وبأن يخضع له بعد ذلك خضوع العبادة والطاعة .

فتمرده وتمرد نظرائه تمرد المستكبرين المعاندين ، لا ضلال الجاهلين الذين لم تكشف لهم أضواء المعرفة طريق الحق .

و(د. العظم) حمّالُ أثقال في مؤخرة ركب الملحدين ، يردد ما يقولون ، وينعق بما يهرفون .

ما أعجب سلطان الهوى ، وسلطان التعصب ، وسلطان الالتزام بالمبادئ الحزبية على الناس .

إن هذه المؤثرات التي تجنح عنهم عن سواء السبيل تسوقهم إلى الشقاء الأبدي والعذاب الأليم ، وتجعلهم يؤثرون الضلال على الهدى ، والظلمات على النور .

( 3 )

مع فرويد

إني لأعجب أبلغ العجب حينما أجد مثقفاً عربياً يندفع في تمجيد أمثال (فرويد) وهو يعلم أنه يهودي متعصب ليهوديته ، وصديق حميم لهرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة .

أفلا يخطر على باله ولو من قبيل الشك والحذر ، أن التحليلات النفسية التي قدمها (فرويد) تحت ستار الدراسة العلمية المتجردة ، إنما صاغها على الوجه الذي قدمها به ليخدم القضية اليهودية الصهيونية في العالم؟.

أفلا يخطر على باله أن الإلحاد الذي أعلنه لم يكن أكثر من طرح نظري جدلي ، ليفتن الناس به ، وهو في حقيقة وجداني يهودي صميم شديد التعصب ليهوديته ، يخدم عن طريق ستار العلم أغراض الصهيونية؟

وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون متهماً في كثير من تحليلاته وآرائه ، وما على الباحثين إلا أن يعيدوا النظر ألف مرة في كل رأي علمي قدَّمه .

فهل يعقل أن يكون صهيوني متعصب ذو أهداف سياسية معلومة ، وأغراض عالمية مرسومة ، تكيد لجميع الشعوب غير اليهودية بلا استثناء ، أميناً على العلم والمعرفة ، صادقاً متجرداً في كل ما يقدم للناس ، لا سيما في أمور نظرية بحتة لا يملك الباحثون فيها أدلة تجريبية تقدم نتائج يقينية؟

على أن هذا التصور الذي يتصوره أي عاقل من قبيل الشك والحذر ، قد أثبته باحثون متتبعون لحياة (فرويد) ولآرائه في مجال الدراسات النفسية وفي غيرها .

ومن الذين تتبعوه : (د. صبري جرجس)[20] وقد وضع هذا الباحث أصابعه على كثير من آراء (فرويد) المقتبسة من جذور التراث اليهودي الصهيوني ، وأوضح في كثير من المناسبات ما يجعل كثيراً من آرائه (نظرياته) محلاً للريبة أو الجزم بأنه إنما وضعها لخدمة أغراض اليهودية العالمية ، ولم يضعها على أساس دراسات علمية متجردة ، ثم حملت الدعايات اليهودية العالمية آراءه (نظرياته) وروجت لها في جميع الأوساط العلمية والثقافية . ثم وضع اليهود كل ثقلهم الكيدي لجعلها معارف علمية تدرس في الجامعات العالمية ، على أنها فتح في ميادين العلم ، وذلك ضمن الخطط اليهودية المرسومة ضد شعوب العالم ، ولمصلحة الشعب اليهودي فقط . ثم رفعت وسائل الإعلام اليهودية العالمية (فرويد) إلى منزلة غير عادية ، وحمله ملاحدة الشعوب غير اليهودية على رؤوسهم ، وداروا به في الآفاق تمجيداً وإكباراً .

مع العلم بأن الإلحاد الذي أعلنه (فرويد) لم يكن إلا خطة سياسية أخفى بها أهدافه اليهودية الصهيونية . كما فعل اليهود بنظرية (داروين) ، وكما فعل (دوركهايم) في بحوثه العلمية التي قدَّمها باسم البحث العلمي وتحت ستاره . ليخفي أغراضه اليهودية الخاضعة لخطط مرسومة من قبل القيادات اليهودية السرية في العالم .

ومن تتبعات (د. صبري جرجس) اقتبس معظم الدراسات التالية عن (فرويد):

يقول (فرويد) عن نفسه : “ولدت في 6 مايو 1856م في مدينة (فريبورج) بمقاطعة (مورافيا) بجمهورية تشيكوسلوفاكيا الحالية ، وقد كان والداي يهوديين ، وظللت يهودياً أنا نفسي”.

ويعلق الكاتب على قوله : “وظللت يهودياً أنا نفسي” بأن في قوله هذا إيماءً واضحاً بأنه لم يتخل يوماً عن يهوديته ، على الرغم من إعلانه للإلحاد لأن إلحاده هذا لم يكن إلا إلحاداً ذهنياً ، لم يصل قط إلى وجدانه ، ولم يغير شيئاً من محتويات ذلك الوجدان واتجاهاته .

ونقل الكاتب عن (شويزي) – وهي محللة من خاصة (فرويد) وذات معرفة به وصلة وثيقة – أن إلحاد (فرويد) لم يكن إلا إلحاداً زائفاً ، لأنه تركه بعد ذلك متشبثاً باليهودية الصهيونية ، وفياً لها ، سائراً في طريقها ، منفذاً لمخططاتها .

وبدهي أن ندرك أمام هذا أن إلحاده المزيف إنما هو عملية من عمليات المخادعة اليهودية ، لترويج مصنوعات الفكرية في أسواق معاهد العلم والثقافة ، وأنديتها ، ونشراتها ومؤلفاتها وسائر وسائل إعلامها وهذه المصنوعات الفكرية تحمل في طياتها ألغام نسف الحقائق الفكرية الأصيلة الثابتة لدى الشعوب ، بغية خدمة المخططات اليهودية العالمية .

وقد انخدعت بمكيدته مدارس كثيرة من مدارس التحليل النفسي ، وزعمته باحثاً حيادياً ، ومكتشفاً مبدعاً في مجال دراساته التي قدمها ، وكان للعصابة اليهودية التي انتمت إلى مدرسته أثر عظيم في الترويج لأفكاره وآرائه . وكان من ورائها أجهزة الإعلام اليهودية المنبثة في العالم .

ويؤكد الكاتب المتتبع فيقول : “وليس في حياة (فرويد) ما يومئ بأنه قد تخلى يوماً عن يهوديته ، بل إن فيها ما يؤكد تمسكه بها ، واستغراقه فيها إلى درجة غير مألوفة”.

ثم عقد المشابهة بين إلحاده وإلحاد (بن غوريون) وغيرهما من اليهود الذين يعلنون عن إلحادهم ، وذكر أنه مثل إلحاد فرويد في ذاته ، ومن خصائصه أنه لا يرى حرجاً أو تناقضاً في الجمع بين إنكار الله وبين الإيمان بدعوة دينية عنصرية متعصبة تستند إلى كتاب مقدس .

ثم فرق الكاتب بين (بن غوريون) و(فرويد) ، فقال : “ولعل الفارق بينهما أن (بن غوريون) أعلن عن إلحاده ، ثم اتجه في الوقت نفسه إلى العمل السافر من أجل الدعوة العنصرية المتعصبة ، بينما جعل (فرويد) من إلحاده قناعاً يحاول أن يخفي وراءه الوجه القبيح لهذه الدعوة”.

وذكر الكاتب : أن (فرويد) كان يعتز جداً بيهوديته ، وكان على معرفة متضلعة بالحياة اليهودية ، وبالجوانب العقائدية لها ، وبالطقوس الخاصة بها ، وكان يرجع إلى التوراة ويقرؤها ويعجب بما فيها من فكر وفلسفة ، وهذا على خلاف ما أعلنه من إلحاد مزيف .

ألا فليعلم (د. العظم) وسائر ملحدي العرب وغير العرب الذين يتنكرون لدينهم أمتهم هذه الحقائق عن (فرويد) وأمثاله قبل أن يتبعوهم .

وقصة التظاهر بالإلحاد من قبل المضللين اليهود وغيرهم قصة متكررة معروفة ومدروسة ، وهي خطة من خطط المكر بأبناء الأمم الأخرى .

ففي الوقت الذي يكون فيه اليهودي متعصباً شديد التعصب لدينه ، شديد الإيمان به ، والثقة بتعاليمه ، يرى من وسائل خدمة دينه وخدمة الشعب اليهودي ، وخدمة أهدافه السياسية ، أن يتظاهر بالإلحاد وإنكار الله ، وبعدم تمسكه بالدين ، ثم يقدم في أوساط أبناء الأمم الأخرى أفكاراً ومذاهب وعقائد مناقضة لما في الدين ، ويزينها بزخرف من الصياغة النظرية ، ويُلبسها أثواب البحث العلمي المتجرد ، لتفتتن بها الأجيال الناشئة ، وتتلقفها دون أن تشعر بالحذر من أغراض صاحبها ، لأن صاحبها لا ينتمي فكريا ًكما أعلن إلى أي دين حتى يتعصب له ويعمل من أجله .

وهكذا تنطلي الخديعة ، ويدخل المكر على أبناء الأمم ، فيتركون أديانهم بحماسة ، ويقاومونها بشدة ، ويحملون آراء المضلل على رؤوسهم ، على أنها حقائق علمية لا تقبل النقض ولا المعارضة ، ويُضفُون عليها من القدسية العلمية ثوب إجلال وإكبار ، ويروجون لها في أسواق العلم ، وأندية الثقافة ، وأوكار الأحزاب المتصلة بواضعي الخديعة والمخططين لها ، ويكونون جنوداً صادقين في خدمة أفكار المضلل وآرائه ، مع العلم بأنه هو غير صادق فيها ، وإنما اتخذها وسيلة لخدمة غاية أخرى قد وضع عليها قناعاً كثيفاً ، ليستُرها عن جنوده وأتباعه ، ومروجي آرائه ، ومنفذي مخططاته وهم لا يعلمون ، أو هم يعلمون ولكنهم مستأجرون .

( 4 )

نشأ (فرويد) نشأ يهودية مغلقة ، تلقى فيها كل سمات الناشئ اليهودي ، في أسرة شديدة التمسك بيهوديتها .

يقول (د. جرجس) : “وإذا شئنا في هذا الصدد الاستعارة من الفكر الفرويدي نفسه ، وبالتحديد ما أكده من أهمية السنوات الأولى من حياة الطفل في صياغة شخصيته فيما بعد ، لكان جلياً أن المؤثرات الصهيونية التي أحاطت بفرويد منذ نشأته ، وأحاطت بأسرته لعدة قرون من قبل أن يولد ، صبغت شخصيته وفكره على نحو لم يستطع إخفاءه دائماً”.

وقد لا يهمنا تطبيق آرائه ونظرياته عليه كما يقول الكاتب ، لكن حياته في الواقع قد كانت فعلاً مشحونة بالشعور بالذاتية اليهودية ، ذات السمات المعروفة في عامة اليهود .

يقرر الكاتب المتتبع أن يهودية (فرويد) قد كانت ممتدة إلى الجوانب الثقافية والوجدانية في حياته كلها ، ففضلاً عن علاقاته المهنية والشخصية الوثيقة ، التي كادت أن تكون مقصورة على أفراد من اليهود ، فقد كان أيضاً على معرفة متضلعة بالحياة وبالجوانب العقائدية وبالطقوس اليهودية ، كما كان على استيعاب شامل للتاريخ والأدب اليهودي ، ولفلسفة اليهود وعاداتهم ونكاتهم وأقوالهم المأثورة ، وأن (فرويد) على الرغم من مجاهرته بعدم الإيمان قد كان يهودياً في أعماق وجدانه ، وهذا ما جعله شديد الحساسية لأية بادرة يشتبه في اتجاهها المضاد لليهود ، وكانت استجابته لجميع هذه المواقف عنيفة أشد العنف ، وعلى الرغم من أنه لم يشاهد في حياته أي اضطهاد من أجل يهوديته ، إذ ترقى في الدراسة والوظيفة حتى حصل على منصب أستاذ مساعد في الجامعة ، إلا أنه كان يشعر بالاضطهاد في داخل نفسه من أجل يهوديته ، ولذلك كان ينطوي على نفسه وداخل دائرة من أصدقائه ، وكلهم من اليهود ، إذ إنه ما كان ليأنس إلى صديق أو يطمئن إليه إلا أن يكون يهودياً.

وكان انتماؤه ليهوديته لا للبلاد التي عاش فيها حياته ، وهذا ما صرَّح به هو عن نفسه ، فقد قال ذات مرة : “إنه يهودي ، وليس نمساوياً أو ألمانياً” . كذا نقل عنه (جونز) مؤرخ سيرته .

وذكر اليهودي (ماكس جراف) أنه كثيراً ما كان يزور (فرويد) ويدخل معه في نقاش حول ما أسماه “المسألة اليهودية” ، فكان يلاحظ دائماً اعتزاز (فرويد) بيهوديته ، وفخره بانتسابه إلى الشعب اليهودي ، الذي قدم التوراة إلى العالم .

وتساءل (ماكس جراف) ذات مرة عما إذا كان من الخير أن يوجه اليهود أبناءهم إلى اعتناق المسيحية ، إذا اقتضى الأمر ذلك ، فإذا بفرويد يعترض بشدة قائلاً: “إذا لم تنشيء ابنك على أنه يهودي ، فسوف تحرمه من مصدر طاقة لا يمكن أن يعوض بشيء آخر ، إن عليه كيهودي أن يكافح ، ومن واجبك أن تنمي فيه نفسه كل الطاقة اللازمة لذلك الكفاح ، فلا تحرمه من هذه الميزة”.

قال الكاتب المتتبع : “وقد كرر (فرويد) بأن اليهودية مصدر للطاقة في كثير مما كتب.

ويهودية فرويد الوجدانية والعصبية هي التي جعلت البطانة الأولى من مشايعيه كلها من اليهود ، ولما اتسع نطاق التحليل وانتشرت دائرة الملتفين حوله ظل معظم المقبلين عليه من اليهود أيضاً”.

ألا فليعلم ملاحدة العرب أنهم يشايعون بإلحادهم اليهودية العالمية المعادية لهم ولأمته ، ويجندون أنفسهم في صفوف الأعداء .

( 5 )

كما كان (فرويد) يهودياً صهيونياً في مشاعره ووجدانه ، وصديقاً لهرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة[21] ، فقد كان عضواً في بعض المنظمات الصهيونية العاملة .

فمن الحقائق المعروفة أنه قد انضم إلى جمعية (بناي برث) الصهيونية ، أي : جمعية أبناء العهد ، وكان انضمامه إليها في عام (1895م) وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ، وظل يواظب على حضور اجتماعات هذه الجمعية الصهيونية ، التي كانت تعقد يوم الثلاثاء كل أسبوعين طوال عدة سنوات ، وفي هذه الجمعية ألقى (فرويد) أولى محاضراته عن تفسير الأحلام ، وكانت مساهمته في نشاط هذه الجمعية أحد وجوه النشاط القليلة جداً ، التي كان يبيح لنفسه المساهمة فيها ، لأنه كان يضن بوقته أن ينفقه في نشاط لا يلح عليه وجدانه أن يساهم فيه.

ومن المعروف أن جمعية (بناي برث) لا تقبل بين أعضائها غير اليهود ، وليست على غرار الجمعيات اليهودية الأخرى كالماسونية ، وهدف هذه الجمعية في الظاهر رعاية المصالح اليهودية الحضارية والثقافية والخيرية ، أما هدفها الحقيقي فهو العمل في خدمة الصهيونية العالمية .

وقد أنشئت هذه الجمعية أول الأمر في أمريكا ، ثم تكونت لها فروع في كثير من البلاد الأوروبية ، وكان لها نشاط قوي وملحوظ تغلغلت عن طريقه في صميم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد التي أُنشئت فيها ، لا سيما بريطانيا وأمريكا . وسارت في سبيل تحقيق المخطط الصهيوني عن طريق التحالف مع رأس المال اليهودي ، للسيطرة على أجهزة الإعلام ، وفي مقدمتها الصحافة ودور النشر ، وللقضاء على كل من تسول له نفسه أن يتصدى لها ويكشف عن خبائثها .

وتنفيذاً لهذه المهمة عملت الجمعية على إسكات الألسن ، وتحطيم الأقلام ، وهدم الجهود التي كانت تحاول الكشف عن المخططات اليهودية الصهيونية .

وصرح رئيس وفد هذه الجمعية الأمريكي ، في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد بمدينة “بال” بسويسرا في عام (1897م) بقوله :”علينا أن ننشر روح الثورة بين العمال ، وهم الذين سندفع بهم إلى خطوط دفاع العدو ، موقنين بأنه لا نهاية لرغباتهم ، ونحن بأمس الحاجة إلى تذمرهم ، لأنه السبيل إلى تخريب المدنية المسيحية ، والوصول سريعاً إلى نشر الفوضى فيها . ولسوف يحين الوقت سريعاً الذي يطلب فيه المسيحيون أنفُسهم إلى اليهود أن يتسلموا السلطة”.

هذا ما ذكره الكاتب المتتبع .

ومنه يتضح لنا أن (فرويد) – وهو واحد من أعضاء هذه الجمعية الصهيونية – لا بد أن يكون مسخراً لخدمة الأهداف الصهيونية عن طريق نشاطه العلمي ، كما غدا معروفاً تماماً في كل النشاطات التي يقوم بها أصحاب الغايات الخاصة ، إنهم يسخرون ما يستطيعون من نشاطهم لتحقيق غاياتهم ، والحياد العلمي المزعوم أصبح مشكوكاً فيه شكاً يرجح جانب الاتهام دائماً ، فلا ثقة بالحياد العلمي المدعى من قبل ذوي العصبيات الخاصة ، لا سيما أصحاب المكايد من اليهود ، لقد غدا معروفاً ومكشوفاً أنهم يصوغون نظريات كاملة ، ويلبسونها أثواب البحث العلمي الحيادي المتجرد ، كذباً وزوراً ، وغرضهم منها خدمة غاياتهم القريبة أو البعيدة ، علماً بأن هذه المذاهب أو النظريات التي وضعوها لا أساس لها من الصحة بصيغتها العامة ، ولكن قد يكون فيها عناصر صحيحة متفرقة ، ومع هذه العناصر الصحيحة عناصر أخرى فاسدة . تجعل النظرية فاسدة بوجهها العام ، وتكون العناصر الصحيحة فيها هي الطعم الذي يقدم فيها لقبولها جميعاً ، وبقبولها جميعاً يتحقق المطلوب من المكيدة ، ويقع الصيد فريسة صياده”.

ونستطيع أن نقول بيقين : إن كل نظرية علمية تنتهي إلى إقرار الإلحاد بالله ، وبرسالاته ، مذهباً اعتقادياً ، فهي نظرية موجهة لغايات خاصة ، مهما وُجد في عناصرها الأولى من أمور صحيحة ، وعند التتبع البصير الواعي تنكشف العناصر المزيفة الداخلية التي أفسدت الصيغة العامة للنظرية ، وجعلت النتائج التي بُنيت عليها نتائج باطلة .

وبما أن (فرويد) منفذ خطة يهودية صهيونية ، وعضو من أعضاء الصهيونية العالمية ، كان من الطبيعي أن تمجده الحركات الصهيونية ، وتعمل على نشر آرائه وما تسميه بنظرياته ، والتبشير بها بين الأميين[22] ، فهذا العمل إحدى مراحل خطتها .

أما الترويج لأفكاره فقد شهدنا آثاره بشكل منقطع النظير ، حتى أمست آراؤه وأفكاره على ألسنة معظم المثقفين ، وصارت متداولة تداول الحقائق ، وفتن بها الكثيرون ، بتأثير الدعاية اليهودية العالمية .

وأما تمجيده وتكريمه بشكل خاص فنجده فيما فعلته جمعية (بناي برث) الصهيونية ، إذ أقامت حفلاً له بمناسبة بلوغه من العمر سبعين سنة ، ولم يحضر فرويد هذا الحفل ، ولكن أناب عنه في حضوره طبيبه الخاص البروفسور (لدفيج براون) الذي ألقى كلمة فرويد فيه ، وقد جاء في كلمة (فرويد) ما يلي:

“… إن كونكم يهوداً لأمر يوافقني كل الموافقة ، لأنني أنا نفسي يهودي ، فقد بدا لي دائماً أن إنكار هذه الحقيقة ليس أمراً غير خليق بصاحبه فحسب ، بل هو عمل فيه حماقة إيجابية ، إنه لتربطني باليهودية أمور كثيرة ، تجعل إغراء اليهودية واليهود أمراً لا سبيل إلى مقاومته ، قوي انفعالية غامضة كثيرة كلما زادت قوتها تعذر التعبير عنها في كلمات ، بالإضافة إلى شعور واضح بالذاتية الداخلية…

وهكذا وجدت نفسي واحداً منكم أقوم بدوري في اهتماماتكم الإنسانية والقومية ، واكتسبت أصدقاء من بينكم ، وحثثت الأصدقاء القليلين الذين تبقَّوا لي على الانضمام إليكم”[23].

هذا هو الصهيوني (فرويد) إذ كان عمره (70) سنة.

وبالإضافة إلى كونه عضواً في جمعية (بناي برث) الصهيونية كما بينَّا كان عضواً فخرياً في منظمة (كاديما) وهي منظمة صهيونية معروفة ، وإذ اكتفى بالعضوية الفخرية بالنسبة إلى هذه المنظمة فقد دفع أحد أبنائه ليكون عضواً عاملاً فيها .

ومعلوم أن الحركة الصهيونية حركة ذات طابع ديني وقومي مفرط في التعصب ضد الأمم والأديان الأخرى ، وما كان (فرويد) ليعمل فيها ويدفع إلى العمل فيها أحد أبنائه لو لم يكن مؤمناً بمبادئها ، ومن مبادئها ما أعلنه (تيودور هرتزل) لدى افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول بقوله : إننا هنا لنضع حجر الأساس لبناء المأوى الذي يأوي الشعب اليهودي إليه … إن الصهيونية هي عودة اليهود إلى اليهودية قبل عودتهم إلى الأرض اليهودية . إن الصهيونية هي القومية الجديدة للشعب اليهودي “.

أفلا يدل هذا دلالة قاطعة على أن تظاهر (فرويد) بالإلحاد وعدم إيمانه بأي دين قد كان عملية من عمليات المكر والمخادعة ، ليضم إلى فكرة الإلحاد أنصاراً من الأمم غير اليهودية ، وبذلك يجندون أنفسهم في الكتائب المنفذة للمخططات اليهودية العالمية .

يقول الكاتب المتتبع لفرويد : “فإذا كان الأمر كذلك فقد كان شأنه فيه – كشأنه في كل المناسبات الصهيونية العنصرية التي ناصرها فعلاً – الحذرَ والبعد عن الأضواء ، حتى لا يثير الريبة فيما أحيط به من هالة الموضوعية تفكيراً ، والإلحاد عقيدة ، والحقيقة العلمية هدفاً…

وهكذا كان (فرويد) برغم كل ما تظاهر به من تفكير حر ، وبرغم كل ما أعلن من إلحاد ، غارقاً في اليهودية ، بل اليهودية الصهيونية إلى أعمق الأعماق ، وهكذا وجد “فرويد” نفسه في قمة شعوره بالذاتية اليهودية الصهيونية ، وقمة توحده مع تلك الذاتية ، مسوقاً في الطريق العلمي إلى التحليل النفسي ، ومسوقاً في الطريق السياسي إلى العمل الصهيوني …”.

( 6 )

استغل (فرويد) وتلاميذ مدرسته اليهود طريق التحليل النفسي لخدمة اليهودية العالمية ، والحركة الصهيونية .

من ذلك ما استغلوه في موضوع معاداة السامية ، الفكرة التي حمل اليهود رايتها في العالم الغربي ، لإسكات كل لسان يمكن أن يتحرك في انتقاد اليهود ، ولإيقاف كل مقاومة تتوجه لصد مكايدهم وتحركاتهم المريبة ، في السياسة ، أو في الاقتصاد ، أو في الإعلام ، أو في مجالات العلم والثقافة ، أو في غير ذلك من مجالات .

ومما يثير العجب في خطة العمل اليهودية أن قادة الصهيونية قد كانت لهم رغبة بتحريض الأمم الأخرى على معاداة السامية (أي: معاداة اليهود) لتستفيد الحركة الصهيونية من ذلك ، حتى قال (هرتزل) مؤسس الصهيونية الحديثة :”إن الصهيونية أحوج ما تكون إلى مبدأ معاداة السامية لكي تنتعش “.

وغدت قصة معاداة السامية هي السلاح الدعائي الذي يحمله اليهود في العالم الغربي ، لاتهام كل من يعارض يهودياً ولو كان اليهودي هو المجرم الجاني بأنه معادٍ للسامية ، باعتبار أن اليهود ساميون منبثون في شعوب غير سامية ، وبذلك يتحمل المظلوم الغربي ظلامته في نفسه ، خشية أن تلصق به تهمة التفرقة العنصرية والمعاداة على أساس عرقي .

وفي ظل هذا السلاح الدعائي نشط اليهود نشاطاً كبيراً في اغتنام خيرات البلاد التي نزلوا فهيا ، وفي صنع المكايد الكثيرة دون أن تجرؤ الأمم الأخرى على مقاومتهم ، خشية أن تلصق بها تهمة معاداة السامية ، واليهود وحدهم من دون سائر الساميين هم الذين يستفيدون من هذا السلاح ، كأنهم وحدهم هم الساميون في العالم ، أما سائر الساميين فلا بأس أن يحرضِّ اليهود الدول على استغلالهم واستعمارهم ونهب خيراتهم .

أما دور (فرويد) وتلاميذ مدرسته في هذا المجال ، فقد كان يعتمد على تسخير مبدأ التحليل النفسي لتزييف الواقع والحقيقة ، وتمجيد اليهود وخدمة الصهيونية .

ولفرويد أقوال صريحة وواضحة في هذا المجال ، وله تحليلات يزينها وفق أهوائه الخاصة ، وقد ذكرها في كتابه “موسى والتوحيد” .

وقد ذكر (فرويد) في تحليلاته أن أسباب كراهية الأمم لليهود كثيرة ، واعتبر أنها ترجع إلى صنفين:

* الصنف الأول :

ظاهر وليس بعميق ، وذكر من هذا الصنف سببين:

الأول : كون اليهود غرباء من الأوطان التي يقيمون فيها .

الثاني : كون اليهود أقلية ، لأن الشعور الجماعي كي يكون كاملاً فيما يُقرر يقتضي بتوجيه العداء نحو الأقلية .

* الصنف الثاني:

ما أسماه (فرويد) بالأسباب العميقة ، وزعم أنها ترجع إلى الماضي السحيق ، وأنها منبعثة من اللاشعور ، وهي في رأيه تتلخص فيما يلي:

1- غير الشعوب الأخرى من اليهود ، لأنهم آثرُهم عند الله ، بوصفهم أكبر أبناء الله .

2- تمسك اليهود بعادة الختان .

3- أن الشعوب غير اليهودية لما تركت وثنياتها الأولى تحت قوة الضغط حقدت على أديانها الجديدة في مستوى اللاشعور منها ، فأسقطت حقدها على اليهود ، لأنها لا تستطيع أن تكره دينها الجديد .

هذه هي التحليلات النفسية التي أرجع إليها (فرويد) كراهية الأمم غير اليهودية لليهود .

وفي اعتقادي أن أي عاقل لا يملك نفسه عن ضحكات ساخرات من هذا التحليل ، ومن هذه الأسباب التي ذكرها .

أما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم غرباء عن الأوطان التي يقيمون فيها ، فهو مردود من وجهين:

الوجه الأول : أننا نجدهم مكروهين ولو كانوا هم الأصلاء لا الغرباء .

الوجه الثاني : أننا نجد كثيراً من الغرباء في الشعوب محبوبين محترمين غير مكروهين .

فليست الغربة إذن من أسباب كراهية الأمم لهم ، إلا أن ينضم إليها شيء آخرُ من اليهود أنفسهم ، كالاستغلال والأنانية وعقدة الاستعلاء وحقدهم هم على الأمم .

وأما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم أقلية ، فهذا خلاف الواقع تماماً ، بل هو عكس الواقع تماماً ، إذ الواقع أن العداء يتوجه من الأقلية إلى الأكثرية بدافع الحسد ، وليس العكس .

فليست الأقلية من أسباب كراهية الأمم لهم ، إلا أن ينضم إليها شيء آخرُ من الأقلية نفسها ، كمكايد تكيدها ، واستغلالات تستأثر بها ، وعقدة استعلاء تفتخر بها .

فالكراهية سببها اليهود أنفسهم ، وأعمالهم داخل الأمم التي يعيشون بينها .

وأما ما ذكره من الأسباب العميقة فشيء مضحك جداً جداً .

أما غيرة الشعوب الأخرى من اليهود لأنهم آثرهم عند الله بوصفهم أكبر أبنائه ، فلا أحد يعترف لهم بهذه الميزة حتى يغار منهم ، ولكن الحسد والغيرة من سمات اليهود منذ تاريخهم القديم .

وأما تمسك اليهود بعادة الختان فمع بالغ السخرية نقول: إن غير اليهود يختتنون أيضاً ، والأمم الأخرى لا تكرههم لذلك .

وأما حقد الأمم على أديانها في مستوى اللاشعور ، وإسقاط حقدها على اليهود ، فتحليل خيالي خرافي لا نظير له إلا في مستشفى المجانين .

فهل يوجد سخف أكبر من هذا السخف الفرويدي باسم التحليل النفسي ، لدعم اليهودية العالمية؟!!.

( 7 )

ثم إذا تجاوزنا كل ما سبق ، ونظرنا إلى نظرية (فرويد) في التحليل النفسي نظرة موضوعية غير متحيزة ، فإننا لا نجد فيها ما يبرر للناقد (د. العظم) أن يمجدها ويقول عنها : إنها من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية .

أما فكرة تحليل دوافع الأنفس إلى السلوك فهي فكرة إنسانية قديمة ، وليست هي بحد ذاتها من مبتكرات (فرويد) إلا أن هذا الرجل قد أفرط في السبح الخيالي في تحليل تصرفات الإنسان ، إفراطاً حشد فيه أوهاماً وفرضيات أقرب ما تكون إلى التخريف المطلق منها إلى الدراسة العلمية الموضوعية .

بيد أنه باتجاهه نبه الباحثين النفسيين على البحث الموضوعي في مجال التحليلات النفسية ، حتى تكونت مدارس التحليل النفسي في عالم العلم ، وأصبحت مدرسة فرويد اليهودية في نظر العلماء بدائية متخلفة جداً . والسر في هذا أن فرويد كان مسخراً أساساً لمحاربة الأديان ، وتهديم القيم الأخلاقية والاجتماعية ، وقد فرضت عليه الخطة اليهودية العالمية أن يضع نظرية تتستر بالعلم لتحقيق هذه الغاية ، فاستخدم التحليل النفسي طريقاً إلى ذلك ، كما استخدم غيره من اليهود طرقاً أخرى تحت ستار البحث العلمي لتحقيق الغاية نفسها ، وطبيعي أن تكون الدراسة العلمية الموجهة أساساً لإبطال حقيقة من الحقائق مُكرهة على أن تحمل في حقيبتها وعلى ظهرها أكداساً من التخيلات والأوهام والفروض التي لا سند لها من الواقع ، ومُكره على أن تصوغ نظرية تجمع في لبناتها بعض الحقائق لإقامة بعض الزوايا ، ثم تملأ سائر الثغرات بأوراق ملونة مصبوغة ، تشبه في ظاهرها صورة لبن البناء وقواعده ، وهي في حقيقتها وهم خداع تمزقه أية يد تمتد إليه بالفحص والبحث العلمي .

واقتبس هنا نقداً موضوعياً لمدرسة (فرويد) في التحليل النفسي ، مما كتبه صديقنا الدكتور عبد الحميد الهاشمي ، وهو نقد مؤلف من النقاط التالية:

1- إن آراء (فرويد) هي أولاً وقبل كل شيء نظرية افتراضية وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب ، أو صدَّقتها الملاحظة العلمية .

فليس لآراء (فرويد) تلك الهالة التي يحاول بعض مناصريها أن يُلبسوها ثوب الحقائق العلمية ، أو كما تحاول بعض الجهات العالمية أن تحيطها بالدعاية .

2- تعتبر هذه النظرية امتداداً لفلسفة أفلاطونية ،إلا أن أفلاطون كان يحاول أن يسير بالنفس الإنسانية نحو المثالية ، أما (فرويد) فقد تشبث – كما يقول تلامذته – بالدافع الجنسي ، ليظل هو الدافع والوسيلة والغاية .

والواقع أن الصحة النفسية إذ تسعى للإشباع الشرعي المعترف به فإنها تدعو إلى الضبط والاتزان ، لأن الحقيقة الفسيولوجية والنفسية تؤكد أن الإشباع الفوضوي المطلق يزيدها تفتحاً ، وتصبح الشغل الشاغل ، ومن أجل هذا فالصحة النفسية في مناهجها التكوينية والوقائية والعلاجية دعت إلى التسامي والإبدال ، بجانب دعوتها إلى الإشباع المشروع .

3- لقد تأثر فرويد في آرائه بالحالات الشاذة المرضية التي كان يعالجها في مرضاه ، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه فرويد ، إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذّ لدى المصابين .

وهذه نقطة أخذها عليه زملاؤه وتلامذته في العلاج النفسي ، وانفصلوا بها عن جماعته ثم عارضوا نظريته بنظريات أقاموها وعرفوا بها .

4- تأثره واضح بالأساطير اليونانية ، كقصة أديبوس .

ويعلق علهيا (روبرت ودورث) بقوه : “ولو بحثت عن رأيي الشخصي في سيكولوجيا فرويد لكان علي أن أقول : إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحاً بأي معنى مطلق . ولا أن يوضع في مصاف النظريات العلمية الكبرى ، التي تربط المعرفة الراهنة . فإنها بكائناتها وثناياها تبدو متخلفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام”.

وإذا علمنا أن البروفسور (ودورث) يعتبر من رواد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى في كتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي ، وعلم النفس الديناميكي . ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي ، ولهيئة علماء النفس الأمريكيين . إذا علمنا ذلك أدركنا أن آراء فرويد تمثل في تطور الدراسات النفسية مرحلة بدائية متخلفة لا ينبغي الوقوف عندها في مجال علم النفس الحديث .

5- إن نظرية الفرويد تعكس الحياة المتناقضة الشاذة للمجتمع الغربي (الأوروبي) بعد النهضة الصناعية المادية ، وانتشار الاختلاط المطلق ، وشيوع الإباحية بشتى أسمائها ، نتيجة الترف والغرور الأوروبي ، في عنوان العهد الاستعماري .

فكانت نظرية فرويد انعكاساً أو تبريراً للواقع الشاذ ، وليست دراسة علمية دقيقة تنظر إلى المشكلة من جميع أسسها .

6- والخطأ العلمي النفسي الكبير أن نظرية فرويد تحاول تفسير السلوك الإنساني بنظرة جانبية جزئية . وذلك حين يحاول فرويد أن يحدد السلوك الإنساني بدافع جنسي .

ولقد قام لمناهضة هذا التفسير الجانبي والمتحيز عدة علماء نفسيين لهم وزنهم العلمي حتى يومنا هذا غير من تقدم ذكرهم ، ولعل أعظمهم في ذلك (وليم مكدوجل) الذي قام لمناهضة هذا التفسير الضيق والمتحيز ، في كتابه “تخطيط علم النفس” سنة (1923م) ، وفيه يرد على كل من فرويد ويونج وكارل لتحديدهم دوافع السلوك البشري بدافع واحد أو اثنين .

أما مكدوجل فقد ذكر عدة دوافع سماها غرائز ، وقد أوصلها بعد عدة تعديلات إلى عشرة غرائز أو تزيد . منها غريزة الأبوَّة في حماية الصغار ، وغريزة المقاتلة مع انفعال الغضب وغريزة الهروب من الخطر مع انفعال مصحوب بالخوف ، وغريزة حب الاستطلاع ، وغريزة تقدير الذات مع الشعور بالتفوق ، وغريزة البحث عن الطعام ، وغريزة التجمع مع الشعور بالعزلة ، وغيرها …

7- في آراء فرويد المتحيزة نحو التفسير الجنسي كدافع لكل سلوك يتجلى التفكير اليهودي ، الذي اشتهر به اليهود منذ أيامهم الأولى ، وفي اتهامهم لبعض أنبيائهم ، وفي معاملتهم للأمم التي عاشوا معها ، وهو تحيز مقصود ومخطط ، خدمة للسياسة اليهودية العالمية بعيدة المدى .

فهل بعد هذا يسوغ لكاتب عربي أن يمجد آراء فرويد ونظريته ، وأن يعتبرها كما ذكر (د. العظم) من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية ، إلا أن يكون أجيراً ذليلاً وخادماً مطيعاً للصهيونية العالمية؟

* * *

الفصل الثامن

صراع لنفي فرية النزاع بين الإسلام والعلم

( 1 )

أثار الناقد (د. العظم) ما أسماه مشكلة النزاع بين العلم والدين ، وفسر الدين بقوله: “أي: الإسلام بصورة رئيسية بالنسبة لنا”.

ثم أعلن أنه يريد أن يسترسل في شرح وجهة النظر التي ترى أن الدين كما يدخل في صميم حياتنا ، وكما يؤثر في تكويننا الفكري والنفسي ، يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلباً وقالباً روحاً ونصاً .

ثم لوَّح بأن هذا الخط المحارب للدين الإسلامي سينتصر كما انتصر على العقلية الدينية التي كانت سائدة في أوروبا . بعد مرور قرنين ونصف من الحرب الطويلة بين العلم والدين هناك ، فقال في الصفحة (21) من كتابه:

“يجب أن لا يغيب عن بالنا أنه مرت على أوروبا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن ، قبل أن يتمكن العلم من الانتصار انتصاراً حاسماً في حربه الطويلة ضد العقلية الدينية الي كانت سائدة في تلك القارة ، وقبل أن يثبت نفسه تثبيتاً نهائياً في تراثها الحضاري ، ولا يزال العلم يحارب معركة مماثلة في معظم البلدان النامية ، بما فيها الوطن العربي ، علماً بأنها معركة تدور رحاها في الخفاء ، ولا تظهر معالمها للجميع إلا بين الفينة والأخرى”.

هذا ما قاله (د. العظم) بلسانه عن نفسه ، وعن سائر كتائب ملحدي هذا العصر ، ونحن نقول : لا ضير ولا خوف على الدين الإسلامي من هذه الحرب الشعواء التي يشنها الملاحدة المتسترون بالعلمانية ، فالدين الإسلامي بمفاهيمه الصحيحة الثابتة ، وأصوله الفكرية الراسخة لا يخشى العلم الصحيح الذي يستطيع أن يثبت نفسه بالأدلة الصحيحة عبر الزمان ، وستسفر المعركة إن وجدت بين الإسلام والعلم عن التقاء تام على خط واحد بين الصحيح مما نسب إلى الدين ، والصحيح مما نسب إلى العلم ، وانتصار الإسلام والمفاهيم الإسلامي على النظريات والفرضيات الباطلة المنسوبة إلى العلم ، ولا ضير من تصحيح المفاهيم الاجتهادية التي فهمها بعض العلماء المسلمين في عصور مختلفة ، إذا استطاع العلم أن يثبت صحة نظرياته المخالفة لهذه المفاهيم .

وليس هذا تراجعاً في الدين ، وإنما هو تصحيح لأخطاء المجتهدين في تحديد بعض مفاهيمه ، بما يتوصل إليه العلم من حقائق ، ويظل الإسلام هو الدين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو لا يتحمل بحال من الأحوال جريرة أخطاء المفسرين لنصوصه ،والمجتهدين في استخراج مفاهيمه .

ومما لا شك فيه أن المسلمين يتعرضون في هذا لأخطر حرب تعرضوا لها في تاريخهم الطويل ، إنها حرب قائمة على التضليل الفكري الذي يلبس أثواب العلمانية ، وتقودها أجهزة شديدة الحذق في صناعة المكايد ، وفي تزوير الحقائق العلمية ، وتزييف مستنداتها ، وفي يدها المال الكثير ، والأجهزة العسكرية العظيمة ، والمراكز التعليمية الكبرى في العالم ، والتنظيمات الحزبية المنبثة في كل قطر ، وهي لا تهدف إلى مجرد الاحتلال العسكري في خطة غزوها ، ولكن تهدف أيضاً إلى احتلال الأفكار ومراكز العقائد ، واحتلال النفوس ومراكز العواطف ، وتشتري من داخل كل أمة صنائع وأجراء لها ، ببذل المال ، والوعود والإغراءات ومرضيات الشهوات الفاجرة .

ومع كل هذه الأثقال العتادية التي تحملها هذه الحرب ضد الإسلام والمسلمين فإننا واثقون من أن العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية الصحيحة ستنتصر أخيراً ، على كل الحملات الغازية ، لأن الحق مؤهل بطبيعته لأن يكون هو المنتصر في آخر الأمر ، وإن أصابته أثناء معاركه مع الباطل متاعب ومشقات ، وإن سقط من جنوده شهداء كثيرون ، ومهما بدا في أول الأمر ظهور مزيف للباطل ، إن هذا الظهور زَبَدٌ لا قيمة له ، وسيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض مع مكث الحقائق واستقرارها .

والتاريخ يشهد لهذه الحقيقة ، فقد جاءت من قبل جيوش غازية إلى بلاد المسلمين ، ففتكت فتكاً ذريعاً ، ودمرت تدميراً منكراً ، ولكنها رجعت في آخر الأمر تحمل الإسلام في قلوبهم وفي سلوكها وأعمالها ، لقد غزا الحق الرباني قلوبها ونفوسها وأفكارها ، بعد أن دخلت غازية له تريد تحطيمه وتدمير كل ما يتصل به .

وكم من رجال مفكرين كانوا ملحدين بالله ، تأثراً في مطلع حياتهم بأفكار الإلحاد ، وبتضليلات المؤسسات الإلحادية في العالم ، التي تلبس العلمانية ، وتحمل أسلحة التقدم العلمي والصناعي ، وشعارات الثورية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي ، ثم اتجه هؤلاء المفكرون نحو الإسلام لنقده واقتلاعه من جذوره ، لكنهم كانوا في الواقع طلاب حقيقة ، خدعوا بتزييفات المضللين ، فلما درسوا الإسلام ، وأمعنوا النظر في كتاب الله القرآن ، ليستخرجوا منه ما يحاربونه به ، إذا بهم يشهدون الحق فيخشعون لله وإذا بهم يجندون أنفسهم وعلومهم وفلسفاتهم للدفاع عن الإسلام ، ولإعلاء كلمة الله بين الناس ، وإذا بهم يتحولون إلى دعاة هدى وإيمان ، بعد أن كانوا قد تجندوا فعلاً في جيش دعاة الضلالة والإلحاد .

وأما تلويح (د. العظم) بانتصار الإلحاد تحت ستار العلم ، وقياسه الدين الإسلامي على غيره ، وقياسه المسلمين على الشعوب الأوروبية ، فهو تنبؤٌ منه يحمل تفاؤلاً مفرطاً لقضية الإلحاد ونشره في الأرض ، واكتساحه للعقائد الإيمانية ، وهذا الإفراط في التفاؤل يطمعه به بعض الانتصارات الزمنية التي حققها اليهود على الجيوش العربية ، إذ استطاعت دسائسهم أن تعزل الإسلام والمسلمين الواعين عن المعركة .

وأما ما يسمى بالنظريات العلمية التي وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد في الأرض فهي نظريات زمنية ، لا تلبث طويلاً حتى تأتي كشوفات علمية جديدة ، ترافقها أوراق نظريات جديدة تلغيها إلغاءً تاماً ، وتقترب النظريات الجديدة من مواقع الإيمان خطوات علمية سليمة ، وتخسر قضية الإلحاد كثيراً من أسلحتها التي تلبس رداء التقدم العلمي والصناعي زوراً وبهتاناً ، كما قال الله تعالى سورة (الصف/61 مصحف/109 نزول):

{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ}

وأما انتصار قضية الإلحاد في أوروبا فقد شرح أسبابه (وولتر أوسكار لندبرج) عميد معهد هورمل منذ سنة (1919م) ، وخص بالذكر سببين:

الأول : ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية ، أو الدولة ، من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد .

الثاني : المعتقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة الإنسان .

وطبيعي أن هذا السبب الثاني غير موجود في العقائد الإسلامية ، لأنها قائمة على الحق الموافق للبراهين العقلية والأدلة العلمية .

ألا فليخفف (د. العظم) وسائر الملحدين من تفاؤلاتهم بانتصار قضية الإلحاد في دنيا المسلمين ، فالله من ورائهم محيط ، وليمت الملحدون بغيظهم إن شاؤوا ، فالله متمٌّ ولو كرهوا.

( 2 )

بكل مجازفة مشحونة بالمغالطة زعم الناقد (د. العظم) – لسان طائفة من ملحدي هذا العصر – أن الإسلام والعلم يختلفان ويتنازعان في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى المعارف والعلوم ، وفي البحث عن الحقائق .

وقد غدا واضحاً أن سبيله وسبيل سائر الملحدين في مغالطاتهم ، أن يقرروا من عندهم أموراً ينسبونها إلى الإسلام ، وما هي بالمفهوم الصحيح له ، ليغالطوا الناس بها .

وقد أحصيت في الفصل الأول من هذا الكتاب أصول مغالطاتهم ، وهي ترجع إلى تعميم أمر خاص ، أو تخصيص أمر عام ، أو ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل ، أو حذف قيود وشروط لازمة ، أو التلاعب في معاني النصوص ، أو طرح فكرة مختلقة من أساسها ، أو تصيد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام ، أو التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام ، أو نسبة أقوال إلى غير قائليها أو إلى غير رواتها ، أو كتمان أقوال صحيحة وعدم التعرض إليها مع العلم بها وشهرتها ، أو نحو ذلك مما يتصل بهذا التضليل القائم على التلاعب بالحقائق ، بغية تهديم الإسلام وعقيدة الإيمان بالله ، ودعم قضية الإلحاد ونشر الكفر والفساد في الأرض ، وهم يخدمون في كل ذلك مصالح شياطين الإنس ، مقابل أجر يدفع لهم من دمائهم ودماء أمتهم ، كالهر الذي يلعق المبرد ليجزيه المبرد من قطرات الدم ، وليست هذه القطرات إلا من دماء اللاعق ، والتخدير الذي يحقن العدو به أعصابهم كفيل بأن يلغي الإحساس بالأمل ، ريثما تتم عملية الاستنزاف .

ولبيان فساد فرية النزاع بين الإسلام والعلم نذكر القارئ بما جاء في الفصل الثاني من هذا الكتاب “الحقيقة بين الدين والعلم” ونزيده هنا بعض تفصيلات تستدعيها طبيعة الجدال والمناظرة .

لقد وضح لدينا بالبيان التحليلي التفصيلي أن الإسلام والعلم لا يختلفان ولا يتنازعان في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى المعارف والعلوم ، وفي البحث عن الحقائق ، على خلاف ما افتراه الناقد (د. العظم).

إن الإسلام والعلم الصحيح يسيران على منهج واحد في الوصول إلى المعارف والبحث عن الحقائق ، حتى يصل البحث إلى منطقة عالم الغيب ، فإذا وصل البحث إلى هذه المنطقة توقفت الوسائل الحسية وبقي المنهج الاستدلالي ، وضمن المنهج الاستدلالي يبحثان وفق منهج واحد ، وعند الخلاف المحتمل يبدو الفكر الإسلامي هو المرجح بأدلته الاستدلالية ، وبمفاهيم نصوصه الآتية من عالم الغيب نفسه ، ولا بد من مراعاة الأصول المنطقية العامة لدى فهم دلالات هذه النصوص .

ويظل حال التوافق بين الإسلام والعلم على المنهج الاستدلالي في مسيرة البحث عما في عالم الغيب من حقائق ، حتى تنقطع الوسائل الاستدلالية ، عندئذٍ يقول العلم : لقد انتهت رسائلي ، ولكني لا أمانع احتمال وجود وسائل أخرى قد يأتي عن طريقها معارف وحقائق داخلة في عالم الغيب ، وقد عجزت وسائلي الحسية والاستدلالية عن إدراكها ، والحكم عليها بإثبات أو نفي .

وهنا يأتي الدين فيقدم ماعني بالإرشاد إليه والتعريف به . مما هو داخل في عالم الغيب ، ولا تملك الوسائل الحسية والاستدلالية إدراكه ولا الحكم عليه بإثبات أو نفي ، ولا يملك العلم الإنساني هنا إلا أن يذعن للدين ، أو يقول : لا أدري ، لكني علمت أن ما جاء به الدين مما علمته بوسائلي قد كان حقا ً.

أما منطقة التكاليف الدينية والتعاليم الشرعية فهي أوامر قيادة ، يقصد منها بالدرجة الأولى امتحان الإرادة في مجال الطاعة والمعصية ، ويكفي فيها باعتبار الأصل أن تكون كيفية تتبع ما تراه القيادة دون مناقشة ، إلا أن الإسلام كان في أوامره القيادية حكيماً ، إذ راعى فيها مصالح الأفراد والجماعات ، وما يحقق لهم سعادة الحياة الدنيا ، إضافة إلى ما وعدهم به من أجر عظيم ينالونه في الآخرة ، إذا هم رعوها حق رعايتها . وامتثلوا ما جاء فيها .

لكن الناقد (د. العظم) يقول لنا : هذا كلام تقريري منكم ، ولا ينفع في إثبات الحقائق مجرد إيراد أقوال تقريرية خطابية عامة ، غير مؤيدة بدلائل واقعية ، وإذ يقول هذا الكلام يصر على طرح دعوى التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم .

وحين نتابع كلامه نجده يفتري على الإسلام بمجرد الدعوى فقط ، ولا يقدم غير كلام تقريري غير مدعم بأي دليل واقعي ، وحينما يأتي بكلام يراه دليلاً نجده في الحقيقة تقريراً جديداً كذباً ، أو مغلفاً بمغالطة من مغالطاته .

هذه هي خطته العامة كما رأينا ، ولكن سنكشف كذبه وافتراءه في قوله لنا : هذا كلام تقريري منكم للتوفيق بين الإسلام والعلم ، وفي دعواه وجود التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم .

يقول في الصفحة (22) من كتابه:

“فبالنسبة للدين الإسلامي ، إن المنهج القويم للوصول إلى مثل هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزلة ، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص ، أما تبرير العلمية بأسرها فيستند إلى الإيمان ، أو الثقة العمياء بحكمة مصدر هذه النصوص ، وعصمته عن الخطأ ، ومن نافل القول أن نردد أن الطريقة العلمية في الوصول إلى معارفنا وقناعاتنا عن طبيعة الكون ونشأته ، وعن الإنسان وتاريخه ، تتنافى تماماً مع هذا المنهج الاتباعي السائد في الدين ، لأن المنهج العلمي قائم على الملاحظة والاستدلال ، ولأن التبرير الوحيد لصحة النتائج التي يصل إليها هذا المنهج هو مدى اتساقها مع بعضها ، ومدى انطباقها على الواقع”.

كلام (د. العظم) هذا مشحون بالمغالطات والأكاذيب .

لقد بدأ كلامه عن المنهج العلمي للوصول إلى قناعات ومعارف عن نشوء الكون وتركيبه وطبيعته ، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور ، ثم ادعى أن منهج الإسلام القويم في كل هذه المواضيع هو الرجوع فقط إلى نصوص معينة تعتبر مقدَّسة أو منزَّلة ، وأوهم في سرد كلامه بعد ذلك أنه لم يكن لعلماء المسلمين في هذا المجالات عمل علمي إلا درس النصوص الدينية وشرحها .

فهل هذه الدعوى تنطبق على الواقع؟ أم هي فرية ومغالطة قائمة على التعميم؟

لو كان هذا الكلام صحيحاً بالنسبة إلى تركيب الكون وطبيعته ، وتاريخ الإنسان وحياته خلال العصور ، فمن أين نشأت الثروة العلمية العظيمة في هذه المجالات عند المسلمين ، والتي كانت مصدر انطلاق الحضارة الحديثة في علومها وبحوثها وكشوفها ومنهجها ، باعتراف كبار علماء هذه الحضارة نفسها ، وباعتراف كبار مؤرخيها .

هل كانت كل ثروات المسلمين العلمية في هذه المجالات تفسيراً لنصوص دينية ؟

إن أصغر دارس لعلوم المسلمين يكذب هذه الفرية ، قد نجد في مقدمة كل علم شواهد دينية تحث على دراسة الكون ، واكتشاف صفاته وخصائصه وسُننه ، وقد نجد في ثناياه نصوصاً دينية تشير إلى بعض المعارف التي اشتمل عليها ، باعتبارها أحد وسائل المعرفة ، ولكن ليس معنى هذا انحصار منهج المعرفة عند المسلمين بتفسير النصوص الدينية وشرحها .

هل علم الكيمياء الذي شق المسلمون طريقه قد كان تفسيراً لنصوص قرآنية أو نبوية؟ ومعلوم أن هذا العلم من دراسة طبيعة الكون .

هل علم الفيزياء الذي صحح المسلمون كثيراً من نظريات الفلاسفة فيه قد كان تفسيراً لنصوص دينية ؟ وعلم الفيزياء من دراسة طبيعة الكون .

هل علم الفلك الذي برز فيه المسلمون قد كان مجرد تفسير لنصوص دينية؟ وهذا العلم من دراسة طبيعة الكون .

هل علم التاريخ والجغرافيا لم يكونا غير تفسير لنصوص دينية ؟ وهما من دراسة طبيعة الأرض وتاريخ الإنسان .

هل علما الطب الذي أبدع فيه المسلمون قد كان مجرد تفسيرات لنصوص دينية؟ وهو من دراسة طبيعة الإنسان وحياته.

هل علم الرياضيات العقلية(الحساب – الجبر – الهندسة) وغيره من العلوم التجريبية والاستدلالية والخبرية والعقلية البحتة قد كانت عند المسلمين مجرد تفسيرات لنصوص دينية واردة في مجالاتها؟

لو أن المسلمين اقتصروا في كل هذه العلوم على مجرد تفسير النصوص الدينية – كما زعم الناقد في فريته – لما تجاوزت معارفهم فيها بعض القواعد الكلية العامة جداً ، ولا شك أن ما تدل عليه النصوص الدينية يمثل لدى المسلمين مصدراً من مصادر المعرفة ، ولكنه ليس كل مصادر المعرفة ، لأن النصوص الدينية في هذه المجالات قد أرشدت ووجهت للبحث ، وقدمت بعض قواعد هذه المعرفة ، لكنها لم تتبنَّ التعريف المباشر بكل قواعد هذه العلوم ، أما المهمة الأولى والأساسية للنصوص الدينية فهي التعريف بالدين ، مبادئه وعقائده وتشريعاته للسلوك الإنساني الفردي والجماعي .

ولما وجد المسلمون الدفع الإسلامي إلى دراسة الكون ، واستنباط المعارف والعلوم عن طريق الملاحظة والتجربة والاستدلال ، انطلقوا باحثين في شتى مجالات المعرفة التي تيسرت لهم إبان نهضتهم ، قبل أن تثبطهم فترة الركود التي أصابتهم بهجرهم لتعاليم الإسلام ، وإخلادهم إلى الراحة والكسل ، والاستغراق في الشهوات , ورضاهم بأمجاد الماضي ، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية عنهم ، أوقفت عجلة تقدمهم .

فما افتراه (د. العظم) على المنهج الإسلامي هراء ظاهر صنعته المغالطة التعميمية ، ولكشف زيفه وافتراءاته نفصل منهج الإسلام للوصول إلى المعرفة .

( 3 )

منهج الإسلام للوصول إلى المعرفة

إن المنهج الذي رسمه الإسلام للوصول إلى معرفة حقائق الأمور هو المنهج الأمثل في تاريخ الفكر الإنساني ، بتحديد أصوله وقواعده العامة .

وقد كانت أسس النهضة العلمية عند المسلمين هي المرشد والباعث للنهضة العلمية الأوروبية الحديثة ، لسنا نقول هذا على سبيل التفاخر ، وإنما نقوله تبياناً للحق الذي اعترف به وأعلنه مؤرخو الحضارات الإنسانية من غير المسلمين ، لا سيما بعد أن وجد من أبناء جلدتنا أجراءُ لأعداء الإسلام ، يحاولون بالمغالطة والتزوير طمس الحقائق ، والقيام في العالم العربي بعملية زلزال فكري ، يقصد منه خلط المعارف الثابتة ، وتشويه صُورها ، وتقويض أبينتها ، وإقامة أبنية جديدة مكانها ، ولكنها في هذه المرة لن تكون صالحة لأهلها ، وإنما تكون للشياطين ومعهم القردة والخنازير .

يقوم الفكر الإسلامي أساساً على أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة ، فما كان مطابقاً للواقع والحقيقة فهو حق ، وما لم يكن مطابقاً للواقع والحقيقة فهو باطل . وقد تكون الصورة الفكرية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه ،ومخالفة لها من بعض الوجوه ،فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة ومن الباطل على مقدار المخالفة .

هذا هو الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي .

وبعد هذا الأساس الأول تأتي قاعدة كلية وراءه ، وهي أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها ، والثقة بها في تحصيل المعرفة ، وإذا لم تستطع الوسائل أن تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة بشكل قطعي ، فإن الضرورة تدعونا في الواقع الإنساني إلى قبول الصور التي ترجح مطابقتها للواقع بصورة ظنية ، وذلك ريثما يأتي ما هو أقوى ، أو تأتي الصورة المطابقة للواقع بيقين . والمرجح الأول والأخير دائماً هو الواقع والحقيقة ، وبهما تقاس النتائج .

ونجد هذا في أوائل متون العلوم التي كتبها المسلمون ، إذ يقررون أن العلم هو الصورة الذهنية المطابقة للواقع ، أو هو الإدراك المطابق للواقع ، وإذ يقررون أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع ، وإذ يقرون جواز العلم بالاحتمال الراجح إذا لم يتوافر لنا اليقين .

ومن هذا يتبين لنا أن الواقع على ما هو عليه في حقيقة أمره هو المرجع الأول والأخير للمعرفة في الفكر الإسلامي ، وما عدا ذلك مما له صلة باكتساب المعرفة فلا يعدو أنه من قبيل الوسائل التي قد توصل إليها .

وهذا من الأوليات المنطقية في الفكر الإسلامي ، المبينة في متون العلوم الإسلامية ، والمنصوص عليها في مصادر الشريعة الإسلامية ، والمهتدى بهديها فيما استخرجه المسلمون من معارف ،وفيما كتبوا فيه من علوم .

* وسائل المعرفة :

أما وسائل التي وضعها الإسلام في منهجه للوصول إلى المعارف فبيانها فيما يلي :

الوسيلة الأولى : هي وسيلة الإدراك الحسي المباشر أو عن طريق الأجهزة ،وذلك متى شهد العقل بصحة هذا الإدراك وسلامته من الخلل ، فحينما تشهد الحواس الإنسانية ظاهرة كونية وتتوافق الحواس السليمة في إدراكها ، تغدو الصورة التي قدمتها صورة علمية مقبولة ضمن الحدود التي قدمتها ، وضمن الصورة التي نقلتها .

وباستخدام هذه الوسيلة قرر المسلمون في علومهم حقائق كثيرة لم تأتِ بها نصوص شرعية ، ولا رجعوا فيها إلى تفسيرات نصوص شرعية وشروح لدلالتها ، كما زعم الناقد (د. العظم) في نقده القائم على المغالطات والأكاذيب .

وهل الملاحظة التي يُعتمد عليها في مناهج البحث العلمي إلا تتبع الظواهر بالإدراك الحسي ، ورصدها ومحاولة تفسيرها؟

أفلا يحق لنا أن نقول : إن مناهج العلوم الحديثة قد اقتبسها من مناهج البحث عن المسلمين ، الذين أخذوا بها إذ حثهم الإسلام على استخدامها ، للتعرف على الظواهر الكونية ، وما في عالم الحس من حقائق ،ولتكون مادة يستدل منها على قوانين الكون وسننه وخفاياه؟

ولئن أنكر (د. العظم) هذه الحقيقة فقد اعترف بها كتّاب كبار من مؤرِّخي الحضارة الأوروبية الحديثة وعلمائها ، وأعلنوا فضل حضارة المسلمين على الحضارة الحديثة ، في مناهجها وفي نتائجها[24].

الوسيلة الثانية : هي وسيلة الاستدلال العقلي ، وللاستدلال العقلي أصول وضوابط معروفة مدروسة في الفكر الإسلامي ، ومعطيات هذا الاستدلال لا تكون علوماً مقطوعاً بها ما لم تكن يقينية غير قابلة لاحتمال النقض ، وإلا كانت درجة قبولها مناسبة لدرجة قوة الاحتمال الذي رجحه الاستدلال .

ويعتمد الاستدلال العقلي على التجربة والاستقرار والتأمل العقلي المجرد ،الذي يعطي أحكاماً منطقية جازمة ، أو أحكاماً منطقية راجحة .

وإذا لم نقل : إن هذه الوسيلة قد اقتبسها علماء النهضة الحضارية الحديثة من المسلمين ، فلا أقل من أن نقول بالاتفاق في المنهج ، ومعلوم أن المسلمين كانوا هم الأسبق في الواقع التاريخي .

وكان لاستخدام هاتين الوسيلتين : (الإدراك الحسي ، والاستدلال العقلي) في الفكر الإسلامي معطيات علمية واسعة ، في مختلف مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية ، فالإدراك الحسي يحدد الملاحظة ومع الملاحظة أو بعدها أو قبلها أحياناً تستخدم التجربة ، ومن ورائهما ينشط الاستدلال العقلي .

وبذلك دوَّن علماء المسلمين في علوم الكيمياء ، والفيزياء والطب والفلك والرياضيات (الحساب والجبر والهندسة) والجغرافيا ، والتاريخ مدونات كبيرة وكثيرة ، أثبتوا فيها معطيات منهجهم العلمي ،إضافة إلى ما نقلوه عن غيرهم من منجزات الحضارات السابقة في هذه المجالات .

إن عرض هذه الحقيقة وحدها عن الفكر الإسلامي كافٍ لكشف التزييف الحقير الذي صنعه الناقد (د. العظم) العميل لمنظمات عالمية تخدم الصهيونية في الوطن العربي ، إذ زعم أن منهج الفكر الإسلامي للوصول إلى القناعات والمعارف عن طبيعة الكون وتركيبه ونشوئه ، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور ، هو الرجوع فقط إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزَّلة ، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص .

والغريب في أمره – وهو لسان من ألسنة كتائب الملحدين – أنه يصنع التزييف ، ويغالط به ، ثم يقرره حقيقة واقعة ، ثم يوجه الإدانة على أساسه ، ثم يُصدر حكمه القاطع الذي لا استئناف فيه ، وينهي المحاكمة هكذا بكل بساطة .

وطبيعي أن يتخذ الملحدون هذه الخطة ، إذ لا دين يردعهم ، ولا أخلاق تضبطهم ، وخطتهم هذه ينطبق عليها المثل “زنَّاه فحدَّه” أي : اتهمه بالزنى كذباً وزوراً ، فأقام عليه الحد مباشرة دون بيِّنات .

فلما قرر (د. العظم) فريته عن الفكر الإسلامي وعن منهجه في تحصيل المعارف ، وصنع المغالطة كما راق له ، قال في الصفحة (22) وما بعدها من كتابه:

“لذلك نجد أنظار المؤمنين دائماً موجهة إلى الوراء ، إلى تلك الفترة التي يعتقدون أنه تم فيها كشف هذه الحقائق والمعارف من قبل الله ،عن طريق الملائكة والرسل ، وينتج عن ذلك أن وظيفة المؤمن والحكيم والفيلسوف والعالم ليست اكتشاف حقائق جوهرية جديدة ، أو اكتشاف معارف هامة لم تكن معروفة من قبل ، وإنما العمل للوصول إلى نظرة أعمق ،وفهم أشمل للنصوص المنزلة ، والعمل للربط بين أجزاء هذه النصوص وتأويلها ،ومن ثم تأويل التأولايات ، حتى تستنبط معانيها الدفينة ، ويتوصل إلى الحقائق والمعارف الكامنة فيها منذ الأزل ، وهذا العمل ضروري وجوهري استناداً إلى الآية القرآنية: {وما فرطنا في الكتاب من شيء}، فلا عجب إذن إذا وجدنا التاريخ الفكري للدين يتألف دائماً من تفاسير وشروح ، وشروح لشروح الشروح”.

هذا ما قاله حرفياً ، فهل ينطبق على واقع العلوم الطبيعية والرياضية والإنسانية التي دوَّنها المسلمون ، واكتشفوا فيها وأبدعوا . وكانوا رادَة الفكر الأوروبي الحديث في هذا المضمار؟!

إنه كلام لا يقبله أصغر طلبة العلوم الإسلامية ، أما أن يعرض على العالم الإسلامي في كتاب مطبوع فذلك هو البهتان المبين ، والاستهانة بعلماء المسلمين ، والاستخفاف بالأجيال الحديثة التي يتصور الناقد أنها غدت تتقبل كل زيف وكذب ومغالطات ، دون تحرير ولا تمحيص ، ألا فليعلم أن في الأجيال المسلمة الحديثة مؤمنين مفكرين ، قادرين على أن يكشفوا الزيف المقنع بالأقنعة الكثيرة ، فضلاً عن الزيف المكشوف .

الوسيلة الثالثة : هي وسيلة الأخبار الصادقة ، وهذه الوسيلة ركن من أركان وسائل اكتساب المعارف الإنسانية ، ومعلوم أن الإنسان ملجأ بالضرورة إلى الاعتماد على الوسيلة الإخبارية ، في كل أمر لا يستطيع أن يصل إلى معرفته بنفسه عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي ، إن العلوم التاريخية تعتمد على المستندات الإخبارية ، بوصفها وسيلتها الكبرى ، وكل تدوين لأية حقيقة علمية توصل إليها الإنسان إنا هو حكاية خبرية لما توصل إليه ، ورواد الفضاء حينما وصلوا إلى القمر وعادوا نقلوا إلينا مشاهداتهم وملاحظاتهم نقلاً خبرياً ، وقد يدعمون أخبارهم بالمصورات ، وقد لا يدعمون ، والمدرس حينما يلقي على طلابه في معاهد العلم سلسلة المعارف ، إنما ينقلها إليهم نقلاً خبرياً ، وكل الناس يتعاملون فيما بينهم ويكون العنصر الإخباري أهم عنصر في تعاملهم .

وهذه الوسيلة الإخبارية هي الوسيلة التي اعتمد عليها الدين ، في نقل الشرائع الربانية للناس ، وفي نقل سائر التعاليم والبيانات الدينية ، والمعارف الغيبية ، عن طريق الرسل والأنبياء المؤيدين بالمعجزات وخوارق العادات ، شهادة من الله لهم بأنهم صادقون فيما يبلغون ربهم ، وكذلك وجه الإسلام للاعتماد عليها في تحصيل كثير من المعار التي توصل إليها العلماء بمسالكهم ، وأمر بسؤال أهل الذكر .

ولما كانت الوسيلة الإخبارية وسيلة قد يدخلها الكذب[25] أو الوهم في نقل الخبر ، إذا كان المخبر إنساناً عادياً غير مؤيد بالمعجزة ، أي : غير معصوم عن الكذب أو الخطأ ، وضع الإسلام منهجاً دقيقاً جداً في تحري الأخبار ، وفي تمييز مستوياتها – ثقة وضبطاً وفي اتخاذ ما يجب اتخاذه من احتياطات وتحفظات- ، ونهض علماء المسلمين بالتحرير والتمحيص ، وكان لهم في هذا المجال أدق الضوابط ، وأكثرها سلامة وإتقاناً ، لا سيما ما يتعلق منها بنقل النصوص الدينية ، وأعرض فيما يلي فكرة وجيزة عن منهج الإسلام بالنسبة إلى المستندات الإخبارية . ليكشف القارئ مدى مغالطات الناقد (د. العظم) حول منهج الإسلام.

يتلخص المنهج الإسلامي بالنسبة إلى المستندات الإخبارية بتقسيم الخبر إلى خمسة أقسام رئيسية:

* القسم الأول : الخبر المقطوع بصدقه .

* القسم الثاني : الخبر الذي يترجح جانب احتمال الصدق فيه على جانب احتمال الكذب .

* القسم الثالث : الخبر الذي يترجح جانب احتمال الكذب فيه على جانب احتمال الصدق .

* القسم الرابع : الخبر المقطوع بكذبه .

* القسم الخامس : الخبر المشكوك فيه .

أما القسم الأول وهو الخبر المقطوع بصدقه فيجب قبوله عقلاً وشرعاً ، لأنه خبر لا يخالطه احتمال الخطأ أو الكذب عقلاً ، وقد أوضح الإسلام أنه لا بد أن يأتي عن أحد مسلكين:

الأول : أن يخبر بالخبر جمع من الناس يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقهم على الكذب فيه ، ويكون ذلك حينما يروي الخبر جمع غفير من الناس تباينت أغراضهم ، وافترقت مصالحهم وكانوا بحالة لا يجمعهم فيها على الكذب جامع .

ويحلق به ما تواردت عليه مجموعة من شواهد النقول الإخبارية ، ودلائل الآثار الأرضية والكتابية ، والمصورات والتسجيلات الصوتية ، وبعض الاستدلالات والاستنتاجات العقلية ، حتى يصبح التسليم بمضمون الخبر أمراً حتمياً لا شك فيه لدى العقلاء المنصفين ، وحتى يصل في نفوسهم إلى درجة اليقين .

والاعتماد على مجموعة الدلائل المختلفة يجب أن يكون مصحوباً بالتبصر العقلي ، وبالتمحيص الكامل والاحتياط التام ، حتى يشهد العقل بنفي احتمال التزوير في الوثائق ، أو الخطأ أو الكذب في الإخبار .

وبهذا المسلك المقطوع به شرعاً وعقلاً حفظ الله القرآن الكريم من التحريف والتبديل ، إذ تكفل بحفظه فأعلن في سورة (الحجر/15 مصحف/54 نزول): قوله :

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}

الثاني : أن يرد الخبر على لسان نبي من أنبياء الله تعالى أو رسوله من رسله ، وقد أحاط الله الأنبياء والرسل الذين يبلغون عنه بوضع يجعل التسليم بنقولهم وأخبارهم عن الله قضية مقطوعاً بها عند كل المنصفين من العقلاء ، ذلك بسبب ما صانهم به من العصمة عن الكذب وسائر المعاصي ، وبسبب ما أيدهم به من المعجزات الباهرات التي لا يأتي بها أو بمثلها إلا رسول مؤيد من عند الله ، ومصدق من قبله بلسان حال المعجزات ، فالمعجزات التي يجريها الله على أيدي رسله وأنبيائه دليل قاطع على صدق رسالاتهم ، وصدق أخبارهم التي يخبرون بها عن ربهم .

فمتى ورد الخبر عن طريق أحد هذين المسلكين كان مقطوعاً به ووجب تصديقه .

ولكن لا بد من التمييز بين لفظ الخبر وبين مضمون الخبر ، فإذا أثبت المستند الخبري قطعية الصدق في لفظ الخبر فليس معنى ذلك أن تحديد معنى اللفظ أمر مقطوع به أيضاً ، إن تحديد المعنى قضية ثانية ،لا بد لها من مستند آخر يحدد المعنى بصفة قطعية غير قابلة لاحتمال التأويل ، فإذا تم تحديد المعنى بصفة قطعية وجب حينئذٍ التسليم به عقلاً ، كما وجب التسليم بصحة نقل لفظ الخبر قطعاً ، وهذا ما يطلق عليه علماء أصول الفقه الإسلامي عبارتي : “قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة”.

أما إذا كان تحديد المعنى غير مقطوع به فإنهم يطلقون عبارتي “قطعي الثبوت ، ظني الدلالة” ، وفي هذه الحالة يجب التسليم عقلاً وشرعاً بصحة نقل لفظ الخبر ، وتبقى الدلالة في مستوى الرجحان ، أو قيد الدراسة والبحث لتحديد المعنى .

وقد تكون دلالة النص المقطوع بثبوته مبهمة غير واضحة أصلاً.

فلا تلازم بين كون النص قطعياً وكون معناه قطعياً أيضاً ، بل لا بد في ذلك من اتباع منهج علمي دقيق أوضحه علماء المسلمين في علم أصول الفقه الإسلامي .

من أجل ذلك ليس لأحد أن يغالط في دلالات النصوص القاطعة ، اعتماداً على ثبوت لفظها ثبوتاً قطعياً ، إن لفهم النصوص منهجاً دقيقاً وضع له علماء المسلمين علماً قائماً بذاته ، إنه علم أصول الفقه .

وتظل المفاهيم الاجتهادية المأخوذة من دلالات النصوص مفاهيم احتمالية راجحة ، قابلة للنقض أو التعديل بأدلة أقوى من أدلتها ، حتى تتوافر الأدلة التي تفيد القطع بصحة هذه المفاهيم ، وعدم قابليتها للنقض أو التعديل بحال من الأحوال ، عندئذٍ يغدو معنى النص قطعياً ، وعندئذٍ يصح أن يوصف بأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، أو قطعي اللفظ قطعي المعنى .

وربما يتوافر المستند الإخباري القاطع بتحديد فكرة من الأفكار ، أو معنى من المعاني ، دون أن تأتي هذه الفكرة أو المعنى بلفظ واحد قطعي الثبوت ، وعندئذٍ تكون القطعية للمعنى أو للفكرة لا للنص اللفظي ، وهذا ما يسمونه المتواتر بالمعنى ، إذ يرد الخبر بعد ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي ، إلا أن معناها بالمعنى ، إذ يرد الخبر بعدة ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي ، إلا أن معناها جميعاً واحداً ، فإذا كانت عدة هذه الأخبار من قبيل المتواتر الذي يستحيل اتفاق المخبرين فيها على الكذب كان المعنى الذي دلت عليه مقطوعاً به ، لأنه خبر متواتر بالمعنى .

وأما القسم الثاني وهو الخبر الذي يترجح صدقه على كذبه فهو خبر يوثق به في منهج الإسلام وثوقاً ترجيحياً ، قابلاً لاحتمال النقض أو التعديل بدليل أقوى منه ، ولا يوثق به وثوقاً إلزامياً قاطعاً ، لاحتمال الخطأ أو الكذب فيه ، وإن كان بحسب الظاهر احتمالاً ضعيفاً.

وأما القسم الثالث : وهو الخبر الذي يترجح احتمال كذبه على احتمال صدقه ، فهو خبر معزول عن الثقة به عزلاً ترجيحياً قابلاً لاحتمال التوثيق بمعاضدة أدلة أخرى ، ولا يرفض رفضاً نهائياً مبتوتاً به ، لاحتمال براءته من الكذب أو الخطأ ، وإن كان بحسب الظاهر احتمالاً ضعيفاً .

وهذا القسم يقابل تماماً القسم الثاني في كل أحكامه .

وأما القسم الرابع وهو الخبر المقطوع بكذبه حساً أو عقلاً فهو خبر مرفوض بصفة قطعية .

ولكن قد يكون الكذب في رواية اللفظ فقط ، مع صحة المعنى ، وفي هذه الحالة لا نرفض المعنى من أجل ثبوت الكذب في اللفظ ، بل نقتصر على رفض اللفظ فقط ، وننظر إلى المعنى من خلال أدلة أخرى خبرية أو حسية أو استدلالية .

وأما القسم الخامس وهو الخبر المشكوك فيه ، أي : ما استوى فيه طرفا التصديق والتكذيب من غير رجحان لأحدهما على الآخر ، فهو خبر لا يحكم عليه بإثبات ولا بنفي ويوضع قيد الدراسة والبحث ، حتى يرد ما يرجح تصديقه أو تكذيبه .

ومنهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية يبتدئ بما يمكن أن نسميه بالوحدة الإخبارية .

والوحدة الإخبارية هي الراوي الواحد حينما ينقل لنا خبراً من الأخبار . ولهذه الوحدة الإخبارية في منهج الإسلام شروط لا بد من توافرها حتى تكون أنباؤها مؤهلة لتجريح صدق الخبر ، وحتى تكون مائلة إلى جانب القبول ، وهي ثلاثة شروط:

1- العدالة ، وهي أن لا يعهد على الراوي الكذب أو المعصية الظاهرة .

2- الأهلية الفكرية لتحمل الأخبار ونقلها كما حُملت ، دون نسيان أو اضطراب ، أو زيادة أو نقص .

3- اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن وراه له .

وهذه الشروط تستدعي الملاحظة الدقيقة لرواة الأخبار ، والنظر في أحوالهم الفكرية والخلقية والسلوكية ، للتأكد من أن أخبارهم صالحة للقبول ، وتستدعي أيضاً النظر في صلتهم بمصدر الخبر ، أو بمن رواه لهم ،وهنا تتسع مشكلة البحث العلمي في تراجم الرجال ، وتتبُّع أحوالهم ، وتمحيصهم ، لكشف الموثوقين الذين تقبل أخبارهم ، وتمييز الضعفاء والوضاعين ، وتحديد درجة كل منهم في القبول أو الرفض ، ونحو ذلك من البحوث .

وهذا عمل يحتاج إلى جهود مضنية وتحريات واسعة ، وقد تضافرت فعلاً جهود علماء المسلمين المضنية ، للاضطلاع بهذه المهمة الكبيرة على أحسن وجه عرفه التاريخ ، فحرروا ما نقل عن الرسول صلوات الله عليه تحريراً لم يسبقوا إلى مثله ، وتفوقوا في أعمالهم من أجل تحرير الأخبار وتنقيحها وتصنيفها على كل أمة نقلت أخبارها ، واعتنت بتحريرها ، لذلك فلا نجد لدى أية أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ذخائر علمية منقولة بالأخبار الصحيحة الموثوقة مثلما نجد لدى علماء المسلمين ، وذلك بسبب وضوح المنهج الذي اتبعوه في التثبت من صحة الأخبار ، أو الحكم بأرجحية صدقها .

وقد تكفل علم مصطلح الحديث بتحديد هذا المنهج وتحريره وبيانه ، وتفصيل مسالكه على أحسن وجه ، كما تكفَّلت كتب تراجم الرجال ببيان أحوالهم وأوضاعهم ، ودرجة الثقة برواية كل منهم ، والعصر الذي عاش فيه ، إلى غير ذلك مما تستدعيه أصول البحث السليم .

ومما هو طريق في هذا الموضوع أن العلماء الغربيين في هذا العصر قد وجدوا أنفسهم مضطرين للاهتداء بهدي المنهج الإسلامي في تحرير الأخبار وتنقيحها ، واتباع الأصول الإسلامية المقررة فيه ، إلا أنهم لا يستطيعون استيفاء الشروط الإسلامية في بحث عدالة الرواة لدى التطبيق العملي ، لأنه ليس لديهم أي مستند يكشف لهم أحوال رجالهم الغابرين ، حتى يرجعوا إليه في تمحيص صادق الأخبار من كاذبها ، وصادقي الرجال من كاذبيهم .

والمنهج الإسلامي لا يكتفي في كل الموضوعات بالوحدة الإخبارية الواحدة المقبولة للحكم برجحان صدق الخبر والعمل بموجبه ، ولكن القضية في منهج الإسلام تتبع الموضوع الذي يتناوله الخبر ، فما كل خبر يترجح صدقه يصلح لأن يعتمد عليه وحده في كل موضوع من موضوعات العلم أو موضوعات الحياة ، بل لا بد من نسب في الأرجحية تتفاوت بحسب أهمية الموضوعات ، وبحسب النتائج التي تترتب على قبول الأخبار فيها .

فما يقبل في رواية خبر تاريخي عادي لا يقبل في إثبات حق أو إدانة بجريمة ، وما يقبل في إثبات حق مالي لا يقبل في الاتهام بالزنى ، وما يقبل في رواية حديث نبوي وتصحيحه لا يقبل في إثبات آية قرآنية .

فالموضوعات تختلف فيما بينها ، وتتفاوت في نسبة ما تحتاجه من قوة الترجيح التي يقدمها المستند الخبري .

إن بعض الموضوعات تحتاج إلى قوة في المستند الخبري ترتقي إلى مرتبة اليقين الذي لا يقبل احتمال الخطأ ، وبعضها يكفي فيه دون ذلك .

1- فالنقل المباشر عن الوحي شرطه النبوة المستجمعة لصفتي العصمة والتأييد بالمعجزة .

2- والمستند الإخباري الذي ينقل لنا نص آية قرآنية ، أو يثبت لنا عقيدة من عقائد الدين ، أو أصلاً من أصوله الأولى مما يكفر جاحده يشترط فيه التواتر ، أي يشترط فيه القطعية التي لا تتعرض لاحتمال الخطأ أو الكذب .

فإذا لم ينقل النص القرآني بمستند إخباري قطعي لم يثبت قرآناً ، وإذا لم تنقل عقائد الدين وأصوله بمستند إخباري قطعي لم يكفر جاحدها ، ما لم يكن لها دليل قاطع آخر .

3- وإثبات الاتهام بالزنى يحتاج في أدنى الحدود إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري تتألف من أربع وحدات إخبارية صحيحة .

4- وإثبات الحقوق بين الناس يحتاج إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري تتألف من وحدتين إخباريتين صحيحتين .

5- والأخبار العادية التي تتضمن أخباراً علمية أو تاريخية أو تتضمن رواية لحديث نبوي تحتاج إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري قوامها وحدة إخبارية صحيحة .

6- والأخبار التي تتضمن مصلحة الشخص الذي يرد إليه الخبر في أمر من أموره الخاصة في حياته ، دون أن تتضمن هضماً لحق آخر ، أو اتهاماً له ، أو إساءة لأحد ، أو مخالفة لأمر من أمور الدين ،يكفي فيها انفتاح النفس لقبول صحة الخبر ، والاقتناع به ، دون النظر في حالة المخبر وصفته ، لأن موضوعه لا يتطلب أكثر من اتخاذ الاحتياطات والأسباب اللازمة لدفع الخطر أو القرار منه ، أو اقتناص المنفعة المرتقبة .

فهل يجد الناقد (د. العظم) أو غيره من أعداء الإسلام في هذا المنهج الذي أبدع فيه الفكر الإسلامي أيما إبداع ثغرة يعلق عليها بانتقاد؟ علماً بأننا لم نرسم في بياننا هذا غير الخطوط العريضة له .

منهج الإسلام عند اختلاف وسائل المعرفة في النتائج

سبق في الفصل الثاني (الحقيقة بين الدين والعلم) ، بيان منهج الإسلام عندما تختلف وسائل المعرفة في النتائج التي يتوصل كل منها إليها ، حول موضوع واحد ، أو حول نقطة في موضوع واحد ، فلا داعي لإعادة تفصيل هذا المنهج .

وخلاصته أن وسائل المعرفة لا تختلف في النتائج التي تتوصل إليها حول موضوع واحد أو حول نقطة في موضوع واحد اختلاف تناقض إلا وبعضها أو جميعها قد دخل إليه الخلل ، وعلى الباحثين أن يعيدوا النظر فيما توصلوا إليه من نتائج ، واليقيني منها الذي غدا مقطوعاً به نهائياً ، وغير قابل للنقض أو التعديل بحال من الأحوال هو الذي يفرض نفسه علمياً ، سواء أكان نتيجة إدراك حسي ، أو استدلال عقلي ، أو نتيجة فهم لنص ديني يقيني الثبوت يقيني الدلالة .

أما النظريات والفرضيات والاجتهادات والإدراكات الحسية ، التي لا تقدم يقيناً فهذه قد تختلف فيما بينها وقد تتناقض ، وقد يكون الواقع بخلافها جميعاً ، والأخذ بالراجح منها أمر تفرضه الضرورة الإنسانية ، ولا يكون بعضها حجة على بعض ، أو له القداسة المطلقة ،لن الحق منها هو ما طابق الواقع والحقيقة ، ومادامت نتائجها جميعاً غير يقينية فإن هذه المطابقة تظل مجهولة ، أو مشكوكاً بها ، أو في مستوى الرجحان فقط ، لا في مستوى اليقين المقطوع به .

فليس لأحد أن يأتي بنظرية قابلة للتعديل ، أو بفرضية من الفرضيات ، ويجعلها علماً مقطوعاً به ، ثم يعيب بها ما يفهم من النصوص الدينية ، ويزعم بذلك أن الإسلام يخالف العلم ، وليس لأحد أن يأتي بفهم اجتهادي في النصوص الدينية ، وهو محتمل للخطأ أو التعديل ، ثم يجعل هذا الفهم الاجتهادي أمراً مقطوعاً به في الدين ، ثم يرد به ما أثبتته الوسائل العلمية الإنسانية إثباتاً نهائياً مقطوعاً به ، أو يرد به رداً قطعياً نظريات أو فرضيات من المحتمل أن يكون الواقع مطابقاً لها ، فالفهم الاجتهادي في النص الديني أخذ بما ترجح لدى المجتهد من دلالته ، مع احتمال أن يكون الواقع بخلافه ، والنظرية العلمية فهم اجتهادي في تفسير الظواهر الكونية بما ترجح لدى الباحث من دلالاتها . ويظل العقل في كل منهما يفرض احتمال أن يكون الواقع بخلاف هذا أو بخلاف هذا ، أو بخلافهما جميعاً ، فليس أحدهما حجة على الآخر ، إلا أن تكون أدلة ترجيحه أقوى ، فيتقوى بأدلته دون أن يعطي قطعاً وجزماً بنتائجه .

وتنفرد النصوص الدينية ببياناتها عن أمور الغيب التي تعجز الوسائل الإنسانية عن إدراكها حساً أو استدلالاً .

ولدى اختلاف نتائج وسائل المعرفة حول فكرة واحدة ، أو اختلاف نتائج الباحثين في حدود وسيلة واحدة ، يجب التوقف عن الجزم والقطع ، ويقضي المنهج الأمثل بمتابعة البحث في كل الوسائل الممكنة للظفر باليقين العلمي ، ولا يمنع هذا من العمل في تطبيقات الحياة بمقتضى النتائج ، ولكل باحث أن يعمل بما ترجح لديه ، دون أن يُنحي باللائمة على من خالفه ، لاحتمال أن يكون هو المخطئ لا من خالفه فيما توصل إليه ، ما لم يظهر فساد الرأي المخالف بيقين ، أو برجحان شبيه اليقين ، وعند الظفر باليقين العلمي عن طريق أية وسيلة من وسائل المعرفة يتبين فساد كل الآراء المخالفة له ، ويحكم عليها عندئذٍ بالمحو من ديوان المعرفة ، وبالعزل عن مجالات النظر .

ولهذا أمثلة في الواقع العلمي ، لقد سبق في تاريخ المعرفة الإنسانية أن دليل الحس البصري قدم لنا صورة حسية عن شروق الشمس وغروبها ، فقرر المشاهدون المبصرون أن الشمس هي التي تتحرك وتسير في السماء من الشرق إلى الغرب ،وأن الأرض ثابتة .

ثم انفتحت للإنسان دلائل الاستدلال العقلي اعتماداً على أمارات كثيرة ، فغيرت نظرته إلى هذه الحقيقة ، وجعلته يفسر مشاهدات الحس تفسيراً آخر ، خلاصته أن الأرض هي التي تدور حول نفسها ، فتشرق الشمس على قسم منها بهذا الدوران ،وتغرب عن قسم آخر ، ويتوهم الحس البصري أن الشمس هي التي تسير هذا السير ، باعتبار اتحاد النسبة من جهة ، وعدم شعور ركاب الأرض بحركتها من جهة أخرى .

وهنا نلاحظ وجود التناقض بين النتيجة التي قدمها الحس البصري والنتيجة الأخرى التي قدمها الاستدلال العقلي ، وقام الجدل بين أنصار شهادة الحس البصري ، وأنصار شهادة الاستدلال العقلي .

وكان على الإنسان أمام هذا التناقض في النتائج أن يعيد النظر لاستبانة المخطئ من الوسيلتين للظفر باليقين العلمي ، نظراً إلى أن أمارات العقل لم تقدم في حدودها الأولى يقينا ً.

ولدى إعادة النظر تبين للإنسان وجود احتمال كون الحس البصري هو المخطئ ، وذلك حين دخل محطة انطلاق قطارات سكة الحديد ،وركب في أحدها ، وكان في جواره قطار ساكن ،ولما انطق القطار الذي هو فيه خدعه حسه البصري فحسب أن القطار المجاور له هو الذي انطلق، وكان هذا من الحس البصري شهادة مخطئة ، ثم لما انطلق القطار بعيداً تبين له أن الحقيقة بخلاف ما حسبه من قبل .

وبهذه المراجعة الأولى بدأ الإنسان يشك بشهادة حسه البصري عن الحركة ، وبدأ يترجح لديه جانب الاستدلال العقلي في هذا الموضوع ،دون أن يستطيع كثير من الباحثين تقديم يقين كامل في أول الأمر يثبت أن الأرض هي التي تدور حول نفسها ، وأن الشمس بالنسبة إلى هذه الحركة بالذات ثابتة .

وتابع البحث العملي خطواته ، وصعد الإنسان إلى الأجواء العليا ، وتحرر من سلطان خداع الحسب البصري على سطح الأرض ، وتحقق بالمشاهدة البصرية النتيجة التي قدمها الاستدلال العقلي ، وأثبت بيقين علمي أن الأرض هي التي تدور حول نفسها في كل يوم مرة ، وبذلك تفسر ظاهرة الليل والنهار ، وأنها تدور حول الشمس في كل عام شمسي ، وهو السبب في كثير من الظواهر التي تحدث في الأرض .

وهكذا لما برئت شهادة الحس البصري من علة الخطأ التي كانت واقعة فيها اتحدت النتيجة ، فكان ما أثبته الحس عين ما أثبته الاستدلال العقلي ، ووصل الإنسان إلى معرفة هذه الحقيقة إلى مرتبة اليقين .

أما النصوص الدينية في هذا المجال فلا نجد فيها نصاً ثابتاً قاطع الدلالة على ما يخالف هذه الحقيقة التي أثبتها الاستدلال العقلي ، ثم شهدها الحس لما تحرر من منطقة الخداع البصري ، بل نجد في النصوص الدينية ما يفهم من عمومها دلالات توافق ما انتهى إليه دليل العقل ثم دليل الحس ، وحين نجد بعض العلماء السابقين قد فهموا من هذه النصوص فهماً مخالفاً لهذه الحقيقة فما علينا إلا أن نصحح فهمهم ، ونعيد النظر في اجتهادهم ، لأن النصوص الدينية المبلغة عن الله بطرق ثابتة يقينية لا يمكن أن تكون دلالاتها الصحيحة مناقضة للحقيقة والواقع ، وعملية المراجعة هذه لا تمس النصوص الدينية ذاتها ، وإنما تمس المفاهيم الاجتهادية التي فهمها مجتهدون ليسوا بمعصومين عن الخطأ ، على أن كثيراً من العلماء المسلمين السابقين قد فهموا من هذه النصوص الدينية مفاهيم تتفق مع النتيجة العلمية التي انتهت إلهيا وسائل الاستدلال العقلي والإدراك الحسي .

والواقع في كل الأحوال هو الحَكَم على كل وسائل الاستدلال .

( 5 )

بعد أن أوضحت لنا الخطوط الكلية العامة للمنهج العلمي الإسلامي ، ظهر لنا تماماً زيف ادعاءات الناقد (د. العظم) إذ صور المنهج الإسلامي كما يشتهي أن يصوره للناس ، لتنفيرهم من الإسلام ، وأخذ يغالط في الأمور بناءً على ادعاءاته الكاذبة ، ثم أخذ يصدر بناء على مغالطاته وأكاذيبه أحكاماً تقريرية من عند نفسه يتهم بها الإسلام ومنهجه للوصول إلى المعرفة .

وما أعتقد أنه يجهل هذه الحقائق كلها أو بعضها عن الإسلام ومنهجه العلمي ، ولكن المبطلين كثيراً ما يعرفون الحق إلا أنهم يراوغون عنه ، ويحاولون طمس وجهه المشرق الجميل ، لأنه يخالف أهواءهم ولا يحقق لهم ما يشتهون ، وهذه هي علتهم النفسية .

أما الشاكون الباحثون عن الحقيقة بإخلاص فإنهم لا يغالطون ولا يكذبون ولا يتلاعبون بالحقائق، ومتى وصلوا إلى إدراك الحقيقة بأنفسهم ، أو عُرِّفوا بها عن طريق المناظرة ، فإنهم يستمسكون بها كما لو ظفروا بكنز عظيم ، ويسهل عليهم الاعتراف والتراجع عن آرائهم السابقة التي كانوا يتصورونها حقاً أو أموراً مرجحة ، لأن معرفة الحق هو الأمر العظيم الذي ينشدونه ويبحثون عنه بإخلاص , ولا يبحثون عن مجرد مبررات يصنعونها بأنفسهم ، لتدعيم ما تميل إليه أهواؤهم وشهواتهم ، ومصالحهم السياسية أو الحزبية ، بخلاف المبطلين في كل ذلك ، لا سيما الملاحدة ذوو الأهداف الحزبية السياسية .

لما زعم الناقد (د. العظم) أن المنهج الذي اعتمده الإسلام للوصول إل المعارف والعلوم والقناعات عن الكون وتركيبه وطبيعته ، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور هو الرجوع فقط إلى نصوص دينية معينة تعتبر مقدسة أو منزلة ، ورتب فريته كما اشتهى ، وخالف فيما ادعاه حقيقة المنهج الإسلامي الذي وضحت لنا خطوطه الكلية العامة ، وأدخل في كلامه مغالطات مكشوفة ، أورد تعليقة التالي فقال في الصفحة (23) من كتابه:

“إن الروح العلمية بعيدة كل البعد عن هذا المنطق ، وهذه النظرة الدينية”.

إن أي ناظر في أصول المنهج الإسلامي الذي عرضنا خطوطه الكلية العامة يكتشف بنفسه افتراءات الناقد (د. العظم) وأكاذيبه ومغالطاته ،ويرى أنها مرفوضة من أساسها .

إن ما أوضحناه من منهج الإسلام في هذا المجال يقنع – بحمد الله – كل ناظر ، ويسكت بالحق كل مناظر ، ونضيف هنا شواهد من النصوص القرآنية، تدل على مبلغ الدفع الإسلامي للبحث عن حقائق الكون وحقائق الإنسان ، عن طريق النظر في الكون نفسه ، وفي الإنسان نفسه ، وهذا النظر إنما يتم بوسائل البحث الإنساني ، وهي وسائل الإدراك الحسي ، ووسائل الاستدلال العقلي .

فمن هذه الشواهد القرآنية ما يلي:

( أ ) قول الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ…}.

ففي هذا النص القرآني دعوة آمرة للبحث العملي في السماوات والأرض عن طريق النظر ، لا عن طريق تفسير النصوص .

(ب) وقول الله تعالى في سورة (الذرايات/51 مصحف/67 نزول):

{وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}.

في هذا النص دعوة إلى البحث العلمي في الأرض وفي النفس الإنسانية للتعرف على آيات الله فيهما ، وهذا البحث العلمي لا بد أن يعتمد على وسائل الإدراك الحسي والاستدلال العقلي .

( ج ) وقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ففي هذا النص دعوة للنظر في ظاهرة التكوين عن طريق البحث العلمي ، الذي يعتمد الوسائل الحسية والوسائل العقلية ، لا على مجرد تفسير النصوص وفهم دلالاتها ، كما زعم الناقد (د. العظم) في ادعاءاته وافتراءاته ومغالطاته .

وقد اندفع المسلمون فعلاً يطبقون منهج النظر العلمي في أنفسهم وفي الكون من حولهم ، للوصول إلى معرفة حقائق الأمور ، عن الكون والإنسان والحياة ، وسر المبدأ ومفاهيم النشأة ، وهذا البحث هداهم إلى تطبيق المنهج التجريبي ، في العلوم التي تخضع موضوعاتها للملاحظة والتجربة ، الأمر الذي دفع العالم الأوروبي المشهور (جب) إلى أن يقول في كتابه “الاتجاهت الحديثة في الإسلام”[26]:

“أعتقد من المتفق عليه أن الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة ، وأنه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى أوروبا في العصور الوسطى”.

فهل بعد هذا تبقى أية قيمة لافتراءات الناقد (د. العظم) ؟

إن أي ناظر منصف يعرف هذه الحقيقة عن الإسلام لا يمكن أن يلتفت إلى افتراءاته وافتراءات أمثاله ، أو يتأثر بها ، ولا بد أن يعلم أن من الهراء الذي ليس له قيمة فكرية قوله في الصفحة (23) من كتابه:

“أما الدين فبطبيعة عقائده المحددة ثابت ساكن يعيش في الحقائق الأزلية ، وينظر إلى الوراء ليستلهم مهده”.

يقصد بهذا الكلام أن الدين لا يسمح بالبحث والاكتشاف ، وإنما يفرض على المسلمين أن يقفوا في معارفهم عند حدود النصوص الدينية وتفسيراتها ، دون أن ينظروا في الكون ويبحثوا فيه بوسائلهم الإنسانية الحسية والعقلية .

إن مثل هذا الافتراء لا يدخل إلى على الجاهلين بالإسلام ، والأغرار المضللين ، أما من قرأ شيئاً عن الإسلام مما كتبه كتاب مسلمون ، أو من المصادر الإسلامية المعتمدة فإنه يستطيع بسرعة أن يكشف زيف هذا الكلام وما فيه من أباطيل .

( 6 )

يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (24) من كتابه:

“هناك تشابه بين الدين والعلم في أن كليهما يحاول أن يفسر الأحداث ، وأن يحدد الأسباب .إن الدين بديل خيالي عن العلم ، ولكن تنشأ المشكلة عندما يدعي الدين لنفسه ولمعتقداته نوعاً من الصدق لا يمكن لأي بديل خيالي أن يتصف به”.

إن أي ناظر في هذا الكلام (العظمي) لا يرى فيه أي شيء من النقد العلمي ، وما زعمه دليلاً فيما كتبه حول هذا الموضوع سبق أن كشفنا زيفه .

إذا كان يريد نقداً علمياً صيحاً فما باله يعطي من عنده تقريراً يلقيه جزافاً من غير أي دليل صحيح ، ويتهم فيه الدين بأنه بديل خيالي عن العلم؟

باستطاعة أي جاهل أن يقدم تقريراً لأتباعه من العميان يقول لهم فيه : إن الشمس التي يزعمها المبصرون ليست سوى بديل خيالي عن الشعلات البترولية التي يوقدها الذين اكتشفوا البترول واستخرجوه من أعماق الأرض .

ليس هذا في الحقيقة سوى شتائم باستطاعة أي إنسان محروم من الأخلاق العلمية أن يكيلها ، فيسمي الحق باطلاً دون أن يقدم أي برهان ، ويتهم الجميل بالقبح ، ويصم العالم بالجهل ، ويجعل الفضيلة رذيلة ، وهكذا بلا ضابط فكري ولا ضابط أخلاقي ، ولسنا نريد أن تكون معركتنا مع الملاحدة معركة شتائم ، فلنقتسم معهم خطتي رشد وسفاهة ، فنأخذ نحن خطة الرشد ، ويأخذون هم خطة السفاهة . وخطة الرشد لا بد أن تنتصر في آخر الأمر على خطة السفاهة ، لأن للحق قوة وسلطاناً على العقول ، ولأن للرشد قوة وسلطاناً على القلوب . وخطة السفاهة ترغي وتزبد ولا حق يدعمها ، ولا فضيلة تزينها ، أو إلى القلوب تقرِّبها .

إنه لأمر طبيعي في الملاحدة – بعد أن جحدوا وجود الله تبارك وتعالى وهو مصدر الدين والمنزل لتعاليمه- أن يعتبروا ما جاء في الدين من أخبار صادقة أموراً خيالية ، وأن يتهموا الدين بأنه بديل خيالي عن العلم ، لكن البراهين العلمية نفسها تلزمهم بالإيمان بالله لو كانوا مخلصين حقيقة للعلم ، إنهم يهربون من الدين إلى التذرع بالعلم ، وحينما تردهم البراهين العلمية إلى الدين يراوغون ويخادعون ، فيترددون في منطقة مظلمة لا تشرق عليها أنوار الدين ولا تشرق عليها أنوار العلم ، ويعصبون أعينهم عن الحقيقة وينادون بالإنكار ، والإنكار موقف سلبي تجاه الحقيقة ، لا يكلف صاحبه أكثر من كلمة : لا أعترف ، أو أنكر ، أو أجحد ، أو هذا غير صحيح ، أو العلم لا يقبله ، أو العقل لا يقبله ، أو نحو ذلك ، وكلما جئته بدليل عقلي أو علمي قال : لا أسلم ، أو هذا دليل غير كافٍ ، أو لم يعطني قناعة كافية .

ولكن إذا لم يكلفه الإنكار غير مثل هذه الأقوال عند المناظرة فسيكلفه الكثير الكثير عند الجزاء العادل ، وسيكلفه خسارة سعادته الأبدية ، وحمل ثقل الشقاء الخالد مع العذاب الأليم ، دون أن يحقق لنفسه أي كسب في الحياة الدنيا من موقفه السلبي الإنكاري .

وإن أقول له ما قال الله في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):

{قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ * لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ }.

لقد كان من الأهون عليه يوم الجزاء لو آمن وعصى ، وعرَّض نفسه لعقاب العصيان فقط ، وحَمَى نفسه من عقاب الكفر الذي لا نهاية له ، هذا إذا كان الدافع له إلى سبيل الكفر رغبته بالفجور ، والانطلاق في تلبية أهوائه وشهواته . أما إذا كان العناد والكبر هما الدافع له إلى الإلحاد والكفر فهذا شيء آخر لا دواء له إلا التنازل عن الكبر والعناد ، أو ليتحمل نتيجة كبره وعناده .

وحين قال (د. العظم): “إن الدين بديل خيالي عن العلم ، ولكن تنشأ المشكلة عندما يدَّعي الدين لنفسه ولمعتقداته نوعاً من الصدق لا يمن لأي بديل خيالي أن يتصف به”.

فقد اعترف ضمناً بأنه لا يمكن لأي بديل خيالي أن يظفر بالثقة التي يظفر بها الدين ، بما في ذلك الآراء الإلحادية التي يجهد الملحدون بزخرفتها وتزيينها ، ومد الأصبغة والطلاءات عليها .

والسر في ذلك أن الدين حق ، ولا يستطيع الباطل أن يظفر بما يظفر به الحق .

وأما كون الدين يدعي لنفسه ولمعتقداته الصدق فهذه قضية خاضعة للقياس البرهاني ، إذا كانت المعارف الديِّنة مما تستطيع الوسائل الإنسانية الحسية أو الاستدلالية أو العقلية المجردة التوصل إليها . وهنا نجد التلاقي التام بين الثابت من العلم والثابت من الدين . أما غير الثابت من هذا أو ذاك فليس صالحاً من أساسه لأن يقف موقف اليقين والمعارضة ، بل هو احتمال قد يكون راجحاً وقد يكون غير راجح .

وحينما يخبر الدين بأخبار صحيحة ثابتة يقينية عن أمور غيبية لا تستطيع الوسائل الإنسانية التوصل إليها بإثبات أو نفي ، فهي أخبار ليس من حق العلم الإنساني أن ينفيها ، ولكن لما ثبت أن الدين من عند الله ،وثبت ببرهان المعجزات صدق الرسول ، ورأينا صدق الأخبار الدينية الثابتة في كل الأمور التي استطاع العلم بوسائله الإنسانية التوصل إليها ، كان كل ذلك شهادة بأن الأخبار الأخرى عن أمور الغيب وحق وصدق ، ويجب الإيمان والتسليم بها .

ويتابع الناقد (د. العظم) بإصرار دعائي كاذب ، فيقول:

“إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين ، يلجأ إليها كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية ، أو كلما اضطر لأن ينسحب من مركز كان يشغله في السابق”.

ما هذا الكذب العظيم الذي لجأ إليه في هذا الافتراء؟! ألا أخبرنا عن قضية واحدة مما تنازل عنه الدين للعلم؟ وما هي المواقع التي تنازل عنها الدين وانسحب منها أو تراجع فيها؟

هل تراجع الإسلام عن عقيدة من عقائده .

هل تراجع الإسلام عن حقيقة ثابتة بنص يقين؟

إذا كان يريد تصحيح اجتهادات بعض المجتهدين من المسلمين فليست هذه الاجتهادات جزءاً من نصوص الدين ، حتى يعتبر الدين مسؤولاً عنها ، وحتى يعتبر تصحيحها تراجعاً في الدين . إن الخلافات في فهم النصوص الإسلامية ما زالت ولن تزال قوة حركة علمية بين علماء المسلمين .

فدعواه التراجع وتصويره له بالصورة التي راقت له قضية مفتراة لا أساس لها من الصحة ، وليأتنا بواحدة منها حتى نناقشه فيها .

إنه لن يستطيع إلا بالمغالطة والتضليل ، بيد أن التراجع مشاهد في النظريات العلمية لصالح الدين ، وسنعقد لهذا بحثاً منفصلاً.

( 7 )

بإصرار مستميت حاول النقد (د. العظم) إثبات ما ادعاه من وجود التناقض بين الدين والعلم ، رغبةً بدعم الإلحاد التي يبشر بها في الوطن العربي ، خدمة للمنظمة الإلحادية العالمية ، ومن ورائها اليهودية العالمية ذات المصالح الخاصة التي تتحقق لها متى انتشر الإلحاد في الأرض وعمَّ الفساد في الشعوب .

ولذلك فهو يصطنع أسساً وهمية لما يريد أن يثبته ، ثم يبني عليها أبنية خيالية لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها ، أو في رؤوس الذين ينخدعون بأقوالهم ، ويسلمون بها دون محاكمة علمية منطقية رصينة .

قال في الصفحة (27) من كتابه:

“فهل من عجب إذن أن نسمع نيتشه يعلن في القرن الماضي أن الله قد مات؟ وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في كل مكان تحت تأثير المعرفة العلمية ،والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي المعرفة ، والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد؟….”.

ثم قال في الصفحة (28):

“إن قولنا باحتضار الله في المجتمعات المتخلفة يشكل تمثيلاً رمزياً لحالة الثوران والفوران ، وفقدان الجذور التي تعانيها هذه المجتمعات ، في محاولاتها الوصول إلى التعايش المرحلي بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية ،وبين تراثها الديني السحيق ، دون أن تتنازل كلياً ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية”.

يا عجباً ، وأية علاقة للتقدم الصناعي بموضوع إثبات الله أو نفيه؟ وأية علاقة أيضاً للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بهذا الموضوع نفسه؟

لكنه صاحب مذهب معين أعماه التعصب لمذهبه ، فصار يحشر كل العبارات التي يرددها رفاقه في كل مكان ، ولو لم يكن لها أدنى علاقة بالموضوع ، حتى لو رأى العالم الطبيب الجراح في غرفة العمليات يجري عملية خطيرة في القلب لقال له : ما هذه العملية الرجعية ؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد تتطلب الرجوع قبل إجراء العملية إلى مفاهيم الحزب الثوري الذي بنى على المعرفة العملية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة . ولو رأى الأم ترضع ولدها وتحنو عليه وكان هو لا يرغب بذلك لأطلق العبارات نفسها ، فقال لها : ما هذا التخلف؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد المبنية على المعرفة العلمية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة تتناقض مع هذه العملية الرجعية السحيقة في القدم تناقضاً كليا ، فعملية إرضاع الأمهات أطفالهن تطبيق مناقض للعلم والاتجاهات الثورية ، وهي قائمة على تصور باطل للكون والحياة والإنسان ، لا سيما نظرية التطور ، والثورة الفرنسية ، والحقائق العلمية التي اشتمل عليها كتاب “أصل الأنواع” لداروين ، وكتاب “رأس المال” لكارل ماركس.

فهو كلما رأى شيئاً يخالف مذهبه الباطل أو يخالف هواه جاء بهذه العبارات نفسها فرددها دون وعي لمضمونها ، ودون ملاحظة أية مناسبة بينها وبين الموضوع الذي يستعملها فيه.

وقد ذكرني هذا بقصة الثري الغبي وبائع الببغاء ، قالوا : مرَّ ثريٌ غبي على بائع الطيور النادرة فوجده يعرض للبيع ببغاء تتكلم كل شيء ، حتى إنها تتكلم بمختلف اللغات ، فتعلقت نفس الثري الغبي بشرائها ، ولكنه أراد أن يستوثق من البائع عن صحة دعواه ، فقال له البائع الخبيث سل الببغاء فإنها تجيبك . فقال الثري لها : يا ببغاء أحقاً أنك تتكمين كل اللغات؟ فأجابته الببغاء: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها : فهل تتكلمين الفرنسية فقالت له : وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها : والإنكليزية؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فانخدع بالأمر فاشتراها بثمن عظيم إذ استغل البائع الخبيث غفلته . ولما انصرف إلى بيته دعا أقرانه من الوجهاء والأعيان ليطلعهم على تحفته الجديدة ، وأخرجها إليهم وقال لهم : كلموها تجبكم بكل شيء ، فجعلوا يكلمونها فلا تجيب إلا بقولها : وهل أنت في شك من ذلك؟ عندئذٍ قال لها الثري : لقد كنتُ غبياً جداً بل حماراً إذ اشتريتك أليس كذلك؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟

وهذا هو الجواب الوحيد الذي صدقت به ، وما كان لها أن تصدق بغيره ، لأن بائعها لم يُعلمها غير هذه العبارة .

وكم نشاهد في الحزبين المتعصبين ببغاوات ، لا يفقهون إلا عبارات محفوظة يرددونها بمناسبة وبغير مناسبة ، حتى ولو كان أحدهم من الطلائع المثقفة التي تحمل شهادات كبيرة ، فالتعصب الحزبي المذهبي أخطر عمىً فكري تصاب به المجتمعات الإنسانية .

لذلك فلا عجب أن نجد من نحن في صدده متهافتاً في كلامه ، متخبطاً في أفكاره ، يلبس بنطاله من يديه ، ويلبس معطفه من رجليه ، ويجري التبادل المضحك بين ألبسة الرؤوس والأقدام .

ومن تمويهاته التي أراد أن يجعل منها مشكلة خاصة من مشكلات النزاع بين الدين والعلم قوله في الصفحة (29) من كتابه:

“بعد أن عالجنا بشيء من التفصيل مشكلة الثقافة العلمية والاعتقاد الديني ، على مستوى النزاع بين الدين والعلم ننتقل الآن إلى معالجة الموضوع على صعيد ما أسميناه بالمشكلة الخاصة . والسؤال الذي سيدور بحثنا حوله يتلخص بما يلي: كيف يكون موقف الإنسان الذي تعرض للثقافة العلمية ، وتأثر بها تأثراً جذرياً من المعتقدات الدينية التقليدية والمؤسسات التي تتجسد فيها؟ أيستطيع هذا الإنسان أن يستمر في الاعتقاد بآدم وحواء ، وبالجحيم والنعيم ، وبأن موسى شق البحر الأحمر وحوّل عصاه حيَّة تسعى؟ كيف يكون موقف الإنسان الذي نشأ نشأة دينية وتقبلها جملة وتفصيلاً من النظرة العلمية الطبيعية للحياة والكون والإنسان؟ من العسير أن نجد بيننا شخصاً يتمتع بشيء من الحس المرهف وبقسط ولو متواضع من الذكاء والثقافة العلمية لم يعانِ التوتر الذي تنطوي عليه هذه الأسئلة ، والقلق الذي تثيره في إحدى مراحل حياته ونموِّه”.

أكل المشكلة الخاصة التي زعم سيادة الناقد أنها تحدث القلق والتوتر هي أن يعتقد المثقف العصري بآدم وحواء ، وبالجحيم والنعيم ، أي بقانون الجزاء الرباني ، وبالمعجزات التي يجريها الله على أيدي رسله ليشهد لهم بصدقهم فيما يبلغون عنه؟

ما هو مدى تأثير هذه العقائد على أي تقدم في الصناعة أو في الفيزياء ، أو في الكيمياء أو في الطب والزراعة ، أو في الفلك والرياضيات أو في التكنولوجيا أو في أي مجال نافع من مجالات الحياة؟

هل إنكار آدم وحواء يمثل قاعدة الارتقاء في المعرفة ، فمن آمن بهما توقف ومن أنكرهما وارتقى؟

هل تنحل مشكلة القلق والتوتر إذا هو آمن بجدٍّ من القرود بدل آدم ، وبجدة قردة بدل حواء؟

هل الإيمان بالآخرة وقانون الجزاء الرباني لالتزام فعل الخير وترك الشر يعتبر معوقاً من معوقات التقدم العلمي والصناعي؟ وهل الكفر بهما يعطي شحنة دافعة للتقدم العلمي والصناعي ؟

ما هذا الكلام الهراء الذي لا يقوله ولا يقبله إلا السخفاء؟

أيها الملحدون ارفعوا عن قرون الجهل الفاضح والحماقة السخيفة الحجرية أقنعة العلمانية ، إن العلم الصحيح الثابت لا يخدم قضيتكم الباطلة ، إن العلم الصحيح بعيد عن دعوتكم ومذهبكم كبعدكم عن الله الذي تجحدونه ، وعن آياته وبياناته التي تنكرونها ، وعن أخباره التي تسخرون منها .

إن ما زعمه الناقد (د. العظم) فيما أسماه بالمشكلة الخاصة التي تحدث في نفس المثقف ثقافة علمية توتراً وقلقاً ، حينما يحاول التوفيق بين عقائده الدينية ومعارفه العلمية يشبه مشكلة المدينة التي داهمت الجيوش الغازية أسوارها ، وأهلها لا يخرجون للدفاع وصد الغزاة ؛ لأنهم يعانون توتراً فكرياً وقلقاً خطيراً حول السؤال التالي : هل وجود الدجاجة كان سابقاً لوجود البيضة؟ أم وجود البيضة كان سابقاً لوجود الدجاجة؟

الحقيقة أن الملحدين هم الذين يعانون من القلق والتوتر ، ويقعون تحت وطأة التناقض بين الحقيقة وبين ما اختاروا لأنفسهم من مذهب باطل من جهة ، وبين العناد والخوف من المصير من جهة أخرى ، وهذا يظهر في حالات العنف الذي يبدو في تصرفاتهم ، والاضطراب الشديد الذي تعاني نفوسهم منه ، لأن عقولهم الباطنة وجذور ضمائهم لا تستطيع أن تنكر الحقيقة ، بينما لا تستطيع نفوسهم المجرمة وشهواتهم العارمة أن تسلِّم بها ، فهم بذلك يقعون في حالات الصراع الداخلي العنيف ، الذي لا يحلُّه إلا العناد والإمعان في الجريمة ، وتجاهل المصير الخطير المؤلم الذي يقذفون بأنفسهم إليه ، ويبدو بعد ذلك صفرة كالحة في وجوههم ، وحقداً على الناس في معاملاته ، ووحشية عجيبة حين يظفرون .

أما المؤمنون فهم – على العكس من كل ذلك- يظلون مطمئنين في كل أحوالهم ، ولا يوجد في داخلهم تناقض بين الحقيقة وما يعتقدون ، ويشعرون دائماً بالأمن تجاه مصيرهم ، لأن الله قد ضمن لهم الجنة بإيمانهم ، وحينما يقلقون بعض القلق من المعاصي التي قد يفعلونها تأتي مفاهيم التوبة ورجاء الغفران فتمسح عن نفوسهم القلق ، وتعيد لها طمأنينتها ثقة برحمة الله وعفوه ، ومشاعرهم نحو الناس تتدفق بالمحبة والرحمة وإرادة الخير والهداية للناس كل الناس . وحينما يجدون خلافاً بين ما يقوله واضعو النظريات العلمية وما يقوله المجتهدون في فهم النصوص الدينية فإنهم يقولون : إن الحقيقة واحدة ، لا تتعدد ، والدين لا يلزمنا باعتقاد غير الحقيقة . فلا بد أن يكون الخطأ فيما سمي نظرية علمية ونسب إلى الحقيقة العلمية نسبة غير صحيحة ، أو فيما نسب إلى الدين وهو في الواقع اجتهاد خاطئ في فهم النصوص ، أما ما هو يقيني في الدين وما هو يقيني في العلم فإنه لا يوجد فيه خلاف مطلقاً ، ومعظم الأمور الطبيعية الكونية سكت عنها الدين ، لأن البحث الإنساني سيصل إليها بنفسه ، وكثير من الأمور الغيبية الكبرى لا يستطيع البحث العلمي أن يصل إليها بنفسه ، أو أن يحدد صفاتها وخصائصها ، لذلك فهو يعتمد فيها على الدين ولا يستطيع أن يحكم عليها بإثبات أو نفي .

وحينما يتجاوز العلم الإنساني حدوده ، ويحاول أن يصدر أحكاماً بإثبات أشياء أو نفيها لا تملك وسائله إثباتها أو نفيها ، فإن المؤمنين بالدين يقولون للبحث العلمي : قف ولا تتعد حدودك . لذلك فحينما يأتي باحث إنساني فيحكم على تاريخ الإنسان حكماً يغلي فيه آدم وحواء وقصتهما في نشأة هذه السلالة البشرية فإن المؤمنين بالدين يقولون له: لقد تجاوزت حدود وسائلك التي تكسبك المعارف الصحيحة ، ووقعت في التخيلات الذهنية التي ليس باستطاعتها أن تقدم حقائق علمية .

لست أدري ما هي الحقائق العلمية الثابتة القائمة على أدلة يقينية والتي تستطيع أن تلغي فكرة آدم وحواء وقصتهما الواردة في النصوص الدينية؟ أما الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية فليس من شأنها أن تثبت حقائق علمية ، ما دام يوجد ما يناظرها ويكافئها في عالم الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية .

الواقع أنه لا توجد حقائق علمية تنفي آدم وحواء وقصتهما ، أما الداروينية فإنها فرضية لا تمثل الحقيقة من جهة ، ولا تملك أدلة إثبات صحيحة ، ولا تستطيع أن تنقض خبراً دينياً ، أو تقوى على ما يفهم من ظاهره حتى نلجأ إلى تأويله بما يتفق مع الحقيقة العلمية ، لذلك فإن المؤمنين بالدين لا يعانون تناقضاً في هذه المسألة بين عقيدتهم الدينية ومفاهيمهم العلمي ، إنهم يقولون للعم : تابع بحثك حتى تصل إلى اليقين العلمي ، الذي لا يرتبط بتقدم في المعرفة أو في الصناعة ، أو في الاختراع والإبداع ، أو في الحضارة وسعادة الإنسان ، وليس من شأن الخلاف العلمي فيها أن يحدث قلقاً وتوتراً ، حتى يعطيه سيادة الناقد كل هذه الأهمية .

ولكن كيف يجد الملاحدة مشكلات يهزون بها واقع الصدقة المتينة بين الإسلام والعلم؟ إنهم إذا لم يجدوها في الواقع فلا بد أن يصطنعوها بالتزوير والكذب ، وبإيجاد النظريات التي ينسبونها إلى العلم ، والعلم منها بريء ، ويسخِّرون لترويجها عناصر كثيرة يشترونها بوسائلهم المختلفة .

وأما اعتقاد المؤمنين بالجحيم والنعيم فهو موضوع يتصل الإيمان باليوم الآخر ، وقد شرحنا هذا الموضوع سابقاً شرحاً كشفنا فيه زيف جحود الملحدين ، وأوضحنا فيه أن الملحدين لا يملكون أي دليل عقلي أو علمي يستطيعون أن ينفوا به الحياة الأخرى وما فيها من جزاء ، بيد أن المؤمنين هم الذين يملكون الأدلة لما يؤمنون به .

فلا نزاع بين العلم والدين ، ولكن النزاع بين الإيمان العلمي وبين الكفر الجاهل المخادع الذي يلبس أثواب العلم زوراً وبهتاناً .

وأما معجزات الرسل فقضية تتصل بقدرة الله الخالق القادر على تغيير ما يشاء من أنظمة كونه ، لإثبات قضية الإيمان لعباده وتصديق رسله فيما يبلغون عنه ، وهذه قضية لا تتعارض مع العقل ولا مع العلم الصحيح .

( 8 )

يتابع الناقد (العظم) إصراره المستميت على ادعاء وجود التناقض بين الإسلام والعلم ، فنجده يعرض أقوال بعض الباحثين المسلمين الذين يوضحون أنه لا نزاع ولا تناقض بينهما ، ثم يعلق عليها بأنها توفيقات خطابية ، أي : لا تعتمد على أدلة علمية ، بينما لا يأتي هو بأي دليل علمي أو منطقي يثبت فيه ادعاءاته الباطلة ، ويكتفي بالخطابيات والتقريرات ، والأكاذيب والمغالطات .

إنه حينما أراد التعليق على كلام جيد للدكتور الشهيد صبحي الصالح لم يجد إلا دليلاً سفسطياً أضعف من الدليل الخطابي بكثير .

يقول في الصفحة (34) من كتابه تعقيباً على ما قاله الدكتور الشيخ صبحي الصالح:

“إذا صح قول الدكتور الصالح بأن الباحث يجد في الإسلام ما يريح قلبه وأعصابه ، ويرضي فكره وفلسفته ، حول الإنسان وطبيعة الحياة وحرية الإرادة ضمن المشيئة الإلهية ، تكون المشكلة قد انحلت أصلاً وسلفاً ، ولا داعي لكل هذا الضجيج حول انسجام الإسلام مع العلم الحديث ، وكل هذا الهجوم على الإلحاد والملحدين ، وكل هذا الاهتمام والجدل والنقاش حول مشاكل الشباب المسلم ، أمام تحديات الحياة العصرية والقرن العشرين”.

لا يخفى على أي ناظر ما في هذا الكلام من سفسطة واضحة ، ومغالطة مكشوفة .

إن الضجيج يأتي من غوغائية الملحدين ، الذين يحاولون أن يقيموا الحرب بين الإسلام والعلم ، ليفتنوا الشاب المسلم عن دينهم ولا يأتي من قبل الباحثين الإسلاميين ضد العلم الصحيح ، ولئن وجد شيء من الضجيج من قبل بعض المسلمين فهو ضد النظريات المدسوسة على العلم ، وهي تخالف العقائد والمفاهيم الإسلامية ، على أن هذه النظريات لا يتحمل العلم اليقيني وزرها .

ومن هنا تأتي سفسطة (العظم) فبينما يكون البحث في دائرة التحليل للحقائق على مستوى النظرة المجردة ، البعيدة عن الحدود الضيقة لآراء الناس ، إذا به يستدل بآراء الناس المختلفة ، لإثبات ما ادعاه حول طريقين من طرق المعرفة ، ومغالطته هنا تقوم على أساس التعميم العجيب بين الدين ومفاهيم المجتهدين على اختلافهم وجماهير المتدينين من جهة ، ويجعل كل أولئك حزباً متكافلاً متضامناً ، وبين العلم اليقيني والنظريات والفرضيات المنسوبة إلى العلم بغير حق ، وجماهير الماديين والملاحدة من جهة أخرى ، ويجعل كل هذه حزباً متكافلاً متضامناً .

والنتيجة التي يريد أن يستنتجها بهذه السفسطة هي ما يلي:

إذا حصل خلاف بين جزء من الحزب الأول ، وجزء من الحزب الثاني فمعنى ذلك أن كل الحزب الأول مناقض للحزب الثاني .

فهل يقبل هذا الكلام الهراء من لديه مُسكة من عقل سوي؟

إنه رفض الكلام الذي سماه كلاماً خطابياً وقدَّم في استدلاله هذه المغالطة المكشوفة ، والسفسطة السخيفة .

مع أن حقائق العلم هي التي تقارن بها حقائق الإسلام ، ولا تقارن حقائق الإسلام بالنظريات والفرضيات ومذاهب الماديين غير الثابتة ، وأهواء الملاحدة الذين يحاولون أن يتخذوا من العلم دريئة لهم ، فلا يقدم لهم غير فرضيات احتمالية لا دليل عليها . هذه ليست بعلم وإن سماها أصحابها علماً ، وحينما يوجد بينها وبين حقائق الدين تناقض فهو تناقض يشرف الدين ويرفع من قيمته ، ويجعله مزيجاً من حقائق وظنون وأوهام.

وفي مقابل كل هذا فإن حقائق الإسلام هي التي تقارن بها حقائق العلم ، ولا تقارن حقائق العلم بظنون المجتهدين ، أو بأغلاط المخرفين ، على أنها من جوهر الدين ، ولا تقارن أيضاً بأهواء أصحاب الضلالات الذين ينتسبون إلى الدين ، ويحاولون أن يتخذوا منه دريئة لهم ، ليحموا أنفسهم ومصالحهم ويبرروا ضلالاتهم .

إن قضية البحث العلمي ليست بمثل السهولة التي أراد أن يصورها (د. العظم) بها ، فيتخذ من التعميم الفاسد أحكاماً وهمية باطلة ، إن البحث العلمي يحتاج إلى تحليل عناصر الموضوع المطروح للبحث ، وبعد تحليل العناصر يحكم على كل جزء مهما صغر بالحكم الملائم له.

إن العلم لا يحمل أباطيل الملحدين ولا يُعتبر مسؤولاً عنها ، ولا يحمل ظنون المخطئين ولا يُعتبر مسؤولاً عنها . وكذلك الدين فإنه لا يحمل أباطيل المخرِّفين ، ولا يعتبر مسؤولاً عنها ، ولا يحمل أخطاء المجتهدين ولا يعتبر مسؤولاً عنها .

فحينما يقام جدل بين جبهة المتدينين وجبهة غير المتدينين فإنه لا يمثل جدلاً ونزاعاً بين الدين والعلم ، وإنما يمثل جدلاً ونزاعاً بين منتسب إلى العلم بالباطل وبين منتسب إلى الدين بغير حق ، أو بين منتسب إلى العلم بالباطل وبين الدين الحق ، أو بين منتسب إلى الدين بغير الحق وبين العلم الحق . أما الدين الحق والعلم الحق فلا نزاع بينهما ولا جدال في الحقيقة .

وباستطاعتنا أن نؤيد هذا المنهج التحليلي المفصل بالأدلة والبراهين القاطعة .

أما من يلجأ إلى التعميمات السوفسطائية بقصد التضليل والمغالطة ، فإننا نلجمه بلجام المنطق السديد ، ونقول له : عد إلى رشد المعرفة ، وإياك ومراوغة المضلين .

وباستطاعنا أن نقرر القانون التالي:

1- كل حقيقة من حقائق العلم الثابتة لا يمكن أن تناقض أية حقيقة من الحقائق الثابتة في الدين الصحيح .

2- كل حقيقة من حقائق الدين الحق لا يمكن أن تناقض أية حقيقة من الحقائق الثابتة في العلم الصحيح .

3- ما يبدو من تناقص بين ما ينسب إلى الدين وما ينسب إلى العلم ، فإنه لا يخلو إما أن ما نسب إلى العلم أمر باطل أو ما نسب إلى الدين أمر باطل أو فهم خاطئ ،أو كلٌّ مما نسب إليهما فاسد النسبة غير صحيح ، وفي هذه الأحوال يجب متابعة البحث لتصحيح الخطأ فيما نسب إلى العلم أو فيما نسب إلى الدين .

هذه هي قواعد الإيمان ، وهذه هي مناهج المؤمنين ، أما الملحد فإنه يريد أن يبحث الأمور على المستوى الذي لا تضبطه قاعة عقلية أو علمية ، مستوى المغالطات والأكاذيب والافتراءات . على هذا المستوى يسير في جدلياته ومناقشاته ، ويتصور أنه بحيله وألاعيبه يستطيع أن يخدع الطلائع المثقفة من أبناء المسلمين ، هذا هو وضعه في كل مناقشاته وجدلياته وتقريراته ، في الوقت الذي يطالب فيه الباحثين من المسلمين بالتزام قواعد (ديكارت) في منهج البحث السليم!!

أين التزام قواعد ديكارت في جدلياته ومناقشاته؟! بل في أي مقطع من كلامه نجد هذا الالتزام ؟!

إنها لمفارقة عجيبة ، بل إنها لوقاحة عجيبة!! وهذه الوقاحة سمة كل المبطلين المصرين على باطلهم ولو عرفوا أنه باطل .

يقول في الصفحة (35) وما بعدها ما يلي:

“واضح أن كلام المُوفِّقِين الخطابيين يبقى دوماً (عن سابق إصرار) على مستوى التعميمات الفضفاضة التي لا تزعج أحداً ولا تحرج مواقف إنسان ، إذ هل يعقل أن يكون أحد ضد (الحق) و(العلم) و(المعرفة)؟. إنه منطق المجاملات وجبر الخواطر الذي يرضي جميع الأطراف ولا يزعج أحداً ، لذلك يبتعد هؤلاء الموفِّقُون عن بحث أية مشكلة ذات طابع محدد قد تضطرهم إلى الخروج من مجال المفاخرة بمزايا الدين الإسلامي وحسناته العملية للدخول في مجال التحليل الدقيق للمشكلة المطروحة .

“في الواقع يفتقر كلامهم حتى لأكثر أدوات التحليل الفكري بدائية ، كما يفتقر إلى أبسط القواعد المنهجية في التمحيص والتفكير العلمي ، حتى قواعد (ديكارت) في منهج البحث السليم التي وضعها في القرن السابع عشر وأصبحت أموراً بدائية وفجة جداً في عصرنا لا نجد لها أي أثر في أبحاث الموفقين الخطابيين . من قواعد (ديكارت) الأساسية : طرح المشكلة المراد حلها بالتحديد ، ومن ثم تقسيمها بصورة منتظمة إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها ، ومن ثم معالجة الأجزاء الأبسط استعداداً للانتقال إلى المسألة الأكثر تعقيداً وتركيباً ، إلى آخر القصة الديكارتية المعروفة حتى في المدارس الثانوية”.

هذا كلام الناقد (د. العظم) عن المنهج الديكارتي ، والذي أصبح في نظره من الأمور البدائية والفجة ، وجاء بعده ما هو أدق منه وأكمل .

ولكن ما باله في جدلياته ومناقشاته لا يطبق أدنى مستويات المنهج الديكارتي الذي يعرفه؟!

هل يقبل المنهج الديكارتي هذه التعميمات التي يسلكها؟ وهذه المغالطات التي يصطنعها؟ وهذه المفتريات التي يفتريها على الحقيقة؟

إن مناقشاته لتفتقر إلى أبسط أصول الفكر الإنساني الموجودة عند الشعوب البدائية فضلاً عن الشعوب المتقدمة حضارياً، فضلاً عن معاهد العلم والدراسة ، فضلاً عن المستوى الأكاديمي ، فأين هو من تطبيق ما يعرف؟.

لكن التعصب للباطل والإصرار عليه يجعلان الإنسان يخرج حتماً عن دائرة المنهج السوي ، ويجعلانه متخبطاً في مناقشاته ، ساقطاً في مناظراته ، متهافتاً في كلامه . إن المنهج السوي لا يقدم لأقواله الباطلة أدلة إثبات ، لذلك فهو مضطر إلى أن يلجأ إلى المراوغة والحيلة والكذب ، وهذه لا تقع ضمن خريطة المناهج الفكرية السليمة ، ولا تستقيم مع أي منطق عقلي . أين التحليل؟ وأين تجزئة المشكلة إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها؟ ما أصدق تطبيق المثل العربي عليه “رمتني بدائها وانسلت”!فما يرتكبه هو من الخروج عن منهجه المعرفة الصحيحة والمناقشة السليمة ، يقذفه على أنصار الحق الذين يعلنون مفاهيمهم على الجماهير ، بالأساليب التي تفهمها هذه الجماهير ، إذ ليس باستطاعة الجماهير أن تشارك في مناقشة القضايا الجزئية مناقشة البحث العلمي ، وإنما تُطلب من الباحثين تقديم نتائج بحوثهم .

لكن العجب كل العجب أن يأتي الناقد (د. العظم) ومن هو على شاكلته فيتصدى للجدل النقدي ، ثم لا يجادل إلا من مواقع الانحراف الخطير عن المنهج الذي يدعو خصومه لالتزامه ، ينهي خصومه عن مستوى التعميمات الخطابية ، ويستخدم تعميمات المغالطة!!! يطالب بالتحليل الدقيق للمشكلة وبتقسيمها إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها ، ثم يأتي هو إلى قضايا متعددة في أصلها ، فيضمها في قضية واحدة ويصدر عليها حكماً واحداً . يطالب بالتزام قواعد ديكارت التي أصبحت في نطره أموراً بدائية وفجة جداً في عرنا ، ثم يرمي في مناقشاته بكل قواعد ديكارت وبكل القواعد المنطقية رمي النواة ، فلا يلتزم شيئاً ، ولا يأخذ بأي واجب من واجباتها ، ويتظاهر مع كل ذلك بالغيرة على الحقيقة والأمانة العلمية ، أهذه هي الأمانة العلمية لديه؟ أفلا يكون منسجماً مع نفسه ومع قواعد البحث العلمي السليم ، قبل أن يدعو خصومه لالتزام قواعد البحث العلمي السليم ، على أنهم في أغلب أحوالهم ملتزمون ، وحينما يبصرون بالخطأ يتراجعون .

أيها الملحدون لا تلبسوا أثواب العلم فإن العلم الصحيح لن ينصر إلحادكم وكفركم بخالقكم وإنكاركم لليوم الآخر ، وإنكاركم لنشأتكم الأولى ، وجحودكم لمصدر وجودكم ، واستهانتكم بمسؤولياتكم في حياتكم الدنيا ، إن العلم الحق نصير لقضية الإيمان لا لقضية الكفر ، وأما الفرضيات التي تعتمدون عليها فأبعدوها عن مستوى الحقائق العلمية ، ولا تحشروها فيها كذباً وزوراً وبهتاناً ، إن العلم الحق سيطردها من قصره مهما حاولتم إدخالها فيه .

أيها الملحدون لا تصطنعوا الضجيج للإيهام بوجود النزاع بين الإسلام والعلم فالواقع الحق لا يؤيدكم .

( 9 )

يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (36) من كتابه ما يلي:

“يشدِّد القائلون بالتوافق التام بين الإسلام والعلم على أن الإسلام دين خال من الخرافات والأساطير ؛ باعتبار أنه هو والعلم واحد في النهاية . لنمحص هذا الادعاء التوفيقي بشيء من الدقة بإحالته إلى مسألة محددة تماماً . جاء في القرآن مثلاً: أن الله خلق آدم منطين ، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس ؛ مما دعا الله إلى طرده من الجنة . هل تشكله هذه القصة أسطورة أم لا؟ نريد جواباً محدداً وحاسماً من الموفقين وليس خطابة . هل يفترض في المسلم أن يعتقد في النصف الثاني من القرن العشرين بأن مثل هذه الحادثة وقعت فعلاً في تاريخ الكون؟ إن كانت هذه القصة القرآنية صادقة صدقاً تماماً وتنطبق على واقع الكون وتاريخه فلا بد من القول : إنها تتناقض تناقضاً صريحاً مع كل معارفنا العلمية ، ولا مهرب عندئذٍ من الاستنتاج بأن العلم الحديث على ضلال في هذه القضية ، وإن لم تنطبق القصة القرآنية على الواقع فماذا تكون إذن (في نظر الموفقين) إن لم تكن أسطورة جميلة؟”.

يا عجباً كل العجب ، وهل كل معارفه العلمية منحصرة في الفرضية الداروينية ، المناقضة للحقيقة الدينية التي قص الله علينا قصتها وفق علمه ، حتى يقول : لا بد من القول : بأنها تتناقض تناقضاً صريحاً مع كل معارفنا العلمية؟

لكننا نقول له : إن الحق ما قصهُ الله علينا في كتابه ، ولو تناقض مع الفرضية الداروينية ، وليس هذا تناقضاً بين الدين والعلم وإنما هو تناقض بين الحق الديني وبين ما نسب إلى العلم ، وهذا لا يؤثر في جوهر الموضوع .

فالداروينية ليست حقيقة علمية بشهادة العلماء أنفسهم ، لأنها لا تملك أدلة إثبات يقينية فيما يتعلق بتاريخ الإنسان ونشأته الأولى ، ولأن العلم لا يملك أدلة تنفي وجود الجن والملائكة .

وباستطاعتنا أن نعكس السؤال عليه فنقول له : هل باستطاعة العلم المادي الحديث أن يقدم لنا أدلة يقينية قاطعة تثبت ما يدعيه حول نشأة الإنسان الأولى وتاريخه؟ إن ما يقولونه هو مجرد احتمال افتراضي لو لم يقولوا به لما وجدوا أمامهم إلا ما يقرره الدين من قضية الخلق الرباني ، وهذا ما يتهرب الماديون الملحدون منه من غير دليل . حتى كتب (سير آرثر كيث) يقول:

“إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر ، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه”[27].

لماذا لا يمكن قبوله من وجهة نظره ولا التفكير فيه؟

لأنه اتخذ لنفسه الإلحاد مذهباً ، فهو لا يريد أن ينقض مذهبه ، تعصباً له وإنكاراً للحقيقة الإلهية . وهكذا سائر الملحدين .

إذا حققنا في الأمر وجدنا أن الخرافة والأسطورة تتمثل في بعض المواقف من النظرية الداروينية ، وهي المواقف التي تتناقض مع صريح ما جاء في القرآن عن خلق آدم ، لأن الفرضية الداروينية في هذه المواقف لا تملك أي دليل غير مجرد الاحتمال الافتراضي ، وهذا لا يقدم أية حقيقة علمية .

فادعاؤه التناقض بين الدين والحقائق العلمية في هذه القضية الخاصة ادعاء مخالف لكل القواعد المنطقية والأسس العلمية ، ألا فليراجع مفاهيمه مراجعة منطقية قبل أن يتصدى لعمليات نقد كبرى .

ثم قال بعد أن عرض هذه المسألة المحددة كما زعم:

“هل يفترض في المسلم في هذا العصر أن يعتقد بوجود كائنات مثل الجن والملائكة وإبليس ، وهاروت وماروت ، ويأجوج ومأجوج ، وجوداً حقيقياً غير مرئي باعتبارها مذكورة كلها في القرآن ، أم يحق له أن يعتبرها كائنات أسطورية ، مثلها مثل آلهة اليونانية وعروس البحر والغول والعنقاء؟ يا حبذا لو عالج الموفقون بين الإسلام والعلم مثل هذه القضايا المحددة وأعطونا رأيهم فيها بصراحة ووضوح بدلاً من الخطابة حول الانسجام الكامل بين العلم والإسلام”.

يا سبحان الله!! يبدو أن الناقد (د. العظم) عالي الثقافة؟! فهولا يفقه معظم هذه الأسماء التي يغري أبناء المسلمين بأن يجحدوها ، عن طريق تساؤلاته الاستنكارية ، والظاهر أنه أخذها عن مكتوبات الماركسيين غير المسلمين ، ونقلها نقلاً ببغاوياً بالترجمة الحرفية ، دون أن يرجع إلى المصادر الإسلامية ويعرف دلالاتها منها ، ففي إيراده لهاروت وماروت ويأجوج ومأجوج على أنها كائنات غير مرئية كالجن والملائكة وإبليس جهل فاضح جداً ، فمن هذا الذي قال : إن هاروت وماروت ويأجوج ومأجوج مخلوقات غير مرئية كالجن والملائكة؟

إن التخبط الفكري عند الملاحدة الذين يتصدون لمعارضة الحقائق الإلهية يجعلهم يرتكسون ارتكاساً فكرياً شائناً جداً ، ومن شأن الباطل أن يتخلى عن أنصاره ، ويسبب لهم الهزيمة الفكرية الفاضحة ، والحق لابد أن يعلو عليهم ويجعلهم هم وباطلهم زاهقين .

نحن نعلم أن يأجوج ومأجوج[28] من القبائل البشرية الجاهلة المفسدة في الأرض ، وهم من سكان الشرق الأقصى وراء سد الصين . وكان سكان غرب الصين قد اشتكوا أمر إغارة قبائل يأجوج ومأجوج عليهم لذي القرنين ، الفاتح المؤمن العادل ، وطلبوا منه أن يقيم بينهم وبين قبائل يأجوج ومأجوج المفسدة في الأرض سداً عظيماً ، يحجز عن سكان غرب الصين غارات سكان شرقها ، مقابل خَرج يدفعونه له ، فوافق ذو القرنين على ذلك ، وطلب منهم أن يعينوه على ذلك بقوة رجالهم الكثيرين ، وبالمواد الموجودة في بلادهم ، وفعلاً أقام ذو القرنين لذلك السد العظيم , وحجز قبائل يأجوج ومأجوج ، وتعذر عليهم الظهور عليه واستئناف غارات الإفساد التي كانوا يغيرونها .

فما علاقة هذه القبائل البشرية التاريخية بالغيبيات وبالكائنات غير المرئية؟.

لو أنه قرأ سورة (الكهف) أو سمعها من المذياع ، أو لم يرد التضليل الديماغوجي لما سقط في هذه الفضيحة التي تعبر عن جهل كبير ، في موضوع يتصدى لنقده ومهاجمته ، بغية التبشير بمذهبه الإلحادي الكافر بكل القيم .

أو لعله استغرب اسمي يأجوج ومأجوج فاعتبرهما كائنات غير مرئية كالجن والملائكة؟ إذا كان الأمر كذلك فالأسماء الغريبة عليه كثيرة في عالم الناس ، وفي عالم العلم ، فليجعلها كلها أسماء لكائنات غيبية غير مرئية كالجن والملائكة .

ولكن هكذا يخبط خبط عشواء ، ويخلط خلط عمياء ، دون الرجوع إلى مصادر الدين الإسلامي ومعرفة المراد منها؟

أهذه هي القواعد المنهجية في التمحيص والتفكير العلمي التي يطالب المؤمنين بها؟

إذا كانت هذه هي قواعده فهيهات أن يصل إلى أية حقيقة من الحقائق ، وعليه أن يرتطم دائماً في حفر الجهالة والضلالة ، وما دام هذا مستواه فلا بد أن يسقط في حبائل المؤسسات الإلحادية في العالم ، وهي المؤسسات التي ترعاها وتديرها من وراء الأستار اليهودية العالمية ، لغاية في نفوس اليهود يريدون تحقيقها في شعوب الأرض .

ونظير سقوطه في مسألة يأجوج ومأجوج في حفر الجهل الفاضح سقوطه أيضاً في مسألة هاروت وماروت.

إن هاروت وماروت اسمان لشخصين وجدا قديماً في بابل ، وكانا على صورة آدمين يخاطبان الناس ، ويعلمانهم السحر الذي علمهما الله إياه ، ويأمران الناس بأن لا يكفروا بالله عن طريق تعلمهم السحر ، وعنهما توارث الناس علم السحر ، وقد أخبرنا الله في القرآن أنهما في حقيقة حالهما ملكان ظهرا على صورة آدميين ، على أن في كونهما ملكين وفي تعليمهما الناس السحر خلافاً عن المفسرين ، ومهما يكن من أمر فليسا كما زعم (العظم) نقلاً عن كتب الماركسيين أنهما من الكائنات غير المرئية ، بل كانا شخصيتين مرئيتين ،وكانت لهما قصة مشهورة في تاريخ الناس ، وتوارث الناس عنهما أو عن غيرهما علماً ما زالت له رواسب معروفة عند بعض المخصصين بعلم السحر ، وإذا كان يجهل ذلك فليسأل سحرة اليهود فإنهم يخبرونهم .

وقد تعرض القرآن لقصتهما في معرض الكلام على بني إسرائيل في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول): فقال تعالى :

{وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}

وهكذا ظهر لنا جهل (د. العظم) الفاضح في المسألة الثانية التي يردد ألفاظها ، وهو لا يعلم مضمونها ، ثم يتصدى لنقدها وفق تصور خيالي لديه .

أما تساؤلها عن الملائكة والجن وإبليس فهذه فعلاً كائنات غير مرئية بالنسبة إلى مستواك إدراك الناس ، والملحد بالله وبالدين وبالأخبار الواردة في الدين الحق ينكر هذه الكائنات لأن العلم الحديث لا يملك حتى الآن أدلة إثبات لها .

ولكن هل استقصى العلم المادي الحديث كل ما في الوجود من كائنات وأسرار ، حتى يدعي نفي وجود ما لم يشاهده بوسائله؟

لو كان الأمر كذلك لكان على العلماء الباحثين أن يتوقفوا عن متابعة البحث ، الذي يضنون أنفسهم فيه لاكتشاف مجاهيل من الطاقات والكائنات الكونية التي يدركون أنهم ما يزالون يجهلونها ، لكنَّ هذا لا يدعيه عالم يقدر العلم ويحترم نفسه .

إن العلوم الحديثة لا تملك حتى الآن أي دليل تستطيع أن تنفي به وجود الجن أو الملائكة ، بيد أن كثيراً من التجارب الإنسانية تثبت وجود كائنات خفية روحية غير مدركة بالحس ، وغير مدركة بالأجهزة العلمية ، على أن إنكار المنكرين لها لا يؤثر على وجودها شيئاً ، كما أن إنكار المنكرين لعالم الجراثيم والميكروبات المرئية وغير المرئية لا يؤثر على وجودها في العالم شيئاً .

إن دليل المؤمنين على وجود الملائكة ، ووجود الجن مؤمنيهم وكافريهم وشياطينهم ومردته أخبار صادقة جاءت عن الله ، بطريق الوحي ، وبلَّغها الرسل الصادقون المؤيدون بالمعجزات ، كما شاهدوهم واتصلوا بهم بتجاربهم الخاصة ، فالمؤمنون بهم إنما يؤمنون تصديقاً لخبر الله الصادق ، ولأخبار الرسل الصادقين ، والقضية من أساسها تقع في دائرة الممكنات العقلية لا المستحيلات ، فالعمدة فيها الخبر الصادق ، على أن للناس تجارب كثيرة من هذا القبيل ، ولكن هذه التجارب ليست هي عمدة المؤمنين ، لأنها لم تصل إلى مستوى البرهان العلمي .

( 10 )

يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (39) والتي تليها من كتابه:

“من الآيات القرآنية التي يحب الموفقون ترديدها في معرض كلامهم عن انسجام الإسلام والعلم الحديث : الوصف القرآني التالي لأصل الإنسان وتكوينه : {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة * فخلقنا العلقة مضغة * فخلقنا المضغة عظاماً * فكسونا العظام لحماً * ثم أنشأناه خلقاً آخر * فتبارك الله أحسن الخالقين}”.

[سورة المؤمنون: الآيات 12 -14]

ثم قال تعليقاً على هذا النص القرآني ما يلي:

“من الجلي أن عملية نمو الخلية البشرية بالنسبة إلى هذا الوصف القرآني تعتمد على التدخل المباشر والمستمر من قبل الله لنقلها من طور آخر ، أي إن نقلها من نطفة إلى علقة يحتاج إلى عملية خلق جديدة ، كما أن نقلها من طور العلقة إلى طور المضغة يحتاج كذلك إلى عملية خلق أخرى …إلخ .

وخلاصة القول هو أن نمو الخلية البشرية يشكل معجزة إلهية لا تعليل لها سوى قدرته المطلقة على الخلق ، وتدخله المباشر في سير أمور الكون . هل يتفق هذا الوصف والتعليل مع معارفنا العلمية عن الموضوع ، ومع ما يبينه لنا علم الأجنَّة حول تطور الخلية البشرية في مراحلها الأولى ؟ الجواب حتماً بالنفي ، لأن علم الأجنة لا يدع مجالاً للشك في أن الخلية تنمو بالتطور العضوي من طور إلى آخر ، وفقاً لقوانين طبيعية معينة ، بحيث تنمو المرحلة المتأخرة من صلب المرحلة السابقة عليها ، وعلى أساس معيطاتها الأولية ، كل ذلك بصورة تسمح لنا بالتنبؤ بتطور الخلية ، وبالمراحل المستقبلة التي ستمر بها ، وتمكننا من التحكم بنموها ، بحيث نستطيع تأخيره أو إسراعه أو تشويهه (إن شئنا ذلك) بتعريضها لمواد كيماوية معينة ، أو لأنواع محددة من الأشعة ، وكم كنت أود لو لم يكتفِ الموفقون الدينيون العمليون بمجرد الاستشهاد بالوصف القرآني لنمو الخلية ، وتعدوا ذلك لإيضاح رأيهم في كيفية انسجام هذا الوصف ، مع معارفنا العلمية الثابتة عن هذه الظاهرة الطبيعية”.

يبدو أن سيادة الناقد ومعه سائر الملحدين الماديين محرومون من منطق التطور العلمي الذي يمكن أن يهدم جميع قواعد إلحادهم ، ومحرومون أيضاً من المنطق العقلاني المتجرد الباحث عن الحقيقة .

فحينما يكتشف العلماء ارتباط الظواهر الطبيعية بأسبابها الطبيعية التي تحتاج هي أيضاً إلى تفسير ، فهل يعني هذا إلغاء حقيقة الخلق الرباني الكامن وراء الأسباب الطبيعية؟ وحينما يقرر القرآن أن لله تبارك وتعالى هو الذي يخلق الأحداث الكونية ، فهل معنى ذلك أن عملية الخلق تأتي بشكل مباشر ، دون توسط قوانين وعلل وأسباب أوجدها الله في نظام الطبيعة ، واختار أن يكون أسلوبه في عملية الخلق كذلك . إن من يرفع الشيء بيده مباشرة يقال عنه : قد رفعه ، ومن يرفعه بوساطة حبل يقال : قد رفعه ، ومن يرفعه بوساطة سبب غير مرئي كقوة كهربائية أو مغناطيسية يقال : قد رفعه ، والخلق يكون بشكل مباشر ، ويكون عن طريق القوانين والأسباب والعلل غير الفاعلة بذاتها .

فكلام (العظم) القائم على تصور أن النص القرآني لا يعترف بنظام الأسباب والعلل والقونين الطبيعية كلام فاسد من الوجهة العقلية البحتة ، لأن الخلق لا يقتضي دائماً أن يكون عملية مباشرة ، دون أن توجد أسباب اختارها الخالق ليتم عن طريقها أسلوبه في الخلق .

فليكتشف الباحثون ما شاءوا أن يكتشفوه من قوانين وعلل طبيعية وأسباب ، فإن هذه كلها لا تملك الفعل الذاتي ، وهي بحد ذاتها تحتاج إلى تفسير ، والخالق العظيم القادر العليم الحكيم هو القوة الحقيقية الكامنة وراء جميع الأحداث الطبيعية ، وإن أراد الملاحدة الماديون الوقوف عند الأسباب ، وإقفال عيونهم عما وراء الأسباب التي اكتشفوها ، وإن أرادوا جحود الخالق العظيم .

وبهذا يظهر لنا ما في كلامه من مغالطة وتضليل وتفسير غير صحيح للنص القرآني ، وهذا من وجهة نظر المنطق العقلاني المجرد .

ثم نقول من ناحية أخرى : لقد توصل العلم الحديث إلى أن القوانين العلمية لا تملك التفسير الكامل للأحداث الكونية ، وإنما تكشف عن حلقة من الحلقات السببية لا غير ، وهي بحد ذاتها بحاجة إلى تفسير .

يقول العلامة الفلكي الرياضي البريطاني السير (جيمس جينز) كلاماً يعلن فيه هذه الحقيقة ، وهذه مقتطفات من أقواله:

“إن الكون كون فكري . الكون لا يقبل التفسير المادي في ضوء علم الطبيعة الجديدة ، وسببه – في نظري – أن التفسير المادي قد أصبح الآن فكرة ذهنية .

من الصحيح أن نهر العلم قد تحول إلى مجرى جديد في الأعوام الأخيرة …

لقد كنا نظن قبل ثلاثين سنة – ونحن ننظر إلى الكون – أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي .

إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم ، تلك التي كنا أقمناها على عجل . لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة”.

ألا فليعد (العظم) دراسته ، وليراجع أفكاره وفق ما تطور إليه العلم الحديث ، وحسبه تجديفاً في المستنقعات النتنة القذرة .

أما قوله : “إن نمو الخلية يخضع لقوانين تمكننا من التحكم بنموها ، بتأخيره أو إسراعه أو تشويهه” فهو لا يتعارض بحال من الأحوال مع العقيدة الإيمانية ، لأننا جميعاً في حياتنا على وجه الأرض لا في عالم الأجنة نخضع لقوانين ربانية تمكننا من التحكم بعض الشيء بنمو أجسادنا أو تشويهها أو إتلافها ، نظير تحكمنا بالأجنة ، والإنسان القديم يعلم هذا كل العلم ، ولا يجد فيه معارضة لنظام الخلق الرباني ولا لقاعدته العامة . فالمؤمن يعلم أن لكل ظاهرة سبباً يخضع لسنَّة الله في كونه ، ويعلم أن الخلاق الحقيقي من وراء الأسباب هو الله تعالى ، إن القضية في نظره تشبه عملية إدارة زر الكهرباء التي يضيء المصباحُ بسببها ، ولكن السبب الحقيقي في الإضاءة هي القوة الكهرباء التي يضيء المصباحُ بسببها ، ولكن السبب الحقيقي في الإضاءة هي القوة الكهربائية السارية ، ومن ورائها المولد الكهربائي ، ومن ورائه صانع هذا المولد ومديره ، ولو شاء لقطع التيار الكهربائي من عنده فلم يكن لإدارة الزر الكهربائي الفرعي أي أثر ، ولانعدمت بذلك كل الظواهر ، ولم يكن للأسباب الوسيطة أية قيمة .

هذا هو منطق المؤمنين ، وذلك هو سخف الملحدين .

( 11 )

من العجيب أن نجد الناقد (د. العظم) ينكر على الباحثين الإسلاميين دعوتهم المسلمين إلى الأخذ بأسباب العلم في كل مجال من مجالات المعرفة ، ويرى أن الإسلام يدعو فقط إلى تعلم علوم الدين ،أما العلوم الأخرى فإنه لا يهتم بها ولا يشجع عليها ، ويرى أن الذين يقولون: إن الإسلام يحث على تعلم كل العلوم النافعة موفقون خطابيون ، يحاولون أن يثبتوا الانسجام بين الإسلام والعلم بوسائلهم الخطابية ، دون براهين صحيحة ، ثم يزعم أن كل النصوص الإسلامية التي دعت إلى العلم والعقل والتفكر موجهة فقط إلى العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها ، لا إلى الفيزياء والكيمياء وغيرهما من العلوم الطبيعية.

يقول في الصفحة (40) والتي بعدها من كتابه:

“من الأقوال التي يرددها الموفقون الخطابيون لإثبات دعواهم الحديث النبوي القائل : “اطلب العلم ولو في الصين” والآيات القرآنية العديدة التي تحث الإنسان على التعقل والتأمل في الأشياء وطلب العلم والمعرفة ، إلى آخره مما هو معروف ، كل ذلك ليبينوا مدى اهتمام الإسلام بالعلم والعقل منذ القدم .بطبيعة الحال يعطي هؤلاء المفكرون معنى مطلقاً لهذه العبارات الإسلامية ، وكأنها لا تنتمي إلى أي زمان ومكان ، منفصلة عن الظروف التاريخية التي قيلت فيها ، والمناسبات التي حددت معناها ومغزاها وقتئذٍ . من ضمن هذا الاعتبار يتضح لنا أن العلم الذي حث على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها ، وليس الفيزياء والكيمياء مثلاً (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من “إحياء علوم الدين”)، والعقل الذي طلب الإسلام من الإنسان استخدامه كان الغرض منه التوصل إلى معرفة الله من تأمل صنعته وخلقته ، كما فعل حي بن يقظان في قصة ابن طفيل ، وليس الغرض منه صياغة نظرية المادية الجدلية ، أو نظرية دوركهايم في الطقوس والعبادات الدينية ، أو نظرية الكون المحدب”.

لست أدري أي شيء يزعجه إذا كان الإسلام فعلاً يحث على تعلم كل العلوم الدينية والطبيعية والعقلية؟

لكن يبدو أن هذه الحقيقة تؤثر جذرياً على دعوة الإلحاد التي تحاول أن تتخذ من العلم دريئة لها ، وتحاول أن تقنع الأجيال بأن الدين والحقائق العلمية على طرفي نقيض ، لتصرفهم عن الدين وتضمهم إلى جيوش الملحدين ،يضاف إلى ذلك أن الملحدين يخشون أيضاً من دخول الإسلام والمسلمين إلى معاقل العلم الصحيح ، لأن هذا الدخول يشكل خطراً حقيقياً على قضية الإلحاد من أساسها ، إذ يكشف الباحثون المسلمون عن طريق العلم الصحيح زيف المادية الإلحادية التي تتستر بالعلم ، وتزييف ما يستطيع تزييفه لدعم مذهبها الذي ليس له سند صحيح من علم صحيح ، ولا من واقع مشهود .

وفي مناقشة كلامه القائم على المغالطة التضليلية نقول:

أما كون الإسلام قد جعل أشرف العلوم ما يصلح حياة الإنسان ويقوِّم سلوكه ، ويقصره على طريق الخير مبتعداً عن طريق الشر لاغتنام أعظم قدر يستطاع اغتنامه من سعادة الحياة الدنيا ، وما يُعدُّه أحسن إعداد لسعادة الحياة الأخرى ، فهذا حق .

وأما كون الإسلام لم يحث على تعلم العلوم الطبيعية المادية ، التي من شأنها أن تحقق المنافع الحسنة للناس ، وتخدم قضايا الرفاهية والجمال والقوة والراحة واختصار الزمن وتنظيم الحياة ، فهذا باطل .

فمنذ النهضة الفقهية عند علماء المسلمين قرر الفقهاء أنه يجب على جماعة المسلمين تعلم جميع العلوم النافعة للناس ، بما في ذلك العلوم الصناعية ،فضلاً عن العلوم الضرورية كالطب والزراعة ، والعلوم المتصلة بإعداد المستطاع من القوة ، وقرروا أن هذا واجب على الكفاية ، تقع فيه المسؤولية على جماعة المسلمين عامة ، فإذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين ، وإذا لم يقوموا به أثموا جميعاً ، واستنبطوا حكمهم هذا من مصادر التشريع الإسلامي ، ونصوصه الرئيسية ، والإمام الغزالي من الذين قالوا بهذا وقرروه على خلاف ما أوحى به (العظم) إذ قال في غضون ما غالط به : (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من “إحياء علوم الدين”، للإمام الغزالي).

فدعوى (العظم) باطلة في نظر فقهاء المسلمين ، والإمام الغزالي في الإحياء قد وجه إلى أشرف العلوم ، ولم يقل : إن طلب العلم الذي حثَّ عليه الإسلام منحصر في العلوم الدينية والشرعية ، والغزالي نفسه تتبع معظم العلوم المعروفة في عصره فدرسها ، وكتب في كثير منها ، وواقع حال علماء المسلمين في عصورهم الأولى يكذِّب هذه الدعوى التي طرحها ، فقد كانوا بحق طلائع النهضة العلمية الحضارية ، بشهادة أساطين علماء الحضارة الحديثة ، وما أظن (العظم) أكثر فهماً منهم لنصوص الإسلام وما يستنبط منها من أحكام دينية ومفاهيم إسلامية!!.

أما كون دراسة مختلف العلوم الطبيعية هادية لهم إلى معرفة الله وعظيم قدرته وبديع صنعته فهو يمثل النظر البعيد إلى آخر حلقة في سلسلة المعارف الطبيعية ، ولكن هذا النظر البعيد يجعلهم يتابعون حلقات السلسلة حتى غايتها ، ضمن حدود الاستطاعة الإنسانية التي تتهيأ لهم ، وليس من شأنه أن يقف بهم عند الحلقات الأولى ، لأن الإسلام يحثهم على المتابعة والنظر في كل مراحل الطريق ، وبذلك يستطيعون استخراج كل ما ينفع من حقائق علمية .

ومعلوم أن الإسلام يحرص دائماً على الربط بين العلم والإيمان ، بين العلم والغاية المثلى منه ،كما يحرص على الربط بين الدنيا والآخرة ، بين العمل وغاية الخير منه ، بين اللذة والمنعم بها وغاية الخير من ورائها ،وبذلك يظهر كمال الإنسان .

ولست الآن في صدد إيراد النصوص الدينية ، التي تثبت أن الإسلام يدفعنا بقوة إلى البحث العلمي في الكون ، للتعرف على كل حقيقة علمية ، لذلك أكتفي بعرض طائفة يسيرة منها .

( أ ) قال الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً …}.

(ب) وقال في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):

{ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً منْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

( ج ) وقال في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):

{وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}.

أليس في هذه النصوص دعوة إلى التعرف على خصائص الأشياء للانتفاع منها؟ وهل يمكن التعرف على خصائصها إلا بالبحث العملي ، عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنباط وكل الوسائل التي تتيسر للإنسان؟[29]

ولكن الملحدون يريدون أن يخترعوا للإسلام صورة من عند أنفسهم ، لينفروا الناس منه ، وليشوهوا جماله وكماله وتقدميته الرائعة ، ولن يظفروا .

( 12 )

حول المعجزات

أثار الناقد (العظم) أكثر من مرة موضوع المعجزات الربانية التي أجراها الله على أيدي رسله وأثبتتها الأديان السماوية ، بوصفها حادثات تاريخية جرت في تاريخ الكون ، وباعتبارها بعض مظاهر قدرة الله المخالفة بصفة استثنائية لمظاهر قدرته في سننه وقوانينه الدائمة .

وزعم أن الحديث عن هذه المعجزات حديث لا يقبله العلم وأن العلماء الماديين لا يرتاحون من وجهة نظرهم إلى الآيات القرآنية التي تروي كيف شق موسى البحر بعصاه ، وكيف تحولت النار فجأة إلى برد وسلام على إبراهيم ، ونحو ذلك من معجزات ربانية .

الواقع أن مشكلة (العظم) في هذا ومعه سائر الملحدين الماديين مرتبطة أساساً بقاعدة الإيمان الأولى ، وبما أنهم أنكروا الحقيقة الكبرى وهي حقيقة وجود الله فلا بد أن ينكروا كل ما يستند إليها وخرق قوانين الكون وسننه لا يتم إلا بقدرة الخالق الذي وضع هذه السنن والقوانين ، وبإراداته التي تقتضيها حكمته ، لكن الفرضية التي أقام الملحدون عليها عقيدتهم هي إنكار وجود الخالق ، واعتبار هذا الكون عملاً مادياً آلياً أنتجته الصدفة التي لا تفسير لها ، ولذلك فهم يرون قصة المعجزات المخالفة لنظام الكون وقوانينه الثابتة من قبيل الأساطير ، وليست من قبيل الحقائق التاريخية الثابتة.

لأجل هذا فإن معالجتنا لهم يجب أن تبدأ من مستوى القاعدة الإيمانية الأولى ، وهي الإيمان بالله وبكمال صفاته ، وبقدرته على خلق ما يشاء ، وبقدرته على خرق السنن التي جعلها هو ثابتة في كونه ، ولو أنه شاء أن يجعلها على خلاف ذلك لجعلها ، ولكن أسلوبه في الخلق كان على هذا الوضع القائم على نظام الترابط السببي بين الأشياء ، وبين الأحداث والتغيرات فيها .

وهنا تكمن فضيلة الإيمان بالغيب القائم على الاستدلال العقلي ، والانتقال من السبب الذي لا يملك تعليلاً عقلياً ، إلى مسبب الأسباب كلها الذي تنحصر فيه كل التعليلات العقلية الصحيحة ، والمفسرة لكل الظواهر الكونية ، بعد تجاوز سلسلة الأسباب مهما كثرت حلقاتها .

وهنا أيضاً تكمن رذيلة جحود الحقيقة الغيبية الكبرى ، لأن هذا الجحود القائم على طرح الأدلة العقلية الاستدلالية والأدلة الفطرية الوجدانية ، والتشبث ببعض حلقات السلسلة السببية ، مع أنها لا تملك في الحقيقة أي دليل يصح أن تفسر به الظاهرة الكونية ، إلا أن الملاحظة كشفت عن ارتباط الظاهرة الكونية بها ، كارتباط رأس الحمار بسلسلة رسنه المعقود بذيل آخر جمل في قافلة طويلة تسير في ليل دامس ، والغبي أو الأحمق أو المعاند المكابر هو الذي يقف تفكيره عند رأس الحمار ، أو عند بعض حلقات السلسلة التي في رسنه ، أو عند ذيل البعير .

فالنقاش المنطقي حول هذه النطقة يدعونا إلى الرجوع إلى قضية الإيمان بالله ، وقد سبق أن عالجناها ببيان كاف فإليها نحيل القارئ .

على أننا نقول هنا : إن الملحدين قد جعلوا معجزة الخلق كلها ظاهرة طبيعية ، وقطعوا الصلة بينها وبين الخالق ، أفيقبلون فكرة خرق قوانين الكون وسننه بفعل الخالق لحكمة يريدها ، وقد رفضوا الاعتراف بوجود خالق أصلاً؟

ونقول أيضاً : باستطاعتنا أن نناقش قضية المعجزات مناقشة عقلية وعلمية ، لإثبات خطأ الملحدين في رفضها بوصفها ظاهرة من الظواهر التي جرت أحداثها في تاريخ الكون ، مهما يكن تفسيرهم للظواهر الكونية خاضعاً لقواعد الفكر المادي .

إن إنكار الأحداث التي جرت فعلاً في تاريخ الكون لا يسوغ من وجهة نظر العلم أو من وجهة نظر العقل لمجرد كونها مخالفة في مفاهيمنا للقوانين التي استخرجناها من مشاهدات الطبيعة وأحداثها ، وإنما يجب بعد ثبوتها في الواقع محاولة استنباط تفسير وتعليل لها . أما مجرد الرفض والإنكار فليس عملاً علمياً ولا عقلياً .

إن كل ما نشاهده في الكون من أحداث وظواهر لو دققنا النظر فيه ورفعنا عنه ستار الرؤية المتكررة له لكان في مفاهيم العقلاء معجزة من المعجزات ، وعجيبة من العجائب ، ولكن تكرر الرؤية له جعله أمراً معتاداً ، واتخذ في مفاهيمنا صفة قوانين طبيعية ، وسنن لا غرابة فيها ، وذلك لأنه ليس بين معظم الأحداث والظواهر الطبيعية وبين أسبابها وقوانينها روابط عقلية ، وحينما ندرس أنظمتها كما هي في الواقع ، ولا نستطيع أن نجد في العقل مقتضيات لها ، غير أن نظام الكون سار على هذا الأسلوب ، وكان من الممكن عقلاً أ، يسير على أسلوب آخر ضمن سُلَّم احتمالات لا نهاية لها ، وتخصيص هذا النظام دون غيره ليس أمراً يقتضيه العقل .

ولو كان نظام الكون سائراً في متكرر العادة على أن الصخور متى نضجت في أشهر معينة ، وبطرق معينة ، تحوَّلت نوقاً وأبقاراً وزرافات وشياهاً بحسب اختلاف أنواع الصخور ، لكان ذلك هو السنَّة الثابتة في نظرنا ، ولكان خلاف ذلك هو المعجزة .

ولو كان نظام الكون سائراً في متكرر العادة على أن الماء يجري من أسفل الوادي إلى أعلى الجبل بنفسه ، من غير أن تكون له حافات تسنده ، ولا روافع ترفعه ، لكان ذلك هو قانون الماء الثابت في نظرنا ، ولكان خلاف ذلك هو المعجزة التي يتشكك بها ويطلب إثابتها بالدليل .

وهذا الإمكان التصوري يدلنا على أن النظام الحالي ليس نظاماً فرضته الضرورة العقلية ، والارتباطات الفكرية ، ولكن أوجدته السلطات ذات الإرادة المختارة ، ومهما يكن من أمر فإن الإمكان العقلي الذي لا يرى مانعاً من قبول نظام آخر لو كان هو السائد في نظام الطبيعة ، هو نفسه دليل كافٍ عل أنه ليس بين القوانين الطبيعية وأحداثها الظاهرة ارتباط عقلي يوجبها وحدها ، ولا يسمح بمخالفتها ، فقبول احتمال التغيير لا يتوقف إلا على ثبات وقوع الحادثة التي كان التغيير فيها ، وإلا كان رفضاً للإمكان العقلي بدون سند من العقل ، ورفضاً للواقع بدون سند من الواقع .

لو أخذنا منطق الأحياء البحرية لكانت الحياة بنظام غير نظامها معجزة من المعجزات ، ولو أخذنا معتاد الحياة الأرضية لكانت الحياة بغير إمداد بالنظام الغذائي المعروف أمراً من المعجزات ، مع أنه ليس في أي شيء من ذلك ارتباط عقلي يوجه العقل ، ولكن هذا هو الأسلوب الذي جرى عليه نظام الكون ، ولو جرى أسلوب الكون على غير هذا النظام لما وجد العقل مانعاً من ذلك ، ولما وجد أنه يتنافى مع أي أصل عقلي منطقي أو رياضي ، وهذا البرهان يثبت لنا أن رفض المعجزات بدليل من واقع القوانين والسنن الطبيعية رفض فاسد عقلياً وعلمياً ، ولا سند له ، وتبقى قضية المعجزات من وجهة نظر العلم والعقل احتمالاً إمكانياً بالإمكان العقلي ، ولكنه لا يسلم به واقعياً إلا أن يقترن بأدلة إثبات يقبلها العلم والعقل .

وأدلة الإثبات في هذا المجال منحصرة في الأدلة الحسية والأدلة الخبرية .

وقد توافر للذين عاصروا الرسالات دليل المشاهدة الحسية لمعجزات الرسل ، فكان ذلك بالنسبة إليهم برهاناً حسياً ، وأما بالنسبة إلى غيرهم فعمدتهم في إثبات المعجزات دليل الأخبار الإنسانية المتواترة عند جميع أمم الأديان السماوية ، وهذه الأخبار تقطع بوجود معجزات أو آيات من خوارق العادات قد أجراها الله على أيدي رسله ، منها معجزات إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ، وكذلك سائر النبيين ، وجحود الأخبار المتواترة الصادقة مع وجود الإمكان العقلي ، ومع وجود المبرر العقلي لها ، ضرب من العناد الذي لا يفعله باحث عالم يدرس الظواهر ويحاول تفسيرها .

والتفسير العلمي للمعجزات الربانية ظاهر فيما يوضحه للدين ، من أنها أدلة ربانية يصدِّق الله بها رسله فيما يبلغون عنه .

ومن العجيب أن الملحدين الماديين يقبلون معجزات الطفرة الوحيدة التي تقول بها الداروينية ، ولا سند لها إلا الحدس والخيال ، ويرفضون المعجزات الربانية التي يجريها الله على أيدي رسله ، وهي معجزات ثابتة تاريخياً بشهادة الأخبار المتواترة المقطوع بها ، مضافاً إليها الشواهد العقلية والأثرية المؤيدة لها!!

لكن هذا هو شأن الملحدين ، إنهم يتناقضون بين ما يقبلون وبين ما يرفضون ، تعصباً لإلحادهم ، ومعاندة لخالقهم ومكابرة على الباطل .

( 13 )

حول الشهب

قال (د. العظم) (52) من كتابه:

“كما أن علماء الفلك (وليس التنجيم) سوف يجدون بعض الصعوبة ، لا شك ، في التوفيق بين معلوماتهم العلمية عن النيازك والشهب من ناحية وبين الآيات القرآنية التي تعلمنا أن الشهب هي لرجم الشياطين والجن ، حين تحاول الصعود إلى السماء واستراق السمع (أي: الاستماع إلى أحاديث الملائكة) من ناحية ثانية . لكن أصحاب الفكر التوفيقي عودونا دوماً على إطلاق الأحكام الشاملة والتعميمات البديعة بدون التدقيق بالمسائل المحددة التي تحرجهم وتحرج دعواهم”.

تعليقاً على هذه الفقرة من كلامه نرى أنه من المستبعد جداً أنه لم يطَّلع بعدُ على مكتوبات الباحثين المسلمين المؤمنين بالله وكتابه ، الذين لم يقتروا على مجرد إطلاق التعميمات الشاملة البديعة ، التي تعلن وجود التوافق التام بين الصحيح الثابت من المفاهيم الإسلامية ، وبين الحق الثابت من النظريات العلمية ، بل تابعوا معظم المسائل بالدراسة والبحث والمناقشة للموضوعات بشكل موضوعي محدد .

ولكن شأن الآخذين بالمذهب الإلحادي محاولة طمس الحقائق ، وطرح المغالطات والمفتريات ، واستغلال أقوال بعض أصحاب المقالات ، والأقوال العامة التي يطلقها الباحثين المسلمين بصفة عرضية غير مقصودة ، وإلقاء الستور على سائر البحوث العلمية الرصينة التي تتناول كل جزئية بالبحث والدرس والتحقيق ، بغية إيهام الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين أن المسلمين لا يملكون غير إصدار الأحكام التقريرية والتعميمات الخطابية .

أما ما أثاره حول موضوع الشهب فإننا نجد أنفسنا بالنسبة إليه أمام قضيتين:

القضية الأولى : تتناول الجانب المادي المدروس من الشهب .

القضية الثانية : تتناول الجانب الذي لم يصل العلم بعد إلى اكتشافه ودرسه .

وكل من هاتين القضيتين تتطلب نظراً خاصاً .

أما القضية الأولى التي تتناول الجانب المدروس من الشهب فلا يبدو فيها تناقض بين ما أعلنه أو أشار إليه القرآن ، وبين ما توصل إلهي العلم بالبحث المادي والدراسة النظرية ، وليتبين لنا هذا الأمر لا بد من عرض النصوص القرآنية في هذا الموضوع ، ومقارنة ما جاء فيها بما يقوله العلماء الماديون ذوو الاختصاص في هذا الموضوع أيضاً .

فمن النصوص القرآنية في هذا الموضوع قول الله تعالى في سورة (الحجر/15 مصحف/54 نزول):

{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُل شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}

ومنها قول الله تعالى في سورة (الصافات/37 مصحف/56 نزول):

{ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}

ومنها قوله تعالى في سورة (الملك/67 مصحف/77 نزول):

{وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ}

ومنها قوله تعالى في سورة (الجن/72 مصحف/40 نزول):

{وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}.

فهذه نصوص قرآنية تحدثت عن الشهب ، وفيها من الدلائل المادية التي يمكن للعلم المادي أن يدرسها ويكتشفها ما يلي:

1- وجود (شهب) ظاهرة تنقض ، وحينما تنقض باتجاه الأرض تكون ثاقبة ملتهبة مضيئة .

2- وجود (رجوم) أي : قطع من الحجارة مصدرها النجوم أو الكواكب ، وهذه النجوم والكواكب هي المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا ، أما الرجوم (وهي الحجارة) فقد نشرت في السماء مع الحرس الذين ملئت بهم السماء ، وهذه الحجارة المختلفة الحجوم تنطلق شهباً مُبِينةً ثاقبة .

3- إن هذه الرجوم المنبثة في السماء (أي في الفضاء العالي) لم تكن قبل بعثة محمد  ، ثم وجدت بعد ذلك .

هذه هي عناصر القضية الأولى ، وهي القضية المادية التي يمكن أن تقارن بالعلم المادي وما توصل إليه من معارف في هذا الشأن .

ولدى المقارنة نجد أن العلماء الماديين يقولون ما يلي:

1- يقولون عن انتشار الكتل الصخرية والحجرية ذات الأحجام المختلفة والتراكيب المختلفة ، والتي يسمونها بالمتيورات وبالنيازك ، وهي منتشرة في السماء فوق الغلاف الأرض ما يلي:

إن الهواء الجوي يحمينا من أسلحة السماء المخيفة ، فأسرع مقذوفاتنا النارية ينطلق خلال الهواء بسرعة أقل من نصف ميل في الثانية ، على حين يندفع خلال الفضاء العالي عدد لا حصر له من المتيوارت الحديدية المختلفة الأحجام ، من حجم الهباء إلى حجم جبل عظيم ، بسرعة هائلة تختلف من عشرين إلى مئة ميل في الثانية .

فمن هذا نلاحظ أن النصوص الدينية قد قررت هذه الحقيقة ، قبل أن تكتشفها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي ، ويوم كان العلم الإنساني جاهلاً بوضع السماء .

2- يقول العلماء الماديون : إن أصل هذه النيازك من الكواكب والنجوم ، وهذا عين ما أشار إليه القرآن .

يقولون : إن النجوم يحدث فيها انفجارات من قوت لآخر ، وبقوة هائلة ، فيطير منها في كل انفجار مئات الأطنان من التراب الناعم ، ثم يتجمع بعضه على بعض فتتكون منه النيازك والمذنبات .

3- ويقول العلماء الماديون عن حالات حدوث هذه الرجوم في السماء وتكاثرها بين حين وآخر:

“إن مذنب بيلا ظهر منشقاً إلى جزئين في عام (1846م) ثم ظهر هذان الجزءان في عام (1852م) على صورة مذنبين منفصلين ، ثم اختفيا بعد ذلك ، وظهرت بدلاً منهما جموع حاشدة من متيورات مضيئة صغيرة في جو الأرض”.

أليست هذه الرجوم التي مصدرها نجوم السماء وكواكبها ، وقد حدثت في فترة نعرفها ، وهذا يقرِّب إلى التصور ما حدث في عصر الرسالة المحمدية .

من كل هذا يتبيَّن لنا أن الحقائق العلمية المادية تتفق مع ما جاء في القرآن ، وهذا ما يتعلق بالقضية الأولى .

وأما القضية الثانية وهي كون الشهب رجوماً للشياطين تلاحقهم وتحرقهم ، فهذه لم يتوصل العلم المادي إليها ، لأنها خارجة عن دائرة اختصاصه ومدى وسائله ، فهو لا يستطيع من عنده أن يثبتها ولا يستطيع أن ينفيها ، ويجب عليه بالنسبة إليها أن يترك الحديث عنها إلى ما يقرره الدين ، وما ثبت فيه بالنصوص الصحيحة القاطعة .

فكان الأولى بالعظم حول هذا الموضوع أن يعتصم بالصمت إذا لم يشأ أن يذعن للدين وما جاء فيه .

( 14 )

حول المعرفة الدينية والمعرفة بمعناها العقلي والعلمي

قال (د. العظم) في الصفحة (72) من كتابه:

“ورد معنا ذكر طائفة من المفكرين يقولون : إن المعرفة الدينية تختلف اختلافاً جذرياً وكلياً عن المعرفة بمعناها العقلي أو العلمي ، لذلك نجدها دائماً مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل”.

قبل أن أتابع ذكر بقية كلامه حول هذه المقدمة ، لا بد من التنبيه على أن هذا الكلام كذب على الإسلام والمسلمين لا أصل له مطلقاً . إنه لا يوجد واحد من علماء المسلمين يقول : إن المعرفة الدينية تختلف اختلافاً جذرياً وكلياً عن المعرفة بمعناها العقلي ، ولذلك نجد المعارف الدينية مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل .

فلست أدري من أين جاء بهذه الفرية على الإسلام والمسلمين على المعارف الدينية الإسلامية؟!

إن الذي يقوله جميع علماء المسلمين يقضي بأن جميع ما ثبت في الدين يتفق مع مفاهيم المنطق السليم ، والعقل الصحيح ، والعلم الثابت .

وقد سبق أن بينَّا أن التناقض أو التنافي لو وجد فهو ليس بين ما ثبت في الدين بشكل قاطع وما ثبت في العلم أو العقل بشكل قاطع ، وإنما بين ما نسب إلى الدين وهو ليس منه وبين الحقائق العلمية الثابتة ، أو بين ما نسب إلى العلم وهو ليس منه وبين الحقائق الدينية الثابتة ، أو بين ما نسب إلى الدين وما نسب إلى العلم وكل منهما لم تصحَّ نسبته إلى صاحبه .

ولكن قد توجد أمور ثبتت في الدين والعقل لا يستطيع مستقلاً أن يثبتها ، كما لا يستطيع أن ينفيها ، فهي لا تناقض أصول العقل والمنطق ولا تتنافى مع العلم ، إنما عجزت الوسائل العلمية عن إدراكها والوصول إلى معرفتها ، وعجزت التصورات العقلية عن إدراكها وتحديدها ، وهذا شيء يُعزى إلى قصور المعرفة والإدراك ، وليس من التناقض ولا من التنافي حتماً . ونظير هذا يحدث في مجال الدراسات العلمية الإنسانية البحتة . إن العلماء قد استنبطوا من الظواهر المادية كثيراً من القوانين ، منها مثلاً قانون الجاذبية ، مع أن أية وسيلة علمية لا تستطيع أن تحدد كنه هذه الطاقة التي تظهر آثارها ، ولا يستطيع العقل أيضاً أن يتصور صورة مادية لها ، ولا أحد يقول مع ذلك : إنها مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل .

وبعد هذه المقدمة التي افتراها على الإسلام والمسلمين ، قال في متابعة كلامه:

“يقول أصحاب هذا المذهب : إن العقل الإنساني قاصر عن أن يعرف طبيعة الإله ، وعن أن يحيط به ولو إحاطة جزئية . إنه عاجز عن تصوره وعن التعبير عن طبيعته ، وعّر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله : (كل ما يخطر في بالك فهو خلاف ذلك).

وقبل أن نتابع بقية كلامه نقول : هذا كلام لا علاقة له بالمقدمة التي افتراها ، فكون العقل الإنساني قاصراً عن تصور ذات الخالق جلَّ وعلا ، وعاجزاً عن معرفة كنه هذه الذات ، لا يعني بحال من الأحوال أن ذاته سبحانه مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل . جُلُّ ما في الأمر إثبات العجز للجهاز المدرك ، علماً بأن العقل عاجز عن إدراك أو تصور كثير من الحقائق العلمية الثابتة في الكون المادي المدروس ، حتى إن العقل لم يستطع إلى يوم الناس هذا أن يدرك كنه ذات نفسه ، فهل جهله بذات نفسه ينفي وجوده ، باعتبار أن هذا الجهل مناقض للمنطق ومتنافٍ مع العقل بحسب دعوى (د. العظم)؟

هذا كلام فارغ وسخيف ومتهافت لا يقبله من لديه مثقال ذرة من عقل ، وهو في حقيقته يسخر من قائله ولا يخدع قارئه.

ثم إن (د. العظم) بعد أن وضع المقدمة المفتراة ، وبنى عليها مسألة غير ذات علاقة بها مطلقاً بقصد المغالطة والتضليل ، قال موجهاً اعتراضاته:

“توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف . أولاً: هل بإمكاني أن أقيم علاقات جدية بيني وبين هذا الإله ، الذي تتجاوز طبيعته تجاوزاً مطلقاً منطقي ومشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني أن أجد عزاء في إله جُلُّ ما أعرفه عنه أنه مهما خط في بالي من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافاً مطلقاً؟ إن وجود مثل هذا الإله وعدم وجوده سيان بالنسبة إليه . إن هذا الإله ليس إلا تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى ، ولا يمكن لإرادة إنسان أن تتعلق بتجريد محض ، تجاوز بمراحل التجريد الذي وصفه أرسطو باسم (المحرك الأول) فإذا كان بإمكانك أن توجه ابتهالاً أو دعاء إلى المحرك الأول فمن المؤكد أنك لن تستطيع أن توجه لإله لا يمكنك أن تصفه بشيء على الإطلاق ، لأنه بطبيعته مخالف لكل ما يرد في ذهنك من أفكار وكل ما تنطق به من صفات”.

هذا هو الاعتراض الأول الذي وجَّهه ، وهو بهذا الكلام يضيف إلى افترائه في المقدمة ومغالطته فيما بنى عليها ، فيطرح هنا كذباً جديداً ومغالطة في الحقائق ويدَّعي على الفكر الإسلامي تعميماً كاذباً مخالفاً للحقيقة تماماً .

إن أحداً من المسلمين لا يقول: إن العقل قاصر عن أن يعرف شيئاً عن الله الخالق جلَّ وعلا ، أو قاصر عن أن يحيط ولو إحاطة جزئية بصفاته ، فهذا من الكذب على المفاهيم الإسلامية .

لكن الذي يقوله المسلمون إنما هو منحصر في معرفة كنه ذات الخالق ، والذات شيء والصفات ذات الأفعال والآثار شيء آخر ، فقول المسلمين : “كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك” ، قول منحصر في معرفة كنه ذات الخالق ، لا في معرفة صفاته ، وذلك لأن تصورات الأفكار كلها مقتبسة من صور الكون الحادث ، وهذه الصور المادية لا تليق بكمال الله جلَّ وعلا ، إذ ليس كمثله شيء ، ولا يتوقف على معرفة كنه ذات الخالق شيء من الإيمان ولا من العلاقة به .

إننا نتعامل مع كثير من طاقات الكون دون أن نعرف كنه ذاتها . عقولنا لا نعرف كنه ذاتها . معظم ما هو داخل في أجسامنا لا نعرف كنه ذاته . أفيؤثر هذا على إيماننا بها وتعاملنا معها؟

ولا بد أن يلاحظ القارئ حشد المغالطات التي صنعها (د. العظم) ويكتشفها ويعرف ما فهيا من زيف لا يحتاج كشفه إلى كد ذهني .

لقد جعل الشيء الذي يعجز العقل عن إدراكه وتصوره شيئاً مناقضاً للمنطق ومنافياً للعقل ، وهذا باطل بداهة كما أوضحنا ، إن أموراً كثيرة جداً يعجز العقل عن تصورها وتحديد ذاتها وهي واقعة فعلاً ، وحينما يدركها العقل لا يرى فيها مناقضة للمنطق ولا منافاة للعقل . الأعمى يعجز عن تصور الألوان ، مع أن الألوان لا تناقض المنطق ولا تتنافى مع العقل ، لا في مفهوم المبصرين ولا في مفهوم العميان .

ليكن واضحاً لدينا تماماً أن قصور الجهاز المدرك عن إدراك بعض الحقائق لا يعني بحال من الأحوال أن هذه الحقائق مناقضة لمنطق الأشياء . هذه بديهة ولكن (د. العظم) أراد أن يغالط بها ، وأراد أن يموِّه بها على السذج من المخدوعين المفتونين بعبارات (أصول البحث العلمي) و(قواعد المنطق الحديث) و(ما توصلت إليه الحقائق العلمية) وأمثالها من العبارات التي غدت شعارات للتمويه والتضليل فقط يستعملها بعض أصحاب المذاهب ذات الأغراض الخاصة ، كسائر الشعارات الجميلة ، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية ، إن هذه الشعارات تحمل بريقاً لفظياً يسرُّ السامعين ويعجبهم ، ولكن ليس لها عند مستغليها مضمون عملي تطبيقي .

وبعد أن بنى (د. العظم) هذا البناء الوهمي على المقدمة الكاذبة الأولى ، وجَّه عدة اعتراضات عليه ، وهذه الاعتراضات وجهها على اعتبار أن من نسب إليهم هذا المذهب من المفكرين المسلمين يرون أنه لا يمكن إدراك أي شيء عن ذات الخالق ولا عن صفاته .

وهنا تكمن مغالطته الثانية ، وهي مغالطة تعتمد على تعميم تمويهي كاذب لقضية خاصة ، وذلك لأن عبارة : “كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك” عبارة خاصة بتصور كنه ذات الله ، وليست شاملة لذاته وصفاته ، ولكن (د. العظم) عمَّم في دلالتها وفي مفهومها تعميماً باطلاً ، ليوجه اعتراضه على منطقة التعميم التي ادعاها زوراً وبهتاناً .

إن صنيعه يشبه صنع من قال : إن الماء صخر جامد ، والذين يقولون : إن السفن الشراعية تجري بالهواء لا بد أن يسلموا بأن هذه السفن تجري في الجبال والصخور والرمال ، وكلامهم هذا معترض من وجوه:

الأول: أن الماء ليس صخراً جامداً .

الثاني: أن السفن البحرية لا تجري في الجبال والصخور والرمال .

الثالث: أن السفن البحرية قد تجري بالمحركات الآلية .

هذا لون عجيب جداً من المغالطات التي تصطنع الأكاذيب ، والتعميمات ، وتضع الأشياء في غير مواضعها ، ومع ذلك فإن المنطق (العظمي) يقبله ، ويقبله مع سائر الملحدين!!

وعلى مثل هذا المنطق يريدون أن يصنعوا جيلاً عربياً تقدمياً .

من الطبيعي بعد أخذ المجال التعميمي الذي ادعاه كذباً على الفكر الإسلامي أن يصل إلى منطقة تجريد مطلق لا يفهم منه شيء ، فبينما كان أصل الموضوع منحصراً في كنه ذات الله ، إذا به يجعله شاملاً للذات والصفات كلها وسائر المفاهيم ، وهذا ما لا يقول به أحد في الوجود ، ولما وصل في أكذوبته إلى هذا المستوى وجه اعتراضه كما راق له فقال : “هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله … إلى آخر كلامه”.

من الطبيعي أن إلهاً لا يفهم عنه شيء من ذات ولا من صفات مطلقاً أن يكون تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى . لكن أحداً من المؤمنين بالله لا يقول بمثل هذا الكلام الباطل .

إن المؤمنين يثبتون لله صفات كثيرة من صفات الكمال ، بل هم يثبتون له كل صفات الكمال ، وينفون عنه كل صفات النقصان ، ويستطيعون أن يتصوروا من صفاته على مقدار عقولهم ، ويطلقون الحدود دون حصر ، إنهم يؤمنون بصفة وجوده الواجب سبحانه ، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم ، ويؤمنون بصفة قدرته الكاملة القادرة على خلق كل ممكن ، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم ، ويؤمنون بصفة إرادته واختياره التي تختار من الممكنات ما تشاء ، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم ، ويؤمنون أيضاً بصفات علمه وسمعه وبصره وصفات أفعاله ، ويستطيعون أن يتصوروا من هذه الصفات على مقدار عقولهم ، وهكذا إلى كثير من صفاته سبحانه .

فهل هذا هو التجريد المطلق الذي ادَّعاه (د. العظم) كذباً وبهتاناً؟!

ألا يسوغ في منطق العقل أن نؤمن بموجد نعلم كل صفاته التي لها آثار متصلة بنا ، من خلق ورزق ، وإحياء وإماتة ، وعدل وجزاء ، ورحمة وعقاب ، وغير ذلك دون أن نعلم كنه ذاته وطبيعتها الخاصة؟

إن العلماء الماديين يؤمنون بالجاذبية ، وهم لا يعلمون من خصائصها إلا أنها قوة تجذب . إنهم يعتقدون بها ، ويتعاملون معها ، لمجرد معرفة صفة من صفاتها ، دلت على آثارها ، فكيف بمن علمنا من صفاته أشياء كثيرة متعلقة بنا؟

يا عجباً لمنطق الملحدين!! إنهم يقيمون علاقات جدية مع أوهام إلحادية ، وعلاقات جدية مع قوانين طبيعية لا يعرفون كنه ذاتها ، وإنما تظهر لهم بعض آثارها التي تدلهم على بعض صفاتها ، ثم يستكبرون عن أن يقيموا علاقات جدية مع الله ، الذي يظهر لهم من آثاره أنه قادر عليم ، عادل حكيم ، خالق رازق ، محيي مميت ، سميع بصير ، نافع ضار ، يجازي المحسنين والمسيئين .

وإن تعجب فعجب قولهم وعجب منطقهم .

ثم إن (د. العظم) وجَّه اعتراضاً ثانياً على البناء الفاسد نفسه الذي بناه فقال:

“ثانياً: إذا كان الإله لا يوصف ولا يدرك بالنسبة إلى البشر فما معنى قولنا إذاً بأنه (رحيم وبأنه عادل) . عندما ننعت الله بالرحمة والعدل ماذا نعني بهذه الصفات؟ أليس هناك من شبه على الإطلاق بين الرحمة والعدل عندما نطلقهما على الله ، وبين تصورنا الإنساني لهاتين الصفتين؟ إذا كان الجواب بالنفي هل تكون إذن أذهاننا فارغة من كل معنى وتصور؟ عندما ننعت الله بالرحمة والعدل ، هل ننسب إليه كلمات لا معنى لها على الإطلاق بالنسبة للبشر؟ في الواقع إننا في موقف حرج حيال هذا الموضوع ، فإما أن ننعت الله بالعدالة وفقاً لتصور يشبه إلى حدِّ ما وبصورة غامضة تصورنا الإنساني لهذه الصفة ، وإما أن يكون قولنا بعدالته كلاماً فارغاً من كل معنى ومحتوى . أي : إننا مرغمون إما على التشبيه وما يترتب عليه من عواقب ، أو على التنزيه التام وما يستتبع من نتائج.

يوجد حل تقليدي لهذه الكتلة من التناقضات والمشكلات ، وهو الأخذ بظاهر المعنى والتصديق به مع تفويض معرفة حقيقته إليه تعالى ، أي التصديق دون معرفة ، والإيمان على طريقة العجائز”.

مرة ثالثة يلجأ في هذا الموضوع بالذات إلى المغالطة والتمويه عن طريق التعميم الفاسد .

فبعد المغالطة السابقة التي اعتمد فيها على تعميم العجز البشري في واقعهم الدنيوي عن إدراك ذات الله وكنهها ، بالنظر إلى أن الأبصار لا تدركه سبحانه ، وبعد أن جعل هذا العجز البشري شاملاً للذات والصفات وهو ما لم يقل به أحد ، فقز قفزة جديدة إلى مغالطة جديدة ، تعتمد على تعميم خلط فيه جميع ما نسب إلى الله من صفات في النصوص ، ليعطيها حكماً واحداً عاماً ، باعتبار أن بعضها مما يوهم التشبيه بالمخلوقات قد ثار حوله حوار في فهم المراد منه بين المفكرين من علماء المسلمين .

ويبدو أعن علمية المغالطة القائمة على تعميم الخاص أهم عناصر مغالطاته ، كما أنها أهم عناصر مغالطات (فرويد) أحد قادته المثاليين في نظره ، إذ كان (فرويد) يأخذ من الحالات الشاذة النادرة أحكاماً عامة مطلقة ، مخالفاً بذلك كل منهج علمي .

إن ادعاء (د. العظم) بأننا لا نفهم شيئاً عن صفات الله تعالى وإلا وقعنا في التشبيه ادعاء باطل ، ونستطيع بالتحليل العلمي أن نكشف بطلانه .

إن الطاقة الفكرية تستطيع أن تأخذ منطلقاتها في الاتجاه غير المحدود (اللانهائي) مهما كانت الحواس تشدها إلى الواقع المدرك المحدود ، فالفكر يشاهد مثلا عن طريق الحواس الموجودات الحادثة ، فيأخذ صورة صحيحة إلى تصور معنى الوجود الأزلي ، وهو يُحسن أن يتصور من معنى الوجود الأزلي على مقدار وعائه ، فيثبته لله تعالى ويطلقه من حدود المدركات بالحس ، ويلاحظ الفكر الإنساني القدرات المادية التي ترفع الأرطال والقناطير وما هو بوزن الجبال ، والقدرات غير المادية التي تفعل الأفعال العجيبة ، فيأخذ صورة تجريدية صحيحة عن معنى القدرة أو الطاقة ، ثم ينطلق منها في سلسلة التكامل الارتقائي إلى تصور قدرة فوق قدرة ، وطاقة فوق طاقة ، حتى يصل إلى تصور قدرة تخلق السماوات والأرض وتفعل كل ممكن ، دون أن تعجز أو تضعف ، فيثبت هذه القدرة لله ، ويطلقها من حدود المدركات بالحس ، بمقتضى أحكام سلسلة التكامل ، التي لها في العقل أصول يمكن أن تبنى عليها مدركات غير محدودة ، والعقل يحسن أن يتصور من معاني القدرة الكاملة على مقدار وعائه ، وما زاد عن وعائه يقف دونه عاجزاً مسلماً ، فهو بذلك قد فهم وأدرك على مقداره ، وكان لوصف الله بأنه قدير معنى صحيح واضح في فكره وتأملاته .

ونقول نظير ذلك في الإرادة ، وفي العلم ، وفي السمع ، وفي البصر ، وفي الرحمة وفي العدل وهكذا .

ومغالطة التشبيه التي جاء بها (د. العظم) إنما جاء بها من الصفات الواردة في النصوص مما يوهم ظاهره التشبيه الجسدي ، كالصفات التي تثبت لله وجهاً ويداً ونحو ذلك ، فهذه هي التي جرى بين علماء المسلمين حول المراد منها ، بين الإثبات من غير كيف ، والتأويل والتفويض ، ولكن هذه لا تؤثر على سائر الصفات التي لا خلاف في فهمها وإدراك معانيها .

وناقدنا (د. العظم) لم يجد سبيلاً إلا أن يغالط عن طريق التعميم الذي أصَّل له .

وحين يتصور (د. العظم) أنه بلغ ما يريد طرح حول الموضوع نفسه مسألة القضاء والقدر ، فقال :

“وأفضل مثال على هذا الموقف المشكلة الكلاسيكية التالية : يفترض في المؤمن أن يسلم بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى ، وأن يؤمن بالعقاب والثواب ، وأن يؤمن أيضاً بالعدالة الإلهية ، رغم ما في هذه الموضوعات من تناقضات عقلية وأخلاقية . ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بقولهم: إن العقل الإنساني عاجز تماماً عن إدراك طبيعة العدالة الإلهية ، وعلاقتها بالحساب والقضاء والقدر ، وبما أن هذه المواضيع لا تخضع للمنطق البشري ، لذلك تبدو متناقضة ومغايرة لمعاييرنا الأخلاقية وغير منصفة”.

يبدو أن الناقد أخذ فكرة القضاء والقدر في الإسلام من أفواه جهلة العامة الجبريين ، ولم يقرأها في كتاب علمي معتمد من كتب العقيدة الإسلامية[30].

وربما يكون قد قرأها في كتاب علمي معتمد إلا أنه طمس مذهب أهل الحق في هذا الموضوع ، وأخذ رأي الجبريين الذين كذبهم القرآن فيما ادَّعوه ، ورفض مذهبهم جمهور علماء المسلمين ، وبعد أن أخذ رأي الجبريين جعله هو الرأي الإسلامي ، وأخذ يوجه عليه اعتراضاته لما فيه من تناقض ، وغرضه هدم الإسلام كله من خلال رأي فاسد قاومه القرآن ، ورفضه علماء المسلمين .

أما تكذيب القرآن لرأي الجبريين فيما ذهبوا إليه ، باعتبار معارضاً لمبدأ امتحان الإنسان وتكليفه وجزائه بالعقاب أو بالثواب فنجد في قول الله تعالى في سورة (الأنعم/6 مصحف/55 نزول):

{سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم منْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

ونجده أيضاً في قول الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ}

فهؤلاء مشركون وجبريون يزعمون أن الله قد شاء لهم أن يشركوا ، فأعلن الله أنهم يكذبون في دعواهم .

إن قول المشركين : {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ، ولا حرَّمنا من دونه من شيء} ، مستند إلى ادعاء جبري يتضمن أن الله قد شاء لهم الإشراك به ، وشاء لهم عبادة غيره ، ولذلك كانوا مشركين به في عقيدتهم وفي عبادتهم ، ولذلك كذَّبهم الله في هذا الادعاء ، وأوعدهم بالعذاب فقال : {كذلك كذَّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} وأمر رسوله بأن يطالبهم بالدليل على ما ادعوه ، فقال له : {قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} ، أي : هل عندكم من خبر عن الله يثبت مدعاكم هذا؟ فإن كان عندكم شيء من ذلك تحتجون به فأخرجوه لنا ، ولكنكم في الحقيقة لا تعتمدون في ادعائكم هذا على أي مستند علمي ، وإنما تتبعون الظنون الكاذبة التي هي أوهام بعيدة عن الحقيقة ، فما أنتم في الحقيقة إلا تخرصون ، أي تكذبون .

ثم علَّم الله رسوله أن يقول لهم : {قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، أي : إن الله قد شاء أن يمنحكم الإرادة الحرة ، ليمتحنكم في حدود ما وهبكم من استطاعة ، ولو شاء غير ذلك ، أي لو شاء أن يجعلكم مجبرين لا خيرة لكم فيما تقومون به من أعمال لكانت حكمته تقتضي بأن يهديكم أجمعين ، وفي هذا حجة عليهم بالغة صميم الحقيقة ، ولله الحجة البالغة .

فالفكر الإسلامي قائم على أن الإنسان مسؤول عن أعماله ، ومحاسب علهيا ، ويُجازى عليها أيضاً ، لأنها داخلة في حدود استطاعته إذ وهبه الله حرية الإرادة ، والقدرة الجزئية على تنفيذ إرادته ، وأعطاه شروط الامتحان ، ووضعه في مجالات الامتحان الأمثل .

هذه خلاصة العقيدة الإسلامية التي أوضحها القرآن حول موضوع القضاء والقدر ، وفهمها جمهور علماء المسلمين .

ومن هذا يتبين لنا أن ما لا سلطة للإرادة الإنسانية والقدرات الإنسانية عليه هو الذي يقع مباشرة تحت سلطان القضاء والقدر ، وأن الله قد منح بقضائه وقدره الإنسان إرادته الحرة ، وعقله الذي يؤهله للتكليف , وجزءاً من القدرة على التنفيذ ، ليمتحنه ، ثم ليحاسبه ويجازيه.

فهل في هذا المفهوم الصحيح تناقض أو إشكال في موضوع القضاء والقدر؟.

لكن الملحدين لا يروق لهم البيان الحق عن الدين ، إنما يريدون مفاهيم فاسدة تنتشر بين المسلمين ليحاربوا الدين بها .

* * *

الفصل التاسع

التطورات العلمية هي التي تتراجع في اتجاه المفاهيم الدينية

زعم (د. العظم) في نقده للفكر الديني أن الدين في نزاعه مع العلم يضطر لأن يتنازل عن مواقعه بعد صراع شديد ، فقال في الصفحة (24) من كتابه:

“إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين ، يلجأ إليها كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية ، أو كلما اضطر لأن ينسحب من مركز كان يشغله في السابق . إن نمط هذه العملية معروف جدا ً. إنها تبدأ بصدام شديد بين النظرة العلمية الجديدة حول موضوع ما ، وبين النظرة الدينية السائدة إلى الموضوع ذاته ، وبعد نزاع قد يستمر سنين طويلة تنتصر النظرة العلمية الجديدة ، وتسود بين كبار المفكرين ، وتنتشر بين الفئات المثقفة تماماً عندما يوشك العلم أن يتجاوزها إلى نظرة أفضل . عندئذٍ يقول أصحاب النظرة الدينية : إنه لم يكن من موجب لهذا النزاع أصلاً ، لأن الخلاف لم يكن بين جوهر الدين وروحه من جهة وبين العلم من جهة أخرى ، لذلك لا يضير الدين أن يتنازل للعلم عن أمور لا تمس روحه . ولكن الحق يقال : إن هذا النمط من التكفير يخبئ وراءه سلسلة طويلة من التراجعات الهامة والحاسمة ، اضطر إليها الدين عندما وقف وجهاً لوجه أمام العلم . بالرغم من هذا الكلام الجميل عن روح الدين وجوهره لم يتراجع الدين ولو مرة واحدة أمام العلم إلا بعد معركة ضارية ، أو تحت الضغط المتزايد للثقافة العلمية الحديثة ، أو تحت إلحاح الضرورات الحيوية للتكليف مع موجة العلمنة والتقدم التي تفرض نفسها على حياة المجتمعات في النهاية”.

لنا حول هذا الكلام “العظمي” نظرات ، كل واحدة منها تحتاج مناقشة مستقلة .

( أ ) ففي النظرة الأولى نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد كل ما يسمى بني الناس ديناً ، حقاً كان أو باطلاً ، وهذا الإطلاق التعميمي فيه مغالطة جدلية لا يفعلها من يحترم فكر نفسه ، أو يحترم المنهج العلمي السليم لدى النقد والمناظرة ، لأن الحكم الواحد لا يصح ، يحكم به على مختلفات في الحقيقة لمجرد اشتراكها في الاسم العام اشتراكاً لفظياً ، فلا يصح أن يقول القائل : إن الإنسان أصفر الوجه قصير القامة بدليل أن بعض الناس كذلك ، فالأحكام لا تعطي صيغة التعميم الشامل ما لم يثبت أن جميع الأفراد المختلفة في حقيقتها مشتركة فعلاً في هذا الحكم التعميمي .

فمغالطة (د. العظم) هنا قائمة على التعميم في الحكم مع اختلاف حقائق الأفراد التي يحكم عليها . وقد وضح لنا في مواضع كثيرة اعتماده على هذا العنصر من عناصر المغالطات .

أفعلى هذا المستوى يريد أن يوجه نقده العلمي؟

أفعلى هذا المستوى يريد أن يراجع المفاهيم الإسلامية مراجعة عصرية؟

إن هذا العمل بعيد كل البعد عن الروح العلمية النقدية ، لو أنه كان صادقاً في طلب الحقيقة والبحث عنها .

(ب) وفي النظرة الثانية نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد بها التعاليم الدينية الأساسية ، والتفسيرات الاجتهادية التي يقول أي إنسان منتسب إلى الدين ، وإن كانت اجتهادات ظاهرة الفساد ، وآخرون من علماء المسلمين يخالفونه فيها ، وإن كانت مفاهيم باطلة لطوائف منحرفة عن الدين تقول أقوالاً شاذة مرفوضة .

وبعد هذا التعميم الباطل يطلق حكمه على الدين نفسه من خلال حكمه على هذه الآراء التي جانب أصحابها فيها وجه الصواب .

لو قبلنا هذا التعميم لكان علينا أن نقبل أي فهم يفهمه أي إنسان من نص قانوني ، أو نص دستوري ، أو نظام من الأنظمة ، أو مذهب من المذاهب الإنسانية ، ثم نجعل هذا الفهم جزءاً من القانون أو الدستور أو النظام أو المذهب ، ثم نوجه إليها النقد على أساس هذا الفهم الخاطئ . لكننا نعلم أن هذا العمل مغالطة حقيرة لا تتفق مع أصول المنهج العلمي النقدي السليم ، لذلك فإننا لا نفعله ، لأن الإسلام يفرض علينا التزام الأمانة الفكرية ، ويفرض علينا أن نحافظ على أخلاق البحث العلمي السليم ، والمنهج النقدي الصحيح .

وشبابنا المسلمون يعرفون هذه الأخلاق ويلتزمونها ، ويعرفون مداخل المغالطات فلا يتأثرون بها . وإذا شاء الملحدون أن يموتوا بغيظهم من ذلك فليفعلوا ، ولتبقَ مغالطاتهم على أكف الرياح السافيات ، مع الهشيم اليابس والقمامات .

( ج ) وفي النظرة الثالثة نلاحظ أن البحوث العلمية المتطور يوماً بعد يوم هي التي تتطور متقدمة إلى الأمام ، لتجد نفسها مقتربة من المفاهيم الكلية الكبرى التي قررها الإسلام في عقائده ومبادئه .

إننا نسمي هذا تقدماً في البحث العلمي إلى المواقع الغائية التي يحتلها الدين الحق ، ولو أردنا أن نجاري (د. العظم) في تعبيراته لقلنا : إن البحوث العلمية تتراجع من مواقع النظرات المادية الإلحادية إلى مواقع النظرات الغائية الإيمانية ، وهي المواقع التي يحتلها الدين بثبات واستقرار ، دون تحول أو تراجع ، لأن الدين الحق الإلهي ، وهو يقف عند مواقع الحق ، وحينما يصل العلم إلى الحق ، تماماً يجد نفسه عند مواقع الدين .

وهذا الكلام منا يحتاج إلى أدلة من الواقع العلمي ، حتى لا يكون ادعاء لا قيمة له ، وسأعتمد في هذا على أقوال كبار العلماء الماديين من علماء القرن العشرين .

من المعروف في قصة الحضارة الحديثة أن معظم الأبطال الأولي الذين اكتشفوا كثيرا من القوانين الطبيعية التي اعتمدت عليها هذه الحضارة كانوا مؤمنين بالله ، ولكن خلفهم قوم زعموا أن هذه الاكتشافات قد أبطلت الحاجة إلى الإيمان بوجود الخالق جلَّ وعلا ، وتلقف الملاحدة الذين لهم غايات خاصة من نشر الإلحاد في الأرض ذلك ، وأخذوا يروجون له في مختلف المجالات العلمية وغير العلمية .

ثم اتسعت دوائر المعرفة خلال القرن العشرين ، فبدأت تنهار أسس الفكر الإلحادي القائم على تفسير الكون تفسيراً مادياً ميكانيكياً بحتاً ، لدى كبار علماء الباحثين في مجالات المعارف الطبيعية الكونية .

لقد حل (أينشتاين) محل (نيوتن) ، كما أن العالمين (بلانك) و(هايزنبرج) قد أبطلا نظريات (لابلاس) ، وفقد معارضو الدين اليوم تلك المكانة التي كانت تسمح لهم بأن يستندوا إلى العلم لنقض أسس الدين .

إن نظرية النسبية وقاعدة الميكانيكا الكمية (كوانتم) قد أوصلتا العلماء إلى الاعتراف بأنه لا يمكن الفصل بين المشاهد والموضوع المشاهد ، ومعناه أنه ليس في إمكاننا إلا أن نشاهد بعض المظاهر الخارجية من أي شيء ، وأننا لا نستطيع أن نشاهد حقيقته الجوهرية .

وقد أصبح من الحقائق القطعية أننا لا نستطيع أن نهتدي إلى الوجود الأصلي لأي شيء فيما يتعلق بعلم الطبيعة ، وأن كل ما يمكننا عمله هو بذل الجهد لمعرفة الهيكل الرياضي لذلك الشيء ، وقد سلم العلماء على أعلى مستوى اليوم بأن الزعم بأننا نستطيع أن نشاهد الأشياء في صورتها النهائية لم يكن إلا وهماً وسراباً .

ويعتقد البروفيسور (آرثر إيدينجتين) “أن معرفة الهيكل الرياضي للشيء هي المعرفة الوحيدة التي يمكن لعلم الطبيعة أن يمنحنا إياها”[31].

فقد جاء في مقال لهذا العالم ما يلي:

” … بقطع النظر عن الجوانب الجمالية والأخلاقية والروحانية ، فإن المادة والجوهر والبعد والوقت وغيرها من تلك الأشياء التي كانت تعتبر خاضع لعلم الطبيعة وحده قد أصبح من المتعذّّر علينا معرفة خصائصها ، بقدر ما كان متعذراً معرفة خصائص الأشياء غير المادية. إن علم الطبيعة الجديد لم يعد في وضع يسمح له بالمعرفة المباشرة لخصائص الأشياء . إن حقيقة هذه الأشياء خارجة عن حدود الإدراك ، ونحن نصل إلى حقائقها بواسطة الصور الذهنية . وأية صورة ذهنية لا يمكن أن تعكس لنا صوراً غير موجود البتة في الذهن . وهكذا لا يمكن للطبيعة 0باعتبار مجال عملها الحقيقي- أن تتناول الخصائص الخارجة عن حدود الإدراك ، بل هي لا تقوم إلا بالدراسة بواسطة الآلات التي يمكن لعلمنا الإحاطة بها . صحيح أن هذه الدراسة تصور لنا بعض الخصائص لعمل الكون إلا أن معلوماتنا الأصلية تتعلق بالدراسة عن طريق الآلات ، وليست بالخصائص نفسها . إن علاقة الدراسة عن طريق الآلات بالخصائص الحقيقية للأشياء تشبه علاقة رقم التليفون بصاحبه”.

ما هذه العلاقة الضعيفة جداً بين الدراسات الطبيعية للأشياء وبين حقائق الأشياء؟

إن هذا العالم الطبيعي من كبار علماء القرن العشرين ليقلل كثيراً من قيمة الادعاءات العريضة التي كان يدَّعيها الماديون ، والتي كانوا يزعمون فيها أن العلوم الطبيعية قد بلغت بدراساتها معرفة حقائق الأشياء أو كادت تصل إليها . إن علماء اليوم المنصفين قد بدأوا ينقضون هذه الأقوال ويستخفونها ، ويعتبرونها تجاوزاً كبيراً للحدود التي بلغها علم الناس ، وهؤلاء العلماء قد بدأوا يعلنون ما كان أعلنه القرآن عن مبلغ علم الناس بقوله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

{…وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}.

ويقول البروفيسور (آرثر إيدينجتين) أيضاً:

“إن حقيقة “أن العلم محدود بالمعلومات عن هيكل الأشياء” حقيقة ذات أهمية قصوى . إنها تؤكد أن الحقيقة الكاملة لا تزال غير معروفة . وفي ضوء هذه الحقيقة لا يمكن الزعم الآن بأن أحاسيسنا أو تجربة اتصال النبي بالله ليس لهما مثيل موضوعي (خارجي) وذلك لأنه من الممكن جداً أن يكون هناك مثيل خارجي لهذه الأحاسيس ، أو لتجربة النبي أو العارف بالله . ولم يعد من الممكن أن يقال عن أحاسيسنا الدينية أو الجمالية : إنها مجرد ظواهر خادعة كما كانوا يقولون بالأمس صلافة وتبجحاً ، وبإيجاز : إن العارف المؤمن بالله المؤمن بالدين يمكنه أيضاً أن يعيش –كحقيقة- في الدنيا”.

أليس هذا تراجعاً ظاهراً في موقف العلم إلى مواقع الفكر الديني ، وهذا التراجع أو التقدم في الحقيقة نتج عن واقع تقدم البحوث العملية الطبيعية ، إن العلم الإنساني بدأ يتعرف على حدوده .

ولكن الماديين المتعصبين للنظرات التقليدية الإلحادية ما زالوا يجترون الادعاءات التبجحية السابقة ، على الرغم من أن العلم المتطور قد أظهر فسادها ، وتقدم خطوات مهمة في اتجاه مواقع الدين .

وعلى هذا باستطاعتنا أن نسمي الملاحدة الماديين رجعيين ، لأنهم لا يسايرون تقدم العلم الصحيح .

على أن قضية التقدمية والرجعية من القضايا النسبية ، فمن ابتعد عن الحق إلى جهة الباطل ثم رجع إلى الحق فهو رجعي فاضل كريم ، ومن ابتعد عن جهة الباطل إلى جهة الحق ثم رجع إلى جهة الباطل فهو رجعي خسيس ذميم ، ومن تابع تقدمه في جهة الحق فهو تقدمي بطل صاعد ، ومن تابع تقدمه في جهة الباطل فهو تقدمي خبيث منحط ، فالقضية في كل ذلك نسبية ، تتبع السالك والجهة معاً ، وكذلك الوراء والأمام ، فالنازل من المعالي يكون الوادي أمامه وتكون القمة وراءه ، ولو عقل لنظر إلى الوراء ورجع إليه ، والصاعد إلى المعالي تكون القمة أمامه والوادي وراءه ، وحينما يعقل يستمر في صعوده ولا يلتفت إلى الوراء ولا يرجع إليه .

وقد انتهى الرياضي والفيلسوف الإنكليزي (ألفرد نورث وهايت هيد) إلى “أن الطبيعة حية”.

أي: ليست كما يزعم الماديون مجرد مادة تظهر الحياة فيها نتيجة تركيب آلي في عناصرها ، وهذا اقتراب من المفاهيم الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود حي .

ثم إن الفلكي الإنكليزي السير : (آرثر إيدينجتين) قد استنتج من دراسة العلوم : “أن مادة العالم مادة عقلية” .

وكذلك الرياضي السير : (جيمس جينز) الذي يعتبر أعظم علماء العصر قد عبَّر عن الكشوف الجديدة بقوله : “إن الكون كون فكري”.

إن العلماء الذين أدلوا بهذه الآراء هم علماء على درجة كبيرة من الأهمية في دنيا العلم ، ويلخص البروفيسور (ج. و. ن. سوليفان) أفكارهم في الجملة التالية:

“إن الطبيعة النهائية للكون طبيعة عقلية”.

أي : ليست كما يزعم الملحدون الماديون مجرد حركة عشوائية غير عاقلة ظهر عنها في بلايين القرون هذا النظام الكوني المشاهد ، وهذه النتائج العلمية التي توصَّل إلهيا لعلماء تلغي بكل تأكيد الركائز الخيالية التي كان يستند إليها الملحدون ، وتجعل العلم يقترب من الحقائق الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود عظيم قادر حي سميع بصير .

إن كتاب “عالم الأسرار” ، للفلكي الرياضي البريطاني السير (جيمس جينز) يحتوي على أكثر المواد العلمية قيمة من هذه الناحية ، وقد انتهى هذا العالم بعد مناقشة عملية بحتة إلى أن :

“الكون لا يقبل التفسير المادي في ضوء علم الطبيعة الجديد ، وسببه –في نظري- أن التفسير المادي قد أصبح الآن فكرة ذهنية”.

أي : وهذه الفكرة الذهنية لا يؤيدها واقع الكون . ويقول هذا العالم أيضاً: “إذا كان الكون كوناً فكرياً فلا بد أن خلقه كان عملاً فكرياً أيضاً”.

هل يدرك الملحدون هذه الرجعة العلمية إلى الدين؟ أم يظلون في البقعة العمياء التي يقفون فيها فلا يتقدمون مع تقدم أضواء المعرفة؟

ويقول السير (جيمس جينز) أيضاً:

“من الصحيح أن نقول : إن نهر العلم قد تحول إلى مجرى جديد في الأعوام الأخيرة …

لقد كنا نظن قبل ثلاثين سنة – ونحن ننظر إلى الكون- أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي . وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة ، وقد اجتمعت أجزاؤه بالصدفة ، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصاً لا معنى له ، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها ، وأنه بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت ، وأن الحياة قد وجدت صدفة خلال عمل هذه القوى العمياء ، وأن بقعة صغيرة جداً من الكون قد نعمت بهذه الحياة ، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى ، وأن كل هذا سينتهي يوماً ، وسيبقى الكون فاقد الروح .

ولكن توجد اليوم أدلة قوية تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية .

إن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة . إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجنبي عنه ، ونحن الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه . إن هذا الذهن بلا شك ليس كأذهاننا البشرية ، بل ذهن خلق الذهن الإنساني من “الذرة المادة” وهذا كله كان موجوداً في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد مسبقاً . إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم ، تلك التي كنا أقمناها على عجل . لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة ، وهذه القوة تشبه أذهاننا إلى حد كبير ، وهذا الشبه ليس من ناحية العواطف والأحاسيس وإنما هو شبه يتعلق بذلك النهج الفكري الذي يمكننا تسميته بالذهن الرياضي”.

هذا كلام عالم من أعظم علماء القرن العشرين ، شهد آيات الله في الكون عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية التقدمية ، وكان منصفاً بريئاً من داء التعصب ،فأعلن شهادته المستندة إلى المعرفة العلمية ، وأبان بوضوح أن نهر العلم قد تحول فعلاً إلى مجرى جديد سائر في اتجاه مواقع الإيمان بالله الخالق القادر العليم الحكيم .

وتحقق بعض ما جاء في الوعد الإلهي إذ قال سبحانه في سورة (فصلت/41 مصحف/61 نزول):

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

وسيتحقق كامل الوعد الإلهي مع تقدم العلمي الإنساني بحثاً عن خفايا الكون وأسراره .

فليَقَرَّ المسلمون المؤمنون بالله أعينا ً، وليمت الماديون الملحدون بالله غيظاً . إن العلم المنصف قد بدأ فعلاً يتحول عن تفسيراته المادية البحتة ، التي ملأت الدنيا ضجيجاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، متجهاً إلى تفسيرات أخرى يقترب فيها الدين اقتراباً أزعج المؤسسات الإلحادية إزعاجاً كثيراً ، إذ بدأت تفقد ركائزها التي كانت تلبس ثوب العلم زوراً وبهتاناً ، وتصنع مغالطاتها من الفرضيات التي لم تكن قد أخذت مستوى التحقق العلمي ، وتصوغ منها مقدمات يقينية ، لتدعم سياستها الإلحادية ، نظراً إلى أن الإلحاد يخدم كما عرفنا مصالحها الخاصة .

إن انتصار الحقيقة الكبرى في نهاية المسيرة العلمية قضية مقطوع بها في عقيدة المسلمين ، فلا خوف على الدين من العلم الصحيح .

إلا أن داء الهوى وداء التعصب كثيراً ما يصيبان الباحثين في طريق العلم والمعرفة ، كما يصيبان الآخرين من الناس .

يقول المفكر الإسلامي (وحيد الدين خان)[32]:

“وبالرغم من هذه التغييرات في دنيا العلم لم يطرأ تغير يذكر على العقلية المنكرة للدين . بل على العكس من ذلك ينهمك معارضو الدين في تدبيج قضيتهم ضد الدين بأساليب جديدة ، وليس سبب هذا الموقف اكتشافاً علمياً خطيراً ، وإنما هو التعصب ولا غير . إن التاريخ ليحفل بما لا يحصى من الوقائع التي تبرهن على أن البشر رفضوا الحقيقة – رغم تجليها بوضوح – لأن تعصبهم لفكرة ما لم يسمح لهم بقبولها . وهذا التعصب الأعمى هو الذي جعل العلماء الإيطاليين قبل أربعة قرون يرفضون نظرية (جاليليو) كبديل لنظرية أرسطو القديمة ، على الرغم من أن الكرتين اللتين أسقطهما (جاليليو) من قمة منارة (ليننج) قد جعلتا نظريته حقيقة مرئية للعيان ، وهذا هو التعصب الذي جعل العلماء في نهاية القرن الماضي يسخرون من نظرية البروفيسور (ماكس بلانك) المفسِّرة لظواهر الضوء ، والتي أبطلت نظرية (نيوتن) وتلك هي النظرية التي تسمى اليوم بنظرية الكمية (الكوانتم) ، وتعتبر من أهم أسس علم الطبيعة الحديث .

وإذا كان أحدنا يظن أن داء التعصب يمكن أن يصيب الآخرين دون العلماء فإنني سأذكره بما قاله أحد العلماء المعاصرين وهو الدكتور (أ. و. هيلز):

“إنني سأكون آخر من يدعي أننا نحن العلماء أقل الناس عرضة للتعصب بالنسبة للمثقفين الآخرين”.

فنحن أمام دنيا يمزقها التعصب . فكيف لنا أن نتوقع أن نظرية ما سوف تحظى بقبول الجميع لمجرد أن المنطق أو العلم قد أثبتها؟!

إن تجربة التاريخ الطويل تدلنا على أن العواطف لا العقل هي التي كانت تقود الإنسان ، وبالرغم من أن العقل هو الذي يحظى بالمقام الأرفع علمياً ومنطقياً ، لكن العواطف في أغلب الأحايين هي التي كانت تستعبد العقل ، وكان العقل دوماً يخترع المعاذير للعواطف.”اهـ.

* * *

الفصل العاشر

صراع حول ما أسماه العظم
مأسَاة إبليس

ملاحظة قبل الدخول في الصراع

قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (83) من كتابه : “قبل أن أدخل في صلب الموضوع أريد أن يتضح للجميع بأن بحثي يدور في إطار معين ، لا يجوز الابتعاد عنه على الإطلاق ، ألا وهو إطار التفكير المثيولوجي – الديني الناتج عن خيال الإنسان الأسطوري وملكاته الخرافية – إنني لا أريد معالجة قصة إبليس باعتبارها موضوعاً يدخل نطاق الإيمان الديني الصرف ، ولا أريد أن أتكلم عنه باعتباره كائناً موجوداً حقيقياً ، وإنما أريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية وطوَّرها وضخمها خياله الخصب”.

فلا يغترَّ القارئ ببعض أقواله الدينية في صلب الموضوع ، لأنه مضطر إلى إيرادها لدراسة القصة من خلالها ، على اعتبارها واعتبار كل ما يتصل بها خرافة من الخرافات وأسطورة من وضع الإنسان .

( 1 )

كتب (د. العظم) في كتابه “نقد الفكر الديني” فصلاً خاصاً بعنوان : “مأساة إبليس” ، وكان هذا الفصل محاضرة ألقاها .

زعم فيما كتب أن قصة إبليس أسطورة خيالية من الأساطير الدينية ، مثلها كمثل الأساطير الخيالية التي تنتهي بمأساة درامية ، وإبليس بطل هذه المسألة قديس بحسب تفسيراته التي اعتمد فيها على آرائه الشخصية ، وعلى آراء باطنية شاذة اعتمدت على المذهب الجبري في موضوع القضاء والقدر ، وهو مذهب مرفوض كما علمنا ، وما اشتمل هذا المذهب عليه من أفكار لا يمثل العقيدة الإسلامية الصحيحة ، لذلك فإن جميع ما بناه على هذا الأساس من تفسيرات ومفاهيم وأسئلة وإشكالات ساقط مردود ، باعتبار أن الأساس الذي بنى عليه أساس مرفوض دينياً ، وما بني على فاسد فهو فاسد .

ولم يكتفِ باعتبار قصة إبليس الواردة في القرآن قصة أسطورية ، بل هو يعتبر سائر القصص الدينية الصحيحة من قبل القصص الأسطورية ، فقصة إبراهيم وأمر الله له بذبح ولده أسطورة مأساة درامية خيالية في نظره ، وقصة أيوب وبلائه أسطورة مأساة ،وهكذا ، ولكن أعظم بطل ذي قصة مأساوية في نظره هو إبليس ، لأنه تحدى الموقف المأساوي ببطولة .

من الطبيعي أن ينكر القصص الدينية بعد أن أنكر وجود الله ، وأنكر الشرائع السماوية كلها ، وأنكر القرآن وصحة نسبته إلى الله جلَّ وعلا .

إن العقيدة الإسلامية بكل أركانها وفروعها مبنية على أصل واحد هو الإيمان بالله ، فمن اجتث من فكره وقلبه ووجدانه هذا الأصل فكل كلامه في الفروع كلام جدلي محض لا أساس له ، ولا بد أن تكون مناقشته فيه متسمة بالمغالطات والأكاذيب والمشاغبات والعمل على طي الحقائق وكتمانها ، والاقتصار على الجوانب التي تفيده في المعركة الجدلية ، مثله في ذلك مثل المصارع الذي يصنع بيده وعلى وفق هواه دميةً لخصمه ، ثم يدخل معها إلى حلبة الصراع على أنها هي خصمه الحقيقي ، ويصارعها كما يشاء ، ويلعب بها كما يشاء ، ثم يظهر انتصاره عليها . أو كمثل المصارع الذي يستخدم بعض المرتزقة من المصارعين ، ويطلب منه أن يلبس قناع خصمه الحقيقي ، وينزل بدل الخصم في حلبة المصارعة ، على أن يصارع مصارعة ضعيفة ، ينهزم في أعقابها عند حلول الزمان المعلوم ، ووفق صورة مرسومة متفق عليها سابقاً .

وما أكثر هؤلاء المقنعين من الذين يتظاهرون بالدفاع عن الدين ، ويصارعون أعداءه بضعف ظاهر ، ثم ينكشفون بعد محاولات باردات ، لا يستخدمون فيها أية قوة من القوى الدينية الصحيحة ، ويقبعون أخيراً في الزوايا مهملين ، ويبقى أعداء الدين في الحلبة بعدهم يجولون .

وبعض هؤلاء يقدمون ما يلزم من حركات ليستخدمها الطرف المقابل الذي رسم له النجاح مقدماً ، وليقوم بحركات بهلوانية تعجب الناظرين ، وتلفت إليه الانتباه كله ، وتصوِّره في نفوس المشاهدين بصورة البطل المصارع الذي لا يُغلب .

ولقد غدت هذه اللعبة الخداعية لعبة مكشوفة لدى الجماهير ، في حلبات الرياضة البدنية ، وفي حلبات السياسة ، وفي حلبات المذاهب الفكرية المختلفة ، وفي حلبات المعارك الحربية أيضاً ، وهي في حلبات الصراع ضد الدين كثيرة جداً ، ومتعددة الوجوه والصور والأشكال ، ومختلفة السمات والملامح .

ومن عجيب أمر (د. العظم) أنه أقام من نفسه عارضاً للصورة الإسلامية كما يهوى ، ومدعياً على الإسلام وفق الصورة التي رسمها هو ، ومحامياً عنه كما يشتهي ، ومحامياً ضده كما يريد ، وقاضياً مشاركاً في دراسة الدعوى ، وأخيراً جعل من نفسه حاكماً لا يقبل حكمه الاستئناف ولا التمييز ، وهو قبل كل ذلك الخصم الذي يدبر المكايد ، ويصنع الأكاذيب ، ويلفق الحيل لهدم الإسلام هدماً كلياً ، ولا يألوا جهداً في توجيه أي حرب ضده وضد المسلمين ، خدمة للماركسي ، ومن ورائها اليهودية العالمية .

وحينما يستشهد بأقوال بعض المسلمين فإنه لا يستشهد إلا بالأقوال الشاذة والآراء المنحرفة ، ويتصيدها تصيداً من ضمن الآراء الصحيحة السليمة ، ويقدمها على أنها هي وحدها الممثلة للفكرة الإسلامية في موضوع البحث الذي يناقضه ، ويطوي ما عداها من الآراء والمفاهيم ، أو يشير إليها إشارة خفيفة دون بيان ، وعلى طريقته التي عرفناها فيه يغالط في الحقائق ، فيعمم الخاص، أو يخصص العام من عنده ، أو يكذب في النسبة ، أو يؤول من عنده تأويلاً فاسداً ، أو يحرف في المراد من المعاني ، إلى غير ذلك من أصول المغالطات .

نقل شطحات الحلاج الشاذة القائمة على العقيدة الجبرية ، وعلى التفسيرات الباطنية ، والتعبيرات الرمزية ، واعتبرها هي الممثلة للفكرة الإسلامية في موضوع إبليس وقصته ، مع أن هذه الأقوال مخالفة للنصوص القرآنية ، والأحاديث النبوية مخالفة صريحة ، ولا تحتمل هذه النصوص تلك المعاني الباطنية الشاذة ، لا في أسلوبها العربي ، ولا في دلالتها الفلسفية ، وما هي إلا تحريف في الدين بآراء فلسفية لاهوتية دخيلة على الفكر الإسلامي .

واعتمد آراء عز الدين المقدسي في كتابه “تفليس إبليس” لأنها في مضمونها تتضامن مع الشطحات الحلاجية الباطنية ، الجانحة عن المفاهيم القرآنية ، بالآراء الدخيلة على الفكر الإسلامي ، والتي أفسدت بعبثها نقاء الحقيقة الدينية الظاهرة من النصوص الإسلامية ، وهي الحقيقة التي فهمها أصحاب رسول الله  والعلماء والأعلام من بعدهم ، ثم دخلت من بعد ذلك المذاهب المشبوهة في غاياتها ، فأفسدت ما أفسدت . وتتابع المضللون من بعدهم يعتمدون أقوالهم ويبنون عليها لمحاربة الإسلام والمسلمين .

لكن الله يحمي دينه من المخربين من داخل الصفوف ، والمحاربين من خارجها، ويحق الله الحق ويبطل الباطل ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .

( 2 )

إبليس في الفكر الإسلامي

إبليس هو واحد من الجن ، والجن مخلوقات غير الملائكة ، وهما جميعاً غير الإنس ، ولكل صنف من هذه المخلوقات خصائص وسمات . فالملائكة خلقهم الله من نور ، والجن خلقهم الله من مارج من نار (أي: من أخلاط من النار) ، والإنس خلقهم الله من طين كما هو معلوم (أي: من عناصر مختلفة من الأرض ترابها ومعادنها ومائها).

وقد دل على هذه الفوارق في عناصر التكوين ما رواه مسلم عن عائشة ، عن الرسول  أنه قال : “خُلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم”.

وقد أثبت القرآن الفرق بين عنصري الإنس والجن وفق الصورة نفسها التي وردت في هذا الحديث ، فقال الله تعالى في سورة (الرحمن/55 مصحف/97 نزول):

{خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}

وفي احتجاج إبليس إذ رفض أمر الله له بأن يسجد لآدم قال فيما يحكيه الله عنه في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}

والملائكة مخلوقون قبل الإنسان ، بدليل أن الله عرض على الملائكة قبل خلق آدم قضاءه بأنه خالق بشراً من الطين .

والجن أيضاً مخلوقون قبل الإنسان ، بدليل قول الله تعالى في سورة (الحجر/15 مصحف/54 نزول):

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ منْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ }

الصلصال: هو الطين اليابس الذي يصلصل إذا نقرته .

والحمأ : هو الطين الأسود المتغير .

والمسنون: هو المصور .

فهذه الحقائق المستفادة من النصوص الإسلامية توضح تماماً اختلاف العناصر التكوينية بين الكائنات الثلاثة : (الملائكة – الجن – الإنس) ، وتوضح أن الملائكة والجن مخلوقون قبل الإنسان .

وإبليس هو من الجن لا من الملائكة على خلاف ما زعم (د. العظم) ، وزعم أن الملائكة ليسوا بمنجاة من الغواية ، كما أراد أن يفهم من النصوص الإسلامية ، وإن كان هو بالأساس لا يؤمن بوجود الملائكة ولا بوجود الجن أصلاً ، والدليل على أن إبليس من الجن لا من الملائكة قول الله تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

{وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..}.

فهذا يوضح لنا أن عنصره كان من عنصر الجن لا من عنصر الملائكة ، يضاف إليه ما ثبت في النصوص من أنه مخلوق من مارج من نار ، أما الملائكة فهم مخلوقون من نور .

إذن فقد كان إبليس بين الملائكة عنصراً دخيلاً ، وقد كشفه الامتحان ، والذي سمح له بأن يدخل بين صفوف الملائكة وجود التشابه الصوري ، والمشاركة في بعض الخصائص بين الجن والملائكة ، حتى كان إبليس يعبد مثل عبادة الملائكة ويخالطهم في بعض أعمالهم ، وهذا ما يظهر من تفسير دخوله في عموم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، ويحتمل أن يكون الأمر بالأساس موجهاً للملائكة والجن معاً بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ، والله أعلم بالحقيقة ، لكن كون إبليس من عنصر الجن لا من الملائكة أمر محقق بصريح النص الذي لا يحتمل التأويل .

ويؤكد هذه الحقيقة ظهور المعصية منه بعد الامتحان ، وذلك لأن الملائكة من خصائصهم التكوينية أنهم لا يعصون لله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وقد دلت على هذه الحقيقة نصوص قرآنية كثيرة ، منها قول الله تعالى في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):

{وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}.

ووصفهم الله بقوله أيضاً في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):

{لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}

وظاهر أن إبليس قد استكبر على طاعة الله إذ أمره الله بالسجود لآدم ، ولم يعمل بأمره تعالى ، فهو عنصر مغاير لعنصر الملائكة ، له إرادة حرة ، ودوافع نفسية تدفعه إلى المعصية ، ولديه شروط التكليف كاملة .

ولكن (د. العظم) غالَطَ في هذه الحقائق وتلاعب بمفاهيم النصوص كما راق له ، ليبني بناءاته الفاسدة على الصورة التزييفية التي صنعها .

وبيان هذه الحقائق أخذاً من صريح النصوص سقط ادعاؤه الفاسد أن النصوص تفيد أن إبليس ملك من الملائكة ، وقد عصى لأن الملائكة عرضة لفعل الخير والشر والهداية والغواية كالإنسان .

وإذ عصى إبليس وهو من الجن فليس معنى ذلك أن الجن كلهم عصاة ، بل هم كالإنس ، بعضهم مؤمنون مطيعون ، وبعضهم عصاة ، وبعضهم كافرون ، ومردة كفار الجن هم الشياطين وهم ذرية إبليس جنوده .

ولما عصى إبليس ربه وأصر على عصيانه ولم يتب إلى بارئه ، وإنما جادل وعاند فطرده الله من رحمته ، تحدى فآلى على نفسه أن يغوي الإنسان ، وأن يتخذ جنوداً من الجن للإغواء ، بعد أن أخذ من ربه وعداً بأن ينظره إلى يوم الدين ، فقال الله له : إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ، أي : إلى يوم إنها ظروف هذه الحياة الدنيا لا إلى يوم الدين .

وفي الناس شياطين أيضاً ، والشياطين من الناس هم الكفرة بالله ، الذين يقومون بوظيفة إغواء الناس وصدهم عن سبيل الله ، فهم مردة كفار الإنس ، وهم شياطين الجن يتولى بعضهم بعضاً ، وينصر بعضهم بعضاً ، ويكمل بعضهم بعضاً ، في أعمال الإفساد والوسوسة والتضليل ، قال الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}

وقد ذكرني هذا بالنقاد (د. العظم) ، إذ دافع عن إبليس بما لم يدافع به إبليس عن نفسه بين يدي ربه ، فتمم له بعد أن نفذ فيه حكم الطرد من رحمة الله بنود الدفاع التي كان قد نسيها وهو بين يدي المحاكمة الربانية ، وما أظن أن المحاكمة ستستأنف ، لورود حيثيات جديدة تنبَّه إليها (د. العظم) ولم يكن قد تبنَّه إليها المدَّعى عليه إبليس يوم رفض السجود لآدم .

لقد تلاعب “سيادته” بمضامين القصة ، وهو غير مؤمن بها أصلاً ، ليشوش على المؤمنين مفاهيمهم وعقائدهم .

إن إبليس مؤمن بربه ، إلا أنه عاصٍ معاند متمرد ، مستكبر على أمر به ، وبذلك كَفَرَ كُفْرَ تمرد على الطاعة ، ثم لما طُرد من الرحمة تصدى لإغواء الناس وإفسادهم .

أما “سيادته” فهو يحمل كل هذه الصفات مضافاً إليها الجحود بالله والكفر به وإنكار وجوده أصلاً ، فهو بهذا أكثر إيغالاً في الكفر ، وأكثر عناداً وتمرداً ، وأقدر على المجادلة بالباطل .

وصدق الله العظيم . لقد وصف الإنسان بقوله في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

{…وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}.

( 3 )

قال (د. العظم) في الصفحة (91) من كتابه:

“برَّر إبليس رفضه السجود لآدم تبريراً منطقياً واضحاً إذ قال : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) “.

ومن العجيب أن يؤمن “سيادته” وهو ماركسي المذهب بالفوارق العنصرية ، فيرى أن من كان أصل تكوينه من النار هو أشرف وأكمل تكويناً عنصرياً ممن كان أصل تكوينه من الطين .

لو قال هذا الكلام واحد من المصابين بداء الكبر الطبقي العنصري الأرستقراطيين لكان كلامه منسجماً مع مذهبه ، أما أن يقوله ماركسي يحارب الأرستقراطية والكبر الطبقي العنصري فهو شيء عجيب ، لكن ما دام مثل هذا الكلام يخدم قضية الإلحاد فلا مانع لديه من أن يتبناه ويجعله أصلاً منطقياً ، ويدافع به عن إبليس ؛ ويجعل حجته فيه حجة منطقية ، ويسهب في شرحها وتأييدها ، فيقول في دفاعه عنه:

“عن إمعان النظر بحجة إبليس الأولى التي تتألف من مفاضلته بين جوهره (النار) وبين جوهر آدم (الصلصال) نجد أنها لم تكن استكباراً وفخاراً ، بقدر ما كانت استذكاراً لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه . وهذه الحقيقة هي أن الله لم يخلق الطبائع على درجة واحدة من السمو والكمال إنما ميَّز بينها ، ليس من حيث خصائصها الطبيعية والمادية فحسب بل من حيث درجات كمالها ورفعتها أيضاً . وبناءً عليه ففي إمكاننا أن نصنِّف الكائنات والأنواع في نظام تقديري معيَّن يبدأ بالكمال المطلق ذاته ، ثم يتدرج بالأنواع كلٌّ حسب درج كماله التي أسبغها الله عليه ، إلى أن نقترب من العدم باعتباره الحد الذي نقف عنده ، ولا ريب أن النار بطبيعتها وجوهرها تحتل مرتبة أسمى وأرفع في هذا الترتيب من المرتبة التي يحتلها الصلصال .بعبارة أخرى تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقاً لدرجات الكمال التي تتصف بها . لذلك كان إبليس على حق في جوابه ، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسموّ ، وأمر السجود لآدم يشكل مخالفة صريحة لهذا النظام وخروجاً على الترتيب الذي شاءه الله وأوجده . فإذا كان جوهر إبليس أرفع في سلم الكمالات من جوهر آدم فلن تستطيع النار عندئذٍ أن تذل للصلصال إلا بالسير في اتجاه مضاد لطبيعتها ومنافٍ لدرجة الكمال التي أسبغها الله عليها ، وهذا أمر محال ما لم يطرأ تحول جذري على المشيئة الإلهية فتغير ترتيب الطبائع عما كانت عليه منذ أن أوجدها الله “.

هذه الحجة الإبليسية التي شرحها (د. العظم) منقوضة من عدة وجوه واقعية وفلسفية ، وليس لها سند إلا الكبر العنصري .

أولاً: من أين له بأن يحكم حكماً قاطعاً للنار المتلفة المحرقة بأنها أرفع عنصراً من الماء والتراب المنبتين المخصبين اللذين فيهما الخير الكثير ، وهما مادة لحياة فيها كمال عجيب ، وهما وفق نظرية النشوء والارتقاء التي يعتقدها اتباعاً للداروينية يقعان في درجة أرقى وأرفع من الدرجة التي تحتلها النار ، لأن الأرض كانت ناراً فبردت صارت على ما هي عليه بعد أن مرت بدرجات ارتقائية متعددة ، فكان منها الحيوان ثم كان منها الإنسان .

فأين منزلة النار من التراب على هذا وفق مذهبه؟

ثانياً: هل العبر بأصل العنصر ، أم العبرة بما نتج عنه وخلق منه وظهر فيه؟

أهان على سيادته أن يهدم كل مذهبه الديمقراطي لأن ذلك يخدم في نظره معارضة الدين فيما جاء فيه من مفاهيم وحقائق ، فأخذ يؤيد الأرستقراطية الطبقية العنصرية؟

هذا مع أن الإنسان بعد تكوينه من الطين ظهر أنه أسمى في خصائصه العلمية الاستنباطية من الجن المخلوقين من النار ، فهو بعد التكوين أكمل وأسمى مرتبة من الجن ، بتكوين الله .

حتى الآن ظهر لنا أن “سيادته” قد ناقض نفسه مرتين في قضية واحدة ، ليدافع عن موقف إبليس ، ويدعم رفضه أن يسجد كما أمره الله .

في المرة الأولى : ناقض نفسه في نظرية النشوء والارتقاء التي يعتقدها .

وفي المرة الثانية :ناقض نفسه في المذهب الديمقراطي الذي يتبعه .

ثالثاً: لو كان سجود إبليس لآدم أمراً منافياً لطبيعته المخلوقة من النار لكانت الملائكة بذلك أحرى منه ، لأنهم مخلوقون من عنصر هو أرفع من الطين من النار ، ألا وهو عنصر النور ، ومع ذلك فإنهم قد سجدوا كلهم أجمعون ولم يعصِ الله منهم أحد ، فظهر أن إبليس لم يكن له عذر مقبول في رفض السجود ، وأن هذا السجود ، ما كان ليضاد طبيعته التي فطره الله عليها .

رابعاً: حينما رفض إبليس أن يسجد لآدم إنما رفض أمر التكليف الرباني له ، وأمر التكليف في مجال الامتحان لا بد أن يشتمل على عنصر مخالفة للنفس ، واجتياز عقبة من عقباتها ، وإلا لم يكن تكليفاً كاشفاً للطاعة أو للمعصية لدى الإرادة الحرة ، ولو كان التكليف موافقاً لأهواء النفس وشهواتها لما كان في الحقيقة امتحاناً للإرادة بين طريقي الطاعة والمعصية . وهذه العقبة في إبليس كانت كبر نفسه ، فعلَّته الحقيقية هي مرض الكبر العنصري الطبقي الأرستراطي ، وحين امتحن في مجال هذه العقبة النفسية سقط في الامتحان ، ثم أصرَّ ولم يتراجع .

وها ما دمغه الله به في قوله له كما جاء في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ}.

فكانت عقوبة التكبر الذي تكبره صَغاراً وذلةَّ ، ولم يدافع إبليس عن نفسه بأنه لم يتكبر ، أو بأن السجود كان منافياً لطبيعته التي فطره الله عليها ، وإنما أصرَّ وعاند .

وأوضح الله أيضاً عنصر استكبار إبليس وعناده في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}

وأوضح الله عناصر محاكمته لإبليس في سورة (ص/38 مصحف/38 نزول):

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِني خَالِقٌ بَشَراً من طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ * قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ منْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدينِ}

فهذه النصوص كلها تحقق أن علة رفض إبليس السجود إنما كان عنصر الاستكبار في نفسه .

فمن أين للنقاد (د. العظم) أن يزعم أن هذا الرفض لم يكن استكباراً وفخاراً بقدر ما كان استذكاراً لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه ، مادام يحلل القصة من نصوصها تحليلاً لغوياً وهو لا يؤمن بها أساسً ، كما لا يؤمن بأية حقيقة دينية؟

ولدى المقارنة بين الامتحان الذي أجراه الله لإبليس ، والامتحان الآخر الذي أجراه الله لآدم ، نلاحظ أن ابتلاء إبليس قد كان في مخالفة جرثومة الكبر في نفسه فسقط في الامتحان بعد أن كان قائماً بالطاعات التي لا تصادم هوى في نفسه ثم أصر على الاستكبار والعناد والتمرد ، أما ابتلاء آدم فقد كان في مخالفة جرثومة الشهوة في نفسه فسقط في المعصية ، فعوقب ، ولكنه لم يصر ولم يعاند ، بل رجع وأناب ، واستغفر الله وتاب ، ففتح الله له باب القبول ونجح في الدور التكميلي .

وحين نمنع النظر في العناصر الحقيقية التي تقتضي تفضيل بعض الكائنات على بعض ، فلا بد أن نلاحظ أن الله قد فضل الإنسان المخلوق من الطين على الجن المخلوقين من النار ، بما وهبه من خصائص عملية استنباطية ، ليست موجودة لدى الجن ، ويرى كثير من الباحثين أن الله فضله بهذه الخصائص على الملائكة أيضاً ، بدليل أن الله أمر الملائكة بالسجود له ، وبدليل أن الله علَّم آدم الأسماء كلها في حين أن الملائكة أعلنوا عجزهم فقالوا : {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}.

وبعد أن درسنا الخصائص الإنسانية وعرفناها تبين لنا أن الإنسان قادر على إدراك الأشياء الغائبة عنه ، عن طريق الاستنباط من سماتها وآثارها القريبة أو البعيدة ، فهو يستطيع بالتأمل والاستنتاج أن يدرك بعقله ما لا يدركه بحواسه إدراكاً مباشراً .

فلعل هذا هو ما امتاز به آدم أبو البشر على الملائكة الذين أعلنوا أنهم لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله إياه بطريق مباشر ، أما أن يعلموا سمات الأشياء وخصائصها عن طريق الاستنباط العقلي فهذا أمر لا يملكونه ، ولما وضع الله آدم موضع الامتحان أظهر براعته بهذا الشأن ، وبذلك ظهرت للملائكة حكمة الله الجليلة في خلق الإنسان وإبداعه .

وقد يشهد لهذا قول الله تعالى في سورة (التين/95 مصحف/28 نزول):

{لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}

فهذا النص يشعر بامتياز الإنسان على سائر ما خلق الله وسائر من خلق الله بأنه مخلوق في أحسن تقويم .

ولا ينقص هذا الامتياز كون الملائكة والجن أقدر من الإنسان في كثير من الأعمال الجسدية المباشرة ، بحسب تصورنا للملائكة والجن المقتبس من دلالات النصوص الدينية ، لأننا حينما نلاحظ الجوانب الفكرية والنفسية للإنسان يظهر لنا أن الإنسان باستطاعته أن يستخدم كل الطاقات الكامنة في الكون بالبحث عن سماتها وخصائصها ، والحيلة في النفاذ إليها وتسخيرها تسخيراً هائلاً ضمن أغراضه ومصالحه ، وهذا ما تعجز عنه الجن والملائكة ، وهو يدل فعلاً على أن الإنسان مخلوق في أحسن تقويم .

ولكن هذا الإنسان المخلوق في أحسن تقويم سيهبط إلى أسفل سافلين إذا كفر بربه وجحد جحوده أو أشرك به أحداً ، وذلك إذ وجَّه ما لديه من قدرة استنباط وبحث لمعرفة خصائص الطبيعة وكوامنها ، ثم أقام بينه وبين الحقيقة الكبرى حقيقة وجود الله سداً من الجحود والعناد والكبر ، فراراً من طاعة الله وعبادته ، وتطاولاً إلى مقام الألوهية إذ تنزع نفسه إلى تأليه ذاته ، صرح بذلك أو لم يصرح ، وأخلاقيته هذه هي التي ترده إلى أسفل سافلين ، بعد أن كان في أحسن تقويم .

وينجو من هذا الردّ الشائن المهين الذين آمنوا بربهم وبما جاءهم من لدنه ، وعملوا الصالحات في حياتهم ، فهؤلاء يحافظون على بعض مستويات الامتياز الذي وهبوه في أصل الخلق ، ومن هؤلاء من يحافظ على المستوى الرفيع ، فيبقى أفضل من الملائكة ، ومنهم من ينزل عنه على قدر معاصيه وتقصيراته ، ولذلك قال الله تعالى في سورة (التين/95 مصحف/28 نزول):

{لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}

أي : فلهم أجر غير مقطوع .

فدلائل النصوص تؤكد أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر منسجم مع منطق الأفضلية ، على أنه لو لم يكن آدم قد فضَّله الله بأية ميزة ، ثم أمر الملائكة بالسجود له ، لكان عليهم أن يسجدوا امتثالاً وطاعة للأمر الإلهي ، لا عبادة لآدم ، ويكون آدم قبلة سجودهم ، كما أن أمكنة خاصة من الأرض هي قبلة العابدين ، حينما يتوجهون لله بالصلاة ، توحيداً للجهة وتوحيداً لصفوف المؤمنين .

وباستطاعتنا أن نلتمس حكمة أخرى لهذا الأمر بالسجود لآدم ، إذ نستعرض قصة خلق آدم كما قصها الله علينا .

تشتمل هذه القصة على عرض سابق من الله للملائكة بأنه سيخلق بشراً ، وعلَّم الملائكة بأن هذا المخلوق الجديد سيزوَّد بخصائص نفسية وإرادية وفكرية تجعله يفسد في الأرض ويسفك الدماء ويعصي الله تعالى ، فوجَّهوا إلى الله تساؤلاً فيه رائحة الاعتراض على حكمة الله في الخلق ، فكان الجواب الأولى لهم يتضمن أن الله يعلم ما لا يعلمون ، وكان الجواب الثاني لهم جواباً تطبيقياً عملياً ، إذ ميَّز الله آدم بعلم الأسماء كلها ، أي : بمعرفة سمات الأشياء وخصائصها واستنباط ما في بواطنها ، وهذا أمر أعلن الملائكة عجزهم عنه ، وكان لا بد من تكفير على التساؤل الذي بدت منه رائحة الاعتراض على حكمة الله في الخلق ، فأمر الله الملائكة بالسجود لهذا المخلوق نفسه الذي تساءلوا عن الحكمة من خلقه ، فسجدوا له ، وكفَّروا بسجودهم هذا عن سابق تساؤلهم ، ولم يكن أي سجود آخر دليلاً على الإذعان والتكفير في هذا الموضوع بالذات ، لأن الملائكة ساجدون لله ، عابدون له ، مسبِّحون بحمده ، مقدسون له دائماً ، فلو قال لهم اسجدوا لي لكان أمراً بتحصيل الحاصل الذي لم ينقطعوا ولن ينقطعوا عنه ،وكان هذا الأمر نفسه اختباراً لإبليس وكشفاً لهويته الحقيقية ، إذ لم يكن عنصراً نورانياً ملائكياً ، وإنما كان نارياً جنياً وكان بين الملائكة دخيلاً ولم يكن فيهم عنصراً أصيلاً.

وبهذا البيان يتضح لنا مبلغ التحويرات والمغالطات والمفاهيم الفاسدة التي قدمها الناقد (د. العظم).

( 4 )

قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (90) من كتابه:

“1- لا شك أن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم ، غير أنه كان منسجماً كل الانسجام مع المشيئة الإلهية ، ومع واجبه المطلق مع ربه .

2- لو وقع إبليس ساجداً لآدم لخرج عن حقيقة التوحيد ، وعصى واجبه المطلق نحو معبوده”.

ما شاء الله !! فهم غريب لم يفهمه إبليس نفسه ، لذلك فهو لم يذكره في حجته ، ولم تفهمه الملائكة فسجدت فأشركت بالله من حيث لا تدري ، ثم جاء نصيره من أبناء القرن العشرين ومن قبله باطنيون شوهوا صورة المفاهيم الإسلامية بأباطيلهم وفلسفاتهم ، ووضعوا من عندهم قصصاً خرافية ، أفسدوا فيها حقائق الإسلام الصافي ، فاكتشفوا فهماً جديداً لم يستطع أن يتوصل إليه أصحاب العلاقة أنفسهم .

ثم تابع سيادة الناقد شرح فكرته ، فقال :

“أراد الله للملائكة أن يقدسوه وأن يسبِّحوا باسمه ؛ لذلك كان السجود لآدم وقوعاً فيما يضيفه أهل الشرك إلى الذات الصمدية مما هي منزهة عنه ، إذ إن السجود لغير الله لا يجوز على الإطلاق لأنه شرك به . في الواقع يثير اختيار إبليس سؤالاً هاماً جداً هو : هل تكمن الطاعة الحقيقية في الإذعان للأمر؟ أم في الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجب الطاعة الجزئية؟ لو كان الجواب على هذا السؤال بسيطاً وواضحاً لما وجدت المأساة في حياة الإنسان ، ولما وجد إبليس نفسه في هذه المحنة ، ولما وقع بين براثن الأمر والمشيئة . نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى وأنقى تجلياته”.

مغالطات الناقد هنا تعتمد على التلاعب بالمفاهيم الإسلامية لتشويه صورتها ، وترتيب النقد ترتيباً يناسب هذه الصورة المشوهة .

ولنا في كشف مغالطاته هذه وجهان:

الوجه الأول: أن أوامر الله لا تتناقض ، فلا يمكن أن ينهى عن عبادة غير في الوقت الذي يأمر فيه بعبادة غيره ، ولا يمكن أن يأمر بعبادة غيره في الوقت الذي ينهى فيه عن عبادة غيره .

إذا تقررت لدينا هذه الحقيقة علمنا أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ليس أمراً بعبادته قطعاً ، لأن الله نهى عن الشرك به .

ويمكن تفسير أمر السجود بعد هذا بأنه سجود احترام لا سجود عبادة ، ويمكن تفسيره أيضاً بأنه سجود عبادة لله تعالى ، وكان آدم في هذا السجود قبلة التوجه الجسدي فقط ، كما أن الكعبة قبلتنا حينما نعبد الله في الصلاة .

الوجه الثاني: أن أصل الشرك بالله هو اعتقاد أنه يوجد إله غير الله ينفع أو يضر أو يستحق العبادة لذاته ، ولهذا الشرك تعبيرات قولية أو عملية .

والتعبيرات القولية تدل بوضعها اللغوي الاصطلاحي على مدلولاتها ، فإذا قالها قائل قاصداً لمعانيها وفق مصطلحاتها اللغوية دل على أنه قد أشرك بالله في عقيدته .

والتعبيرات العملية تدل أيضاً بوضعها الاصطلاحي المتعراف عليه على مدلولاتها الاصطلاحية ، فإذا فعلها فاعل قاصداً مدلولاتها الاصطلاحية المتضمنة معنى الشرك باله في العبادة دل على أنه قد أشرك بالله .

وهنا نلاحظ أن حركات العبادة لله تعالى حركات لا تختص في الاصطلاح بمعاني العبادة ما لم تقترن بما يدل على أنها عبادة ، من نية في النفس ، أو هيئة تركيبية خاصة في صورة معينة ، ذات مراسيم وأقوال خاصة ، كالصلاة ذات الركوع والسجود والقراءات والأذكار والأدعية ، وكالطواف حول الكعبة ، وكالسعي بين الصفا والمروة ، ونحو ذلك .

وقد كان الركوع والسجود عند كثير من الأمم والشعوب القديمة تعبيراً عن الاحترام والتقدير ، وليس تعبيراً عن عبادتهم لمن يسجدون أو يركعون له ، كما تكون صورة الركوع أو السجود لأعمال عادية بحتة ، أو أعمال رياضية .

ومن سجود الاحترام والتقدير سجود إخوة يوسف له .

ومن هذا يظهر لنا بوضوح أن عملية السجود ليست تعبيراً ملازماً لمعنى العبادة في كل الأحوال ، أو في كل المصطلحات ، ولذلك كان من يسجد صورة لله وهو في قلبه ونفسه غير ساجد له فإنه لا يكون لله عابداً .

فلا بد من التعبير المادي من أن يكون مقترناً بالنية التي تحدد القصد منه ، والملائكة لم يقترن سجودهم لآدم بنية عبادة له مطلقاً ، وإنما كانوا يعبدون الله الذي أمرهم بالسجود ، ولا يشركون بعبادته أحداً ، ولو سجد إبليس لكان سبيله سبيلهم .

نعم لا نجيز في الشريعة الإسلامية السجود لغير الله ، ولو على سبيل الاحترام لا على سبيل العبادة ، لأن الشريعة الإسلامية التي جاءت خاتمة الشرائع الربانية قد منعت من ذلك ، فنحن نتَّبع أحكامها ، وسر المنع دخول مفاهيم الشرك بالله في الواقع الإنساني الجاهلي ، واتخاذ هذا الشرك طابع عبادة غير الله بالسجود والدعاء والقرابين ونحو ذلك ، فلما نزلت شرائع الإسلام منعت هذه الظاهرة كلها سداً للباب ، ولم يكن هذا الشرك ولا تعبيراته ولا مصطلحاته معروفة لا عند الملائكة ولا عند إبليس ، حتى يجعله سيادة الناقد واقعاً في تصور إبليس ، ولذلك رفض السجود لآدم .

وهكذا تظهر لنا مغالطته في نقل مصطلحات حديثة إلى زمن لم يكن فيه للشرك وجود مطلقاً ، والمغالطة هنا تعتمد على تعميم المصطلحات الزمنية وجعلها مصطلحات ثابتة من الأزل إلى الأبد .

مع أن لكل زمن مصطلحاته ، ولكل أمة مصطلحاتها ، والثابت إنما هي المعاني الحقيقية التي يُدَلُّ عليها بأي مصطلح قولي أو عملي ، أو أي وسيلة أخرى من الوسائل التي تدرك بالسمع أو بالبصر أو باللمس أو بغيرها .

لقد تأكد لدينا بعد هذا البيان أن التناقض في الأوامر الإلهية مستحيل بداهة ، وممنوع قبوله في المفاهيم الدينية ، ولا يقع هذا التناقض إلا في ذهن جاهل أساء الفهم أساء التصور ، أو في أقوال مضلِّل هدفه أن يشك الناس بدينهم .

( 5 )

ويدَّعي الناقد (د. العظم) وجود التناقض بين الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية ، فيقول في الصفحة (89) من كتابه:

“لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة غير أمر عباده بالابتعاد عنها ، كما أنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى ، لذلك باستطاعتنا القول بأن الله أمر إبليس بالسجود لآدم ، ولكنه شاء له أن يعصي الأمر ، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه ، إذ لا حول ولا قوة للعبد على ردِّ المشيئة الإلهية”.

هذا كلام يخدع بظاهره ، ولكنه يتضمن مفاهيم فاسدة مأخوذة من مفاهيم الجبريين ، ومذهب الجبريين مذهب فاسد استغله “سيادة” الناقد هنا ، ليظهر أن الصفات الإلهية في مفاهيم المسلمين قد تتناقض ، وأن المسلمين يقبلون فيها هذا التناقض ، ثم ليتخذ كل ذريعة لنقض قضية الإيمان من أساسها .

لقد أوضحنا فيما سبق أن المشيئة الإلهية لا تتناقض مع نفسها بحال من الأحوال ، فلا يمكن أن تتوجه مشيئتان متناقضتان لشيء واحد في وقت واحد . فإذ تتوجه المشيئة الإلهية لإيجاد الكون في وقت معين ، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجَّه هذه المشيئة نفسها لعدم إيجاد الكون في ذلك الوقت ،والمشيئة النافذة هي المشيئة وغير النافذة ليست بمشيئة .

وإذ تتوجه المشيئة الإلهية لمنح الإنسان حرية الإرادة في اختيار سبيله في الحياة ، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجه هذه المشيئة لسلب هذا الإنسان حرية الإرادة ، وجعله مجبراً على اختيار سبيله في الحياة .

وهكذا في كل مشيئة كلية وجزئية ، ولكن لا بد من ملاحظة ضوابط التناقض المنطقية ، حتى يتحقق الامتناع العقلي ، وتتحقق الاستحالة المذكورة ، وذلك بأن يتوارد السلب والإيجاب على حكم اتحد فيه الموضوع والمحمول والزمان والمكان وسائر الوحدات المنطقية التي لها صلة أساسية في وحدة الموضوع والمحمول ، وحين ينعدم هذا الاتحاد يسقط التناقض أصلاً.

وذلك كأن نقول : الإنسان ممنوح حرية الإرادة في أعماله التي يعتبر مسؤولاً عنها ، مسلوب حرية الإرادة في أعماله غير الإرادية التي لا يعتبر مسؤولاً عنها ، كالرعشات ، وحركاته وهو نائم وما يجري فيه من تغيرات وتطورات حياتية لا تتحكم إرادته بها ، فهذا ليس بتناقض لأنه لم يتوارد السلب والإيجاب على متَّحد الوحدات المنطقية .

ومعلوم في الأوليات المنطقية أنه متى انفكَّت الجهة واختلَّت ضوابط الوحدة انحلَّ التناقض .

ولنفي الرأي الجبري ، وإثبات أن الله منح الإنسان حرية الإرادة في كل أعماله الإرادية التي يعتبر مسؤولاً عنها ومحاسباً عليها ، وفي كل وجوده نشاطه الذي هو ساحة تكليفه في الحياة ، وساحة اختباره وامتحانه ، تتضح لنا الأدلة التالية :

أولاً: كل مخلوق يوضع موضع الامتحان فلا بد أن يكون حر الاختيار بين أكثر من طريق أو أكثر من عمل وإلا لم يكن للامتحان مغزى ، وكان عبثاً من العبث ، ولا يفعل هذا عالم حكيم .

ثانياً: يستحيل عقلاً أن يتوجه أمر التكليف الإلهي لكائن لا يملك في نفسه القدرة على اختيار الطاعة ، وذلك لأن الله جلَّ وعلا حكيم ، ولا يوجه أوامر التكليف لمجرد العبث ، إنه تعالى منزَّه عن العبث .

ثالثاً: ثبت في النصوص القاطعة أن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها ، ولا يكلِّف نفساً إلا ما آتاها ، ومن لا يملك حرية الإرادة في اختيار عمله لا يكون هذا الاختيار من وسعه ، ولا يكون هذا الاختيار مما آتاه الله ، فالله لا يكلِّفه لو كان كذلك .

ولما ورد التكليف علمنا أن هذا الاختيار من وسعه ومما آتاه الله إياه ، فسقط ادعاء الإجبار .

رابعاً: ليس من العدل ولا من الحكمة أن يؤاخذ الله مخلوقاً على عمل لم يكن هذا العمل مظهراً من مظاهر اختيار المخلوق وإرادته ، ولذلك نلاحظ في النصوص الدينية أن المؤاخذة والجزاء مقرونان بالأعمال الإرادية ، ومتى سلبت الإرادة عن عمل من الأعمال ارتفع التكليف ، وارتفعت المسؤولية .

وقواطع النصوص تبين هذه الحقائق .

منها قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}

أي: يؤاخذكم بما حلفتم من أيمان ناتجة عن كسب قلوبكم ، وكسب القلوب هو توجه الإرادة ، فارتفعت المؤاخذة عما كان من لغو الألسنة ولم يكن من كسب القلوب .

ومنها قول الله تعالى في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول):

{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}

ومن هذا يظهر لنا ارتفاع المؤاخذة عن الأخطاء التي تخرج عن دائرة سلطة الإرادة ، مما لا يملك الإنسان دفعه ، وأن المسؤولية رهن بما تعمدت القلوب من أعمال ، وما تعمدته القلوب هو ما توجهت الإرادة لفعله .

فإذا أضفنا إلى هذا قول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا..}.

وقول الله تعالى في سورة (الطلاق/65 مصحف/99 نزول):

{لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا}.

وقوله الذي تكرر في (الأنعام والأعراف والمؤمنون):

{لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}.

تبين لنا أن ورود التكليف يستلزم وجود الاستطاعة حتماً ، وأول عناصر الاستطاعة وجود الإرادة الحرة ، وتبين لنا أن المؤاخذة ترتفع متى سلبت الإرادة ، لأن التكليف يرتفع حكماً عند سلبها ، فلا يمكن أن يوجد في الواقع تناقض بين مقتضيات المشيئة الإلهية ، وبين مقتضيات أمر التكليف الإلهي .

والرأي الجبري الفاسد يدَّعي سلب الإرادة مع أن التكليف متوجه ، وأن المؤاخذة بعد ذلك متوجه ، وهذا معارض للنصوص القرآنية ، ومعارض لمنطق العقل وبديهته ، وهذا الرأي الجبري هو ما استغله سيادة الناقد لنقض قضية الدين ، مع أنه ليس هو الإسلام ، ولا فهم جمهور المسلمين ، وإنما هو رأي مرفوض تماماً.

فكل نقاش بناه “الناقد” على هذا الرأي المرفوض نقاش ساقط لا قيمة له .

وكل الأقوال التي استشهد بها من أقوال الجبريين أقوال ساقطة مرفوضة ، لا تمثل الحقيقة الإسلامية في هذا الموضوع ، فلا حاجة إلى استعراضها وبيان فساد مضامينها ، لأنها مبينة على فاسد ، وكل ما بني على فاسد فهو فاسد .

ويسأل الجبريون فيقولون : هل يفعل العاصي إذن معصيته معانداً لإرادة الخالق أم موافقاً لها؟

ونقول في الجواب: إن تصوير السؤال على هذا الوجه فيه مغالطة ، فالقضية لا تقع فقط بين احتمالين اثنين ، ولكنها تقع بين احتمالات ثلاثة وهي:

الاحتمال الأول: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على الطاعة.

الاحتمال الثاني: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على المعصية .

الاحتمال الثالث: توجيه المشيئة الإلهية لجعل المخلوق ذا إرادة حرة غير مجبرة .

وقد توجهت المشيئة الإلهية فعلاً إلى اختيار الاحتمال الثالث بالنسبة إلى الناس والجن ، فاستحال أن تتوجه إلى أضدادها .

وحينما يختار المخلوق أمراً مما جعل الله له فيه سلطة الاختيار فإن اختياره لذلك الأمر لا يعتبر بحال من الأحوال معانداً لإرادة الله في كل شيء ، لأن الله تعالى هو الذي أراد أن يمنحه سلطة الاختيار ليمتحنه ، كما أنه لا يقتضي أن يكون الله جلَّ وعلا هو الذي أجبره على أن يختار هذا الاختيار ، ولا يقتضي أيضاً أن يكون الله جلَّ وعلا راضياً عن كل ما يختاره المخلوق ذو الإرادة الحرة .

ويظهر لنا هذا الموضوع تماماً في تجاربنا الإنسانية ، فإن من نمنحه حرية التصرف في عمل ما ، قد يفعل ما يسرنا ويرضينا ، وقد يفعل ما يسوؤنا ويغضبنا ، مع إمكاننا أن نعزله عن ذلك العمل ، ونسلبه حرية التصرف فيه ، ولا يكون عمله معانداً لإرادتنا ، بل قد نمد له ، ونبقي له طاقة العمل وساحة التنفيذ بين يديه ، لنمتحنه ونختبره ، وقد نوبخه ونؤدبه ، وقد ننذره ونحذره ، حتى يحين وقت مؤاخذته ، ونحن في كل ذلك نشاهد سوء تصرفه ، وقد نرى من الحكمة أن لا نعارضه ، وأن لا نضع العراقيل في طريقه ، أو نكفه عن العمل الذي منحناه فيه حرية التصرف ، وقد نرى من الحكمة أن نملي له ، ليصلح من تصرفه ويقوِّم من سلوكه ، حتى يجتاز الامتحان بنجاح ، وعملنا هذا لا شيء فيه من التناقض ، بل هو من مقتضيات الحكمة التي تقتضيها ظروف الامتحان الأمثل .

( 6 )

بعد أن صنع (د. العظم) التزييف الذي أراده ، واستند إلى المفاهيم الجبري والباطنية الباطلة الفاسدة ، ووضع المقدمات التي أقامها على الكذب والمغالطة ، انتهى إلى شتيمة الخالق جلَّ وعلا ، ووصفه بالمكر والمخادع والاستهزاء ، وفق الصور والمفاهيم القبيحة التي لا تليق بالمخلوق فضلاً عن الخالق ، وتلاعب بمفاهيم النصوص الواردة في هذا المجال وفق خطته التي عرفناها في كل جدلياته ومغالطاته .

وفي الرد عليه أكتفي هنا بعرض المفاهيم الإسلامية الصحيحة ليظهر منها فساد كل ما انتهى إليه ، وفساد كل ما استند إليه .

لقد استشهد بطائفة من النصوص القرآنية وفسرها على ما يهوى ، تفسيراً مخالفاً لدلالتها الحقيقية .

فمن النصوص التي استشهد بها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}

وقول الله تعالى في سورة (الأنفال/8 مصحف/88 نزول):

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}

وقول الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}

أورد هذه النصوص واستغلها لينسب إلى الله تعالى صفة ذميمة قبيحة يريد أن يفهمها هو من لفظة المكر .

وإذا أردنا أن نحقق تحقيقاً لغوياً في أصل معنى المكر ، وجدنا أن معناه هو تدبير أمر في خفاء عمن دبر له أو عليه ، وهذا التدبير هو بحد ذاته ليس فيه ما يذم ، وإنما هو لون من الحكمة الداعية إلى كتمان الأمور وإخفائها ، ولكن قد يكتسب المكر الذم من غايته ، فإذا كانت الغاية منه شراً كان مكراً مذموماً ، وإذا كانت الغاية منه خيراً كان مكراً محموداً ، وهو يدل على الحكمة في التصرف .

فهو على المعنى وسيلة من الوسائل التي تستعمل في الخير فتكون خيراً ، وتستعمل في الشر فتكون شراً ، كسائر الوسائل التي لا شر فيها لذاتها ، وإنما تكتسب الشر حينما تستعمل في الشر ، وتكتسب الخير حينما تستعمل في الخير .

فالمكر قد يكون مكراً محموداً إذا كان الأمر الذي دبر فيه مؤدياً إلى نتيجة محمودة ، وقد يكون مكراً مذموماً إذا كان الأمر المدبر فيه مؤدياً إلى نتيجة مذمومة ، وتدبير الأمر في الخفاء لا يوصف لذاته بحسن أو قبح ، بل ربما كان أصله أقرب إلى المدح منه إلى الذم ، لأنه من الكتمان الحكيم .

ونستطيع أن نصور المكر المحمود الذي يستعمل في الخير بأمثلة كثيرة .

حينما تدبر أجهزة مطاردة المجرمين أمورها في خفاء وكتمان وسرية تامة ، لتظفر بالقبض على المجرمين الذين يتوارون في جرائمهم عن أعين السلطة الحاكمة العادلة ، ويدبرون مكايدهم الشريرة في الظلمات ، ثم تقبض عليهم من حيث لا يشعرون ، وتمكر بهم حتى تأخذهم وهم متلبسون بالجريمة ، أفيكون مكر هذه الأجهزة مكراً في الخير أم مكراً في الشر؟

وحينما يرى الأب أن أحد أولاده جنح عن طريق الهداية ، وسلك مسالك الشر والفساد ، مسالك هلاكه وشقائه ، ولم تُجْدِ فيه النصائح والمواعظ ووسائل التربية الظاهرة ، أفلا يرى من الخير الإصلاح ولده أن يدبر له وسيلة تربوية خفية يتَّعظ فيها بنفسه ، حتى يستقيم ويرتدع؟

إن الأب في ذلك يمكر بولده مكراً محموداً ، وهو بذلك يفعل خيراً.

وباستطاعتنا أن نصور المكر المحمود والمكر المذموم في قصة نتخيلها .

إنسان عنده قصر عظيم ، طمع به اللصوص ، فدبروا أمراً في الخفاء أن يأتوا بليل ، ويحتفروا أحد جدران القصر ويدخلوا إليه ، ويسطوا على ما فيه من مال ومتاع ، ويقتلوا من فيه .

وعلم صاحب القصر بما دبروا ، وعرف الجدار الذي عزما على نقبه ، فدبر خطة في الجدار يهلكون فيها بأيديهم دون أن يقاتلهم أحد من رجال القصر .

ولما حان الوقت المقرر فيما بينهم جاءوا متسللين ظانين أن أحداً لا شيعر بهم ، ولكن صاحب القصر وأعوانه يراقبون كل حركة من حركاته ، وهم في مكان يرون فيه اللصوص من حيث لا يرونهم ، وأخذ اللصوص ينقبون الجدار حسب الخطة المدبرة ، ولما زعموا أنهم كادوا يظفرون بما يريدون انقضَّ عليهم الجدار فهلكوا تحت أنقاضه .

لقد مكروا بزعمهم ومكرهم شر ، ولكن المكر في الحقيقة لصاحب القصر ومكره خير ، لأن غرضه من مكره أن يمنعهم من فعل الشر ، وأن يجازيهم عليه بأيديهم ويريح الناس من شرورهم .

وكذلك مكر الله ، وهو خير الماكرين ، لأنه لا يمكر إلا بخير ، وسبحان الله وتعالى عما يصفون .

هذا ما يتعلق بصفة المكر ، أما صفة الاستهزاء ، فقد استشهد الناقد (د. العظم) لها بقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}

واقتطع هذا النص اقتطاعاً عن سياقه ، وطوى الكلام الذي قبله ليضلل به ، بعد أن يشوه المعنى المراد ، ولو كان باحثا ًمنصفاً يريد أن يفهم المراد من النص حقاً لم اقتطع الكلام بعضه عن بعض ، ولظل محتفظاً بالأمانة العلمية والنزاهة ، لأنه يعلم أن مثل هذا الاقتطاع خيانة علمية تؤدي إلى التشويه وإفساد المعاني ، حتى ولو كان هذا الباحث غير مؤمن بالكلام ولا بقائله ، فأخلاق البحث العلمي لا تسمح بالتلاعب بالنصوص ، لا بتغييرها ، ولا بتحريف ألفاظها ، ولا باقتطاع المترابطات وتجزئتها ، ولا بتحريف معانيها وتشويهها ، وتحويلها عن دلالاتها الأصلية المقصودة ، ولا بأي شيء آخر مفسد لها .

فإذا قرأنا سوابق هذا النص الذي استشهد به (د. العظم) تغير المعنى القبيح الذي أراد أن يصوره ، وحل محله معنى جميل دل عليه النص في واقع الأمر .

لقد تحدث الله عن المنافقين وعرض طائفة من صفاتهم وأفاض في بيان هذه الصفات ، حتى أبان من صفاتهم صفة الاستهزاء بالذين آمنوا ، فقال تعالى :

{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}

فالمنافقون هم الذين يعاملون الحق بالاستهزاء ، فيتظاهرون بأنهم مع المؤمنين وهم بالحق وبالمؤمنين يستهزئون ، لأن قلوبهم مع الكافرين .

وبما أن أعدل الجزاء وأوفاه هو ما كان من جنس العمل كانت الحكمة تقضي بإعلان أنهم معاقبون بالاستهزاء ، جزاء استهزائهم ، فقال تعالى :

{ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}

أي: يجازيهم جزاء استهزائهم فيعاقبهم عقاباً من جنس عملهم ، وهذا غاية في العدل .

وهنا لا بد أن يلاحظ القارئ كيف شوّه سيادة الناقد ما هو غاية في العدل في ميادين الجزاء ، فجعل الاستهزاء صفة من صفات الله تعالى في معاملة عباده ، واقتطع النص عن سوابقه ولواحقه ليموِّه على قارئ كلامه ، فيتشكك بالحقائق الدينية .

ونظير ذلك استشهاده بقول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

{إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ…}.

ففي هذا النص يبين الله تعالى أن عقاب هؤلاء المخادعين هو من جنس عملهم ، وفيه معنى آخر صرَّحت به الآية التي في أوائل سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}

وهذا المعنى يتلخص بالحقيقة التالية : إن من يخدع من لا يُخدع إنما يخدع نفسه ، فالمنافقون يتصورون بنفاقهم أنهم يخادعون الله ، لكن الله تبارك وتعالى لا تنطلي عليه حيلهم ، ولا تجوز عليه مخادعتهم ، إنه يعلمهم تماماً ظاهراً وباطناً ، ولكن بحكمته يمهلهم ويملي لهم ، فيظنون أن خديعتهم قد نفذت ، وأن حيلتهم قد انطلت ، فيتابعون مسيرتهم الآثمة في الخداع ، ثم يأخذهم الله بعقابه ، يجازيهم بعدله ، وعندئذٍ يتبين لهم أنهم لم يخدعوا الله ، ولكنهم كانوا يخدعون أنفسهم ، فأسلوب الله في معاملتهم جعل خديعتهم تنقلب عليهم ، وفي هذا غاية العدل في الجزاء ، وهو أن يكون عقاب الإنسان بيد نفسه ، وأن يكون السلاح الذي قذفه على غيره ظالماً له ارتد عليه فأصابه بمثل القوة التي قذفه بها .

واستشهد الناقد بقول الله تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):

{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}

وقال في شرح هذا النص في الصفحة (122) من كتابه:

“كان قد شاء تدمير القرية ، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة فيما شاء لجأ إلى المكر ، فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير . بينما الحقيقة غير ذلك”…

هكذا حوَّر النص تحويراً شائناً , وحرَّف معناه تحريفاً مناقضاً تماماً لأصل معناه ، وبيان ذلك فيما يلي:

أولاً: إن الله تعالى لا يأمر المترفين بأن يفسقوا ، ولكنه يأمرهم بأن يؤمنوا ويعملوا صالحاً ، فيفسقون ويخالفون أمر الطاعة ، فمن صفات أمر الله ونهيه أنه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي .

فمن أين أدخل “الناقد” المحرِّف أن الله يأمر المترفين أن يفسقوا والله قال: {أمرنا مترفيها} ثم قال : {ففسقوا فيها} ، ومعلوم بداهةً مثل هذا الكلام يفيد أنهم عصوا الأمر ففسقوا ، لذلك استحقوا العقاب على عصيانهم .

وإذا أردنا أن نقدر في النص محذوفاً فأي قارئ عربي يستطيع بداهةً أن يعرف أن المأمور به المحذوف هو ما أمر الله به في شرائعه من الإيمان وعمل الصالحات .

وليس ما حرَّفه سيادة “الناقد” من تقدير (أن يفسقوا) بدل (أن يؤمنوا ويعملوا الصالحات).

ثم إن ترتيب الجزاء إنما يكون على عصيان الأمر كما هو معلوم بالبديهة ، لا على طاعة الأمر .

فلا يستهن بالقارئ العربي هذه الاستهانة ، وليعلم أن ما يتلاعب به مكشوف للجميع!

ثانياً: جاءت هذه الآية تعقيباً على قوله تعالى:

{…وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}.

أي: لا يهلك الله القرى الظالمة التي استحقت الإهلاك بجرائهما حتى يبعث الله إليها رسولاً ، فيأمرهم هذا الرسول بالطاعة ، فيعصي مترفوهم والملأ منهم .ويتبعهم حكماً وتقليداً من دونهم ، فيحق عليهم قانون الجزاء ، فيهلكهم الله تبارك وتعالى جزاء وفاقاً .

وهكذا ظهر لنا بوضوح تلاعب “سيادة الناقد” بمعاني النصوص الدينية ، وبالحقائق كلها ، ليؤيد مذهبه ، ويدعم قضية الإلحاد والكفر بالله ، محارباً قضية الإيمان والاستقامة على الخير والفضيلة .

وأترك القارئ الحصيف الواعي أن يحكم له أو عليه ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فعند الله جزاء لمن آمن وجزاء لمن كفر .

الفصل الحادي عشر

الكفر والكافرون

اقتباساً من المفاهيم الدينية ، ودلالات النصوص القرآنية كتبت هذا الفصل عن الكفر والكافرين لأكشف به حقيقة الكفر ،وواقع حال الكافرين ، وأسباب كفرهم ودواعيه ، ومناخ نمائه ونشاطه ، وموقف المؤمنين منهم ، وموقفهم من المؤمنين ، وجدلياتهم ، وأنواع عقوباتهم العاجلة والآجلة التي حذرهم الله منها إذا استمروا على كفرهم .

( 1 )

ما هو الكفر؟

أصل معنى الكفر في اللغة التغطية الكاملة والستر التام ، يقال للابس السلاح الذي غطاه السلاح تغطية كاملة : كافر ، لأنه ستر جسمه به ستراً كاملاً ، ويقال للزارع : كافر ، لأنه يدفن الحب في الأرض فيغطيه بالتراب تغطيه كاملة ، ومنه قول الله تعالى في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):

{ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ..}.

ويقال لليل المظلم : كافر ، لأنه يستر بظلمته كل شيء ، ويقال : كفر الليل الشيء وكفر عليه إذا غطَّاه ، ويقال للبحر : كافر ، لأنه يستر ما فيه ، وهكذا تدور الكلمة في اللغة حول الستر والتغطية .

واستعملت هذه الكلمة في الاصطلاح الديني للدلالة على ما يقابل الإيمان ، والداعي إلى تسمية إنكار الحق الديني كفراً ، أنه قائم على ستر أدلة الإيمان العقلية والفطرية الوجدانية.

فالإيمان هو التصديق ، والكفر عدم التصديق ، وكل إيمان بشيء يستلزم كفراً بنقيضه ، لذلك فكل مؤمن بالعقيدة الإسلامية الصحيحة كافر بنقيضها وبكل مستلزمات هذا النقيض ،ولذلك كان الإيمان بالله يقتضي الكفر بالطاغوت اقتضاءً حتمياً . وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

فلا يتم إيمان المؤمن حتى يكفر بكل الطواغيت ويؤمن بالله ، ولذلك اشتملت عبارة التوحيد على السلب والإيجاب ( لا إله إلا الله ) ، فهي تشتمل على الكفر بكل إله سوى الله وعلى الإيمان بالله وحده لا شريك له .

أما غير المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إيماناً صحيحاً فقد عكسوا القضية ، فآمنوا بالباطل وكفروا بالحق ، سواء أكان ذلك بصفة كلية لجميع أركان العقيدة الإسلامية ، أو بصفة جزئية ، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):

{أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}

ويقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ }.

وحين تطلق كلمة الكفر ومشتقاتها في الاصطلاح الديني فالمراد منها الكفر بما يجب الإيمان به ، أو يجب الإذعان والخضوع له ، إلا أن توجد قرينة تصرف إلى معانٍ أخرى تتصل بالمعنى اللغوي ككفر النعمة ، وكفر العشير ، ونحو ذلك .

فمن أنكر الإسلام ولم يقبل ما جاء فيه من حق فهو كافر ، ومن أنكر أي شيء ثابت في الإسلام بصفة قطعية فهو كافر ، لأنه جاحد دين الله مكذِّب لرسوله فيما جاء عن ربه .

فجحود بعض اليقينيات الدينية يكفي للحكم بالكفر ، ولا يتوقف الحكم بالكفر على إنكار الدين كله ، لأن العقيدة الإسلامية متماسكة الأركان ، متماسكة العناصر تماسكاً كاملاً من جميع الأطراف ، وهي كلٌّ لا يقبل التجزئة ، فمن أنكر بعضها مما هو ثابت بيقين فهو بها كافر ، ومن كذَّب الرسول بشيء قد ثبت عنه يقيناً فقد كفر بنبوته ، ومن كفر بنبوة الرسول فقد كذب شهادة من أرسله ، وهكذا تتسلسل نواقض عناصر الإيمان ، حتى تصل إلى الجذر الأساسي فتنقضه وهذا هو الكفر الأكبر .

والكفر دركات بعضه أشد من بعض ، وبعضه أقبح من بعض ، والإلحاد القائم على إنكار الخالق إنكاراً كلياً أشد وأقبح أنواع الكفر .

* أصناف الكافرين:

إذا أحصينا أحوال الكافرين وجدناهم أصنافاً لا صنفاً واحداً.

الصنف الأول : الضالون فكرياً ، وهم الذين ضلوا سبيل المعرفة الإيمانية الحقة ، وأعماهم التعصب عن رؤية الحق وإن بُيِّن لهم ، فهم لا يستجيبون لداعي الحق مهما لفت أنظارهم إليه ، لأنهم غير مستعدين نفسياً لتغيير عقائدهم الضالة ، ويظلون يؤمنون بالباطل ويزعمونه حقاً.

فهؤلاء هم الكافرون الضالون ، وهم على مستويات بعضها أخس من بعض .

الصنف الثاني: المنحرفون نفسياً والجانحون جنوحاً أخلاقياً ، وهم الذين يعرفون الحق ، ولكنهم يصرون على مخالفته بدافع من الكبر أو الهوى أو التعصب أو بدافع من ضغط البيئة الاجتماعية وخوف انتقادها ولومها أو ضغط القادة المضلين أو خوف فوات منافع جارية ومصالح قائمة ، أو نحو ذلك فهم من أجل ذلك يصرون على الكفر أو يسيرون في ركب الكافرين .

وهؤلاء هم الكافرون المغضوب عليهم ، وهم شر مكاناً وأقبح كفراً ، لأنهم يعرفون وينحرفون فلا يعترفون ، وهم على مستويات بعضها أخس وأقبح من بعض .

الصنف الثالث: منافقون من فئة الضالين فكرياً .

الصنف الرابع: منافقون من فئة المنحرفين نفسياً الجانحين جنوحاً أخلاقياً.

والمنافقون مخادعون جبناء يتظاهرون بالإسلام نفاقاً ، ويبطنون كفرهم القائم على الضلال ، أو القائم على الانحراف والإصرار على الباطل ، وهؤلاء في الدرك الأسفل من دركات الكفر ، لأنهم قد جمعوا قبح الكفر وقبح النفاق وما يلازمه من صفات الكذب والخداع والاستهزاء وغير ذلك من صفات المنافقين .

والنصوص القرآنية قد أوضحت أصناف الكافرين ، واشتملت فاتحة الكتاب على ذكر المضلين والمغضوب عليهم ، وهو يعم منافقي هذين الصنفين ، وبسط القرآن أحوال أصناف الكافرين في مواضع كثيرة ، وكشف صفاتهم وأعمالهم ببيانات مستفيضة .

* من يُحكم عليهم بالكفر؟

تطبيقاً للمفاهيم الإسلامية التي تحدِّد مواقع الكفر نستطيع أن نحكم بالكفر حكماً إسلامياً على من جحد بذات الله أو بصفات الثابتة بيقين ، أو جعل مع الله إلهاً آخر ، أو أنكر رسالة محمد  أو جحد بآيات الله وكتابه أو بشيء منه ثابت فيه بيقين ، أو كذَّب الرسول بشيء مما بلَّغه عن ربه وثبتت نسبته إليه بيقين ثبوتاً قطعياً ، أو أنكر شيئاً من أركان الإيمان ، أو أركان الإسلام ، أو جحد بحقيقة ثابتة في الإسلام ثبوتاً قطعياً .

لذلك حكم الله بالكفر على الذين قالوا : إن الله هو المسيح بن مريم ، فقال تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

{لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

أي فالذي لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه إذا أراد الله أن يهلكه كيف تدَّعي له الإلهية ، والإلهية هي للرب الخالق لا للعبد المخلوق .

والمسيح عيسى عليه السلام أمر قومه في دعوته لهم بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً ، وأوضح لهم أن الله ربه وربهم ، خلقه كما خلقهم ، وأوضح لهم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم بسبب كفره وظلمه الكبير ، قال الله تعالى في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):

{لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}

وحكم الله بالكفر على الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة لأنهم جحدوا إحدى الحقائق الكبرى من حقائق الإيمان ، وهي حقيقة أن الله واحد وليس مركباً من ثلاثة ، فقال تبارك وتعالى عقب الآية السابقة:

{لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

وناقش الله أصحاب عقيدة التثليث بقوله بعد ذلك:

{مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}

وهذه المناقشة تقوم على إثبات البشرية للمسيح وأمه ، استناداً إلى بعض أوصافهما البشرية المعروفة فيهما ، إذ كانا يأكلان الطعام ، ومن يأكل الطعام لا يمكن عقلاً أن يكون إلها ً، ومن كان بشراً مخلوقاً فإنه لا يملك لمن يعبده ضراً ولا نفعاً ، ومن لا يملك نفعاً ولا ضراً فإنه لا يستحق أن يتقرب إليه بالعبادة .

وحكم الله بالكفر على الذين كذَّبوا بالقرآن ، فقال تعالى في سورة (فصِّلت/41 مصحف/61 نزول):

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}

فجعل سبحانه تكذيبهم بالقرآن كفراً ، وناقشهم في السورة نفسها بقوله تعالى :

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}

وحكم الله بالكفر على من كذب الرسول محمداً أو غيره من رسل الله صلوات الله عليهم أجمعين ، ففي شأن المنافقين قال الله لرسوله في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

{ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}

فجعل تكذيبهم للرسول ، كفراً لأنه في حقيقته تكذيب لله وكفر به وكفر بآياته .

وحكم الله بالكفر على من كذَّب بيوم الدين ،فقال تعالى في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):

{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

فالعقيدة الإسلامية لا تقبل التفريق في الإيمان بين أركان الإيمان ، أو بين عناصر الركن الواحد ، والإيمان غير قابل للتجزئة والتفريق ، بأن يؤمن الإنسان ببعض العناصر ويكفر ببعضها ؛ ومن فعل ذلك كان كافراً غير مؤمن ، وهذا ما أعلنه القرآن بقول الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }

ففي هذا دليل واضح على أن الإيمان لا يقبل التفريق بين أركانه .

وخاطب الله بني إسرائيل بقوله في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{…أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

وفي هذا النص دليل واضح أيضاً على أن عناصر الإيمان لا تقبل التفريق .

فالإيمان وحدة متماسكة متى انفكت عروة من عراها انحلت سائرها وانفرط عقدها .

( 2 )

حرص الإسلام على إيمان الناس

وإنقاذهم من الكفر وشروره

من روائع مضمون رسالة الإسلام أنها تحرص أشد الحرص على إيمان الناس وهدايتهم ، رغبة بإنقاذهم ونجاتهم وسلامتهم وسعادتهم .

وقد حث الإسلام المؤمنين به على إرشاد الناس ودعوتهم إلى الإيمان والعلم الصالح ، وسلوك سبيل الحق والخير والفضيلة ، وعلى قتالهم في بعض الأحوال لإزالة الموانع من نفوسهم ، أو لإزالة الموانع من طريق إيمانهم ، لإنقاذ من يمكن إنقاذه من صفوفهم ، حتى يكونوا مع المؤمنين من أهل دار النعيم سعداء راضين مرضيين ، لا من أهل نار الجحيم أشقياء مطرودين من رحمة الله .

فالدوافع لهداية الناس إلى الإيمان وفعل الصالحات تنبع من منابع الحب وإرادة الخير للناس أجمعين .

ولو أن الناس كلهم كفروا بالله وعصوه لما كانوا يضرون الله شيئاً ، ولو أنهم جميعاً آمنوا به وأطاعوه لما نفعوا الله شيئا ً، ولما زادوا في ملكه شيئاً ، ولكن الله يحب لعباده أن يؤمنوا ويصلحوا حتى يسعدوا ، ويكره لهم أن يكفروا ويفسدوا حتى لا يكونوا من أهل الشقاوة والعذاب .

وقد جاء في الحديث القدسي الثابت في الصحيح ، أن الله تعالى قال : “يا عبادي : إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً . يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً . يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيَط إذا أدخل البحر . يا عبادي : إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه”.

وما تضمنه هذا الحديث القدس نجده في نصوص عدة من القرآن الكريم .

فمنها قول الله تعالى لرسوله في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

فالله تبارك وتعالى يخفف عن رسوله صلوات الله عليه حالة الحزن التي كانت تعتريه ، حين يشاهد بعض قومه يسارعون في الكفر ، ويبين له أن وظيفته في الناس التبليغ والدعوة إلى الله ، وليست وظيفته تحويل الناس إلى الهداية ، فإنهم هم المسؤولون عن أنفسهم وعن سلوك سبيل الهداية ، ويبيِّن له أيضاً أن الذين يسارعون في الكفر والذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً.

أي : فالحرص على إيمانهم خدمةٌ لهم وغيرَةٌ عليهم ورغبةٌ في نجاتهم وسعادتهم .

ومنها قول الله تعالى في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}

فهؤلاء الذين اختاروا الكفر ، وأضافوا إليه الصد عن سبيل الله . ومعاداة الرسول ، من بعد ما تبين لهم الهدى ، إنهم في أعمالهم هذه كلها لن يضروا الله شيئاً ، وما يعملونه من أعمال للصد عن سبيل الله ومناهضة الرسول ومقاومة الإسلام والمسلمين فسيحبطها الله وسينصر أولياءه .

فلن يضروا الله شيئاً ، ولن يضروا أولياه وحملة رسالته إذا صدق هؤلاء مع الله ، ولن ينالوا منهم إلا أذى قد يصيبهم في الدنيا في أنفسهم أو أموالهم أو أرضهم ، وعاقبة الظفر والنصر ستكون لهم بتأييد الله ونصره المبين ، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول) خطاباً للمؤمنين في معرض الحديث عن اليهود:

{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}

وأوضح الله تبارك وتعالى أنه غني عن عباده ، ولكن لا يرضى لعباده رجس الكفر ورذائل الفسق والعصيان ، بل يحب لهم طهارة الإيمان ، وفضائل الاستقامة والطاعة ، ثم يجازيهم على أعمالهم بالعدل . فقال الله تعالى في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):

{إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}

ومن كفر فعليه كفره ، ولا يزيده كفره عند ربه إلا مقتاً وخساراً ، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً}

ويقابل هذا أن من آمن وعمل صالحاً فلنفسه يقدم الخير ، وهذا ما بيَّنه الله تعالى بقوله في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ }

من كل ذلك تتضح لنا الحقائق التالية:

1- أن الله غني عن إيمان عباده وطاعتهم .

2- أن الكافرين لا يضرون الله شيئاً .

3- أن أعمال الكافرين لن تضر المؤمنين الصادقين مع الله إلا أذى .

4- أن من كفر فعليه كفره .

5- أن من آمن وعمل صالحاً فله عمله .

( 3 )

أسباب الكفر والضلال

يتبين لنا بالتأمل وبالتتبع العلمي في تقصي الواقع الإنساني طائفة من أسباب الكفر والضلال في الناس ، ونذكر فيما يلي أسباباً وعوامل رئيسية تتضمن أسباباً وعوامل فرعية كثيرة .

* السبب الأول – الانحراف الفكري عن منهج التفكير السديد:

وفي تتبع هذا السبب وظواهره نلاحظ أن كثيراً من الناس يقبلون في حياتهم الفكرية أن تتحوَّل أوهامهم وتخيلاتهم أو ظنونهم إلى حقائق علمية وعقائد ثابتة ، دون أن يكون لها نصيب من الحقيقة ، ودون أن تمر في مراحل الطريق المنطقي السليم للمعرفة ، وبذلك يقعون في ضلالات فكرية ذات نتائج خطيرة .

وزاوية الانطلاف في هذا السبب تبدأ من اتباع الظن الضعيف الذي هو دون مستوى الرجحان ، لافتقاره إلى دليل عقلي أو علمي يقوّيه ويرجحه ، وهذا الظن التوهمي الكاذب هو الذي اتبعه من جعلوا لله شركاء بغير حق ، وفيهم قال الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}

أي : ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء حقيقيين ، لأن الله واحد لا شريك له ، إن يتبعون إلا الظن التوهمي الكذاب ، وإن هم إلا يخرصون ، أي: وإن هم إلا يكذبون على الحقيقة بالتوهم الكاذب والظن الضعيف الذي لا قيمة له في تحصيل المعارف .

وقد يكون الباعث على قبول الظن الذي لا قيمة له في مجال اكتساب المعرفة كونه موافقاً لهوى النفس ، وهذا الهوى يزيِّن ضعيف الظنون ويحسنه لدى النفوس ويكبره ويجسمه بالوهم وبالتخيل الكاذب ، ولا يزل ينفخ فيه حتى يسيطر على المشاعر ، ويستحوذ على الفكر أخيراً ، وعندئذٍ يتبع صاحب هذا الظن الضعيف ظنه معتقداً أنه حقيقة ، وهو في أصله خرص من نسيج الخيال وحياكة الوهم الكاذب ، وهذا الرديف من الهوى هو الذي ساعد على دفع المشركين الوثنيين إلى ضلالاتهم ، ولذلك خاطبهم الله بقوله عن معقتداتهم في سورة (النجم/53 مصحف/23 نزول):

{إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ}

ولما كان أكثر الناس تسيطر الظنون الضعيفة والأوهام السخيفة على أفكارهم ونفوسهم فيتبعونها ويعتقدونها ، حذَّر الله من اتباع أكثر من في الأرض ، فقال تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}

أي : يرجمون بالخرص التخيلي أو التوهمي ، ويقررون ما يقع عليه خرصهم على أنه حقيقة ، ويبنون على ذلك عقائدهم وأعمالهم .

ولهذا السبب الرئيسي عوامل فرعية متعددة داخل النفوس الإنسانية منها العوامل التالية:

1- الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي :

فقد تلمع في نفس الإنسان بارقة من فكرة تمر في خياله أو توهمه ، فيأتي الغرور بالنفس فيلبسها ثوباً لماعاً مزركشاً ، فتحلو في نفسه وتزدان ،ثم يتجسم توهمه بها حتى تصبح لديه فكرة ثابتة أو عقيدة راسخة دون أن يعالجها بالحجة والبرهان ، والمناقشة المنطقية السليمة .

وقد يسعى مبشراً بها بين السذج وضعفاء التكفير والجاهلين ، مزيناً حجته بزخرف من القول ، أو مستخدماً قوة شخصيته أو قوة نفوذه ، ثم يكون له مؤيدون وأنصار يتابعونه على ضلالته التي انخدع هو بها بعامل الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي .

وقد نشأ في التاريخ فرق متعددة تحمل مذاهب فكرية باطلة ، وذلك بسبب إصابة واحد من الناس أو مجموعة منهم بمرض الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي ، ثم كان منه ومن عوامل أخرى ضلالات موروثة ، استمسكت بها أجيال متلاحقة ، بات من العسير التخلص منها إلا في ظروف معالجات فكرية ونفسية مؤثرة .

2- الجهل العام الذي يسمح بتقبل كثير من المفاهيم الباطلة:

وهنا نلاحظ أنه قد تشيع في مجتمع متخلف فكرياً أو ثقافياً أفكار باطلة محرفة عن منهج التفكير السليم ، وتجد هذه الأفكار الباطلة قبولاً في هذا المجتمع ، وذلك بسبب تخلفه العلمي ، ثم يتطاول الأمد فتمسي هذه الأفكار عقائد قومية متوارثة ، وتقاليد متَّبعة ثابتة ، كأنها من الحقائق البدهية التي لا تقبل أية مناقشة فكرية أو أي تغيير .

ومن هذه المفاهيم الباطلة مفاهيم يلقيها بين المجتمع الجاهل ماكرون مضللون من شياطين الإنس ، لهم مصالح وأغراض وشهوات خاصة من بث هذه الأفكار الباطلة ، والخرافات والأوهام وتزيينها في نفوس القوم ، وذلك ليكون لهذه الانحرافات والخرافات ثمرات ممتعة لأولئك الشياطين يستغلونها ، ويستثمرونها ، ويقضون شهواتهم وملذاتهم على مصائب القوم من مفاهيمهم الباطلة .

3- التقليد الأعمى:

من الملاحظ أن الإنسان ينشأ في بيئة من البيئات الاجتماعية فيكتسب منها معارف ومهارات وعادات وأخلاقاً كثيرة ، ومن هذه المكتسبات ما هو حق ، ومنها ما هو باطل ، ومنها أيضاً ما هو صالح ، ومنها ما هو فاسد ، وبمقتضى نشوئه في هذه البيئة الاجتماعية يتكون لديه بدافع الأنانية خلق التعصب لأهله وعشيرته وقومه ، والتعصب لجميع ما هو في بيئته من مفاهيم وعادات وأخلاق ، لأنه يتصور أنه بتعصبه هذا يدافع عن كيانه الذاتي ، ولكنه دفاع ليس في محله ، إذ هو دفاع عن الانحراف .ولو أنه سمح لقواه العقلية المتجردة عن مؤثرات البيئة أن تبحث وتناقش وتميز بين الحق والباطل والخير والشر والصالح والفاسد ، لوجد أن دفاعه عن ذاتيته إنما يكون بتقويمها وإصلاح عوجها ،وهجر الموروثات الباطلة ، والاستمساك بالحق منها .

وبالتتبع نلاحظ أن كثيراً من الناس ليس لهم فيما يستمسكون به من مفاهيم وعادات باطلة أية حجة ، إلا أنها أشياء ورثوها عن أسلافهم من قومهم ، فاقتدوا بهم وتعصبوا لهم وساروا على آثارهم دون بصر فيها أو نظر .

4- المبالغة في تعظيم بعض العظماء من الناس:

نظرة تأمل في التاريخ الإنساني تكشف لنا أنه قد يظهر بين حين وآخر في كل أمة من الأمم أفذاذ منها ، يبلغون درجة عالية في سُلَّم الكمال التي تعتبره تلك الأمة كالتقوى والاستقامة أو العلم والعبقرية ، أو الإخلاص لأمتهم وبلادهم ، وقد يكتب الله على أيديهم بعض الظفر والازدهار والنجاح الباهر ، والتوفيق العظيم ، وما إلى ذلك من رغائب فيعظِّمهم الناس ، ويمجدونهم ويلبسونهم ثوباً من الكمال ليسوا أهلاً له ، حتى يعتبروا كل عمل من أعمالهم ، وكل خلق من أخلاقهم حسناً وإن كان قبيحاً ، وخيراً وإن كان شراً ، وحتى يعتبروا كل قول من أقوالهم حقاً وإن كان باطلاً ، ويبالغ بعضهم في ذلك حتى يخلع عليهم صفة التنزيه عن النقص والخطأ ، والعصمة من كل إثم .

ويسري هذا الداء إلى نفوس الرعاع السذج أو الجهلاء أو ناقصي التفكير ، فيبلغون في تقديسهم إلى حد توهم الألوهية أو جزء منها فيهم ، وينحرفون بذلك عن منهج التفكير السليم ، ويتجاوزون كل حد مقبول في العقول الصحيحة ، وقد يشجعهم على ذلك بعض الأذكياء الذين يستطيعون استغلالهم واستثمارهم من خلال حماقاتهم وانحرافاتهم في الأفكار والعادات ، أو من خلال تخلفهم عن مواكبة ركب العلم الصحيح والحضارة النافعة .

ومن المنغمسين في هذه الضلالة وثنيو القرن العشرين الذين يلحدون بالله ، ويتخذون لعظمائهم أوثاناً يقدسونها ، ويفدون إلى زيارتها ،ويمنحونها الأكاليل ، ويهدونها طاقات الورود ، ويعتبرون مخالف تعاليمهم من أكبر الكبائر التي توجب الإعدام أو السجن المؤبد ، أو الإبعاد والطرد ، أو توجب حروباً طاحنة تهلك الحرث والنسل .

5- فلسفات ناقصة أو أصول فكرية فاسدة:

من الملاحظ أن العامل في كثير من ألوان الضلالات الفكرية فلسفات ناقصة أو أصول فكرية فاسدة ، وفي المجتمعات الإنسانية مظاهر متعددة لهذه الفلسفات الناقصة والأصول الفكرية الفاسدة .

ومن مظاهرها الفلسفات التي تؤدي على تعطيل دلائل الاستنتاج العقلي القاطع ، وتؤدي إلى الوقوف عند حدود المادة المدركة بالحس المباشر أو عن طريق الأجهزة ، وتؤدي إلى إنكار الوحي ، وإنكار أية حقيقة من حقائق الغي التي تأتي بها النبوات ، بدعوى أنها غير مدركة بالحس فلا يصح في نظرهم القاصر التسليم بها .

وهذه النظرة القاصرة إلى الوجود والتي يشهد ببطلانها كل عقل واعٍ مدرك هي مصدر شر كبير أفضى ببعض الناس إلى اعتناق فكرة المادية الملحدة ، التي لا تعترف بشيء إلا باللذة والغريزة وحدود الظواهر المادية .

* السبب الثاني – الانحراف النفسي عن منهج الخُلُق القويم:

نلاحظ لدى دراسة أحوال الناس أن فريقاً كبيراً من ذوي الضلالة في الأرض لم يضلوا لجهلهم بالحقيقة بسبب عامل من عوامل الانحراف الفكري عن منهج التفكير السليم ، وإنما ضلوا أو أجرموا بسبب هروبهم من وجه الحقيقة إرضاء لشهوة من شهوات نفوسهم ، ورغبة من رغائبها .

ومتى هرب الإنسان من وجه الحقيقة سعى ينتحل لنفسه مبادئ أخرى باطلة ليحلها في محلها ، ثم يكدح كدحاً شديداً ليقنع نفسه وغيره بصحتها وسلامتها ، وضرورة الأخذ بها .

وذلك لأن الفكر السوي يصعب عليه أن يسلم بالمفاهيم الباطلة مهما أغرت الأهواء والشهوات بزخرفها ، ولكن سلطان الأهواء والشهوات يأسر النفوس فيجعل بينها وبين العقل السليم غشاوة ، ومتى طال أمد الغشاوة الحاجبة للعقل عن عمله السديد تبلد الفكر ، وفسدت طريقة البحث لديه .

وزاوية الانطلاق في هذا السبب تبدأ من اتباع الأهواء والشهوات .

إن الأهواء والشهوات في الأنفس تميل في أغلب أحيانها إلى اغتنام اللذات العاجلة ، ولو كان من ورائها مشار وآلام كثيرة آجلة ، وتميل إلى زخرف الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها ولو كان في ذلك شقاء أبدي بسخط الله .

فمن طبع أهواء النفوس وشهواتها أنها تؤثر العاجلة ، وتذر الآخرة ، ما لم يضبطها ضابط من العقل الصحيح الراجح ، المقرون بالإرادة الحازمة ، أو ضابط من الإيمان الراسخ والدين المهيمن على النفس والمتغلغل في أعماق القلب والوجدان والمقرون بتقوى الله جلَّ جلاله.

لذلك كان اتباع الأهواء والشهوات من الأسباب المضلة المبعدة عن صراط الله المستقيم ، والمفضية بالإنسان إلى مواقع تهلكته .

ولذلك كانت الأهواء والشهوات من الوسائل التي تستغلها الشياطين للإغواء ، فتدغدغها وتثيرها وتوجهها للانحراف عن صراط الله ، ولا تزال تسيطر عليها شيئاً فشيئاً ، حتى تكون أسلحة فتاكة في أيديها ، وقد تستدرج الإنسان عن طريق أهوائه وشهواته حتى تصل به إلى مواقع الكفر بالله وبكل فضيلة إنسانية .

ولذلك حذرنا الله تبارك وتعالى من اتباع الأهواء والشهوات على غير هدى من الله .

فقال الله تعالى في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول):

{بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}

ففي هذه الآية يبين الله أن من الأسباب الموصلة إلى الظلم والموقعة فيه اتباع الأهواء ، وقد ضل الظالمون بسبب اتباعهم أهواء نفوسهم فحكم الله عليهم بالضلالة حكماً عادلاً ، فمن يهدي من أضل الله؟ أي : حكم عليه بالضلالة , ومن ينصره من عقاب الله؟ إنه لا أحد يحكم له بالهداية بعد أن حكم الله عليه بالضلالة ، ولا أحد ينصهر من عقاب الله .

وخاطب الله رسوله محمداً  بقوله في سورة (القصص/28 مصحف/49 نزول):

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}

وقال تعالى في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ}

وهكذا وصف الله الكافرين والمنافقين في مواضع عديدة من كتابه بأنهم اتبعوا أهواءهم ، إشارة إلى أن سبب ضلالهم هو اتباعهم أهواءهم .

ومن فروع اتباع الأهواء اتباع الشهوات بإفراط وتجاوز لمنهج الاعتدال والحق .

وقد أوضح الله أن اتباع الشهوات كان سبباً في ضلال ذرية الصالحين ، فقال تعالى في سورة (مريم/19 مصحف/44 نزول):

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}

أي: فسوف يلقون جزاء غيِّهم .

وحذرنا الله من مكائد الذين يتبعون الشهوات ومن تضليلاتهم ، فقال تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):

{وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً}

أي: يريدون أن تنغمسوا معهم في تناول الشهوات بانحراف مسرف ، ويتخذون ما لديهم من وسائل لتحقيق مرادهم هذا .

ومن اتباع الأهواء والشهوات اتباع وسائل الترف بإفراط مُطغٍ وسرف مفسد للنفوس ، وباعث على الكبر والعجب ، ومسبب للغفلة عن الحق والخير ، ونسيان العواقب وعدم النظر إليها.

قال الله تعالى في سورة (هود/11 مصحف/52 نزول):

{وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ}

ولهذا السبب الرئيسي (وهو الانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم) عوامل فرعية متعددة داخل النفوس الإنسانية ، نذكر منها العوامل التالية:

1- الحسد القبيح:

إن الحسد القبيح مرض خبيث من أمراض النفوس ، يغري صاحبه أن يغمط الحق وينكره ويجحد به ، مهما كان ظاهراً مؤيداً بالحجج والبراهين .

وإذا تصفحنا التاريخ القديم والحديث وجدنا أمثلة كثيرة على ذلك من الواقع الإنساني ، ومن أمثلته حسد اليهود للعرب إذ جاء الرسول المنتظر منهملا من بني إسرائيل كما كانوا يودون ويهوون .

2- الأنانية الضيقة:

والأنانية حب الإنسان لنفسه فقط أو لمحيطه الضيق ، مع قصر نظر عن العواقب ، وهي تولد في المجتمعات الإنسانية حب الإثرة ، واحتكار كل خير ومتعة ، وادعاء كل فضيلة وشرف ، وذلك يؤدي إلى التنازع والتشاحن والبغضاء ، وتبديد طاقات الجماعة تبديداً داخلياً بدل تجميعها ضد عدوها وعدو الحق والخير والفضيلة والجمال .

وكم كان لهذه الأنانية الضيقة من نتائج سيئة شنيعة ، قوضت كثيراً من أبنية حضارية شامخة ورمت بأمم كثيرة من قمم المجد إلى حضيض المذلة والمهانة ، وورثتها مفاهيم فاسدة. وجعلتها تتخلف أجيالاً وقروناً عن مواكب ركب الحضارة والتقدم ، ونور العلم والخير والفضيلة .

3- النوازغ النفسية الرامية إلى تحقيق مطالبها بشذوذ:

في ظل تهاون تربوي وبعد عن منهج الإسلام القويم قد تنمو في الإنسان بعض دوافعه النفسية نمواً غير طبيعي ، شبيهاً بنمو الأورام الخبيثة في الجسد ، حتى تكون لهذه الدوافع صفة السيادة العامة على كل مقومات الإنسان ، وعند ذلك يفقد هذا الفرد توازنه الإنساني السوي ، ومتى بلغت في الإنسان دوافعه النفسية إلى هذا الحد من الشذوذ غير الطبيعي أمست نوازغ شر وضر وفساد .

وعندئذٍ تنطلق هذه النوازغ في كيان الإنسان محاولة أن تستبد به استبداداً خطيرا ً، فإذا تخاذلت إرادة الإنسان أمام نازغ من نوازغ الشر فيه تبلَّد فهمه العميق للأمور ، وانحجب عقله الواعي الذي يعقله عن الشر ، وأخذ ذكاؤه يتشاغل بظواهر الأمور وسطوحها القريبة ، ويتعامى عن بواطنها وعواقبها ، ثم يحاول هذا الذكاء الغبي السطحي أن ينسج الحيل بمكر ودهاء ليقدم لنازغة الشر مطالبها الدنيئة الحقيرة ، ولو عن طريق الإفساد والجريمة وإنكار الحق .

عندئذٍ تبدأ صور الفساد والجريمة تظهر في سلوكه الشاذ المنحرف ، كما تبدأ صور تبرير هذا الانحراف تظهر في المفاهيم والآراء التي يبثها ، ويحاول إقناع الناس بها بغية المحافظة على مركزه الاجتماعي ، وحماية نفسه من غضب الجماهير الذين ينالهم شره وضره .

فهو –مثلاً- يذبح الفضيلة مرتدياً مسوح التقوى ، ويمارس الجريمة حاملاً شعار الإنسانية ، ويقوض دعائم الحق والهدى باسم محاربة الباطل والضلال ، ويهدم أبنية الخير الفاضلة باسم التخلص من الفساد ، ويحاول محو شرائع الله الحقة التي تحمل للناس السعادة والمجد باسم الإصلاح الديني أو الإصلاح الاجتماعي .

فإذا وقفت في سبيله نصوص الشريعة الثابتة أنكرها وأوَّلها ، وإذا أرهبته في طريق جريمته معتقداته عن وجود الله وعدله وجزائه يوم الدين ألحد بالله وأنكر العدل والجزاء ، وسعى يقتنص لإلحاده أدلة واهية ليخدع بها نفسه ومن لديه نفسٌ شاذة مثل نفسه ، وليخدع بها الدهماء من الناس . لئلا يثوروا عليه ، فإذا انطلت حيلته على جمهور من الناس انطلق داخلاً في كل نفق شيطاني خبيث ، خشية أن تنكشف خبيئة نفسه المجرمة ، وفراراً من النور إلى الظلمات ، وهروباً من وجه الحق المبين ، والعلم المنير ، والخير والفضيلة ، إلى معاقل شياطين الباطل والشر والرذيلة .

ومن هذه النوازغ الشاذة ما يسمى بجنون العظمة ، والرغبة بالسلطان ، ومنها الإفراط الشديد بحب المال والفتنة الشديدة بجمعه ومنعه ، ومنها شهوة الظلم والقتل والاعتداء على الآخرين ، ومنها الدوافع الجنسية الشاذة المفرطة ، إلى غير ذلك من نوازغ .

4- الكبر :

وكثيراً ما يكون الكبر عاملاً ذا أهمية من العوامل الصارفة عن الاستجابة للحق ، والباعثة إلى التمرد عليه ، والخروج عن دائرة الطاعة للخالق جلَّ وعلا ، وعاملاً أيضاً في تكوين معتقدات ومفاهيم باطلة وتقاليد وعادات فاسدة ، ومتى نفخ الكبر في أنف صاحبه واستولى على إرادته غشَّى على عقله وساقه بعنف إلى غمط الحق وطمس معالمه ، وانتحال صور من الباطل على تزيينها وتحسينها بالحجج التافهة التي لا تقوى على النهوض أمام قوة الحق لدى ذوي العقول السليمة .

وقديماً كان الكبر هو الصارف لإبليس عن طاعة الله ، كما كان الصارف لبعض زعماء العرب عن الدخول في الإسلام أيام نزول الرسالة ، والكبر هو الصارف لكثير من المترفين عن الانخراط مع جماعة المسلمين ، حتى يظلوا مترفعين في أبراجهم الذهبية ، فهم لا يشعرون بمشاعر العامة ، ولا يشاركون في مختلف مظاهر وحدتها وتكاتف صفها .

5- الأحقاد السوداء :

من العوامل ذات الأهمية الكبرى التي تصرف عن الحق ، وتدفع صاحبها لإعلان الحرب عليه الأحقاد السوداء التي تغلي نيرانها في قلوب الذين انحرفت نفوسهم عن منهج الخلق القويم .

لقد امتدت دولة الإسلام بقوة الحق والعدل والجهاد ، واكتسحت عقائد بالية ، وصهرت شعوباً كبرى ، وقوضت إلى الأبد دولاً ذات شأن قديم ، فألقى كل ذلك أحقاداً سوداء على الإسلام والمسلمين في قلوب بعض المتعصبين لقومياتهم ومعتقداتهم ودولهم التي جرفها الإسلام بنوره المبين فيما جرف ، أو نال منها نيلاً ، فأفقدهم بذلك زعاماتهم الدينية والسياسية في الأرض ، ونشأ من جراء هذه الأحقاد السوداء مؤتمرات عديدة مقنعة وسافرة على الإسلام والمسلمين ، في أحقاب التاريخ الإسلامي المتتابعة ، وما زال العالم الإسلامي يكتوي بنيران هذه المؤامرات المختلفة في أشكالها وألوانها وأساليبها ، فمنها ما يحمل حرباً فكرية مسلحة بألوان شتى من المكر والخديعة ومنها ما يحمل حرباً مادية مسلحة بكل قوة مادية مريعة ، بغية تهديم الحق الذي جاء به الإسلام ، فكان به مجد العرب وسائر الشعوب التي استجابت لدعوته ، وبغية تفتيت وحدة المسلمين المتماسكة التي كان فيها سر قوتهم العظمى التي أذهبت الأمم والشعوب حقبة من الدهر ، فهم ما يفتأون يخشون أن تعود هذه القوة الكبرى للمسلمين ، وأن يعود ذلك الإيمان الصادق إلى قلوبهم .

وفي طليعة هذه المؤامرات المستمرة على الإسلام والمسلمين المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى التي استطاعت أن تسخر الأحزاب السرية ، وكلا من المذاهب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية المتصارعة في العالم ،واستطاعت أن تسخر لتحقيق أغراضها الاستعمار والصليبية وأركانها السياسية والتبشيرية والاستشراقية ، وأن تسخِّر الإلحاد والشيوعية الدولية العالمية .

وتوجد عوامل أخرى لكل من السببين السابقين وهما: الانحراف الفكري عن منهج التفكير السديد ، والانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم .

ومن هذه العوامل ما يلي:

1- الافتتان بمظاهر التقدم المادي والانسياق مع ألوانه الخادعة للنظر ، وتقبل ما يرافقه من منحرفات فكرية وخلقية وسلوكية .

وقد استخدم أعداء الإسلام في العصور الحديثة هذه الوسيلة من وسائل التضليل على أوسع نطاق ، وأثمرت لهم في المجتمعات الإسلامية ثمرات جمة ، وكان ذلك عن طريق دمج الوافدات الوبائية الخطيرة على العقائد والأخلاق والنظم الإسلامية في صادرات منجزات بلادهم المادية المرضية بتقدمها المادي ، وبهذا الدمج الماكر عسُر على الجماهير التمييز بين الغث والثمين ، والنافع والضار .

2- طاعة القادة المضلين واتِّباعهم:

فكثير من الانحراف الفكري والانحراف النفسي يأتي عن طريق اتباع القادة المضلين ، ذوي السلطان والجبروت في الأرض .

ويكون هذا الاتباع لهم إما فتنة بهم ، أو طمعاً باسترضائهم لتحيل المنافع عن طريقهم ، وإما خوفاً من عقوباتهم .

والقادة المضلون إما مستكبرون ، أو أصحاب أهواء ، أو متبعون للشهوات ، بجنوح وطغيان ، أو مقلدون متبعون لأسلافهم أو مقلدون مفاخرون متبعون لنظرائهم من ذوي السلطان في الأرض .

وقد حذر الله من اتباع القادة المضلين بأسلوب بيان واقع حال بعض الظالمين الذين عصوا رسل ربهم . فمن ذلك ما ذكره الله تعالى في شأن عاد قوم هود من أن سبب ضلالهم أنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد ، فعصوا رسل ربهم وجحدوا بآياته ، فقال تعالى في سورة (هود/11 مصحف/52 نزول):

{وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}

ومن ذلك أيضاً ما ذكره الله في شأن اتباع فرعون الذين كانوا ملأه ومنفذي أمره وأكابر قومه ، إذ اتبعوا أمره فجحدوا بربهم وبرسله ، وبالآيات التي جاءهم بها موسى عليه السلام ، قال الله تعالى في سورة (هود/11 مصحف/52 نزول):

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}

وقال تعالى في شأن فرعون في سورة ِ(الزخرف/43 مصحف/63 نزول):

{فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرِينَ }

( 4 )

مناخ نماء الكفر ونشاطه

قد يبدو لكل عاقل بعد أن يرى الحق في جانب الإيمان ، ويأتيه خبر الوعد بالسعادة الخالدة للمؤمنين ، وخبر الوعيد بالشقاء الدائم والعذاب الأليم في نار جهنم للكافرين ، أنه لا يوجد أي داع للإنسان حتى يختار لنفسه سبيل الكفر على سبيل الإيمان ، لا سيما حين يلاحظ أنه لا توجد في مواقع الكفر مزايا من متاع الدنيا يصيبها الكافر ولا يستطيع أن يصيبها المؤمن ، علماً بأن مقدروه أن يصيب ما يريد من شهوات محرمة عن طريق المعصية ، لا عن طريق الكفر بالجحود أو يرفض الإذعان للطاعة ، فطريق المعاصي ليس فيه خلود في العذاب والشقاء ، أما طريق الكفر فهو طريق الخلود في العذاب والشقاء الأبدي .

والتساؤل الوارد في هذا المجال قد أجاب القرآن عنه ، فبين أن الكافرين واقعون في الكفر بسبب مؤثرات نفسية شتى جانحة خلقياً ، إلا أن الذي غشَّى على منطقهم في الحياة أمران: زينة وغرور ، وهذان الأمران هما المناخ الذي تنشط فيه بواعث الكفر ودواعيه .

فالزينة : حسنت للكافرين الحياة الدنيا ، وحسنت لهم سوء عملهم ، وصبغته بالأصباغ الخادعة ، وجعلت له المبررات المزوَّرة .

والغرور في أنفسهم ساقهم عمياناً لا يبصرون إلا الزينة وما فيها من بهارج ، فأعينهم مثبتة في أشكالها وألوانها ، وآذانهم لا تسمع إلا رنات أوتارها وأصوات أجراسها ، وشهواتهم مشدودة إليها ، وقلوبهم معلقة بطلبها والسعي وراءها ، وهم يتخبطون في اتباعها ، لا يدرون أين تقع أقدامهم ، ولا يعرفون إلى أي مصير هم صائرون ، وأما أفكارهم وعقولهم فقد ألقيت عليها الغشاوة ، فهم لا يفكرون إلا في حدود منطقة الزينة .

والزينة هي المجال الذي يفتتن به الإنسان فيغتر به ، وهي تكون فتنة للعين أو فتنة للأذن ، أو فتنة للفكر ، أو فتنة للنفس ، أو فتنة لما سوى ذلك من داخل الإنسان وخارجه .

والزينة طلاءات وزخارف خادعة في مظهرها ، ولا دلالة لها على الحقيقة الجوهرية ، إنما تخدع بحلاوة مظهرها ، فيتصور الجاهل المتسرع أن ما ظهر له عنوان ما بطن وخفي عليه ، فيعطي للباطن حكم ما بدا له في الظاهر ، لذلك نلاحظ أن القرآن حين يلفت أنظارنا إلى حقيقة ما في الحياة الدنيا يبين لنا أنها من قبيل الزينة فقط ، فهي لا تحتوي على جوهر حقيقي ثابت وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

فهم مع أنهم مخدوعون بزينة الحياة الدنيا وساقطون في الغرور يتصورون المؤمنين مضيِّعين لذات حياتهم ، ومتعلقين بالأوهام وبرؤيا خيالية عن الدار الآخرة ، فيسخرون منهم ، وكان الحق يقضي بأن يسخروا من أنفسهم إن عفَّ عن السخرية منهم الذين آمنوا .

ولكن ينعكس الأمر يوم القيامة فيقتص منهم الذين آمنوا سخرية بسخرية .

والغرض من جعل الحياة الدنيا هكذا زينة تفتتن النفوس بها توافر ظروف الابتلاء الأمثل ، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً }

أي: سيأتيهم يوم تفقد فيه زينتها فيغدو سطحها صلداً يابساً لا نبات فيه ولا زرع ، قد احترق كل ما عليها من خضرة ونضرة ، وتهدَّم كل ما عليها من قصر مشيد .

وأخطر ما في الأمر أن يغتر الإنسان بزينة الأقوال والأفكار الباطلة ، وبزينة الأعمال السيئة ، فيرى الباطل حقاً ، ويرى السيء حسناً ، فيندفع وراء الباطل مؤيداً له وناصراً ، ويعمل الأعمال السيئة متعاظماً بها ومفاخراً ، زاعماً أنه من المحسنين ، وهنا تكون المحنة الكبرى ، والفتنة العظمى .

ونقيض هذا من كان على بينة من ربه ، يرى الحق حقاً فيتبعه ويعمل بموجبه ، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه ويحذر من العمل بما يفضي إليه .

وإلى هذين الموقفين المتناقضين جاءت الإشارة في قول الله تعالى في سورة (محمد/47 مصحف/95 نزول):

{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ}

فمن كان على بيِّنة من ربه فإنه يكون صحيح التصور للأمور ، مستقيم العمل غالباً انسجاماً مع تصوراته الصحيحة ، ومن زيِّن له سوء عمله فلا بد أن يكون فاسد التصور فاسد العمل متبعاً أهواءه المنحرفة الجانحة ، متخبطاً في ظلمات البغي والفساد ، والظلم طغيان .

ولذلك تكرر في القرآن التحذير من السقوط في الهاوية التي يُزيَّن فيها المسيء سوء عمله ، وتكرر فيه توبيخ الذي زين لهم سوء أعمالهم .

ففي سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول) أثبت الله تبارك وتعالى أن الكافرين قد زين لهم سوء عملهم ، ذكر هذا بعد مثل ضربه للمؤمنين والكافرين فقال تعالى :

{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

فالكافرون مثلهم كمثل من هو في الظلمات ليس بخارج منها ، فلا يعرف شيئاً عن النور ، لذلك فهو يستحسن الظلمة التي هو فيها ، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون فيهم يستحسنون أعمالهم السيئة ، فيفعلونها بقوة وجرأة ومفاخرة .

ويوبخ الله الذين زين لهم سوء عملهم ، فكفروا بربهم فأضلهم الله بذلك قال تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

{ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُينَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }

ففي هذا النص تلاحظ أن الله يخاطب رسوله بقوله : {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي: فلا تهلك نفسك حزناً على الكافرين الذين زين لهم سوء عملهم ، فهم قد اختاروا بأنفسهم سبيل الكفر على سبيل الإيمان ، فحق عليهم عذاب شديد من الله ، وكان بمقدورهم أن يختاروا سبيل الإيمان والهداية ، فقد بين الله لهم الحق في كتبه وعلى ألسنة رسله ، فلا عذر لهم بجهل وعدم بيان .

وقال الله تعالى في وصف الإنسان في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):

{وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}

فمن خلائق الإنسان أنه إذا مسه الضر رجع إلى ربه ، فالتجأ إليه داعياً أن يكشف عنه ضره ، على أية حالة كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً . إنه في حالة ضره تتيقظ فطرة الإيمان في داخله ، فيرجع إلى ربه مستغيثاً ، ولكنه حينما يكشف الله عنه الضر ويعود إلى ما كان فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ينسى ربه ، ويمر في حياته غير معترف بخالقه ، كأنه لم يرجع إلى ربه في ساعة ضره ، فيدعوه ويلتجئ إليه ، وهكذا حال المسرفين يعملون الأعمال السيئة القبيحة ويرونها حسنة ، اغتراراً بزينتها في نفوسهم وأهوائهم .

ومن أمثلة الأفكار الفاسدة التي زُيِّنت في قلوب المنافقين ظنهم أن الرسول والمؤمنين في أيام صلح الحديبية سيهلكون ، ولن يعودوا إلى أهليهم أبداً ، وظنوا بالله ظن السوء ، ولكن الله فتح على رسوله والمؤمنين فتحاً مبيناً ، وخيب ظن المنافقين ، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول):

{سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً}

أي: وكنت قوماً هلكى بنفاقكم.

ومن أمثلة الأحكام الباطلة التي زينت لدى الكافرين تلاعبهم في الأشهر الحرم بالتقديم والتأخير ، ليبيحوا لأنفسهم في الأشهر الحرم ما هو محرم عليهم ، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (التوبة/9 مصحف/113 نزول):

{إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}

وهكذا تفعل الزينة فتسقط الظالمين والمسرفين والكافرين في الغرور .

فالكافرون في غرور بما زين لهم في الحياة الدنيا .

ولذلك قال الله تعالى في سورة (الملك/67 مصحف/77 نزول):

{…إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ}.

أي: ما الكافرون إلا ساقطون في غرور ،فهم مخدوعون بما خدعوا به أنفسهم ، من أفكار مزينة ، وأهواء مزينة ، وشهوات مزينة وأمان مزيَّنة ، وأقوال مزخرفة مزينة ، إلى غير ذلك مما في الحياة الدنيا من زينة .

أما جوهر الحقيقة فهم عنه معرضون ، وبينهم وبينه غشاوات على قلوبهم وأفكارهم وأسماعهم وأبصارهم ، فالغرور متى استولى على إنسان أعماه وأصمه عن كل بيان يكشف له زيف ما هو مغرور به .

أما الأشياء التي زينت لهم فاغتروا بها ، فإنها تأتي في نطاق العناصر التالية:

1- أول ما زين لهم فغرَّهم وجذبهم إليه متاع الحياة الدنيا ، وما فيها من شهوات وأهواء وجاه ومال وسلطان ولهو ولعب .

2- ثم غرتهم الأماني .

3- ثم غرتهم زخارف الأقوال المزورة التي توحي بها شياطين الجن والإنس .

4- ثم غرتهم مفترياتهم وأكاذبيهم التي كانوا قد افتروها ، لستر انحرافاتهم ، فمر عليها فصدقوها ، وحسبوها أموراً صحيحة ،ونسوا أنهم هم الذين اختلقوها .

5- ثم انغمسوا في الغشوات الكثيرة ، وحجبوا أنفسهم عن الحقيقة ، ونسوا الله وعميت أبصارهم وبصائرهم عن آياته .

* الغرور بمتاع الحياة الدنيا وزينتها:

نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد بين للناس أن الحياة الدنيا متاع الغرور ، فأوضح لهم أنها متاع يغتر به الجاهلون قصيرو النظر ، فقال في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}

وقال تعالى في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):

{ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}

فعلى الإنسان أن يعقل أمره ولا يغتر بزخرف الحياة الدنيا وزينتها . ولذلك حذر الله الناس جميعاً من الاغترار بذلك فقال تعالى في سورة (لقمان/31 مصحف/57 نزول):

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}

والغرور : هو الشيطان .

وقال تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}

ثم بين الله تبارك وتعالى أن الكافرين مغرورون بالحياة الدنيا ، فقال لرسوله في سورة (النعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}

وفي موقف الحساب يوم القيامة يخاطب الله الظالمين الكافرين من الجن والإنس ، فيقول لهم كما جاء في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}

وبعد أن يدخلهم الله دار العذاب يخاطبهم بمثل ذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة (الجاثية/45 مصحف/65 نزول):

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ من نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ}.

ولا هم يستعتبون ، أي: لا يقبل منهم توبة ولا استغفار ولا استقالة من ذنوبهم ، فقد مضى زمن التوبة والاستغفار ، وأصل الاستعتاب طلب رفع العتب وطلب حصول الرضا .

وبعد أن يذوقوا عذاب جهنم وتشتد عليهم الآلام فيها ، ينادون أصحاب الجنة يرجونهم أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله ، فيقولون لهم : إن الله حرم الجنة وما فيها على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ، وغرتهم الحياة الدنيا ، ويصف الله هذا المشهد من مشاهد الآخرة فيقول تعالى في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا…}.

About these ads

تفضل بالتعقيب

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s